25.12.07

فرقة الراب "أشكمان": وقت تكون مظلوم، ما فيك تشوف النور




يقولان إنهما من الشارع، يتحدثان بلغته، يلبسانه، ويطرحان كثيراً مما يعيشه. التفجيرات والأزمات السياسية، الفقر وغلاء المعيشة، زوال الطبقة الوسطى، ارتفاع سعر المازوت، أحاديث لا تنتهي مع سائق أجرة، مشاكل رب عائلة، هجرة الشباب اللبناني. يغنيان ذلك كله بجمل طويلة متداخلة، ويقدمان لنا «راب» لبنانياً باللغة المحكية. هما التوأم عمر ومحمد قباني، أو فرقة «أشكمان» التي تبلغ مع حلول السنة الجديدة السابعة من عمرها. خلال هذه الفترة، قدمت الفرقة 13 أغنية، ضمّتها في ألبوم صدر في آذار ,2007 تحت عنوان «نشر غسيل»، تعاونت فيه مع فرقتي «ريس بيك»، و«خط أحمر» ومع مغنيَي الراب الألماني Blumenkopf والفرنسي «كلوتير ك»، يرافقهم دوماً «دي جاي» سيزار ك. في الأسبوع الماضي، أطلقت الفرقة فيديو كليبها الأول لأغنية «فلوس بيك» الذي صُوّر في معظمه في منطقة الحمرا. الأغنية تتحدث عن البرجوازية اللبنانية «المستوحاة من أجواء الجامعة اللبنانية الأميركية»، التي درسا فيها، وعملا ليدفعا أقساطهما، «على عكس الأغلبية». إلى البداية إذاً. عام ,2001 شاهد عمر ومحمد، مع ملايين الناس، أحداث 11 أيلول، وتأثرا بكل ما خلّفته. روادتهما، ككثير من الشباب العربي، أسئلة عن مستقبلهم والهجرة ونظرة العالم إليهم: «كنت أتخيل نفسي أقف في طابور في مطار غربي، يُنظر إليّ كعربي يجر جَمَله خلفه، أو ينصب خيمته في واحة ما»، يقول عمر. فقررا التعبير عن هذه الهواجس عبر أغان، كأغنية «فوبيا من الآرابيا» التي قدّماها مع الشابة سارين و«الرابر» الفرنسي «كلوتير ك». فلنستمع: «بدي قلهن إنو عندي أحلام بفلسطين... ببابل، الحلم بالسلام... لأنو ببلدي لبنان بيركبوا أفلام... مش مفروض كون مرفوض، مفروض علي فروض، هيدا قانون الغاب، ضد العربي... لنجَلّس هالنظرة، مجلس أمن جرصة... قال عم اضرب السلام وأنا مسلح بحجارة، هول أطفال إرهابيين ومجزرة بعد كل غارة؟ مستقبلي كعربي وين؟». من العالم، إلى لبنان، وسياسته، ومخلفاتها وتأثيراتها الاجتماعية. يختاران أحياناً صفات «متوقعة» وهادئة لكلام أغانيهما، ويفضلان في أحيان أخرى كلمات هجومية ذات وقع أقوى، قد يعتبره البعض غير مقبول أو قــاس أو منفر. يعترف الأخوان الملقبان بـ«مجرم كلام» (محمد) و«كربون» (عمـر) بأن كلامهما انتقادي ولاذع وهجومي: «لكننا، ببساطة، نتحدث عن السياسة ببلدنا خوفاً من عراق ثانٍ، وننتقد لأننا لا نمجّد أو نقدّس أي زعيم، ولأننا لسنا خرفاناً في قطيع أحد». على الحياد، يعنـي؟ يجيب عمر إن عبارات كثيرة ترد في أغانيهم وتتطرق للسياسة، لكنها تبقى غير منحازة. ففي أغنية «لَـ وَرا»، هناك تمنٍ بعودة الزمن إلى الوراء لمنع التفجير الذي اغتال الرئيس رفيق الحريري، ورغبة بتحذير أمهات قانا من المجزرة المقبلة، لينجوَّن بأنفسهن وبأطفالهن: «14 شباط، كنت قلت له لرفيق ما تمرق بهـل طريق، بقلبي في حريق، الماضي بيصير صور بألبومات، لو رجعت بالزمان يومين لورا، كنت رحت لقانا قبل تاني مجزرة، كنت حذرتهم نسوان وأطفال، كنت مديت ايدي لأعطيهم مخدة ليناموا بسلام، وزرعت على السطح وردة». يسخر محمد من محاكمة المجتمع اللبناني للموسيقى من دون أن يتنبه المجتمع إلى أنها المتنفس الوحيد لهما: «التحليلات طالت هذه الأغنية وحسبتنا على فريق معين! ثم طالت لون الألبوم الأسود والأصفر، وقرر البعض أن يحسبنا على طرف آخر، مع أننا صممنا الغلاف قبل اعتقال الألوان وحصرها بفئة دون أخرى». يشرح عمر أسباب تسمية الفرقة بـ«أشكمان»، ليُقصد بها «فرقة تغني لتُخرج كل الوسخ من جوّا لبرّا، أي تفضح مساوئ المجتمع وتخرجها إلى العلن عبر الموسيقى». انطلقت الفرقة في أواخر التسعينيات، وتطورت تدريجياً. أبرز الخطوات كان إصدار ألبوم خاص بها. شيئاً فشيئاً، تتراكم تجربة الأخوين. لكل حادثة أو حدث، أغنية. يكتبانها ويحتفظان بها لوقت لاحق... أو لألبوم مقبل. وحتى يحين الموعد، سيكونان مشغولين بعملها اليومي في «الرسم التخطيطي» الذي تخصصا به وتخرجا عام ,2005 ويمارسانه كوظيفة يومية، ثم يستثمران مرتّبيهما بدائرة متكاملة من الإنتاج: شركة «طج كل شي» الموسيقية، وأزياء كتبت عليها شعارات معينة، والتلحين وإنتاج الأغاني. أما ما يتبقى لهما فيستثمرانه في أول جدار يناديهما ليرسما عليه «غرافيتي». يرسمانه سوية، مثلما يفعلان كل شيء. فيقول محمد إن عمر يكمّله، ويقول عمر إن محمد يكمّله. يتقاسمان كل شيء. الغرفة، الثياب، الأغاني، التأليف، العمل، وحتى الجمل التي يتكلمانها، يقول واحدهما نصفها ويبدأ الثاني بجزء يبدو معداً له. طريق «أشكمان» لم يكن سهلاً جداً، إذ هُوجموا من قبل عدد من الفرق اللبنانية، وألغيت مشاركتهم مؤخراً في حفلة لجمعية حيادية، وأُنزلوا عن المسرح أربع مرات لكلام لم يعجب المنظمين. السبب المعلن هو أن كلام الفرقة إما منحاز أو واضح وقاسٍ. وفي المقابل، وضعت شركات الإنتاج الضخمة التي تهتم بهذا النوع من الفن، شروطاً من نوع: ضرورة غناء راب بلون خليجي وآخر مصري مقابل إنتاج عملهم! وعلى الرغم من هذه الصعوبات، يمتلك الشابان الكثير من «المخططات الموسيقية»، منها إعادة توزيع أغاني قديمة وإدخال الراب عليها. وحتى ذلك الوقت، سيطبق عمر ومحمد ما جاء في أغنيتهما: «وقت تكون مظلوم، ما فيك تشوف النور، بتكون عايش بالظلام، مع قماشة على عيونك، والدولاب عم يبرم، بتصير تراجع حياتك وبتقيس كل أيامك، أنا كائن موجود والجلاّد نكرة، بدي عيش كل يوم وكأن ح موت بكرا... أنا الوحيد بين إخواتي اللي بعدو بالبلد، عم كافح ت ضل وبعد إلي جلد».

