30.12.08

عن عجزي أمام روائح الموت..

وأنا أحاول الكتابة عن قمر.. فتاة مخيم شاتيلا التي شغلت بالي لثلاثة أيام.. نسيت كل شيء عن حماس وفتح.. نسيت محمود عباس.. نسيت معبر رفح.. نسيت حسني مبارك.. نسيت الكلمات المنددة.. لم أستطع إلا أن أفكر بقمر.. بالأولاد اللي عم بيروحوا فراطة.. حتى ما عدت أعرف كيف أكتب. كيف.. وأنا أشعر أني أختنق كلما كتبت.. كلما تذكرت هواء لبنان في تموز 2006.. كلما شممت روائح الموت.. أقول في نفسي.. أطفال غزة الآن لا يحظوّن بدقائق ليتعرفوا على وجهه... الموت يأتيهم وهم نيام، الموت تسلل من فوق.. من السقف الاسمنتي وخطف أرواح الملائكة الصغار الأخوات "تحرير وسمر واكرام وجواهر..".. كتبت عن قمر، وتنشر القصة في شباب السفير بعد غد الأربعاء، ولكني لم أشعر بالارتياح، لم أشعر بالاكتفاء..لم أشعر بالرضى..لأني أعيش كما كلنا.. أعيش عجزي، ماذا أفعل لهؤلاء.. لاشيء.. نحن لا نفعل شيئا.

مقتطفات من أيام في سوق خضار بيروت.. بين أرواح الباذنجان والملوخية

جهينة خالدية- جريدة السفير

27-12-2008



عند الخامسة فجراً، تكون في عزّ شبابها. فقد نزلت من فوق أشجارها، وتركت مساحة في التراب، لغيرها.
عند الخامسة فجراً، تكون حبات الخضار والفاكهة في منتصف عمرها. قُطفت منذ ساعات أو أيام قليلة، ونامت في صناديقها السوداء. تكدّست الصناديق في الشاحنات، ثم تدافعت إلى سوق الجملة للعاصمة بيروت عند المدينة الرياضية.
على أرض السوق الممتدة على مساحة ٣٥ ألف متر مربع، ستجد كل حبة في كل الصندوق نصيبها. تكون فعلياً قد انتقلت من أراض أهاليها المزارعين في القرى اللبنانية، إلى بائعي السوق، المعلمين، ليحتضنوها طوال النهار بأمانة، في انتظار أن يأتي نصيبها إلى خارج حدود السوق.


بعض الحبات المحصورة أسفل الصناديق، لا ترى وجوه أهلها الجدد، أو أولئك الموقتين، لكنها تشعر بأنها تنتقل من يد إلى أخرى، وأخرى. وتبقى عند تاجر السوق بقيةٌ لم تجد من يشتريها، فترحل آخر النهار إلى مكب النفايات أو إلى شاحنة »سوكلين« مباشرة. لا يمكن لحبة لم يأت نصيبها اليوم، أن تنتظر الغد »نحن نتاجر بكائنات حية ذات أرواح، لفاكهتنا وخضارنا أرواح تموت عند المساء«، يقول نقيب معلمي الخضار والفاكهة محمد القيسي.
"جزدان الست"

في هذه الساعة المبكرة من الصباح، يكون »الباذنجان« وحيداً عند أبي هيثم، أحد معلمي السوق. الباذنجان الخمري الداكن والممتلئ يتراكم في صناديقه، لا يكترث فعلاً لوحدته، فصاحبه يعرف اسم صنفه جيداً: »جزدان الست«.
حوالى السابعة مساء، تجد عدداً قليلاً من المعلمين يوضبون محلاتهم لاستقبال البضائع الطازجة. التوضيب يعني لملمة الصناديق الفارغة، وتنظيم الفواتير اليومية، وإجراء »حسبة« الأرباح. بذلك، ينشغل المعلم أبو أحمد الجالس في زاوية محله. أما ابنه أحمد الخجول فيردد في أثناء حراكه المستمر ما حفظه عن والده سابقاً: »بالذمم ولا بالركب.. بالذمم ولا بالركب يا رب«. تقوم هذه المقولة مقام خاتمة كل يوم عمل في حياة المعلمين. ويتدخل أبو أحمد ليساعد ابنه في شرح المقولة، بالقول: »كل تاجر تتراكم بضاعته أمامه يرضى أن يبيعها بالرخيص، أو بذمة أحدهم، بدلاً من أن تتكدس عنده. بكلمات أخرى، انصبوا عليّ ولا تبقى بضاعتي بين رجليّ!«.

