25.1.06

عن نصري الصايغ وطائفة اللاطائفة التي تحمل الرقم 20

نُشر في جريدة السفير
جهينة خالدية
25-1-2006
قرر خلع جلد طائفته والاحتفاظ بها لنفسه. جال في أرجاء كتاباته وقناعاته ومشاعره. هو الفلسطيني الذي لا يشبهه أحد واللبناني اللاطائفي، وبالتالي الذين يشبهونه قلة. وهذه الجملة السابقة، كفيلة بجعل أنفاسك تنقطع مرتين متتاليتين، فاللبناني العلماني شاذ دائم عن نظام قائم. فكيف اذا جاهر برفضه لتدفق الدين في السياسة بشكل مسهب، علني وشرعي! هو الكاتب والصحافي نصري الصايغ، العلماني الذي يشن حرباً على العلمانيين وينتقد أخطاءهم، والذي يحلم بأن يمسي ابن الطائفة رقم 20: طائفة اللاطائفة!نصري الصايغ مقتنع أن لبنان يتسع للجميع، للطائفي والعلماني، لذلك نزع عن أفكاره النظريات العلمانية، بعدما طفح كيله منها وقرر أن يعترف بالنظام الطائفي شرط اعترافه به بالمقابل. لا سيما وأنه يشير الى أن <<معظم اللبنانيين يرى أن الاصطفاف الطائفي انتماء، وحماية، ومتراساً. فالأغلبية اعتادت الوراثة السياسية. تحضر حفلات التتويج والتطويب والباس العباءة السياسية، عند شغور المنصب، الرتبة، النيابة أو الزعامة. اختارت هذه الأغلبيات المتناقضة، الفراش الزوجي لينتخب عنها. فمعظم السياسيين في لبنان، وُلدوا، وملاعق السلطة في أفواههم، فأكلونا. ومن لم تلده أمه سياسياً، استولدته الأجهزة، وصار تقليداً>>. طائفة العلمانيين تجده يجلس أمامك، بحماسته وابتسامة خفيفة يرسمها بين الحين والأخر، يمد ساعديه على مكتبه أمامه، يبسط كفيه ليتلاقيا بشكل زاوية مثلث، ويقول: <<هذه جدران الطوائف اللبنانية>>، ويكمل رسم خطين آخرين ليشكل مربعاً <<في لبنان أربع كتل سياسية، تمثل الطوائف تمثيلا ممتازا. الشيعة ممثلون، بأكثريتهم، بجدار أمل حزب الله، المسيحيون بعون جعجع، الدروز عبر جنبلاط والسنة عبر <<المستقبل>>. اذن لبنان ليس بيتاً بمنازل كثيرة بل بيت بجدران أربعة، لكن بسقف مكشوف يمنعه من بناء وطن. يحذر: <<إما أن يلتقي اللبنانيون لبناء سقفهم بأنفسهم، أو يفرض سقف خارجي جاهز، أو تتداعى كل الجدران!>> يسعى كل من الصايغ والأستاذ طلال الحسيني أن يثبتا (مع مجموعة من الحقوقيين والقانونيين) امكانية طريقة جديدة لتطبيق العلمانية، وذلك ليس بالغاء الطائفية، انما بقيام نظام طائفي علماني مشترك. ويقول <<لأنني أنا كعلماني كائن غير موجود في لبنان. لا وجود اداري أو وظيفي أو سياسي أو تنظيمي لي>>. وتم تقديم مشروع للجنة الوطنية لدراسة قانون الانتخاب اللبناني، يقترح أن تنتخب كل طائفة ممثليها الطائفيين وفق نظام نسبي، <<وبذلك نوقف كذبنا على بعضنا فلا النائب عباس هاشم يمثل الشيعة في جبيل، ولا غازي يوسف يمثلهم في بيروت، مقابل أن ينتخب العلمانيون ممثليهم بالبرلمان، ويصبح البرلمان مؤلفاً من قوى طائفية وقوى علمانية. بدت هذه الفكرة غير ناضجة بالنسبة إليه، لأنها تحتاج الى فكرة تسبقها، فتمت دعوة مجموعة تشكل لوبي علمانياً، تضغط على النظام اللبناني الطائفي. وقدم الحسيني اقتراح عمل لتبين أنه من الممكن أن يتقدم مجموعة من العلمانيين اللبنانيين، طلبات لمأموري النفوس في المناطق اللبنانية كافة، يطلبوا منهم أولا احترام المادة التاسعة في الدستور اللبناني، التي تنص على حرية المعتقد وتطبيق الشرائع والقوانين الدولية التي