23.5.07

فتاتان رشّتا الأرز في يوم التحرير.. واليوم تبحثان في التتمة







نُشر في جريدة السفير

23-5-2007

جهينة خالدية

لم يتحرر الجنوب في 25 أيار .2000 هذا التاريخ ليس إلا بوابة عبرها لبنان من زمن الى آخر. دخل في دهليز سياسي وعسكري واجتماعي جديد، ومعه دخل الجنوب والبقاع الغربي في حياة مختلفة. تختار ريما تشبيه عيد التحرير ببوابة هذه الحياة المختلفة، وتربطه بتغيير شامل طال فريقاً سياسياً أصبح مسموعاً أكثر، وبحزب أصبح له وزنه سياسياً وعلى صعيد العالم.
تقول ريما إنه قبل هذا التاريخ «لم يكن أحد يفكر أو حتى يحلم باندحار إسرائيل من الجنوب». وبعده، لم تعد هي بحاجة إلى أن تغلق عينيها وتحلم بأنها تتمشى في ياطر الجنوبية: «لا مكان للحلم، الحلم لبس ثوب اليوميات الواقعية».
لا مكان لغير الرومنسية في العبارات التي تنتقيها ريما. عندما تتحدث عن السياسية وعن الوطن وعن «حزب الله»، تخرج بجملة من وزن: «بعد عبوري البوابة، وجدت نفسي في جنة، وفي الجنة زيتون، وبين الحقول أنا، أقطف من أشجارها، لا أحرك نظري عنها». في جنة ريما، عصافير وطيور، والنظر عالياً لا يعني إلا تفقد الـ«أم كا».
عند الكلام، حماستها تسبقها إلى اللغة، تحرك يديها بشكل مستمر، تزيح خصلات تطايرت على وجهها ومعها تزيح غباشة حلّت في عيون تعود 7 سنوات في ماضي الزمان. في 27 أيار ,2007 تبلغ الفتاة الرابعة والعشرين من العمر. تقول إنها ستحتفل بالعيد كما لو أنها ترقص في عرسها: «سأترك ابتسامتي على الشفاه أطول مدة ممكنة، فقط لأنقل الى الناس شعور الزهو الذي يخدرني». بسبب عيد ميلادك؟ بل لأني ولدت جنوبية. تسأل ريما مستمعيها: «هل ابالغ؟» تجيب صديقتها هلا: «نعم... وكأنك تعيشين في غيمة بيضاء جميلة وكبيرة ولا ترين أياً مما يحصل خارجها». خارج الغيمة يعني الحياة السياسية اليومية في لبنان، يعني اغتيال الرئيس رفيق الحريري وكل ما سبقه وتلاه من تفجيرات، يعني عدوان تموز وما خلفه من شهداء وجرحى ودمار وخلاف حول شرعية السلطة، يعني مخيم ساحتي الشهداء ورياض الصلح، ويعني المحكمة الدولية و«علاقة» رئيس الجمهورية بالكرسي.
«ستوب... خلص»، تقول ريما. على الورقة أمامها، ترسم دائرتين تكتب داخل الأولى «ذاكرة» وداخل الثانية «ذاكرة». واحدة لريما وأخرى لهلا. ضحكتان صغيرتان تخرجان من بين شفاه الصديقتين، ها هما تعيشان لذة نقاش سياسي لطالما اختلفا فيه، ولم يصلا فعلياً إلى نتيجة، أو على الأقل لم تنجح أي منهما في اقناع الأخرى.
في دائرة هلا ذكريات طفولة ولعب في أزقة قريتها البقاعية غزة، وقطف الحميضة على جوانب الطرقات، وسهرات شبابية، وغرام على شباك الطابق الأراضي... وضمة سرقتها بين سنابل قمح طويلة.
في خانة ريما انتظار الشروق المقبل على ياطر قبل أن يحل، لتكتب معه قصيدة عمودية تعبت في انتقاء قافيتها، وزهرة «كوكليكو» نجحت في قطفها قبل أن يُقصف منزل جدها.
«أتريدين أن تعيشي داخل دائرتي؟» تسأل ريما، وتكمل: «دائرتي ببساطة من دون ذاكرة فعلية... لا لأن إسرائيل احتلت جنوبي... بل لأن جزءاً مني أنا كطفلة صار مبتوراً... ولم يرمم إلا مع التحرير الذي عشت منهجية الحزب فيه، عشت كيف كان الحزب يقصف مواقع جيش لحد في القرى المحتلة، ثم يدخل ويزرع فيه الرايات ثم يدعونا نحن المواطنين لنفتتح أرضنا... أنا شاركت في أقل من واحد في المئة في تحرير أرضي... ولكني شاركت».
لم تعش هلا أياً من الذل المباشر الذي عرفته ريما، لكنها في التحرير زارت البقاع الغربي ورشت الأرز على المقاومين، ودبكت وكتبت في يومياتها: «هذا يوم لن أنساه، ولن أشم رائحة الزعفران التي تصاعدت من أرض سحمر ويحمر كما شممتها اليوم». لكن هلا اختنقت عندما سمعت كلاماً عن استئثار طائفة وحزب وفئة بالانتصار. وعادت إلى يومياتها وكتبت بعد سنة على التحرير: «ما زلت فرحة بالانتصار... ولكن هل يحق لي ذلك؟».
قرأت ريما الأوراق، وأجابت عليها بعد سنوات: «تحق لك الفرحة... وتحق لك فرحة «التحرير» عند خروج السوري من لبنان أيضاً... لكن الآخرين يلغون انتصارنا ليحتفلوا بـ 26 نيسان... لهذا نتشبث به أكثر».
هلا تختنق يوماً بعد يوم... عين علق، اغتيال الشخصيات، الأشرفية مساء الأحد، أحداث الشمال، المخيمات، المحكمة... وريما تستلذ بغرامياتها الجنوبية... تسير بين مناطقه الخضراء مشبهةً إياه بجبال البن في البرازيل... الوطن بالنسبة إليها: «أنا بين الحقول... لا أخشى طائرات اختفت من السماء... لا أنظر إلى أعلى... أنا فقط أقطف الزيتون».