تخلو السوق من الشعارات والهتاف، ومن نداءات قد يتوقع المرء سماعها في سوق للخضار. ففي عز الحركة، بين الخامسة والثامنة صباحاً، لا يرتفع النداء الغزلي »بخدود الحلوة يا بندورة«، أو أصابيع البوبو يا خيار«، و»أوراقك طرية يا ملوخية«.. وإنما تتشكل الأصوات البديلة من جلبة الشاحنات وأبواقها، والصناديق التي »تُشقّع« (تتراكم) فوق بعضها البعض، وتتوزع بحركات ميكانيكية على كل محل، في خلية النحل الضخمة هذه حيث يصعب على المرء أن يجد موطئ قدم في ساعات الذروة. تهدأ حركة السوق تدريجاً.
وبحلول التاسعة صباحاً، يظهر عدد من الشباب، يكنسون الطرقات أمام المحال، ويُسمع صوت حاجٍ مؤمن يشكر الله على »الرزقة الكريمة«. من هنا وهناك، يُسمع كلام يصب أغلبه في مجالات العمل والمساومة على الأسعار والكميات، وقلما يعلو نقاش في السياسة أو في مواضيع بعيدة عن هذه التجارة. الحاج المنهمك بعدّ رزم البقدونس في الصندوق الأسود، يقول إن »نحن وين والسياسة وين؟ يا عمي نحن لاحقين الرغيف، والرغيف هربان منا وبدك نحكي عن الزعماء؟ لا ما حزروا.. الحكي مع التجار أصدقاء عمرنا، عن عائلاتهم وخضرياتهم وبندوراتهم أهم بكتير، على الأقل خضرياتي لا سنّة ولا شيعة!«.

جولة في مخيمات العاصمة بيروت في اليوم الثاني للإعتداء الإسرائيلي على غزة.. والله قلبنا واجعنا