يوافق عليها لبنان، من حقوق الانسان وحقوق الطفل والمرأة والتي تنص على حرية المعتقد. ويشرح الصايغ أن مأمور النفوس يسجل المواطن اللبناني تبعا لمذهب والده، علما أنه في الديانتين الاسلامية والمسيحية، الدين لا يورث، ويجب أن ينطق الشهادتين عندما يبلغ سن الرشد، أي انه عندما يبلغ المواطن ال18 سنة، يسجل نفسه لدى مأمور النفوس بالمذهب الذي يتبع، وحقه أيضا أن يطلب عدم تسجيل مذهبه. عندها يحيله مأمور النفوس بناء لطلبه الى المحكمة. لكن هذا المشروع لا ينجح برأي الصايغ من دون دعمه من قبل العلمانيين، الذين يحملهم جزء من مسؤولية التهميش الذي يقبعون فيه، ويذكر أن المفكرين العلمانيين في لبنان لم يخوضوا حربا واحدة في سبيلها، بل ان الأحزاب اللاطائفية (أحزاب الحركة الوطنية، بما فيها القومي، الشيوعي، منظمة التحرير، الناصريين) حسب قوله كانت تتميز بخطاب علماني وتفيأت في الخنادق الأولى للطوائف في الحرب. <<قاتلوا بالسلاح الى جانب القوى الطائفية، فربح الطائفي واقصي العلماني، وترك ليغرق في أزماته الداخلية!>>. يبدو الصايغ مستاءً من حال العلمانيين اللبنانيين أكثر من استيائه من النظام الطائفي الذي يتحكم فيه رجال الدين، فعندما وقّع نحو 55 ألف شخص، وثيقة الزواج المدني، ووقع القرار 23 وزيرا وأكثرية مجلس النواب، أوقف القرار بمجلس الوزراء، لأن بعض رجال الدين هدد بالنزول الى الشارع. <<لماذا لم يبدي العلمانيون استعدادهم للنزول الى الشارع؟ لا أحد يحقق للعلمانيين مطالبهم، اذا لم يطالبوا بها بأنفسهم، ويسأل الصايغ <<ألا ترون كيف تحتضن الطوائف ضحاياها؟>> ازدواجية البطل المجرم كيف يمكن للشباب أن يكونوا قوة لاطائفية؟ يقول الصايغ <<بالمساواة بين جميع اللبنانيين، بعدم التمييز بين رجل وامرأة، الفروقات هي بمقدار الجهد الذي يبذله الانسان في عمله، المساواة كاملة بين جميع المواطنين بالقانون. ويضيف: <<نحن لسنا مذهبا للتبشير بالعلمانية، لأنه هناك علمانيات متعددة، تذهب من الالحاد الى اقصى الايمان، لهذا يمكن لكل من يرغب أن يتقدم بطلب استشارة مجانية من المجموعة الحقوقية، لمعرفة سلبيات وايجابيات الموضوع. مؤكدا أنه سوف يكون هناك معركة حقيقية مع النظام الطائفي، عبر اللقاءات، والحملات الاعلامية، والمقالات الصحفية. يشرح ماهية العلمانية التي ينادي بها، <<هي علمانية سياسية ادارية، تنطلق من ضرورة فصل السياسة عن الطائفة. وذلك بتصرفاتنا، بسلوكنا، باقتراحنا للقوانين، ولأنظمة التربية والتعليم، وان تكون وفق العقل ومصالح الأكثرية من الناس وليس وفق مصالح الأقلية من الطوائف>>. ويشير الى أنه لن تستقيم الديموقراطية في لبنان اذا بقي التمثيل هو السائد: والسبب، ان التمثيل الطائفي في لبنان يمنع المحاسبة من قبل أنظمة الدولة لكل من يرتكب اي ذنب أو اثم من طائفة ما، لأن الطائفة تحمي زعرانها وأوادمها. لبنان يعيش ازدواجية البطل المجرم عند كل طائفة. كل زعيم طائفة هو بطل عند طائفته ومجرم عند الطائفة الاخرى>>. لا يستطيع الصايغ الامتناع عن السعي لتنقية الشباب اللبناني من تلوث النظام الطائفي <<الشمولي الاستبدادي الاقصائي العنصري الجبان، الذي يخاف الأفراد، لا يخاف من أحزاب تتحالف معه، يخاف ممن يصرخ في وجهه>> <<لا أريد ان أكون مثلك، أو معك، ولا أريد أن أنتخبك>>.

ليست هناك تعليقات: