12.1.14

افتحوا عيونكم على سوريا.. أو تفضلوا تفرجوا


من فيلم "افتحوا عيونكم على سوريا" بالتعاون مع "اليونيسف"
جهينة خالدية
12-1-2014












ماذا يحصل لو فتحنا عيوننا على المأساة السورية؟ ماذا يحصل لو رأينا تلك المجاعة بالصور الفوتوغرافية والأخبار والفيديوهات؟ ماذا يحصل إن بكينا؟ لا بل ماذا يحصل إن أجهشنا في البكاء ورددنا "يا رب لطفك"؟ هل تراهم يا الله؟


عاجزون أمام صورة آلاء المصري. أمام ذلك الجسد الخشبي الذي تبحث عدسة الكاميرا عن ملامح طفلة فيه ولا تجد. تقترب، تبعتد، تهتز علها ترى في جلدها، أو شفتيها أو عينيها أو يديها، ما يوحي بأن هذا الجسد يعود إلى كائن صغير دبت فيه الحياة يوماً. لا فرق كبيراً بين صور آلاء وصور العجزة في المشاهد التالية. كلهم أفواههم مفتوحة إلى السماء بإنتظار كسرة خبز أو مصل أو ماء. كلهم عيونهم جاحظة وكانت آخر ما رأته تفاهة عالم لم يستطيع أن يوصل لهم "كمشة" طحين.


الطفلة الشهيدة آلاء المصري
ليس جسداً حيّاً ذاك الذي حملته المرأة في تقارير نشرات الأخبار. لم تكن آلاء قد استشهدت بعد، لكن لا شيء فيها كان يوحي بأنها على قيد الحياة. غلب الجوع آلاء وقتلها بعدما أصيبت بالجفاف وسوء التغذية، ما أدى إلى قصور كلوي، نتيجة الحصار المفروض على مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في سوريا. تركها كقطعة خشبية قاسية، يعلوها رأس ثقيل. تحركها المرأة أمام الكاميرا وتردد "خليهم حكام العرب يتفرجوا علينا، منشكيهم لله، شوفوا الأطفال، طفلة ما قبلوا يمرروها على الحواجز، تفضلوا هيدي الطفلة، تفرجوا عليها".


والعالم يتفرج. في الواقع هذا كل ما يفعله  العالم. هذا كل ما نفعله، وستشكونا آلاء جميعاً، لا الحكام فقط. آثمون نحن، وأضعف الإيمان أن نعترف بآثامنا، لأن كل ما فعلنا أننا بكينا، واكتأبنا وبتنا نشيح نظرنا عن صور اليرموك لقسوتها، ولأننا كتبنا على جدراننا ونَعينا، ربما تبرعنا ببعض الثياب.. وعدنا إلى حياتنا الطبيعة، بعدما "أرحنا" ضمائرنا. أكملنا حيواتنا، أكلنا وتفرجنا. كلنا شريك في المجاعة..


لا أحد يستطيع أن ينكر أن ناشطين كثيرين يعملون في ملف الإغاثة في الأزمة السورية، منهم من لا يغيث إلا حسابه المصرفي ويزيد أرقامه، ومنهم من يدفع من جيبه الخاص، وربما يخاطر بحياته ليوصل بعض الطعام والثياب.. ونعرف أن برامج عدة تحاول أن تتواصل مع الطرفين المتصارعين لتجد طريقة لكسر الحصار ببضعة أكياس طحين وعبوات الحليب.. لكن أمام كل التقارير العالمية أو الإقليمية أو المحلية التي تفند مساعداتها لسوريا، لا يسعنا إلا أن نقول: لا يهمنا. لا شأن لنا ببرامجكم، نهتم فقط لذلك الوجه الأصفر الذي مات ونحن نجلس أمام الشاشات نتأمله يموت، ببرودة ما كنا نعرف أنها كامنة فينا. نشاهد الفيديوهات المتلاحقة التي يريدنا النظام وميليشياته أن نحفظ جيداً لنرتدع والتي يسعد لخروجها إلى العلن ليقول مجدداً إن هذا مصير من يحاربه.


لن نعرف يوماً رقم آلاء في عداد الشهداء، فالجهة الأولى (الأمم المتحدة) المفترض أن توثق كل هذا الموت تعبت، وقررت أن تتوقف عن العد. ما هذا التخلي يا الله؟ العدّ توقف، والقتل مستمر. كيف؟ العدّ توقف والعدّاد الوحيد الذي يزيد ويزيد هو عدد المشاهدات لفيديوهات القتل والتعذيب والتجويع، لماذا؟ لأننا نتفرج.


un3.png
من فيلم "افتحوا عيونكم على سوريا" بالتعاون مع "اليونيسف"
لأننا نفتح عيوننا على المأساة السورية كما طلب منا الفيديو الذي أطلق قبل أسابيع بالتعاون مع "اليونيسف". الفيديو الذي شارك مجموعة من النجوم والموسيقيين البريطانيين، بينهم سفير "اليونيسيف"، الممثل إيوان ماكريغور، وأطلق تحت عنوان "لا مكان مثل البيت"، يريد أن يلفت أنظار العالم إلى معاناة الأطفال السوريين طالباً دعمهم والتبرع لحملة شراء الثياب الشتوية لهم. فعلاً لا مكان كالبيت للسوريين ولأي لاجئ في العالم.. لكن السوريين اليوم، يريدون السقف ويريدون الثياب ويريدون قبل ذلك بعض الطعام، ويريدون تحركاً دولياً فعلياً لا مجموعة من الفيديوهات المؤثرة التي تُنتج سوريا يومياً أقسى منها، وأكثر واقعية ومأسوية وتأثيراً.


هكذا ونحن نشاهد فيلم الدعم، نفتح عيوننا على هذه المأساة جيداً، نشعر أن "اليونيسف" نفسها وكل المنظمات الدولية التي تحاول أن توعي العالم على الأزمة السورية بفيديوهات وشرائط توعوية.. هي سبب رئيسي لهذه المأساة، وطالما أنها مقصرة في ايجاد الحلول وتأمين الإغاثة، فما عليها إلا أن تتحول إلى جمعية للفنون يمكن أن يكافئها العالم على أفلامها الإنسانية.



تنتهي الموسيقى الحزينة لشريط "اليونيسف"، لكن تبقى جملة الطفلة في "برومو" من انتاج "فجر برس" وهي تكرر "نحنا رح نموت أبقوا اتذكرونا" عالقاً طويلاً في الذهن. ويُجفل صوت المرأة التي تصرخ "نحن عم ناكل أكل البقر، ونحن عم نحوش أكل الحمير عم ننقنص، بدنا جمعية الرفق بالحيوان، لك ما بدنا انسان". ويعود صوت الممثل العالمي ليقول للعالم "افتح عينيك على سوريا"، دعوة لا تختلف كثيراً عن المرأة التي حملت آلاء وهي تعلن "تفضلوا هيدي الطفلة، تفرجوا"، لكن الفرق أن الدعوة الأولى تخرج برعاية منظمة يُفترض أن تحدّ من المأساة، والدعوة الثانية تأتي من شعب يعيشها.. ونحن نتفرج.. ونكتب نص كهذا، الذي نعرف أنه ليس سوى دليل إضافي عن العجز.
المصدر:جهينة خالدية-المدن



1510772_575096712566192_1113971019_n.jpg

"الراس" يحملنا إلى كوكب الفيحاء

مازن السيد

جهينة خالدية
12-12-2013


لا نعرف هذه المدينة، أو ما عدنا نعرفها.
زحمة، متاجر صغيرة، باصات، أناس يتجولون في الشوارع، مشاهد متقطعة للبرتقال فاكهة المدينة ورمزها، صيادون، شباك ومينا.. لا نعرف الكثير عن هذه الطرابلس.. لكن مازن السيد وشباب من جيله وربما أصغر، ما زالوا حتى اليوم يشعرون بنبض الشمال، وإن خفت تحت اللحى، وإن طغى عليه صوت الرصاص.

طرابلس مازن السيد غير تلك التي نراها في الاعلام كل يوم. طرابلس الملتحين والمنع، طرابلس الحرب، طرابلس الموت.. طرابلس الشوارع الفارغة، طرابلس الحياة المكبوتة.. الزميل ومغني الراب الملقب بـ"الراس" لا يرسم لنا طرابلس متخيلة، بل يحكي عن مدينة يقول لـ"المدن" إنها موجودة رغم أنف الصور النمطية المتوحشة عن مدينة ما زلنا نحبها وما زالت تحبنا.
ما يقوله السيد، يغنيه في أغنيته "من كوكب الفيحاء" (كلمات وغناء "الراس" وموسيقى وتصميم ايقاعات لـ"مونما") والتي أطلق أول الأسبوع شريطها المصور.

الأغنية هي ممارسة جديدة لما اعتاد "الراس"، وصديق الطفولة فنان الغرافيتي علي، ممارسته ليصمدا في طرابلس، كما يقول في مقدمة الكليب الذي أخرجه فراس حلاق. عمل هو ممارسة للفن، للغناء، للحرية، للرسم على الجدران.. للتنفس. ممارسة تحويل الواقع والالتفاف عليه ورؤيته بطريقة مختلفة، ليجدا لنفسيهما مكاناً خاصاً، ويثابرا على حب المدينة، فتحبهما في المقابل. يقول السيد: "منذ صغرنا، وقبل أن نعرف معنى السوريالية، كنا "نسريل" حياتنا في طرابلس، ونعطي أبعاداً مختلفة لتفاصيل يومياتنا، وكانت هذه طريقتنا لنحمي أنفسنا من التأثير المباشر من كثير من الأهواء الطاغية على المدينة، وفي الوقت عينه يمنعنا من النفور منها".

"من كوكب الفيحاء" يخاطبنا الراس، ويأخذنا إلى المدينة التي يزورها كما العادة، في "فان" عمومي، يجمع الشماليين من أهواء مختلفة، ويقف هناك أمام رسومات علي، ليذكره بأن هذه المدينة اشتاقت إليه، واشتاقت الى شبابها وأرواحهم. ولتذكرهم بأن في هذه المدينة حرية صامدة، هي نفسها التي حمتهم من أطراف سياسية مختلفة، متناقضة ومتضاربة، وكان لكل منها سطوته على طرابلس: "الحرية اللي حمتنا من حافظ وبشار والحريري والأسير، من قبل التحرير إلى ما بعد 7 أيار 2008". ويحكي بهذا عن طرابلس تحت وطأة الوجود السوري والإسلاميين وتيار المستقبل وإعتداءات مناصري فريق 8 آذار على المدينة في السابع من أيار.

معالم المدينة الأساسية حاضرة في أغنية السيد، لا سيما الميناء الذي يقول الراس إنه "لطالما شكّل البعد السحري لنا منذ نشأتنا في طرابلس، هنا كنا ننجح في الانعزال التام عن كل ما يجري في الشوارع والأزقة".
ونراه يشبه كتلة توليد الكهرباء عند مدخل طرابلس في منطقة البحصاص بشخصية رعد الكرتونية "رعد العملاق الغافي عالبحصاص"، لينتقل إلى اختناق الناس المهمشين في حارة جبل النار، الذي بحثوا عن متنفس خلال أزمة الاساءة الى الرسول، فلم يجدوها إلا في تفجير مطعم الوجبات السريعة: "باب الرمل خال، حارة جبل النار، بركان انفجر فالكاي اف سي طار". ومن الحارة إلى منطقة المكتبات الفقيرة، منطقة السراية العتيقة، بحثاً عن قصص التهميش الاجتماعي وشعور كثير من أبناء المنطقة بعدم الإنتماء إلى الكيان. وصولا إلى "نبض" اقتصاد طرابلس المتمثل بالأكل، (ساخراً من الحركة الوحيدة التي لا تتوقف في مدينة تختنق اقتصادياً): "الحلاب ما تاب، شارك البقار، صار في تمثال جديد، سيخ لحم ضخم ومشاوي عالفحم وصدر كنافة عملاق، تعبيرا عن حب الحياة وحال الوفاق".

طرابلس الراس، كما طرابلس كثير من الطرابلسيين الذين لا نسمع أصواتهم في التقارير الاخبارية اليومية، التي تتذكر الشمال بجولات باب التبانة وجبل محسن، "الحرب التي ورثها ناسها" كما يقول السيد.
لمدينته غنى مازن السيد، وليست هذه أغنيته الأولى لها.. لكنه هذه المرة كمن يتواصل بكلماته أكثر مع الطرابلسيين الذين يقول "إنهم أكثر حيوية من الشباب في بيروت، وما زالوا يملكون رغبة في التفاعل أكثر مع محيطهم وملاحقة هوياتهم وطموحاتهم وأكثر صدقاً من الشباب في بيروت.. هنا حيث الناس صور نمطية عن أهل العاصمة".

لهؤلاء أبناء الطرابلس، يغني الراس هذه الأغنية "هاي الغنية لولاد المدينة بالغربة، بسمة وجوه قلوب حزينة بالغربة هي الغنية لكل اللي حياتهم صعبة وقدروا طلعوا برا حدود جدران العلبة، هاي الغنية للي ساردين باردين بدين أو من غير دين، عقد اجرين فاردين بساطن، انبساطن من راسن زوايا جاردين، ماردين جمع ترميم لمارد مدينة لم تكن، مدينة قد تكون، حرف واحد عليه ضمة وكسرة سكون".
المصدر: جهينة خالدية- المدن

7.1.14

الانترنت ورجال الدين والعقل المشلول





صفحة خامنئي في "فايسبوك"

جهينة خالدية
7-1-2014

السؤال بسيط، والجواب أبسط.
س: هل الكلام في التشات (CHAT) حرام؟ هل الكلام مع ابن خالتي في الانترنت حرام؟ هل الكلام مع الرجال عن طريق الانترنت أو التليفون أو .. حرام؟
ج: بشكل عام التكلم مع الأجنبي ـ سواء كان حضورياً أو عن طريق التلفون أو الانترنت ـ إذا لم يكن بقصد التلذذ والريبة ولا موجباً لترتب المفسدة فلا بأس فيه.
سؤال أرسلته شابة إلى موقع مكتب المرشد الأعلى للنظام الإيراني، آية الله خامنئي علی الانترنت، طالبة فتوى دينية ورأياً فقهياً في محادثتها مع رجل عبر الانترنت. نالت الشابة جواباً شافياً على سؤال بديهي. 

يبدو أن الجواب، على وضوحه وتوفره باللغة العربية على الموقع، لم يكن واضحاً لكثير من المواقع الإلكترونية التي تناقلته معكوساً وأكدت أن "خامنئي أصدر فتوى منع فيها "التشات" بين المرأة والرجل غير المحرم لها، وأرجع هذه الفتوى إلى ما اعتبره "المفاسد الاجتماعية المترتبة على التشات".

يسهل الانترنت الالتباس أو حتى النقل المغلوط لأي معلومة، وطبعا يعتبر هذا العالم الافتراضي بقعة خصبة لكثير من الفتاوى الغريبة والمشوهة والمفبركة.
لكن موضوع الانترنت والدين، لا ينحصر بتاتاً بدقة نقل المعلومة أو الفتوى، بل قد يكون النقاش الأصعب هو في دخول الدين في أبسط تصرفات المرء اليومية التي لا تحتاج إلى الكثير من البحث والتدقيق، ويمكن للمرء أن يقرأ أعجب الأسئلة والفتاوى على مواقع التواصل الإجتماعي أو حتى يسمعها في برامج تلفزيونية وإذاعية.

تتفرع هذه لتتناول مواضيع قد لا يصدق الفرد أن هناك فعلاً من "عطّل" عقله تماماً وتعذر عليه ايجاد الجواب الصحيح لتساؤلات بسيطة، لا تحتاج إلى رجل دين أو فقيه، بل اختار الخضوع بشكل مطلق لرجل الدين الذي من المفترض أن يفتي بأمور ملتبسة على الرعية او المؤمنين. أمور أكثر تعقيداً من مواضيع مثل الاشتراك في مسابقات برامج التلفزيونية، تحريم مشاهدة التلفزيون، تحريم الاختلاء باللابتوب أو بالهاتف الذكي، تحريم خلع الحجاب عبر اتصال "سكايب" بين صديقتين خوفاً من التجسس، تحريم دخول الحمام من دون تلاوة الدعاء والخروج منه من دون دعاء آخر.. الخ.

يُذهل المرء لتفاهة الأسئلة الدينية التي تطغى على البرامج التلفزيونية الدينية، وحتى على المحتوى العربي لمعظم المواقع الدينية المتخصصة، لدرجة يتمنى فيه الفرد لو أن الانترنت لم يخترع ولم يفسح المجال لإطلاق هذه الفتاوى ولم تنتشر هذه المعرفة "الثمينة" جداً لدرجة أن أي خطأ فيها قد يهز الأمة ويهزمها. ومن نافل القول إن الكثير من الفتاوى أطلقت بغطاء ولغايات سياسية، بينها تحريم التظاهر وتحليل التوريث السياسي، وتحريم التصويت لجهة سياسية مغايرة.

طبعاً ليس السائل وحده المسؤول عن هذا العالم الافتراضي الغارق في الإيمان الشكلي والسطحي، بل أيضاً رجل الدين والمؤسسات الإعلامية والمواقع الإلكترونية التي سخّرت التكنولوجيا وعالم التواصل كمساحة للتبشير، وفي أحيان كثيرة شغلت الناس بقضايا ثانوية جداً لا يُفترض أن تأخذ هذا الحيز من يومياتنا وتفكيرنا.

وفي أحيان كثيرة حللّ رجال الدين لأنفسهم ما مُنع عن الآخرين، أهمها حرية التواصل، وإيران في هذه الحالة نموذج بارز، إذ يستخدم خامنئي نفسه مواقع التواصل الإجتماعية الممنوعة في البلاد على عامة الشعب، وذلك بحجة أن المسؤولين ورجال الدين يستخدمون الانترنت والتقنية لخدمة المجتمع ونشر الدعوة بين الناس. 

وطبعاً المنع أيضاً مطبق في كثير من الدول العربية، وإن بصيغ أخرى، إذ تسمح بإستخدام الإنترنت.. لكن تُبقي عين الرقيب ساهرة على كل تغريدة وتعليق، وتعاقب مَن يخرج بها عن المسموح قوله، ومَن يمسّ بالذات الأميرية.. ويحاول كل هؤلاء، في الوقت عينه، تمرير منعهم الانترنت الجزئي أو الكلي بأنه منتج غربي ويسهل التجسس على الأسرار القومية للدول.. لكننا أيضاً نجدهم يحاولون إيجاد توليفة ما بين هذا العالم وما بين رغبتهم في عكس صورتهم كدولة متحضرة وتستطيع تطويع التقنية لغايات وطنية وسياسية وإيمانية خاصة ولنشر أفكارهم وممارساتهم، وقد تكون أكثر الحسابات إثارة للجدل في مواقع التواصل هي تلك العائدة إلى جهات دينية وحركات سياسية متطرفة، أولها طبعا "داعش" والأسير وأمراء الجبهات والحروب.  