جهينة خالدية- جريدة السفير
29-12-2008
تخيفها أعداد الشهداء والجرحى التي ترد من غزة. يربكها اصطفافها في ثلاث خانات، فلا تعرف كيف تقرأها.
تتجاهل الأرقام وتمشي في المسيرة تضامنا مع غزة، وتعرّف عن نفسها بجملة واضحة »أنا اسمي قمر، أنا بنت مخيم شاتيلا، أنا بنت فلسطين كمان«.
تشارك الفتاة ابنة الإحدى عشرة سنة وأمها وأخوها في المسيرة التي نظمتها القوى الفلسطينية أمس، في مخيم شاتيلا، وهتف فيها العشرات »غزة خلقت لأجل الموت ولتحارب أعداء الله«.
قمر تقول »اللي عم بيصير هْناك كتير، واللي سقطوا ما منِعرَف إديش صاروا.. وأنا مش قادرة إلا إمشي وأرفع الراية«..
تقول جملتها وتغيب بين الجموع. بعد برهة تظهر من جديد، لتعلن قرارها الأخير: »بلى، بقدر أساعد أطفال »الهناك«، رح أجيب »القجة« وأتبرع بكل ما فيها ليشتروا علبتين دواء. ما بقدر إدفع أكتر من ١٥ ألف ليرة«.
المخيمات الفلسطينية في بيروت ومحيطها، كانت أمس بأكثر من لون، بأكثر من نبض، وبأكثر من نفس. هدوء ما قبل الظهر، سببه توجه سكان المخيم إلى الاعتصام أمام بيت الأمم المتحدة، والسكون المتوتر عصراً، عبّر عنه الناس برفع الأعلام والشعارات وتشكيل التجمعات الغاضبة. صباح مخيم شاتيلا يشبه كل صباحاته اليومية، وسوق صبرا المحيط يتابع عمله حتى الظهيرة.
الزبائن المتدافعون إلى سوق الأحد، احتاروا بين انتقاء حاجياتهم ومتابعة الأخبار عبر أجهزة الإذاعة الموزعة هنا وهناك بين بسطات السوق.
عند الواحدة ظهرا، تغلق المحال أبوابها، ويتوجه حشد من الرجال لتأدية صلاة الغائب في »قاعة الشعب« وسط المخيم، ثم تنطلق المسيرة التي »انضوت فيها فصائل منظمة التحرير، والقوى الإسلامية والتحالف تحت اسم »فصائل الثورة الإسلامية«، بحسب المسؤول الإعلامي في حركة فتح في المخيم حسن باكير. تنقسم المسيرة إلى مجموعتين، أولى للرجال والشباب، وثانية للنساء والفتيات.
كل مجموعة تهتف بهتافاتها الخاصة، هذه المرة تقال بأسى لمذبحة جديدة، وتقال لـ»غزة اللي بتنادي يُمى، وأنا يُمى رايح ومش محتار«، و»لغزة الأبية، اللي لبست توب الحرية«، ولـ»مقاوم غزة الجبار، اللي ما يهمه الحصار«. المسيرة التي جابت شوارع المخيم، تفرقت بعد نحو ساعة من انطلاقتها. عادت النسوة إلى منازلهن، واتجه كثير من الشباب إلى اعتصام السفارة المصرية، وبقيت مجموعة من الأولاد يحتجون وسط السوق على عدم إحراق أي علم إسرائيلي خلال المسيرة. »كيف ما جبنا علم، ما بيسواش يفلوا كلهم، هيك على الناشف بلا ما ندعس علم أولاد الكلب«، يقول حازم ابن الثلاثة عشر عاما.
أمس، ساد أزقة مخيم برج البراجنة، هدوء قلما يُلمس هنا. منذ العاشرة صباحا، تجمع أهل المخيم عند مدخله، ليتجه قسم منهم إلى وسط البلد للمشاركة في الاعتصام المركزي، وقسم آخر ليرابض عند السفارة المصرية، ومن بقي داخله، التصق بشاشات التلفزيونات لمراقبة كل ما يعيشه الأهل في فلسطين. أبو هيثم الجالس على مقعده الخشبي في دكان السمانة، يقول إن »الاعتصام لن يودي إلى أي مكان، والهتاف لن يعبر إلا عن غضبنا وعدم قدرتنا على تقديم المزيد.. أما الجلوس في منازلنا أو متاجرنا فلننفرد بحزننا الخاص«.
في شارع آخر، تنشر الحاجة سمية غسيل أولادها على شرفة لا يصلها الضوء. تستعجل الحاجة خطواتها، لتعود إلى الراديو الصغير عند نافذة المطبخ، الذي يأتيها بتقارير ومقابلات تبثها إذاعة »النور«. تقول الحاجة: »ما فش إشي نسويه.. خلصنا شغلنا وقعدنا بلا حيلة ودموعنا مش عم تهدى. والله بيقولوا الإنسان بيتعود على الحرب، بس إحنا والله ما تعودنا، إحنا زعلنا على حربنا بين أولادنا وهلق منموت من حرب على أولادنا، على كل حال هادي عمرها ما وقفت«.
تتركنا الحاجة، وتهتم بطبخة الكوسا التي تغلي على النار.. وهي تحدث نفسها »مين بباله ياكل بهل الوضع، مين له نفس، مين له قلب؟«.
في مخيم مار الياس لا تخترق الأجواء إلا أصوات صادرة من الشاشات، أو نقاش بين رجلين يبحثان عن بقعة شمس ترافق حديثهم السياسي. لا يصدق الرجل الأول أنهما وهما في هذا السن »يعيشان أسوأ لحظات في تاريخ القضية الفلسطينية«. يستذكران معا قيام »الكيان الغاصب« على أراضيهما، ويراجعان الأحداث وصولا الى هذه اللحظة التي »يباد فيها الشعب على مرأى من العرب وبتواطؤ منهم«. يهز أحدهما رأسه متململاً. يقول »والله يا أبو قاسم قلبنا واجعنا، وإيدنا فاضية من سلاح يشيل«.
عند نهاية الجولة في مخيم مار الياس، يكون الأطفال الثلاثة حسام، بلال ومحمد، يحتلون مقعد الدراجة النارية عند مدخل مخيم مار الياس. يتناوبون على المقعد الأمامي الذي يمكّنهم من التحكم بالمقود، على الرغم من أن الدراجة معطلة. طُرد الأولاد من منازلهم بعدما أطفأت أمهاتهم التلفاز، »أمي ما بدها نشوف القصف«، يروي محمد، ابن السابعة، صغير المجموعة، »بس إحنا منعرف إيش بيصير، إسرائيل عم تقتل »الحمساوية« في غزة«، يضيف بلال، ويعود ليردف »بس ماما بتقول إحنا مش فتحاوية ولا حمساوية. إحنا منزعل على الكل".