13.2.07

أن تكون نتاج زواج سني.. شيعي

1978 الصورة تحوي جسدين. الابتسامة تزيّن وجهيهما وتطفو على الشفتين، فتصنع المناسبة. الابتسامة تنتقل كعدوى الى الحشد المتجمع خلف الاثنين. هو عرس إذاً.. لم أكن موجودة، ولكن أحب أن أنسجه بخيالي على هذه الطريقة، لا سيما أنني نتيجة ثالثة ومباشرة لزفاف جمع فرحة شيعية بفرحة سنية. هو زفاف أمي وأبي.. كما يقول «كارت» الدعوة بين يدي. أرجح أن والدة أمي كانت تبذل مجهوداً في انتقاء «رديّاتها» التي تعود لترفقها بزغاريد لا تنتهي. ووالدة أبي تسعى جاهدة للرقص أمام أهل ضيعة العروس.. فهو عرس الابن البكر. الأول والأخير في العائلة الذي يتزوج من خارج مذهبه، (لم تخرق هذه القاعدة إلا مؤخراً). أما أمي فخرقت بزواجها من أبي قاعدة الارتباط بفرد من خارج العائلة أولا ومن خارج المذهب أيضاً.
ركبت مشهد العرس هذا لسنوات طويلة في ذاكرتي.. على الرغم من أن الصورة الفوتوغرافية تعكس هامتي عروس وعريس أمام ملصق ضخم فيه رسم حديقة، على حائط استديو تصوير.
قصة قبول جدي بأبي عريساً لابنته لم تكن مألوفة جداً. لكن القبول لم يكن مستحيلاً. كانت العائلة المتشددة دينياً، تعيش الفرق الطبيعي بين المذهب السني وذلك الشيعي.. والموافقة لم تحصل إلا بعد مسيرة طويلة من الزيارات والاستشارات وصلاة الاستخارة و«الخيرة»، التي أجراها والد العروس.
كيف انتقى كل منهما الآخر؟ في الدرجة الأولى، كان حب النظرة الأولى. هي رأت فيه شاباً جذاباً، بعينين ملونتين واسعتين. وهو رأى فيها صبية سمراء بشعر أسود طويل يتسلل من تحت حجابها الصغير الذي يُثنى الى منتصف الرأس، إفساحاً أمام بعض الشعر بأن يرى «خلقة ربه». وفي العرس، ومن المؤكد قبله أيضاً، طار غطاء الرأس تماماً، ليحل محله شعر مصفف على شكل وردة مضمومة الى الداخل، تزيّنه ورود بيضاء بلاستيكية. أن تنزع العروس حجابها يوم عرسها، لمرة، كان أمراً طبيعياً جداً في ذلك الحين. أذكر جيداً زفاف عمتي في التسعينيات، يوم جاء أبي وقبّلنا أنا وأختي، وكنا لم نتخط الخامسة عشرة من عمرنا، وقال: «العروس (عمتي) بس بتشيل عن رأسها، أنتو لأ بابا».
بطبيعة الحال، كان لأمي الحق بأن تحمل معها كل ما تريد من معتقدات عائلتها الأولى.
لاحقاً.. بعد سنوات طويلة وبعدما تقدم خطوات في التزامه، علّم أولاده الخمسة الصيام، وناداهم للصلاة. أجلسهم في حلقات دينية لتلاوة وتجويد القرآن الذي أمسى رفيقه الدائم، والذي لم يقرأه يوماً بسرعة ولا بصوت منخفض. ولاحقاً أيضاً، قرر تغيير ديكور منزله، ففرغت الخزانة الرئيسية الضخمة في غرفة الجلوس من التحف ودزينات فناجين القهوة والشاي المميزة التي تُحفظ للضيوف المميزين فقط. الدرف كلها امتلأت بالكتب الدينية، والتفاسير ونسخ من القرآن، بأحجام مختلفة. ولاحقاً، صمم أبي طاولة خاصة تتســع لقــرآن كبير يصل طوله الى ستين سنتيمتراً وعرضه ثلاثين سنتيمتراً. ولم تكتف الكتب برواية سيرة محمد، ولا أصحابه ولا آل بيته، بل وصلت لتقارن بين المذهب الشيعي وذلك السني. ماذا قال هؤلاء في الفريق الثاني، والعكس.. وهنا بدأت القصة تحمل أوجهاً حماسية، لا تتميز كلها بكونها لذيذة.