هكذا من الغرف المغلقة، ومن قاعات دروس الدين إلى الشاشات وإلى الشبكة الواسعة، أئمة ومشايخ ومرشدات ومرشدين باتوا لا يفارقون الشاشة، وينتشرون في عالم الإنترنت لنصح المؤمنين وتسير حياتهم في ما يفعلون وعما يمتنعون. 
يُسيرون حياتهم كأوصياء وكسلطة لا يمكن تخطيها ويوهمونهم بأنهم وحدهم يملكون الأجوبة الصحيحة والدقيقة، والتي توفر عليهم الوقوع في الخطأ حتى في أصغر أصغر شؤون حياتهم. أوصياء وطالبي شهرة سريعة.. مثلهم كمثل نجوم الغناء الذي يقدمون على إطلاق موقف لافت أو إرتداء ملابس صارخة للفت الأنظار.. كذلك بعض رجال الدين يعمدون إلى إطلاق فتوى نارية تنتشر في الإنترنت بسرعة البرق.. ويصبح اسمهم أشهر من أكبر نجم "بوب" عالمي.

يمارس رجال الدين، وأحياناً الدخلاء على هذا العالم، سطوتهم على "عامة الشعب" عبر الميديا والسوشال ميديا بمنطق غريب. فهم يطبقون فتاواهم وتحريمهم وتحليلهم لأمور الحياة الفعلية والواقعية والملموسة، على تلك الإفتراضية. بل ربما تصبح فتاواهم في الممنوعات على المرأة والفتاة وحتى الرجل، أشد قسوة في العالم الإفتراضي غير الملموس. وكأنهم يخشون من الأعظم فيه ومن أسراره وخفاياه.. فنسمع شيخاً يحرم دخول المرأة إلى الانترنت بالمطلق حتى في سبيل المعرفة، وآخر يحذر من نشر أي صورة، حتى صورة "مستورة" كبروفايل، لأنها تثير نظر الرجل وإضافة إلى ذلك قد يقطع الوجه عبر برنامج "فوتوشوب" ويركبه على مشاهد وأفلام تشجع على "الرذيلة"..! طبعاً يصب هذا في التهويل مما يجهلون، وفي بث الرعب في نفوس الناس من أي انفتاح أو تواصل مع الآخر.. رجلاً كان أم إمرأة، بذريعة "الحرام". 

وبهذا يعكس كثير من رجال الدين دور الإنترنت، ويقطعون أواصر التواصل ويبنون فيها عوائق اسمنتية سميكة، صلبها الفتاوى التي يشكل الخروج عنها، مدخلاً حتمياً إلى النار. ويغلق رجال الدين بهذا دور الانترنت كأحد أبرز منافذ الضرورية والحيوية في الدول القمعية أو في المجتمعات المحافظة، حيث يشكل متنفساً شبه وحيد للتواصل، لتبادل الأفكار، للتعبير عن الرأي.. وطبعاً للحب. 

وما كان في إمكان الكثير من رجال الدين ممارسة سطوتهم هذه، لولا أن خلفهم ناس كثر، يُشلون تفكيرهم ويخضعون لإشارات وفتاوى وأجوبة، لا تحتاج لأكثر من تشغيل عقل منحهم إياه خالقهم وخالق رجال الدين عينهم..

وجود هذه الفئة من رجال الدين في المجتمع وفي الواقع، يجعل وجودهم غير الجديد، على الانترنت وفي الميديا، متوقعاً في هذا العالم الواسع، المتاحة أدواته للجميع، عالم من الطبيعي أن تنعكس فيه المجتمعات كما هي، بتلاوينها كافة. لكن ربما لوجودهم وفتاواهم على الانترنت ايجابية ما تتمثل في إمكان فتح النقاش حول ما ينشرون، ومعارضتهم، وخلق مساحة أوسع للصوت النقدي. الأمر الذي تصعب ممارسته في الحياة الفعلية لما قد يترتب على ذلك من عقوبات أو ضغوطات إجتماعية ودينية. الإنترنت يتسع للجميع، وإن نشر صوت التزمت، فإنه يوصل أيضاً صوت العقل.
المصدر:جهينة خالدية-المدن

ir-ir-(1).png

27.12.13

غريزة السبق

الشهيد محمد الشعار والأصدقاء
جهينة خالدية
27-12-2013

عيونهم مفتوحة، ولا ترف لها جفون. ها هم يتزايدون، ويتجمهرون فوق "صيد" ثمين.
ربما ذعروا من المشهد المروع لكنهم لم يذعنوا، لم يشيحوا النظر إلا بعدما أقدموا على ما تقتضيه اللحظة.
لا، لم يُقدم أي من الفضوليين على تنفيذ المتوقع في موقف كهذا، لم يخلع أي منهم وشاحه أو سترته ليغطي "الصيد".. بل رفعوا كلهم هواتفهم المحمولة، وبحركة آلية شغلوا كاميراتها ونصّبوها فوق ذلك اللحم المحروق وتلك الأوصال المقطعة.. فأمام هؤلاء مشهد "نادر"، لا بد من تأريخه!

وقفوا هناك لثوان طويلة.. قبل أن يتبعثروا بحثاً عن ضحية جديدة لتصويرها.
صيد صورة.. كان هذا هدف كثيرين ممن تجمعوا في نقطة الإنفجار الذي وقع في منطقة "ستاركو" في وسط بيروت وأودى بحياة سبعة ضحايا بينهم الوزير السابق محمد شطح ومرافقه طارق بدر.

هناك من قصد منطقة الإنفجار للمساعدة، وهناك من نزل بغية الفضول وأرشفة فضوله بصور التقطها بهاتفه المحمول. كان هناك العشرات، يتنقلون بين الركام ويمشي أمامهم هاتفهم المشغل طوال الوقت.. خوفاً من أن تهرب من أمام عدسته "قطعة" .. بشرية.
لا إرادياً يعيش كثيرون صحافة المواطن، يطبقون تلك الرغبة في نقل ما يرون، غير مكترثين لحرمة جثة، أو لأي أخلاقيات. إلى أين يأخذ هؤلاء صورهم؟ إلى وسائل الإعلام؟ إلى مواقع التواصل الإجتماعي؟ بماذا تفيد تلك الصور المصلحة العامة؟ أم أنهم يبقونها لأنفسهم في هواتفهم؟ ما الغاية من حفظ صور لجثة في هاتف؟ 

دارة الصور تدور وتكبر ككرة ثلج: هم صوروا.. ومصور محترف لإحدى قنوات التلفاز صورهم يصورون.. ونحن أمام الشاشة عدنا لنلتقط صورة لمشهدهم وهم يخترقون تلك اللحظات الأليمة.. من دون أي حس بالمسؤولية.
أمام كل إنفجار يُفتح النقاش بأخلاقيات أبناء المهنة وتغطية وسائل الإعلام لفاجعة، لكن لا بد أيضاً من نقاش اليوم عن هذا النوع من الصور "الفردية".. ألا يجوز السؤال عن تلك الرغبة الجامحة في التأريخ.. حتى أمام الموت؟

الإفراط في خرق حرمة الضحايا وفي إستعراض الألم لا فائدة له.. ولا ينتج عنه إلا جروح قاسية في ذاكرة عائلة الضحية، وشفقة من المستنكرين.. وتشفي من المغرضين.
لقطات كثيرة نقلت من هواتف المارة المحمولة إلى الشاشات أثبتت ضرورتها، وعرضت زوايا مختلفة للتفجير في لحظاته الأولى.. لكن يبقى مشهد أولئك الشبان المجمدين أمام الجثة المحروقة خال من الإنسانية. وكأنهم رجال آليون تحركهم التكنولوجيا وتحكمهم غريزة السبق.. أي سبق.

ch-3.png
***

ينبش الإعلام الإجتماعي، في وقت قياسي، ما يعجز أي باحث أو صحافي في وسيلة إعلامية كبيرة أو صغيرة على نبشه.
أمامنا على كل الشاشات راحت تعرض صورة لشاب بسترة حمراء ينزف دماً.
الشاب ملقى في وسط الشارع، لا أحد يعرف كيف وصل إلى هنا؟ أين كان منذ قليل؟ إلى أين يتجه؟ ترى أين كان لحظة الإنفجار؟ الأسئلة هذه طرحناها على أنفسنا ونحن نشاهد ضحايا التفجير موزعين في كل الشارع.. أتراهم كانوا يمرون هناك صدفة؟ أم يعيشون في أحد المباني الفارهة؟ أم أنهم يعملون في إحدى المؤسسات القريبة؟

وحدها قصة صاحب السترة الحمراء محمد الشعار عُرفت في وقت قصير بفضل صورة تجمعه ورفاقه الثلاثة ربيع يوسف واحمد المغربي وعمر بكداش، التقطت قبل دقائق من وقوع الإنفجار.
صباح هذا اليوم كان  محمد هناك يبتسم للكاميرا، ولا يعرف أن هذه الابتسامة ستهتز عما قليل.
صورتان جمعتا في واحدة تداولها عشرات من  مستخدمي مواقع التواصل: صورته ورفاقه قبل الانفجار، وتلك التي كان فيها ينزف وحيداً في وسط الشارع. والآن، محمد في حال حرجة في المستشفى، فيما تشير المعلومات إلى إصابة الأصدقاء بجروح متوسطة وطفيفة..