28.10.08

يحجبون عنا "السان جورج": كيف نهرب من المدينة؟




نُشر في جريدة السفير




27-10-2008




جهينة خالدية




عند السان جورج، نهرب من المدينة إلى المدينة. من بيروت إلى مدينة أخرى، نحلم أن تكون هكذا ليل نهار. نهرب من ازدحام لا تلتقطه العين، مواعيد، مدارس، مقاه، مطاعم، عمل، ناد، قراءة، كتابة، صخب ورش البناء... هكذا يكون النهار. نأت إلى ليل، نريده أن ينتهي عند انعكاس الأضواء على مياه »بيروت مارينا«. بلا شرح كثير. هنا رصيف بطول ٢٠٠ متر، يتجمع عليه الناس، لدردشات قصيرة أو لكثير من الهدوء. يتجمع الناس تحت ضوء خافت، هرباً من مراقبة وجوه المارة وابتساماتهم وهمومهم. يقفون كنسّاك أعمدة. خلال الأيام القليلة المقبلة، نُحرم من هذا كله. الشركة المساهمة »بيروت واتر دفالوبمنت« تغلق الواجهة البحرية عند هذا الموقع، لتنفيذ مشروع يمتد لسنتين ويقضي ببناء سلسلة مطاعم على طول الرصيف. ولكن، ألا تعتبر المساحة التي تنفذ عليها الشركة مشروعها، ملكاً لها، أما السور والرصيف فليسا كذلك؟ ألا يبقى من حق المواطن أن يستمتع بالمنظر عند هذه النقطة؟ حسب مدير المشروع المهندس فادي بستاني: »السبب الأول لحجب الواجهة البحرية بسياج محكم الإغلاق، هو دواعي السلامة العامة، كما تقضي القوانين. ولا هدف آخر«. يكمل بستاني: »بعد سنتين من الآن، يعود كل شيء كما كان، وأحلى«.




كيف نشرح للشركة ما قاله الناس عند »السان جورج«؟ كيف نشرح للشركة أنها ربما لا تخالف القانون ولكنها تخنقنا؟ ونحن نهرب من المدينة إلى قلب المدينة. نبتعد قليلاً عن المنارة وصوت هاني شاكر يخرج من سيارة »غولف« زرقاء، بالكاد يتسع صاحبها فيها، إلى جانب عشرات مكبرات الصوت. نريد أن ننسى المغني وهو يكرر: »أنا اللي فيكي يا دنيا تاهت خطوتي...«. أن نبتعد عن رائحة المعسّل الخارجة من نراجيل على طول الكورنيش... نعنع، عنب، تفاحة، تفاحتين.




عند »السان جورج«، نترك البحر وراءنا، ونستسلم لعدّ طوابق الأبراج العملاقة التي تكاد تأكل نصف سمائنا... »باي تاور«، »مارينا تاورز«، فندق »فور سيزنز«، و»بيروت تاور«... »بلاتينيوم تاور«.




عندما تتعب أعناقنا، ونمل من شتم أصحاب الملايين، نستدير لنقابل اليخوت. نراها، »نتحسر« على أنفسنا، ثم نكاد ننسى أنها موجودة. أما عندما ينتهي كوب »النسكافيه« الذي اشتريناه كالعادة من »الأنكل ديك«، أو »بيروت كافيه« أو »أبو الدهب«، ويحين موعد رميه، ويحين موعد الاستهزاء بالخطة الأمنية التي قضت بإغلاق سلاّت المهملات المعدنية خوفاً من زرع القنابل فيها، فنترك الكوب فارغاً عند سور »الألومنيوم«، ونمضي.




