13.2.07

أن تكون نتاج زواج سني.. شيعي

1978 الصورة تحوي جسدين. الابتسامة تزيّن وجهيهما وتطفو على الشفتين، فتصنع المناسبة. الابتسامة تنتقل كعدوى الى الحشد المتجمع خلف الاثنين. هو عرس إذاً.. لم أكن موجودة، ولكن أحب أن أنسجه بخيالي على هذه الطريقة، لا سيما أنني نتيجة ثالثة ومباشرة لزفاف جمع فرحة شيعية بفرحة سنية. هو زفاف أمي وأبي.. كما يقول «كارت» الدعوة بين يدي. أرجح أن والدة أمي كانت تبذل مجهوداً في انتقاء «رديّاتها» التي تعود لترفقها بزغاريد لا تنتهي. ووالدة أبي تسعى جاهدة للرقص أمام أهل ضيعة العروس.. فهو عرس الابن البكر. الأول والأخير في العائلة الذي يتزوج من خارج مذهبه، (لم تخرق هذه القاعدة إلا مؤخراً). أما أمي فخرقت بزواجها من أبي قاعدة الارتباط بفرد من خارج العائلة أولا ومن خارج المذهب أيضاً.
ركبت مشهد العرس هذا لسنوات طويلة في ذاكرتي.. على الرغم من أن الصورة الفوتوغرافية تعكس هامتي عروس وعريس أمام ملصق ضخم فيه رسم حديقة، على حائط استديو تصوير.
قصة قبول جدي بأبي عريساً لابنته لم تكن مألوفة جداً. لكن القبول لم يكن مستحيلاً. كانت العائلة المتشددة دينياً، تعيش الفرق الطبيعي بين المذهب السني وذلك الشيعي.. والموافقة لم تحصل إلا بعد مسيرة طويلة من الزيارات والاستشارات وصلاة الاستخارة و«الخيرة»، التي أجراها والد العروس.
كيف انتقى كل منهما الآخر؟ في الدرجة الأولى، كان حب النظرة الأولى. هي رأت فيه شاباً جذاباً، بعينين ملونتين واسعتين. وهو رأى فيها صبية سمراء بشعر أسود طويل يتسلل من تحت حجابها الصغير الذي يُثنى الى منتصف الرأس، إفساحاً أمام بعض الشعر بأن يرى «خلقة ربه». وفي العرس، ومن المؤكد قبله أيضاً، طار غطاء الرأس تماماً، ليحل محله شعر مصفف على شكل وردة مضمومة الى الداخل، تزيّنه ورود بيضاء بلاستيكية. أن تنزع العروس حجابها يوم عرسها، لمرة، كان أمراً طبيعياً جداً في ذلك الحين. أذكر جيداً زفاف عمتي في التسعينيات، يوم جاء أبي وقبّلنا أنا وأختي، وكنا لم نتخط الخامسة عشرة من عمرنا، وقال: «العروس (عمتي) بس بتشيل عن رأسها، أنتو لأ بابا».
بطبيعة الحال، كان لأمي الحق بأن تحمل معها كل ما تريد من معتقدات عائلتها الأولى.
لاحقاً.. بعد سنوات طويلة وبعدما تقدم خطوات في التزامه، علّم أولاده الخمسة الصيام، وناداهم للصلاة. أجلسهم في حلقات دينية لتلاوة وتجويد القرآن الذي أمسى رفيقه الدائم، والذي لم يقرأه يوماً بسرعة ولا بصوت منخفض. ولاحقاً أيضاً، قرر تغيير ديكور منزله، ففرغت الخزانة الرئيسية الضخمة في غرفة الجلوس من التحف ودزينات فناجين القهوة والشاي المميزة التي تُحفظ للضيوف المميزين فقط. الدرف كلها امتلأت بالكتب الدينية، والتفاسير ونسخ من القرآن، بأحجام مختلفة. ولاحقاً، صمم أبي طاولة خاصة تتســع لقــرآن كبير يصل طوله الى ستين سنتيمتراً وعرضه ثلاثين سنتيمتراً. ولم تكتف الكتب برواية سيرة محمد، ولا أصحابه ولا آل بيته، بل وصلت لتقارن بين المذهب الشيعي وذلك السني. ماذا قال هؤلاء في الفريق الثاني، والعكس.. وهنا بدأت القصة تحمل أوجهاً حماسية، لا تتميز كلها بكونها لذيذة.
إذاً، بعد أكثر من 16 سنة على ذاك الزفاف، كنت أنا قد بلغت العاشرة من عمري، وأحاط إدراكي بأني أتيت من زواج مختلط مذهبياً. ولكن، حتى وقتها، لم أكن أعرف الفرق بينهما.. أبداً. كنت أنتبه الى أن الطريقة التي تصلي فيها جدتي لأبي مختلفة عن تلك التي تعتمدها جدتي لأمي. وطريقة لف غطاء الرأس في قريتهما تختلف تماماً أيضاً. منها ما يسدل سريعاً ومنها ما يشبك بمجموعة دبابيس.
لم تعد جدتاي تريان بعضهما كثيرا. بت أحمل قبلات تيتا نعمات لتيتا ثريا: «بوسيلي ستك كتير.. وما تنسي إيه؟». أهز برأسي، وأدلف إلى السيارة. أصل إلى العائلة الثانية، تقبلني جدتي، أطبع قبلتين اضافيتين، كما تقول الوصية، وأحمل منها عند المغادرة وصية قبلتين أيضاً. أحببت هذا الدور وما زلت أحبه.
لم أسال أبي يومها عن معنى أن أكون مختلفة عن أولاد وبنات خالاتي وأخوالي. كنت أجد الأجوبة في أسئلة الأقارب من طرفي العائلة، وهم لم يفوتوا فرصة للتعليق حول أصول أمي وأبي المختلفين. من الأسئلة ما كان يبدو عادياً ويطاق، ومنه ما كان جارحاً جداً. السؤال هو: كيف تصلين؟ مثل أمك أو مثل أبيك؟ والسؤال التالي: مع من تفطرين؟ مع الشمس أم من دونها؟
قليلاً ما كنا أضحك، وبداية كان جوابي: ما الفرق.. لاحقاً، تعلمت أن أكون «شريرة»، فأمسى الجواب «أصلي يداً لفوق وأخرى لتحت». أما عن إفطار رمضان فكنت أحب أن أرى الابتسامة الصفراء على وجه المتسائل، كي أجيب: «أفطر مع القمر، وعلى شمعتين كمان».
لكن أسئلتي التي أوجهها لنفسي لم تتوقف. لماذا خلقت في هذا الجانب من الحياة؟ لماذا لم أخلق مسيحية مثلاً؟ ومن قال إننا على صواب؟ ومن قال إنهم على خطأ؟ لم أجرؤ على سؤال والدي عندها، إذ ما كنت أحب أن أسمع منه شرحاً فائضاً عن كوننا على هدى. كنت أحب أن أسمع منه شيئاً من نوع: «غير مهم كيف وأي طائفة تحملين، المهم أن تعرفي ماذا تريدين ومع من». حسناً.. أعرف أن هذا الجواب يكاد يكون أفلاطونياً.
حان موعد المكتبة، موعد البحث في المكتبة. غرقت في كتاب: «ثم اهتديت»، لمحمد التيجاني السماوي. قرأت وقرأت لرجل سني يعتبر نفسه اهتدى عندما تشيّع. بعدها، غرقت في: «بل ضللت»، لخالد العسقلاني الذي رد على التيجاني. وبعدها، والحمد لله، عدت إلى أغنياتي الرائعة، وعادت الموسيقى الجميلة إلى سمعي.
لم يكن أبي متشدداً في البداية، تحول لاحقاً إلى ملتزم. ابتعدت الموسيقى على أنواعها عن راديو السيارة، وأصبحت رحلة بيروت وبعلبك مملة جداً. كنا سابقاً نقضي أولها بالاستمتاع بالنقرشات وسندويشات أمي من الحمص والهندبة واللبنة على أنغام شريط ماجدة الرومي أو فيروز، أو حتى علاء الزلزلي وأنا أهز رأسي على «هدوني هدوني».. وقبل أن نصل إلى بيت أقاربنا، تبدأ اجراءات أمي: تُخرج عدتها من الكولونيا، ومنديل لتمسح وجوهنا.. وطبعاً، لا بد من لمسة تجديدية على تسريحاتنا.
تغير كل شيء: ألغيت الموسيقى وأصبحت إبرة الراديو لا تزيح عن «إذاعة القرآن الكريم من بيروت»، وتوزعت الشرائط الموسيقية في السيارة، ونحن تحجبنا. جنان أولاً وهي في التاسعة، أنا ثانياً بعمر السابعة، فجنى وجودي عندما بلغا الثامنة والتاسعة. أما أخي، محمد جميل، فـ«زمط»!
جنان كانت الوحيدة التي تحجبت رغماً عنها. يوم لفت رأسها بالغطاء لشدة البرد، كانت مزحة: «مبروك.. بيلبقلك، خليه على راسك». ولاحقاً، أمست المزحة حقيقة، والحجاب سكن رأسها لأكثر من 17 سنة. وما زال طبعاً.. لكنها تقول إنها اقتنعت.
أما أمي، وقد تحجبت في التاسعة أصلاً، فحسنت من حجابها. تحولت الخصل السوداء الطويلة الى «كعكة»، وتقدم النصف الأول من الحجاب الى مستوى الجبين. واستبدل العقد أسفل الرقبة بدبوس، ليسدل أطراف الحجاب على العنق ويغطيه تماماً. وطولت التنورة الى الكاحل، وتوقفت على ثني أكمامها عند تعزيل البيت. فيُغطى الحجاب جسدها كله، من رأسها الى أخمص قدميها.
الابتسامات العائلية التي رسمت في الزفاف، بدأت تبهت. كما بهتت الزيارات بين أهل العروس والعريس. وبقي العروس والعريس وأولادهما الرابط بين العائلتين. والعيد يعني زيارة القسم الأول من العائلة قبل الظهر والقسم الآخر بعد الظهر. هذا في حال احتفل المذهبان بالعيد في اليوم نفسه. العيد عيدان، والعائلة الكبيرة التي من المفترض أنها اجتمعت على زواج لتصبح واحدة، هي عائلتان. وأنا بين الطرفين أجد أن مشروعاً إيرانياً، وآخراً أميركياً، وثالثاً مريخياً، سيطيّرون حلمي لعشرات السنوات المقبلة. لكن، على الأقل، قناعتي تجاه عائلتي الصغيرة لا تتغير. لن يسرق السنة والشيعة وحدة مسار ومصير وقومية وعروبة بيتي.. طالما لم يخرج الفرع السني منها للبحث عن وجه صدم حسين في وجه القمر، كما فعل بعض أهالي الطائفة، وطالما لم يخرج الفرع الشيعي من العائلة للزغردة بعد شنــق الرئيس المخلوع.
27 سنة هو مجموع سنوات زواج أمي بأبي. زواجٌ لم يعكر صفوه، برأيي، إلا المذهبان نفسهما. لا الثروة ولا المجوهــرات. يمكــن للهــدوء الخــارجي أن يستمــر، اذا ما استمــر الاتفــاق الذي عقدناه مع والدي. عندما نزور العائلتين، لا نتحــدث في السـياسة. يمكن للزيارة أن تنقضي من دون الســياسة. لكــن، هــذا بالنسبة لأبي وجدي يعتبر قمع ألـذ متعهمــا. أنظـــر في وجهيهما فأجدهما يتحينان اللحظة التي سينطلق فيها الحديث عن 8 و14 آذار («عليهما اللعنة»، كما تردد أختي الصغيرة).
أتذكر اليوم صديقة قديمة لي تعاني من مشكلة في مخارج الحروف وفي لفظها. كانت دائماً تحاول أن تلفظ اسم المذهبين صحيحا، فلا أفهم منها إن كانت «شنية»، أو «سيعية». وأنا لا أفهم اليوم هذين اللفظين، حتى مع مخارج حروفي الصحيحة. لكني، للأسف، أفهم تماماً أني أحمل وأخواتي العقدة ذاتها: عقدة لا يكون حلّها إلا بتجنب الزواج من خارج المذهب.