سواء صدقت المعلومات التي تشير إلى أن سيارة الرباعية الدفع الـ"سي أر في" التي تظهر في خلفية صورة الشبان الأربعة، هي السيارة التي حملت المتفجرات، أم لم تصدق.. فإن صورة واحدة كصورة الأصدقاء الباسمين تغيّر الكثير..هناك، في تلك اللحظة، بات للأرشفة اللحظوية معنى وسياق.. معنى لإبتسامات نرجوها دائمة.

***
نسمع اللهاث ولا نرى إلا الركام. هناك من يصور بهاتفه المحمول ويركض بإتجاه مكان الانفجار.
لا يتركنا مصور ذلك الفيديو  نغرق في فضولنا لوقت طويل.. ها هو يدير زاوية الكاميرا ناحية وجهه كإثبات على هوية ملتقط هذه اللحظات الأولى للإنفجار.

يتوقف الشاب أمام سيارة أجرة مرسيدس النوع وبرتقالية اللون. يلتقط صراخ شبان يدعون إلى مساعدة من في السيارة. يتركهم ويمضي، بإتجاه جثة رجل ستيني ملقى وسط الطريق رُجح أنها تعود للوزير شطح، يصوره سريعا ويمضي. يستمر في المشي، يتوقف أمام جثة لشاب مصاب في الرأس ويلبس سترة حمراء. يصوره ويصور أمامه رجلاً يصرخ "ساعدونا، عم تصوروا، ساعدونا".. لا يكترث له.. صوت أحدهم في الخلفية (قد يكون صاحب الفيديو) يجيب معترضاً: "لِك بشو بدنا نساعدك!".

لقطات متتالية يسجلها فيديو الهاتف المحمول، للزجاج المهشم، للنار المشتعلة، للسيارات المحترقة، للدخان المتصاعد.. ويتابع صاحبه تغطيته لحين وصول سيارات الاسعاف وبعدها عناصر الأدلة الجنائية..
بعد وقت قصير يصل الفيديو إلى "قناة الجديد" وتعرضه كخاص بها مع ذكر اسم مصوره جواد غدار. الخراب جُمع في فيديو من دقائق خمس، أطلعنا على اللحظات الأولى للتفجير.. بسبب جهد فردي من مواطن مار قدم لنا سرداً بصرياً للانفجار.. وكان في الفيديو ذلك يقول إنه حاضر أكثر من أي كاميرا محترفة أخرى، أسرع من أي وسيلة إعلامية تقليدية.. ويقول في تصوير وجهه أنه مالك تلك اللقطات الحصرية ووجهه اثباته الأساس.

لكنه في جهده ذلك أيضاً، ليس متحرراً من قيم أخلاقية مفروضة على المواطن كما هي على الصحافي، فغدار خرق في صوره تلك، الكثير من المبادئ وترك الكثير من الجرحى ولحق الصورة والدم الطازج الذي جُمّد في صور، كانت ستخرج عاجلاً أم آجلاً من كاميرات المراقبة في المنطقة. لكن الشاب قرر أن يمنحنا فعل سرعته، وها نحن نشاهد صوره الآن، ونسأل أنفسنا، هل الصورة أهم؟ أم إنقاذ مَن يمكن إنقاذه؟ أم السبق حتى إلى الموت؟
المصدر:جهينة خالدية-المدن

26.12.13

صوِّر.. وثِّق كيف نمحو الدولة


جهينة خالدية
26-11-2014


تلك الأنياب كشفت سريعاً.. كالغريزة. لم يردعها شيء. لم يردعها أحد. كل هؤلاء الذي انقضوا على رياض قبيسي وفريق تلفزيون "الجديد" كانوا يريدون شيئاً واحداً: أن يأكلوه. أن يُمسكوا ذلك الفك ويهشموه، علّ صاحبه يسكت.
تلك الأيادي تتحول إلى قبضات من حديد، تضرب بوقاحة، بلا تردد، أمام الكاميرات.. لا بل تدعوها أن تصوّر.
"صوّر.. صوّر" يقول مُطلِق شرارة الهجوم على الزميل رياض قبيسي وفريق تصوير برنامج "تحت طائلة المسؤولية".

"صوّر.. صوّر".. وثِّق أنه لا يخيفنا شيء. وثّق كيف نمحو الدولة. وثّق كيف ندعس القانون. وثّق كيف نركل. وثّق كيف نضرب الوجوه. كيف نُسكت من يبحث عن أي فساد، مهما كانت طريقته. وثّق كيف ندعم انهيار النظام. وثّق الدرك الذي وصلنا إليه. أننا خائفون من الكلمة. أننا نرتعب من فضح جرائمنا. وثّق أننا شرسون. أننا لا نهاب أحداً. وثّق.. هكذا تكون البرامج الاستقصائية.. صوّر، وثّق،...

هذا الذي يُضرب ويُركل، ويكبله "أزلام" من الحرس، هو إنسان، مواطن ومن ثم صحافي. هو زميل رفع الصوت. زميل أغضبهم. زميل أخرج الشرّ فيهم.. لمجرد أنه وقف هناك، وحمل مكبر الصوت ونادى.
"لبنان بلد الحريات"، هذا الشعار الهزيل، الذي تحسدنا عليه الدول العربية.. وتغرّد له دول الغرب.. ليس سوى بلد دعس الحريات.
ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة. هذا ما أراد صاحب دعوة "صوّر.. صوّر" أن يقوله. أراد أن يُرهب رياض، ويرهب من يُفكر بعده بالتنقيب عن الفساد.. الذي لا يحتاج إلى كثير من التنقيب.

اللكمات، الصفعات، الركلات، الصراخ، السباب، سيل الشتائم، الإهانات، التدافع، هطلت على فريق "الجديد"، هطلت على الإعلام برمته. لكن من أنتم لتعتدوا على الاعلام؟ من أنتم لتعتدوا على أي إنسان؟ من أعطاكم الحق؟ 
"سلبطة".. هذه هي الكلمة الأدق لما جرى اليوم، ولما يجري منذ سنوات طويلة في حق المواطنين وفي حق الصحافيين وفي حق لبنان. "سلبطة" الكلمة المفتاح في لبنان.

هؤلاء الحرس المحشوّون بالإستزلام حد العمى، خنقتهم تلك الكاميرات، خنقهم أن القانون والمحاكمات لم تعد تقوى على إسكات صحافيين يخرقون أسرار الدوائر العامة بحثاً عن حقيقة.. في الواقع، لم يُفكر هؤلاء أصلاً باللجوء إلى القضاء للتعامل مع رياض (إن كان هناك من خطأ مهني)، ومع كل من يحاول أن يفضح (ولو القليل القليل) من منتفعاتهم من الصفقات الكبرى والضخمة التي تجري هناك. كل ما فكر فيه هؤلاء هو الرد بوحشية.. لماذا؟ لأنهم استفزوا!
لا، حتى هذه الجملة الأخيرة ليست صحيحة.. هؤلاء لم يُفكروا أصلا. هؤلاء لا يفكرون.. هؤلاء يتوحشون فقط.

24.12.13

فائض الصورة

جهينة خالدية
نُشر في جريدة المدن الإلكترونية

Screenshot_2013-12-23-20-41-16-1-(1).pngيوماً تلو الآخر تقل مناعتنا على "السوشال ميديوية". كلما ظننا أننا وجدنا ضالتنا التواصلية في موقع أو في موقعين يشبعاننا معلوماتياً وتواصلياً وفضولياً وتعبيرياً، وجدنا موقعاً ثالثاً ورابعاً يزداد إنتشاراً ويشعرنا أننا "مقصرون" في حقه وفي حق قدراتنا التواصلية.

إدماننا "الفايسبوكي"، تغيّر مع ارتفاع أسهم "تويتر" كموقع مباشر، سريع، ولنقل السهل الممتنع. بين الموقعين راح كثير منا ينشر كلماته وتعليقاته ونقده ومدحه وتحياته.. وبقيت لكل منا صلة خاصة بكل موقع دون الآخر. تاه بعضنا لوهلة، ماذا نكتب في "فايسبوك" وماذا نغرد في "تويتر"؟ أنشارك التعليقات نفسها؟ أنلاحق الأشخاص عينهم؟ أيشبعنا كل من الموقعين بالمقدار نفسه خبرياً وإجتماعياً؟



بين الإثنين.. وزعنا أنفسنا، لكن كثيراً منا وجد في مواقع مثل "إنستغرام" و"بينتريست" و"فليكر" ركنه الهادئ.. هناك حيث الصورة هي الآمر الناهي. 
هنا، الصورة لم تعد بألف كلمة. الصورة مكان الكلمة. وحدها من دون أي هاشتاغ (مفتاح) أحياناً أو رابط أو كلمات، تحكي كل شيء. الصورة هي نتاجنا اليومي الذي نُدمنه بفضل أجهزة الهاتف الذكية. وهي مستقبل الإعلام الإجتماعي الذي يعتمد يوما تلو الآخر على الصور ويبتكر مساحات وخدمات تسهل نشرها والتفاعل معها وأرشفتها.



بلا تفكير كثير، نحمل الهاتف، نلتقط الصورة، وننشرها.. ويفعل الأمر عينه ملايين البشر. ويبقى مستوى حرفيتنا وتواصلنا هو الذي يحدد الموقع أو المواقع التي ننشر صورنا عليها، إلا أننا بطريقة أو بأخرى نساهم في هذا الدفق الصوري الهائل الذي يصل في "فايسبوك" وحده إلى 250 مليار صورة، وأكثر 350 مليون صورة يتم مشاركتها يوميا في "سناب تشات"، وأكثر من مليار صورة محفّظة في "إنستغرام".



