23.5.07

فتاتان رشّتا الأرز في يوم التحرير.. واليوم تبحثان في التتمة







نُشر في جريدة السفير

23-5-2007

جهينة خالدية

لم يتحرر الجنوب في 25 أيار .2000 هذا التاريخ ليس إلا بوابة عبرها لبنان من زمن الى آخر. دخل في دهليز سياسي وعسكري واجتماعي جديد، ومعه دخل الجنوب والبقاع الغربي في حياة مختلفة. تختار ريما تشبيه عيد التحرير ببوابة هذه الحياة المختلفة، وتربطه بتغيير شامل طال فريقاً سياسياً أصبح مسموعاً أكثر، وبحزب أصبح له وزنه سياسياً وعلى صعيد العالم.
تقول ريما إنه قبل هذا التاريخ «لم يكن أحد يفكر أو حتى يحلم باندحار إسرائيل من الجنوب». وبعده، لم تعد هي بحاجة إلى أن تغلق عينيها وتحلم بأنها تتمشى في ياطر الجنوبية: «لا مكان للحلم، الحلم لبس ثوب اليوميات الواقعية».
لا مكان لغير الرومنسية في العبارات التي تنتقيها ريما. عندما تتحدث عن السياسية وعن الوطن وعن «حزب الله»، تخرج بجملة من وزن: «بعد عبوري البوابة، وجدت نفسي في جنة، وفي الجنة زيتون، وبين الحقول أنا، أقطف من أشجارها، لا أحرك نظري عنها». في جنة ريما، عصافير وطيور، والنظر عالياً لا يعني إلا تفقد الـ«أم كا».
عند الكلام، حماستها تسبقها إلى اللغة، تحرك يديها بشكل مستمر، تزيح خصلات تطايرت على وجهها ومعها تزيح غباشة حلّت في عيون تعود 7 سنوات في ماضي الزمان. في 27 أيار ,2007 تبلغ الفتاة الرابعة والعشرين من العمر. تقول إنها ستحتفل بالعيد كما لو أنها ترقص في عرسها: «سأترك ابتسامتي على الشفاه أطول مدة ممكنة، فقط لأنقل الى الناس شعور الزهو الذي يخدرني». بسبب عيد ميلادك؟ بل لأني ولدت جنوبية. تسأل ريما مستمعيها: «هل ابالغ؟» تجيب صديقتها هلا: «نعم... وكأنك تعيشين في غيمة بيضاء جميلة وكبيرة ولا ترين أياً مما يحصل خارجها». خارج الغيمة يعني الحياة السياسية اليومية في لبنان، يعني اغتيال الرئيس رفيق الحريري وكل ما سبقه وتلاه من تفجيرات، يعني عدوان تموز وما خلفه من شهداء وجرحى ودمار وخلاف حول شرعية السلطة، يعني مخيم ساحتي الشهداء ورياض الصلح، ويعني المحكمة الدولية و«علاقة» رئيس الجمهورية بالكرسي.
«ستوب... خلص»، تقول ريما. على الورقة أمامها، ترسم دائرتين تكتب داخل الأولى «ذاكرة» وداخل الثانية «ذاكرة». واحدة لريما وأخرى لهلا. ضحكتان صغيرتان تخرجان من بين شفاه الصديقتين، ها هما تعيشان لذة نقاش سياسي لطالما اختلفا فيه، ولم يصلا فعلياً إلى نتيجة، أو على الأقل لم تنجح أي منهما في اقناع الأخرى.
في دائرة هلا ذكريات طفولة ولعب في أزقة قريتها البقاعية غزة، وقطف الحميضة على جوانب الطرقات، وسهرات شبابية، وغرام على شباك الطابق الأراضي... وضمة سرقتها بين سنابل قمح طويلة.
في خانة ريما انتظار الشروق المقبل على ياطر قبل أن يحل، لتكتب معه قصيدة عمودية تعبت في انتقاء قافيتها، وزهرة «كوكليكو» نجحت في قطفها قبل أن يُقصف منزل جدها.
«أتريدين أن تعيشي داخل دائرتي؟» تسأل ريما، وتكمل: «دائرتي ببساطة من دون ذاكرة فعلية... لا لأن إسرائيل احتلت جنوبي... بل لأن جزءاً مني أنا كطفلة صار مبتوراً... ولم يرمم إلا مع التحرير الذي عشت منهجية الحزب فيه، عشت كيف كان الحزب يقصف مواقع جيش لحد في القرى المحتلة، ثم يدخل ويزرع فيه الرايات ثم يدعونا نحن المواطنين لنفتتح أرضنا... أنا شاركت في أقل من واحد في المئة في تحرير أرضي... ولكني شاركت».
لم تعش هلا أياً من الذل المباشر الذي عرفته ريما، لكنها في التحرير زارت البقاع الغربي ورشت الأرز على المقاومين، ودبكت وكتبت في يومياتها: «هذا يوم لن أنساه، ولن أشم رائحة الزعفران التي تصاعدت من أرض سحمر ويحمر كما شممتها اليوم». لكن هلا اختنقت عندما سمعت كلاماً عن استئثار طائفة وحزب وفئة بالانتصار. وعادت إلى يومياتها وكتبت بعد سنة على التحرير: «ما زلت فرحة بالانتصار... ولكن هل يحق لي ذلك؟».
قرأت ريما الأوراق، وأجابت عليها بعد سنوات: «تحق لك الفرحة... وتحق لك فرحة «التحرير» عند خروج السوري من لبنان أيضاً... لكن الآخرين يلغون انتصارنا ليحتفلوا بـ 26 نيسان... لهذا نتشبث به أكثر».
هلا تختنق يوماً بعد يوم... عين علق، اغتيال الشخصيات، الأشرفية مساء الأحد، أحداث الشمال، المخيمات، المحكمة... وريما تستلذ بغرامياتها الجنوبية... تسير بين مناطقه الخضراء مشبهةً إياه بجبال البن في البرازيل... الوطن بالنسبة إليها: «أنا بين الحقول... لا أخشى طائرات اختفت من السماء... لا أنظر إلى أعلى... أنا فقط أقطف الزيتون».

ليست هناك تعليقات: