25.12.07

فرقة الراب "أشكمان": وقت تكون مظلوم، ما فيك تشوف النور




يقولان إنهما من الشارع، يتحدثان بلغته، يلبسانه، ويطرحان كثيراً مما يعيشه. التفجيرات والأزمات السياسية، الفقر وغلاء المعيشة، زوال الطبقة الوسطى، ارتفاع سعر المازوت، أحاديث لا تنتهي مع سائق أجرة، مشاكل رب عائلة، هجرة الشباب اللبناني. يغنيان ذلك كله بجمل طويلة متداخلة، ويقدمان لنا «راب» لبنانياً باللغة المحكية. هما التوأم عمر ومحمد قباني، أو فرقة «أشكمان» التي تبلغ مع حلول السنة الجديدة السابعة من عمرها. خلال هذه الفترة، قدمت الفرقة 13 أغنية، ضمّتها في ألبوم صدر في آذار ,2007 تحت عنوان «نشر غسيل»، تعاونت فيه مع فرقتي «ريس بيك»، و«خط أحمر» ومع مغنيَي الراب الألماني Blumenkopf والفرنسي «كلوتير ك»، يرافقهم دوماً «دي جاي» سيزار ك. في الأسبوع الماضي، أطلقت الفرقة فيديو كليبها الأول لأغنية «فلوس بيك» الذي صُوّر في معظمه في منطقة الحمرا. الأغنية تتحدث عن البرجوازية اللبنانية «المستوحاة من أجواء الجامعة اللبنانية الأميركية»، التي درسا فيها، وعملا ليدفعا أقساطهما، «على عكس الأغلبية». إلى البداية إذاً. عام ,2001 شاهد عمر ومحمد، مع ملايين الناس، أحداث 11 أيلول، وتأثرا بكل ما خلّفته. روادتهما، ككثير من الشباب العربي، أسئلة عن مستقبلهم والهجرة ونظرة العالم إليهم: «كنت أتخيل نفسي أقف في طابور في مطار غربي، يُنظر إليّ كعربي يجر جَمَله خلفه، أو ينصب خيمته في واحة ما»، يقول عمر. فقررا التعبير عن هذه الهواجس عبر أغان، كأغنية «فوبيا من الآرابيا» التي قدّماها مع الشابة سارين و«الرابر» الفرنسي «كلوتير ك». فلنستمع: «بدي قلهن إنو عندي أحلام بفلسطين... ببابل، الحلم بالسلام... لأنو ببلدي لبنان بيركبوا أفلام... مش مفروض كون مرفوض، مفروض علي فروض، هيدا قانون الغاب، ضد العربي... لنجَلّس هالنظرة، مجلس أمن جرصة... قال عم اضرب السلام وأنا مسلح بحجارة، هول أطفال إرهابيين ومجزرة بعد كل غارة؟ مستقبلي كعربي وين؟». من العالم، إلى لبنان، وسياسته، ومخلفاتها وتأثيراتها الاجتماعية. يختاران أحياناً صفات «متوقعة» وهادئة لكلام أغانيهما، ويفضلان في أحيان أخرى كلمات هجومية ذات وقع أقوى، قد يعتبره البعض غير مقبول أو قــاس أو منفر. يعترف الأخوان الملقبان بـ«مجرم كلام» (محمد) و«كربون» (عمـر) بأن كلامهما انتقادي ولاذع وهجومي: «لكننا، ببساطة، نتحدث عن السياسة ببلدنا خوفاً من عراق ثانٍ، وننتقد لأننا لا نمجّد أو نقدّس أي زعيم، ولأننا لسنا خرفاناً في قطيع أحد». على الحياد، يعنـي؟ يجيب عمر إن عبارات كثيرة ترد في أغانيهم وتتطرق للسياسة، لكنها تبقى غير منحازة. ففي أغنية «لَـ وَرا»، هناك تمنٍ بعودة الزمن إلى الوراء لمنع التفجير الذي اغتال الرئيس رفيق الحريري، ورغبة بتحذير أمهات قانا من المجزرة المقبلة، لينجوَّن بأنفسهن وبأطفالهن: «14 شباط، كنت قلت له لرفيق ما تمرق بهـل طريق، بقلبي في حريق، الماضي بيصير صور بألبومات، لو رجعت بالزمان يومين لورا، كنت رحت لقانا قبل تاني مجزرة، كنت حذرتهم نسوان وأطفال، كنت مديت ايدي لأعطيهم مخدة ليناموا بسلام، وزرعت على السطح وردة». يسخر محمد من محاكمة المجتمع اللبناني للموسيقى من دون أن يتنبه المجتمع إلى أنها المتنفس الوحيد لهما: «التحليلات طالت هذه الأغنية وحسبتنا على فريق معين! ثم طالت لون الألبوم الأسود والأصفر، وقرر البعض أن يحسبنا على طرف آخر، مع أننا صممنا الغلاف قبل اعتقال الألوان وحصرها بفئة دون أخرى». يشرح عمر أسباب تسمية الفرقة بـ«أشكمان»، ليُقصد بها «فرقة تغني لتُخرج كل الوسخ من جوّا لبرّا، أي تفضح مساوئ المجتمع وتخرجها إلى العلن عبر الموسيقى». انطلقت الفرقة في أواخر التسعينيات، وتطورت تدريجياً. أبرز الخطوات كان إصدار ألبوم خاص بها. شيئاً فشيئاً، تتراكم تجربة الأخوين. لكل حادثة أو حدث، أغنية. يكتبانها ويحتفظان بها لوقت لاحق... أو لألبوم مقبل. وحتى يحين الموعد، سيكونان مشغولين بعملها اليومي في «الرسم التخطيطي» الذي تخصصا به وتخرجا عام ,2005 ويمارسانه كوظيفة يومية، ثم يستثمران مرتّبيهما بدائرة متكاملة من الإنتاج: شركة «طج كل شي» الموسيقية، وأزياء كتبت عليها شعارات معينة، والتلحين وإنتاج الأغاني. أما ما يتبقى لهما فيستثمرانه في أول جدار يناديهما ليرسما عليه «غرافيتي». يرسمانه سوية، مثلما يفعلان كل شيء. فيقول محمد إن عمر يكمّله، ويقول عمر إن محمد يكمّله. يتقاسمان كل شيء. الغرفة، الثياب، الأغاني، التأليف، العمل، وحتى الجمل التي يتكلمانها، يقول واحدهما نصفها ويبدأ الثاني بجزء يبدو معداً له. طريق «أشكمان» لم يكن سهلاً جداً، إذ هُوجموا من قبل عدد من الفرق اللبنانية، وألغيت مشاركتهم مؤخراً في حفلة لجمعية حيادية، وأُنزلوا عن المسرح أربع مرات لكلام لم يعجب المنظمين. السبب المعلن هو أن كلام الفرقة إما منحاز أو واضح وقاسٍ. وفي المقابل، وضعت شركات الإنتاج الضخمة التي تهتم بهذا النوع من الفن، شروطاً من نوع: ضرورة غناء راب بلون خليجي وآخر مصري مقابل إنتاج عملهم! وعلى الرغم من هذه الصعوبات، يمتلك الشابان الكثير من «المخططات الموسيقية»، منها إعادة توزيع أغاني قديمة وإدخال الراب عليها. وحتى ذلك الوقت، سيطبق عمر ومحمد ما جاء في أغنيتهما: «وقت تكون مظلوم، ما فيك تشوف النور، بتكون عايش بالظلام، مع قماشة على عيونك، والدولاب عم يبرم، بتصير تراجع حياتك وبتقيس كل أيامك، أنا كائن موجود والجلاّد نكرة، بدي عيش كل يوم وكأن ح موت بكرا... أنا الوحيد بين إخواتي اللي بعدو بالبلد، عم كافح ت ضل وبعد إلي جلد».