لكل موقع من المواقع المذكورة أعلاها خاصيته في ما يتعلق بالصورة، لكن "إنستغرام"- الذي يأبى الشريك في تأسيسه كيفين سيستروم أن يصفه بموقع الصور فقط، ويعتبره أرضية خصبة للتواصل-، قد يكون الأكثر إزدهاراً اليوم لا سيما لكثير من العلامات التجارية والمشتغلين في عالم التسويق.. لكنه أيضاً فسحة واسعة جداً لـ"السيلفي" أو الصور التي نلتقطها لأنفسنا، ولنوثق الكثير من لحظات حياتنا.. الكثير لدرجة ربما أكثر مما نحتاج؟ أكثر مما نحب؟ أكثر مما ينبغي؟



في الواقع، تبقى الأسئلة السابقة جائزة ومن دون إجابات موحدة مع عالم ديناميكي، يشغل بال كثير من المتخصصين الذي يحللون كل يوم معاييره وتغييراته وخصوصية الفرد فيه. خصوصية ينقص منها كل يوم جانب، مع انغماسنا أكثر فأكثر في "السوشال ميديا" وضياعنا في مبادئ تضعها إدارات المواقع وتعود لتلتف عليها (راجع أحمد مغربي في المدن: "Selfie وانكشاف الفرد").



ذلك المربع الصغير الذي يتوسط صفحات محركات البحث، كان نافذتنا على عالم الويب ومواقعه ومعلوماته. ولطالما لجأ كثير منا إلى إستخدامه للبحث عن أمور بسيطة، فقط من باب فضول معرفة عدد النتائج التي يمكن أن نحصل عليها.. كأن يكتب أحدهم كلمة "حب" أو "الله" أو حرف "الواو" أو اسم بلده أو اسمه أو اسم شاعره أو نجمه المفضل، وكل ذلك لنرى تلك الأعداد ترصف أمامنا لتشير إلى إحتواء الويب على 30 مليون نتيجة لكلمة "حب" مثلاً، وتم العثور عليها في خلال نصف ثانية!



اليوم، تتوزع محركات البحث عينها في كل مواقع التواصل الإجتماعي، وما إن نطبع الكلمة المفتاح في "إنستغرام" مثلاً، حتى تكر أمامنا مليارات النتائج لصور غريبة، عجيبة، مفيدة، مملة، دالة، بلا أي معنى.. صور لأحذية، لوجوه، لمستحضرات تجميل، لمعالم سياحية، لسيارات، لأطباق، لعائلات، لأضواء، لزينة، لمفرقعات، لغروب الشمس وشروقها.. صور للأب فرنسيس، لإنتخابات، للطفل الملكي، لفياضانات، لجرحى وضحايا في سوريا، لرقصة "الهارلم شايك"، للمغنية الشابة المثيرة للجدل مايلي سايرس، لنيلسون مانديلا.. صور لأي شيء، ولكل شيء.



ونحن بين هذه المليارات نسبح، نتفرج، نشبع فضولنا ونعود لنتوه في فائض الصور الذي يغرقنا لكن في الوقت عينه لا يُشبعنا، كون الكثير من الصور لا يحمل معنى بعينه، أولا يروي قصة أو لا ينقل خبراً، كما نجد في الصور الخبرية في وكالات الأنباء أو وسائل الإعلام.. أو لأنها ببساطة غير منظمة أو مبوبة بتفصيل أكبر..




إذن، يحق للمرء أن يسأل عن جدوى هذا الدفق الصوري؟ هل يغنينا؟ هل يغني المعرفة؟ هل يوثق اللحظة (كل لحظة؟)، هل يخدم المجتمع؟ هل يؤرخ الحاضر ويخدم المستقبل؟ ويحق للمرء أيضاً أن يسأل عن الغاية من عرض أنفسنا بهذا الانفتاح أو التحرر من أي من ضوابط الخصوصية الفردية..



هناك من يتسلى وسط هذه المحيطات الصورية، وهناك من يستفيد ليروج لأفكاره أو يسرق بعضا من أفكار الآخرين أو موضتهم أو أساليب حياتهم.. وهناك مشاريع حللت أن توثيق العالم بصور مليارات المصورين في أصقاعه تساعد في إعادة إنتاج واقع أكثر إقناعا (مشروع مايكروسفت فوتوسينث للصور الثلاثية الأبعاد)..



مؤخراً، قرر الفنان الفرنسي توماس جوليان إنتاج فيلم قصير (1:46) مستخدماً صور 852 شخصاً في "إنستغرام". وفي فيلمه الذي يأخذنا في رحلة إلى باريس، برلين، أميركا، سيدني، يرتب جوليان الدفق، أو لنقل، فوضى إنستغرام، ويجمع عشرات الصور لأناس صوروا أحذيتهم كتدليل على الإنطلاق في نهار طويل ويجول بنا عبر وسائل النقل المختلفة (درجات هوائية، نارية، قطارات، سيارات، طائرات، باصات) في كل العالم.



في فيلم "إنستغرام" راحت الصور تكرج في حركة سريعة وكأنها تعيد نفسها، إنما في الواقع ليست إلا تجميعاً لمئات الصور التي إلتقطتها مجموعات من الأشخاص في الأماكن عينها.. وشكلوا بعد جمعهم فيلماً قصيراً شارك فيه 852 شخصاً التقطوا 852 صورة في أماكن متفرقة وأوقات مختلفة ومن زوايا عديدة. وكأن صورتنا المتخيلة أو حتى المعاشة عن الواقع عينه يعاد إنتاجها تكراراً من وجهات نظر متنوعة.. وكأن جوليان يقول إن كل ذلك الإنهمار الصوري الفوضوي لا معنى له إن لم يُرتب أو يوضع في سياق أعم، وأوضح.. وقد يجوز تطبيق القول نفسه على مليارات الصور الأخرى المنثورة في محركات البحث ومواقع التواصل الإجتماعي.



..وحتى تلك الصور العائلية القديمة المجموعة عشوائياً في ألبومات موزعة في بيوت أفراد العائلة الواحدة.. قد لا تروي كل منها قصة واحدة دقيقة، إلا إذا أعيد جمعها وترتيبها وقص قصتها، وإلا بقيت مبعثرة بصيغة شبيهة جداً بتلك المليارات التائهة في عوالم السوشال ميديا..

25.11.13

ديبلوماسية "يوتيوب"


جهينة خالدية
25-11-2013


لا رسالة رسمية، ولا مذكرة جلب، ولا فتح تحقيق ولا رفع دعوى قضائية ولا استنكار ولا شجب ولا غرف تعذيب ولا هجوم منظماً.. 
لا شيء من هذا صدر عن السفير البريطاني طوم فلتشر، تعليقاً على الرسالة الساخرة واللاذعةالتي وجهها المدون والمعماري اللبناني البريطاني كارل شرو له ولرسالته المفتوحة"العاطفية" و"التوعوية" سياسياً، إلى لبنان لمناسبة عيد استقلاله السبعين.

رسالة شرو وصفت ما كتبه فلتشر بـ"الفوقي" وبانه يتعامل مع لبنان كجمهورية سبعينية "يافعة" مقارنة بِقِدم الدولة البريطانية، مضيفاً: "على الأقل نحن جمهورية ولسنا نظاماً مَلكياً يعود للقرون الوسطى كنظامكم". وسخر من الديموقراطية البريطانية التي تنجب مجلساً غير منتخب، ملمّحاً إلى مجلس اللوردات البريطاني، في حين ينتخب الشعب اللبناني ممثليه. الرسالة هذه كانت بداية هذا "التفاعل" الإلكتروني الإجتماعي بين ديبلوماسي غربي ومدوّن لبناني.. أو لنقل بداية لتبادل الأدوار بين الناقد والمُنتقد، الساخر والأكثر سخرية.

السخرية اللاذعة التي كتبها شرو، لم تفتح عليه ناراً كان يمكن توقعها من الكثير من سفارات العالم، لا سيما السفارات العربية.. إلا أن فلتشر قرر الجلوس أمام كاميرا فيديو (على الأرجح كاميرا هاتفه الجوال أو حاسوبه الشخصي) ليسجّل رداً نشره عبر "يويتوب" يتوعد فيه لشرو، وقال فيه بنبرة جدية: "رسالة شرو لا تسخر من بريطانيا العظمى فقط، بل مني شخصياً. من غير المقبول أو المحتمل أن أسمح بأن يصفني شاب اسمه شرو بأني نيو- امبريالي، استعماري، واستشراقي.. لا بد من وضع حد لكذبة كهذه، وبناء عليه: لن يعلق سفراء الملكة على أي من المسائل في البلدان التي يخدمون فيها، وقد تبين لنا أن حرية الرأي فكرة سيئة للغاية. وحرس الملكة سيطرقون بابه قريباً".