إذاً، بعد أكثر من 16 سنة على ذاك الزفاف، كنت أنا قد بلغت العاشرة من عمري، وأحاط إدراكي بأني أتيت من زواج مختلط مذهبياً. ولكن، حتى وقتها، لم أكن أعرف الفرق بينهما.. أبداً. كنت أنتبه الى أن الطريقة التي تصلي فيها جدتي لأبي مختلفة عن تلك التي تعتمدها جدتي لأمي. وطريقة لف غطاء الرأس في قريتهما تختلف تماماً أيضاً. منها ما يسدل سريعاً ومنها ما يشبك بمجموعة دبابيس.
لم تعد جدتاي تريان بعضهما كثيرا. بت أحمل قبلات تيتا نعمات لتيتا ثريا: «بوسيلي ستك كتير.. وما تنسي إيه؟». أهز برأسي، وأدلف إلى السيارة. أصل إلى العائلة الثانية، تقبلني جدتي، أطبع قبلتين اضافيتين، كما تقول الوصية، وأحمل منها عند المغادرة وصية قبلتين أيضاً. أحببت هذا الدور وما زلت أحبه.
لم أسال أبي يومها عن معنى أن أكون مختلفة عن أولاد وبنات خالاتي وأخوالي. كنت أجد الأجوبة في أسئلة الأقارب من طرفي العائلة، وهم لم يفوتوا فرصة للتعليق حول أصول أمي وأبي المختلفين. من الأسئلة ما كان يبدو عادياً ويطاق، ومنه ما كان جارحاً جداً. السؤال هو: كيف تصلين؟ مثل أمك أو مثل أبيك؟ والسؤال التالي: مع من تفطرين؟ مع الشمس أم من دونها؟
قليلاً ما كنا أضحك، وبداية كان جوابي: ما الفرق.. لاحقاً، تعلمت أن أكون «شريرة»، فأمسى الجواب «أصلي يداً لفوق وأخرى لتحت». أما عن إفطار رمضان فكنت أحب أن أرى الابتسامة الصفراء على وجه المتسائل، كي أجيب: «أفطر مع القمر، وعلى شمعتين كمان».
لكن أسئلتي التي أوجهها لنفسي لم تتوقف. لماذا خلقت في هذا الجانب من الحياة؟ لماذا لم أخلق مسيحية مثلاً؟ ومن قال إننا على صواب؟ ومن قال إنهم على خطأ؟ لم أجرؤ على سؤال والدي عندها، إذ ما كنت أحب أن أسمع منه شرحاً فائضاً عن كوننا على هدى. كنت أحب أن أسمع منه شيئاً من نوع: «غير مهم كيف وأي طائفة تحملين، المهم أن تعرفي ماذا تريدين ومع من». حسناً.. أعرف أن هذا الجواب يكاد يكون أفلاطونياً.
حان موعد المكتبة، موعد البحث في المكتبة. غرقت في كتاب: «ثم اهتديت»، لمحمد التيجاني السماوي. قرأت وقرأت لرجل سني يعتبر نفسه اهتدى عندما تشيّع. بعدها، غرقت في: «بل ضللت»، لخالد العسقلاني الذي رد على التيجاني. وبعدها، والحمد لله، عدت إلى أغنياتي الرائعة، وعادت الموسيقى الجميلة إلى سمعي.
لم يكن أبي متشدداً في البداية، تحول لاحقاً إلى ملتزم. ابتعدت الموسيقى على أنواعها عن راديو السيارة، وأصبحت رحلة بيروت وبعلبك مملة جداً. كنا سابقاً نقضي أولها بالاستمتاع بالنقرشات وسندويشات أمي من الحمص والهندبة واللبنة على أنغام شريط ماجدة الرومي أو فيروز، أو حتى علاء الزلزلي وأنا أهز رأسي على «هدوني هدوني».. وقبل أن نصل إلى بيت أقاربنا، تبدأ اجراءات أمي: تُخرج عدتها من الكولونيا، ومنديل لتمسح وجوهنا.. وطبعاً، لا بد من لمسة تجديدية على تسريحاتنا.
تغير كل شيء: ألغيت الموسيقى وأصبحت إبرة الراديو لا تزيح عن «إذاعة القرآن الكريم من بيروت»، وتوزعت الشرائط الموسيقية في السيارة، ونحن تحجبنا. جنان أولاً وهي في التاسعة، أنا ثانياً بعمر السابعة، فجنى وجودي عندما بلغا الثامنة والتاسعة. أما أخي، محمد جميل، فـ«زمط»!
جنان كانت الوحيدة التي تحجبت رغماً عنها. يوم لفت رأسها بالغطاء لشدة البرد، كانت مزحة: «مبروك.. بيلبقلك، خليه على راسك». ولاحقاً، أمست المزحة حقيقة، والحجاب سكن رأسها لأكثر من 17 سنة. وما زال طبعاً.. لكنها تقول إنها اقتنعت.
أما أمي، وقد تحجبت في التاسعة أصلاً، فحسنت من حجابها. تحولت الخصل السوداء الطويلة الى «كعكة»، وتقدم النصف الأول من الحجاب الى مستوى الجبين. واستبدل العقد أسفل الرقبة بدبوس، ليسدل أطراف الحجاب على العنق ويغطيه تماماً. وطولت التنورة الى الكاحل، وتوقفت على ثني أكمامها عند تعزيل البيت. فيُغطى الحجاب جسدها كله، من رأسها الى أخمص قدميها.
الابتسامات العائلية التي رسمت في الزفاف، بدأت تبهت. كما بهتت الزيارات بين أهل العروس والعريس. وبقي العروس والعريس وأولادهما الرابط بين العائلتين. والعيد يعني زيارة القسم الأول من العائلة قبل الظهر والقسم الآخر بعد الظهر. هذا في حال احتفل المذهبان بالعيد في اليوم نفسه. العيد عيدان، والعائلة الكبيرة التي من المفترض أنها اجتمعت على زواج لتصبح واحدة، هي عائلتان. وأنا بين الطرفين أجد أن مشروعاً إيرانياً، وآخراً أميركياً، وثالثاً مريخياً، سيطيّرون حلمي لعشرات السنوات المقبلة. لكن، على الأقل، قناعتي تجاه عائلتي الصغيرة لا تتغير. لن يسرق السنة والشيعة وحدة مسار ومصير وقومية وعروبة بيتي.. طالما لم يخرج الفرع السني منها للبحث عن وجه صدم حسين في وجه القمر، كما فعل بعض أهالي الطائفة، وطالما لم يخرج الفرع الشيعي من العائلة للزغردة بعد شنــق الرئيس المخلوع.
27 سنة هو مجموع سنوات زواج أمي بأبي. زواجٌ لم يعكر صفوه، برأيي، إلا المذهبان نفسهما. لا الثروة ولا المجوهــرات. يمكــن للهــدوء الخــارجي أن يستمــر، اذا ما استمــر الاتفــاق الذي عقدناه مع والدي. عندما نزور العائلتين، لا نتحــدث في السـياسة. يمكن للزيارة أن تنقضي من دون الســياسة. لكــن، هــذا بالنسبة لأبي وجدي يعتبر قمع ألـذ متعهمــا. أنظـــر في وجهيهما فأجدهما يتحينان اللحظة التي سينطلق فيها الحديث عن 8 و14 آذار («عليهما اللعنة»، كما تردد أختي الصغيرة).
أتذكر اليوم صديقة قديمة لي تعاني من مشكلة في مخارج الحروف وفي لفظها. كانت دائماً تحاول أن تلفظ اسم المذهبين صحيحا، فلا أفهم منها إن كانت «شنية»، أو «سيعية». وأنا لا أفهم اليوم هذين اللفظين، حتى مع مخارج حروفي الصحيحة. لكني، للأسف، أفهم تماماً أني أحمل وأخواتي العقدة ذاتها: عقدة لا يكون حلّها إلا بتجنب الزواج من خارج المذهب.