الرد القاسي هذا، اختتم بجملة واحدة: في الواقع، لن أطبق أياً مما ذكرت. فبريطانيا نفسها تحتاج إلى المزيد من السخرية، والشرق الأوسط بدوره، يحتاج إلى بعض منها أيضاً.
رد مرح، ساخر، وذكي من سفير يعرف جيداً كيف يستفيد من الأدوات الأبرز للعلاقات العامة وتلمييع الصورة، أي صورة: وسائل التواصل الإجتماعي.

sharro.png
فلتشر يعلن عن رده المسجل على حسابه في "تويتر"

الرد بالفيديو، والذي اعتبره كثيرون "نقلة نوعية في العلاقات الديبلوماسية"، وبالأحرى "إلغاء للحواجز والبروتكولات، كان في الواقع فعلاً ديبلوماسياً بإمتياز، إذ نجح فلتشر بحنكة ومرونة فائقة في جذب الأنظار من شرو، ونقده. خرج إلى الجمهور بـ"عفوية"، وبرسالة متلبّسة ثوب السخرية لكنها في الوقت عينه مسبوكة، وغايتها الأساسية التباهي بحرية الرأي التي تتيحها بلاده.

لكن هذا ليس كل شيء، إذ أفرج هذا التفاعل عن وجه لبناني وعربي معروف: المَلَكية أكثر من الملك. إذ في اللحظة التي نشر فيها شرو تدوينته الساخرة، "انهالت عليه المستنكرة لإنتقاد بريطانيا والسفير (اللطيف والمرح)، من دون أن يتبادر إلى ذهن كثيرين أن النص ساخر وليس جدياً، ويسخر من لبنان ونظامه قبل أن يكون ساخراً من بريطانيا"، يقول شرو لـ"المدن"، "في حين فهم السفير نفسه مضمون التدوينة، وهضمها وعرف كيف يرد عليها بطريقته الخاصة".

الطريقة الفلتشيرية الخاصة، بحسب شرو، لا تأتي من "عدم"، أو لنقل انها ليست من "بنات أفكار" السفير وحده، إذ "يأتي هذا الهوس والاهتمام الزائد بصورة بريطانيا في عيون العالم كله، والاندفاع الدائم لتنقيح ولملمة أي نقد يوجه لها (جدياً كان أم ساخراً) للتخفيف من انعكاسات الضياع في السياسة البريطانية في العالم وفي الشرق الأوسط تحديداً"، على حد تعبير شرو.

بهذا المعنى تعتبر كل حركة "ميدياوية"، وكل تواصل "تويتري" و"فايسبوكي"، منذورة لخدمة الصورة المتكاملة عن الدولة العظمى مصدّرة الديموقراطية للعالم، والرائدة في مجال حريات الرأي والتعبير. هذا النشاط الترويجي والتلميعي ينطبق، وفقاً لشرو، على الغرب كله والذي يسعى من خلاله إلى تغطية ضياعه في شأن الكثير من ثوابته، وترميم الفوضى في أهدافه الاستراتيجية، وفي مواقف دول الغرب إزاء الكثير من القضايا والأحداث العالمية، وهو ما رأيناه بوضوح في مواقفها من الأزمة السورية". ويذكّر شرو: "لم تكن هذه الدولة العظمى لتهتم يوماً بنقد لاذع في الإعلام، في الكتب، في المدونات وغيرها، ولو أن ما كتبته، أو ما انتقده غيري، حصل منذ عشرين سنة مثلاً، ما كان التفت إليه أي سفير.. وما كان اهتم له ولا حتى بالرد عليه بسخرية أيضاً". 

لكن في المقابل، أدبيات الديبلوماسية المعاصرة، التي كشف عنها فلتشر، وبغض النظر عن مضمونها، بعيدة جداً من أداء الغالبية الساحقة من السياسيين في العالم العربي، الذين يتعاملون مع مواقع التواصل الإجتماعية كمساحات لفرد المزيد من سطوتهم على جمهورهم، ولنثر آرائهم السياسية هنا وهناك، من دون أي تواصل فعلي مع آلام ومآسي جمهورهم. فمواقع التواصل في العالم العربي ليست سوى إنعكاس للعلاقات بين الزعماء وجمهورها في العالم الحقيقي: رأي ولا رأي آخر، تقديس، تأليه، معارك وقطع طرقات لمن ينتقد ومشانق بالجملة لأي محاولات للسخرية.. بحجة الدفاع عن "الرموز الوطنية".

karl.png
شرو يرد على فلتشر

الجلبة التي تثار مع كل تقليد لشخصية السيد حسن نصر الله في برنامج كوميدي، حتى لو كان مقلَداً كضيف في مقابلة، والضجة التي تفتعل مع أي انتقاد لرجل دين (البطريرك بشارة الراعي مثلاً) لا تدل سوى إلى ذلك الخوف العميق من السخرية كيفما جاءت.

ربح شرو بإثارة الجدل حول مقالته الساخرة، وربح السفير في استغلال فرصة ذهبية "عصرية" لتلميع صورة بلاده، وكسب نقاط لصالحه على الصعيدين الشخصي والديبلوماسي، وربحنا نحن كجمهور في مواقع التواصل الإجتماعي مبارزة تفاعلية نادرة، قيمتها الفعلية في الشكل أكثر مما هي في المضمون. ويمكن للذكريات الأليمة للوجود السوري في لبنان أن تساعدنا في تخيل شكل هذه المبارزة في ما لو كتب شرو نقده هذا عن سوريا أو أجهزة مخابراتها آنذاك، أو حتى سفيرها الحالي اليوم.. ولنا أيضاً أن نتخيل كم ذات أميرية كانت لتشعر بالإهانة..


28.8.13

إحكي يا يُمنى

جهينة خالدية
22-8-2013
عمل الفنان وسام الجزائري

لغاز السارين صوت غريب. كصوت الأشباح. يخرج من  فيديو يُمنى وكأنه يخرج من بئر عميق، سحيق..
عند الثانية من صباح الأربعاء.. بلعت هذه الطفلة شبحاً.
جاءها مع الغاز ونام في معدتها. رأت يُمنى الموت. ومن بعده لم تعد ترى أي شيء. في نسخة الفيديو الأطول لرعب الفتاة، (دقيقة ونصف).. لا نسمع صوت يُمنى، لا نسمع إلا صوتاً خاوياً، جافاً، يخرج كالهدير. نرتجف ونحن ننصت بعجز لذلك الوحش الذي أكلها منذ قليل وها هي ترجوه أن يتركها "عايشة".
الشبح في داخل يُمنى حكى، وكل ما شاهدنا الفيديو يعود ليحكي أكثر. يحكي عن الساعات السوداء التي شهدتها يُمنى ونجت لتنقل لنا بعضا من هول ما رأت، ومع هذا قد لا نعرف يوماً ماذا عاشت. كيف تسلل الغاز إلى أفراد عائلتها واحداً تلو الآخر.. كيف سقطوا؟ كم من الوقت مرّ قبل أن تتقطع أنفاسهم؟ كم مرة نادت أمها؟ كم مرة كمّمت فمها وأنفها بيديها علها تتغلب على الإختناق؟ كم مرة صلّت؟
ماذا قُلتِ يا يُمنى؟ يا الله؟ أناجيته يا يُمنى؟
**


لولا تلك الدقيقة والثواني الـ20 للفيديو... لولا ذلك الهلع، لما كانت المجزرة التي بالكاد هزت العالم.. لتهزّ أحداً. خوفك يا يمنى.. وثق المجزرة. سامحينا لكن ذلك الشريط قال الكثير. حكى عن أكثر من سنتين من القتل، ويحكي عن سنين ومجازر مقبلة قد لا يحظى ضحاياها بصوت. وقد حظينا الآن بصوتك. أنت خلافاً لتلك الجثث البيضاء الساكنة..حكيتِ. وأنت خنقتنا.. وأبكيتنا وأيقظتِ من تجمد منا. 
لولا كلماتك يا يمنى لظننا أن ما حصل لم يحصل. لظننا أنكم نيام. أيموت الناس بهذا الهدوء؟ أين المجزرة؟ لكننا لم نر الدماء. نريد ان نرى الدماء. نحتاجها أن تتدفق شلالات عبر الشاشات لنصدقكم. نحتاج إلى الفيديوهات التي "إعتدنا". نحن مصاصو الدماء. نمتص موتكم بعيوننا.. بمشاعرنا. نمتص دماءكم ببرودتنا.. بمللنا من موتكم وأخبار موتكم كل يوم كل يوم.
وفي هذا اليوم الحزين، تنامون جماعة هكذا بوجوه بيضاء أكثر منها صفراء أو زرقاء. ما هذا الموت؟ أين أشلاؤكم وأين أمعاؤكم وأدمغتكم؟ لا تشبعنا هذه المجازر ولا تكفي الشاشات ولا "ترتقي" إلى معايير "الثورات". كل أطرافكم سليمة وكل عيونكم في أمكنتها وقلوبكم لم تؤكل.
وأين الكيماوي؟ أتكذبون؟ هل تعرفون ماذا يفعل الكيماوي؟ إسألوا الناس، قوموا وإسألوا الناس.. كلهم باتوا، بعد المجزرة، يعرفون. الكرة الآرضية كلها باتت خبيرة بالغازات السامة، وها هي الآن فوق جثثكم تناقش أصناف وقوة الأسلحة الكيميائية.
الآن فوق جثثكم، موعد مساءلة إثباتاتكم. كيف تموتون بلا أدلة؟ 
الصورة لا تكفي ولا الأكفان تكفي ولا الأرقام ولا الطوابير النائمة تكفي.
إحكي يا يمنى.  أنت أمل ضئيل. قولي يا يمنى.. ماذا جرى؟ أنت "عايشة" قولي.. 
***
لا لا نريد الدماء. لا نريد تلك الدماء التي سالت من أجساد أطفال قانا والشياح. تلك التي صورها العالم وأبكته.. تلك التي قلبتُها مراراً وحفظتها في الوكالات واحتفظت بإعداد الصحف التي نشرتها.. في حين كان النقاش حامياً حول اخلاقيات النشر من عدمه. تلك نظرتُ اليها عشرات المرات من دون خوف، لأني لم أملك أي شيء آخر أفعله أمام كل ذلك القتل.
لقد متّم.. ونحن الآن من المفترض أن نخاف من صوركم؟ نخاف مماذا؟ نخاف على ماذا؟ على مشاعرنا؟ على عائلاتنا؟ نخاف من الكوابيس؟ يا ليتها كانت كوابيس التي جاءتكم. فلتنشر صوركم.. هل من أخلاقيات إعلامية لنشر صوركم؟ أيجدر بنا الخوف على معنويات أو مشاعر أحد، من مشهد 1300 جسد مستلقٍ ونائم "بهدوء"؟ هذه المرة، الصورة عليها أن تنشر وتحكي. هناك حرمة للموت، لكن تلك الأكفان المصفوفة بالمئات، عليها أن تُنشر. هذه المرة لا متاجرة بصوركم. وفي الواقع، حتى القنوات والفضائيات التي عادة ما تستثمر موتكم، وتتقن "الكلوز آب" على جثثكم ووجوههكم، كانت هذه المرة منشغلة بمعارك أخرى، وتتقاتل على نشر روايتها لمعارك السلطة والدم أيضاً في مصر.
وجه يُمنى لا يشبه وجه أي طفل. عيناها فارغتان وكأن ساعات الليل الأليم حلت فيهما ولن تخرج أبدا.. تفتح فمها لتصرخ.. تشد عسى ذلك الغاز الذي بلعته يخرج.. تشد لسانها وتمسحه وكأنها كادت منذ قليل أن تبلعه.
أشاهد الفيديو مرة، اثنتين، ثلاثة، عشرة. أستعين بسماعات ليدخل صوت يمنى في أذني. الكثير فيّ كان يحلم بأن يسمع صوت الروح في ذلك الصوت. الكثير فيّ كان يريد أن يرى بعض الأمل في هاتين العينين، العاجزتين حد الشلل.. أشاهد الفيديو، وأشعر بأن أطرافي مشلولة، وكل ما أريده هو أن أتألم ولو لثانية مع تلك الطفلة..
أن نتألم معكم أقل ما يمكن. أقل ما يمكن.
الرقم كبير. الموت جماعي. الموت الذي أبكانا على ثلاثين روحاً في الرويس، ولأرواح زُهقت في اشتباكات متقطعة في بيروت، جاء جماعياً في سوريا. الموت الذي حلّ في ساعات، ونفذتها خمس صواريخ في الغوطة ودومة وسقبا.. أخذ معه 1300 روحاً.
كمُّ الموت هذا سجلته إسرائيل في عدوانها الهمجي على لبنان في 2006، بعد 33 يوماً من القصف المتواصل.
***


نشعر بالعجز يا تلك الروح الموجوعة. خلف مكاتبنا أو في المقاهي أو في الاعتصامات، نكتب المراثي، نذرف الدمع أو نضيء شمعة. أن نضيء شمعة لأكثر من ألف شهيد.. يعني أننا عاجزون. أن نضيء شمعة يعني أننا لا نملك أي شيء آخر نفعله.. لن نستطيع أن نشتري لهم حياة. لن نفهم يوما الصفقات. لن نعرف بماذا ماتوا؟ بالغاز؟ بالصدمة؟ بالهلع؟ من الصراخ؟
الموت ليس أن تقتل 1300 شهيد، بل أن تترك خلفهم عشرات الملايين عاجزين. لا ضير إذاً في أن نشاهد الفيديوهات عشرات المرات.. بعض الألم يخفف بعض الذنب. أما ذنب أننا أحياء وهم لا.. فلن يخرج منا أبدا، مثلما لن يخرج ذلك الوحش من قلب يُمنى.. "العايشة العايشة العايشة".
***


كلكم رحلتم في فجر واحد. إذاً من بقي ولمن يثورون الآن؟
متّم كلكم، والمذيعة في استديو واحدة من أكبر الفضائيات العربي تُذكر الناشطة الإعلامية التي توجه صرخة للعالم: أرجوك قولي لنا إن كان هناك المزيد من الضحايا. نريد معلومات.. الوقت ضيق الوقت ضيق. كأننا نريد المزيد. .المزيد من كل شيء. مزيد من الموت. لم نعد نشبع. حتى في الموت نحن جشعون وليس فقط في الحياة. فالوقت ضيق. الوقت ضيق. على ماذا الوقت ضيق؟
المصدر:جهينة خالدية-المدن

11.8.13

نصري عكاوي

جهينة خالدية
الإثنين 11-8-2013

على ورقة مربعة لا يتعدى حجمها مساحة الكف، كُتب إسمي وإسم عائلتي مرفقاً بمعلومات شخصية عني.

في الورقة تفاصيل حول استمارات ووصفات طبية تخصني، وأرقام كثيرة للمعاملة وتاريخ تقديمها وتاريخ إستلام المبلغ المستحق بعد عام كامل. معلومات أساسية، لم أتوقف عندها كثيراً.

الورقة المربعة على مكتبي، عليها أن تنتظر عاماً كاملاً، لأعود وأتقدم بها إلى الضمان الإجتماعي لأتقاضى تعويضي عن بضعة أدوية احتجت إلى تناولها يوماً. صفة واحدة مكتوبة وسط الورقة، تلتقطها عيناي كلما التفتُّ: أجير عادي.

توصيف لموقعي في المؤسسة، يترتب عليه نوع الضمان الصحي الذي أتلقاه.. أنا أجير عادي.

أكتسب هذه الصفة من كوني أكسب الأجر. لا "عيب" في الصفة الإجرائية. أفترض أنها تحميني من "الأعظم"، إن أتى في بلد العجائب الذي لا يعرف إلا "الأعظم". لكني، لسبب ما، لا أمنع نفسي من كره هذه الصفة التي وإن كانت "تضمنني"، تشعرني بالتبعية التي لا مفر منها. هو كره للصفة ربما، أو للعيوب التي تشوب تنفيذ حقي بموجبها، وبموجب نظام الضمان الإجتماعي في لبنان.

أكره صفة الأجير أكثر، وأنا أفكر طوال عطلة نهاية الأسبوع، في نهاية زميل لم نسمع، كجيل شاب، باسمه يوماً: نصري عكاوي.

ماذا/أو من كان نصري قبل أن ينتحر؟ أجير عادي أيضاً؟ أجير لم يحمه أي نوع من ضمان الشيخوخة ولا التأمين الصحي. أجير لم ولن تتذكره نقابة المحررين، التي ارتبطت بشخص وأغلقت أبوابها في وجوه أجيال من الصحافيين، ولم تُفدهم بأي خدمة عندما انتسبوا اليها. نقابة، لم تخرج من سبعينات القرن الماضي. 

كان نصري صحافياً، قرأنا خبر وفاته في صحف انتقدت من لم يُعزِّ به ولم يسأل عنه قبل الوفاة ولا بعدها.
مات نصري لأنه مواطن في لبنان أولاً، قد يطاله الضمان والتأمين الصحيين بالحظ، أو بعد استنزاف مهني يطول سنوات.
إنتحر نصري لأنه صحافي، في بلد بارع جداً في الإدعاء، وذي مخيلة خصبة ومنافقة في وصف الصحافة وحالها وحال أبنائها وحرياتها ومستواها المهني.

خبر عكاوي يُمكن أن يختصر بكلمات قليلة: إنتحر الصحافي نصري عكاوي عن عمر 67 سنة في لبنان، البلد الذي يتحدث عن الحريات الصحافية كما يغني للوحدة الوطنية. بلد يسقط في معظم التقارير العالمية عن الحريات، ويعجز منذ نشأته عن شم نسيم تلك الوحدة المنسية.

انتحار نصري عكاوي أكثر من جرس إنذار يحذر من تدني معايير الحياة الآمنة في لبنان، بل هو أشبه بإشعار كُتب بالخط العريض، عن مهنة تستنزف العاملين فيها حتى الثانية الأخيرة من حياتهم.. الثانية، التي بات المرء لشدة اليأس ينشد اقترابها، أو يحددها بنفسه.

وموته تذكير جديد بحال هذه المهنة التي تُكتب يومياً عشرات المقالات عن نهايتها، أو الأزمة التي تلم بالصحف الورقية منها أساساً. مقالات ترثي المهنة، ومعاييرها ومستواها ومصداقيتها، وتمويلها الذي يُعلن بعضه، فيما تُبقيه مؤسسات أخرى طي الكتمان كسباً لجمهور من لون واحد، أو كسباً لمصادر تمويل متضاربة. تمويل تعرقل وصوله أو استمرار تدفقه في المؤسسات التي عمل فيها عكاوي.. فأغلقت أبوابها، وأغلق هو على نفسه الباب، منتظراً رزقاً لن يأتي. إنتظر الصحافي، بعد عقود من العمل في المهنة التي لا تحمي ظهر أحد، أن يكتب و"يبيع" على القطعة، لئلا يموت من الجوع.

توصيف البيع بالقطعة، ليس تجريحاً في أي صحافي، شاباً كان أو مخضرماً، يتلقى مبلغاً مالياً مقابل مقالاته التي يضطر إلى نشرها في مؤسسات عدة. بل هو توصيف ناقد لمن يدفع "ثمن" هذه "القطعة" (المقالة)، والمبلغ الذي يدفعه، في بلدان لا تحترم المتعاقدين أو "الفري لانسرز" الذين تعتمد عليهم الصحافة في بلدان العالم المتقدمة، وتضمن حقوقهم المعنوية والمادية.

بضمير مرتاح، يصحّ التجريح في من حوّل الصحافة والكتابة في الصحف إلى عمل "تسول"، أجبر عليه كل صحافي مبتدئ أو شاب وأحياناً المخضرم.. "شحادة" هو التعريف الأدق لساعات من العمل والكتابة يقضيها الصحافيون لصقل مقالة، ولينالوا بعدها مبلغاً زهيداً يجمعه نادل في مطعم من الإكراميات في اليوم الواحد، من خارج راتبه الأساسي. "شحادة" هو التعريف الذي نعرفه كلنا، سواء كذبنا على أنفسنا أم شكرنا من ينشر لنا "قطعة"، ومن دفع لنا بعد سنوات من التدرب في المؤسسة نصف الحد الأدنى للأجور..

وحده أستاذ في المهنة، وصحافي عريق ونظيف فيها، وجد التوصيف "الأجمل" والأكثر مهنية لهذا الإستنزاف بين رب العمل والصحافي، فقال: رخّصوا المهنة.

أما عكاوي، فرثى الصحافة على طريقته، بصق على واقعنا المرير الذي جعلها مهنة بلا أي رسالة أو هدف. مهنة تخيّر العاملين فيها بين الجوع أو الإستزلام. بين الفقر أو "القبض من برا لبرا". 

ما نفع الكلمة الحرة والقلم الصادق إن لم يكن صاحبهما قادراً على حفظ كرامته؟ ما نفع تلك المقالات الناقدة للسياسات الإجتماعية والفقر المدقع ومشاكل النقابات إن لم يستطع كاتبها نفسه، النجاة منها؟ وما نفع كل التحقيقات الإجتماعية المنشورة في المؤسسات الإعلامية، التي تظلم بدورها موظفيها؟ 

لا نعرف الكثير عن عكاوي. يكفينا أن نعرف أنه مات فقيراً في مهنة الشعارات الرنانة المستهلكة حد القتل. مهنة "الإنتصار للحق" و"منبر الرأي الحر" و"لغة الشعوب" و"مرآة الشعوب" و"المهنة الرسالة". هكذا كتب عكاوي الرسالة بنهاية خافتة، لم تصدح حتى بعد موته. قتل الرجل نفسه في منزله، لا في تغطية الحروب، أو وسط أحداث عنيفة أو لنقل خبر. لم ينشد "ميتة" تهلل لها الصحافة، وتستثمرها وسيلته الإعلامية وتتقاضى ثمنها دعايات مجانية "كأم الصبي". ببساطة، وبألم، وقرف من حياة خنقته مادياً ومعنوياً وأخلاقياً.. انتحر الرجل الستيني. ذكّر من نسي، أن الصحافي، وسط الهالة التي ترافق مهنته، ووسط "البرستيج" الذي يختار البعض التماهي معه، ووسط التبجيل لقلمه أو الشتم لموقفه، هو إنسان يجوع، يمرض، يفقر، يشيخ، يتعب، يستنزف، يموت ببطء أو بسرعة.. أو ينتحر في لحظة.
المصدر: جهينة خالدية-المدن

17.7.13

وحدنا مع باسم يوسف

جهينة خالدية
السبت 13-7-2013


كان باسم يوسف وحده في برنامج "أنا والعسل" مساء الخميس، مع حضور بين الفينة والأخرى لمقدمه نيشان، ليسأل أسئلة في غير محلها. وفي الواقع، ما كان الرجل يحتاج إلى أي أسئلة، ليسرد أفكاره المرتبة، الممنهجة والدقيقة.

يمكن للحديث أن يطول عن هوية المقدم، الذي بدا غارقاً في حضوره الكليشيه، وابتساماته غير المبتسمة لفكاهة باسم التي لا تضاهى، وفي جلسته المصطنعة مقيدة ببذلته الخانقة. إنما في الواقع، الهوة بين الضيف والمضيف أعمق بكثير من الشكل الخارجي، وخفة حضور أحدهما مقابل ثقل الآخر. الإختلاف الأساسي كان في مستوى مضمون ما قيل في الحلقة على الطاولة بين الإثنين. ويصعب وصف ما دار في "أنا والعسل" على أنه حوار بين طرفين. ما سمعناه مساء الخميس، كان سيلاً من الآراء الإنسانية، السياسية العميقة والمنطقية والتي راحت تنهمر على المضيف، من دون أن يفقهها، ومن دون أي قدرة على تلقفها أو مناقشتها.
  
في "أنا والعسل" شاهدنا وسمعنا باسم يوسف، وباسم يوسف وحده، وهي فرصة لا يمكن إلا أن نشكر البرنامج على إفساحها لنا، وإن كان الضيف يستحق حواراً شيقاً أكثر بكثير. إلا انها تبقى فرصة أن نستمع إلى رجل هدفه الأساسي هو زيادة الاهتمام بالسياسة إنما بالطريقة مختلفة، وهو تحقق بنظر الملايين عندما عزل المصريون الرئيس محمد مرسي.
 
بغض النظر عن التفاوت بين مستويي ركني الحلقة، فإن يوسف رسم الخميس تعريفاً مغايراً للإعلامي في العالم العربي. دماثة الرجل، وتواضعه، وكاريزماه ودهاؤه.. يمكن أن يقزم أسطولاً من الإعلاميين الذين لم يحققوا نصف شهرة يوسف ويتخطونه بغرور غير محتمل. أما هو الذي ينتظره 30 مليون مشاهد كل أسبوع، فبدا راضياً ببضعة ملايين. بل حين قال له نيشان إن الكل يتكلم عنك، بمن فيهم محمد حسنين هيكل.. رد يوسف: "هم بيتكلموا لأننا شيء جديد، بكرا يخف الإهتمام، المهم الإستمرار".
 
وفي حين تساءل المقدم عن عدم "استغلاله" اللحظة الحامية في مصر وبث حلقة ستزيد من نجوميته (وإن كان نيشان وضع سؤاله في قالب الواجب المهني الذي يفرض على إعلامي كباسم أن يخاطب الناس)، وضع يوسف جانباً كل شهرته وكرر أكثر من مرة: "أنا إنسان بالدرجة الأولى، ولم أجد الوقت مناسباً للسخرية، حتى لو كنا نحتفل بعزل مرسي، ما كان ممكناً غض النظر عن الدماء المهدورة".
 
في أكثر من مناسبة، لم يتوان يوسف عن التدقيق في توصيفات نيشان لأحداث أو أمور معينة. كأن يعترض يوسف على إغلاق القنوات الدينية، فيرد نيشان بأنه "إقصاء"، ويدقق يوسف: "هم مش لازم يختفوا بأي طريقة، سنتكلم لاحقاً إن كان هذا يعتبر إقصاء أم لا". رسم الخط الدقيق الفاصل بين الإسلام والإسلام السياسي، وقدرة الإسلاميين على توظيف الإسلام لتشويه سمعة وموقع حياة من يعادونهم، أو يرفضونهم، بل وقدرتهم على هدر دمهم.
 
وفي ظل الأحداث الحامية في مصر منذ 30 يونيو حتى اليوم، وما رافق ذلك من تهييج إعلامي من كل الأطراف، ما كان متوقعاً من باسم أن ينتقد الإعلام الذي يُعتبر أنه ينتمي إليه، أي الإعلام الليبرالي الخاص، لا سيما فيما تتوجه الأنظار إلى القنوات الدينية التحريضية وتهلل فرحاً لإقفالها. أطل يوسف ليقول بعلانية وبجدية "هناك تحريض وعدم مهنية في القنوات الخاصة"، رافضاً تحويل ما اعتبره البعض انتصاراً على طرف سياسي، إلى "شماتة وعنصرية مقيتة غير مبررة". استطاع يوسف أن يميز نفسه من بين صف من نخبة الإعلاميين المصريين الذين غرقوا في الأيام الأخيرة في خطاب تحريضي، هائج، تمييزي لم تشهده مصر من قبل، وها هو يخرج عن إعلاميين لهم "وزنهم" في الشارع المصري وتأثيرهم كبير عليه.
 
أما الحس الإنساني والسياسي لباسم يوسف فتجلى تماماً في رفضه قلب الأدوار بين طرفي الأزمة في مصر، ورفضه ممارسة الإعلام الإقصاء والتعالي على الإسلاميين كما كان هؤلاء الأخيرون يفعلون في حقهم منذ فترة قصيرة جداً.
 
الرجل الذكي، صاحب الأجوبة البسيطة لم يسقط في الكليشيه الإعلامي الذي يغازل شعب البلد المضيف، فعلى الرغم من تعبيره عن حب لبنان وشعبه، إلا أنه لم يغازل "صمودنا" ورغبتنا الدائمة في الحياة كما يفعل الجميع، بل كرر "أنا مبهور باكمالكم الحياة بعد إنفجار، بس أنا مش عايز ده يحصل عندنا. مش عايز الموت يبقى شيء عادي نبلعه".
 
كُتب الكثير عن باسم يوسف، وسيُكتب أكثر عن رجل يستحق أن نندهش أمام عفويته بالدرجة الأولى. وبعد الحلقة الحوارية المباشرة الأولى له، بتنا مطئنين أنه في حال عدم استمرارية برنامجه بأسلوب ساخر، فنحن ننتظر يوسف في برنامج "جدّي"، سياسي، إجتماعي لن يكون أقل جماهيرية من برنامجه الناقد اللاذع.