نكتب عن »السان جورج« عندما نتلقى اتصالاً من طبيب في »الجامعة الأميركية في بيروت«، يتحدث عن بقعته المفضلة في كل بيروت، عن متنفسه، عن قهوته الصباحية التي تصنع نهاره ونهار كثر. يناشدنا: »دخيلكم اكتبوا عن السان جورج، لا يمكن أن يخفوا عنا رؤية البحر، هذا ملك لله... بدكم ننزل مظاهرة؟ نستطيع أن نجمع لكم مئة«. والعجوز النشيط، الذي يدمن مشيته الرياضية الصباحية، لا يقنعه أي تبــرير حـول إغلاق الواجهة البحرية: »هيدا البحر إلنا أو لأ يا عمي؟ هيدا إلنا. والرصيف؟ إلنا؟ إيه إلنا. طيب كيف بدكم إقتنع إنه إذا تسكر المنظر، بكون علشانا وعلشان سلامتنا؟؟«.

3.9.08

١٧ فناناً من لبنان والعالم في "محترف الفنانين العالمي ـ عاليه"

جهينة خالدية - السفير
3-9-2008
في المنازل الثلاثة في عاليه، تختفي الحياة منذ سنوات طويلة، ولا يبقى إلا الرمّان الجاف وشجر الزنزلخت والتين المتعفن. في البيوت هذه، ماض فائض خرج من جدران متشققة، وأدراج غير مستوية وعشب داخل النوافذ. هنا فرشت مساحات لسبعة عشر فناناً وفنانة، ليشكلوا جزءاً من عملية التواصل ما بين الجغرافيا المحلية للمنطقة والجغرافيات ذات الطابع الشخصي، وليسرحوا بأعمالهم ضمن ورشة عمل »محترف الفنانين العالمي ـ عاليه« (أيوا).
هؤلاء تقدموا بطلبات للورشة، واختيروا من نحو ٣٠٠ فنان من مختلف أنحاء العالم. ما عاشوه خلال هذه التجربة أشبه ببرنامج تدريب داخلي، وكما يشرح منسق المشروع الفنان غسان معاصري: »يأتي تبعاً لنموذج محترفات »تراينغل آرتس تراست« الذي أطلقه عام ١٩٨٢ كل من روبرت لودر وانطوني مارو، وبات اليوم حاضراً في أكثر من ١٨ بلداً، وترعاه في لبنان، إلى جانب »تراينغل آرتس تراست«، كل من بلدية عاليه وكهرباء عاليه وشركة جورج خوري وشركة موريس والملحق الثقافي الايطالي ومؤسسة فورد«.
نفذت هذه الورشة عام ،٢٠٠٥ واليوم تعود لتطبق بعد ثلاث سنوات. وبحسب مدير شركة كهرباء عاليه ألبير خوري: »هناك نية لإعادة تنفيذها، بالإضافة إلى إطلاق بيت ثقافي«. ثلاثة بيوت شهدت العروض، واحد منها تعود ملكيته لعائلة غسان معاصري، وإثنان لعائلة ألبير خوري الذي يقول: »الورشة هي عمل ثقافي بحت. وفتح البيوت يعود عليها بشيء من الروح المهجورة. السؤال هو ما نفع البيوت إن كانت بلا روح وبلا سكانها؟«.
***
في الأيام الأولى للورشة التي استمرت أسبوعين، لازم الفنانون البيوت، استجمعوا روائحها ونبشوا ماضيها والتفوا حولها بحثاً عن روايات سكنت هنا. تركوا أنفسهم رهن ما يفيض عليهم من هذا كله. في مساحات كهذه، تُسمع الذكريات من نوافذ مخلعة، ومن أرضيات بفجوات عميقة، ومن حشرات صغيرة نمت في ترابٍ غمر البلاط الأحمر والأسود. تفشوا بين جدران بندوب وحروق كثيرة، وهناك عرف بعضهم أنهم سيبتكرون عرضاً معقداً، ورجّح آخرون أن المكان ينطق فناً، ولا يحتاج إلا إلى محاكاة صغيرة. وهذا ما كان. يعرف عدد من المشاركين الكثير عن لبنان الصغير. منهم من لجأ إلى الإنترنت لمزيد من المعلومات، منهم من لقي تنبيهات من العائلة قبل السفر إلى بلد لا تستقر أوضاعه الأمنية. ولكن بشكل عام، وصل الجميع بحماسة لمعرفة المزيد وملامسة الشارع كما هو. جالوا في بيروت والجبل، اختلطوا بالناس وحادثوهم. سألوهم عن المزج بين الحياة والموت، وعن زرع أرضٍ قد تحترق غداً، وعن بناء بيت هُدم أو أحرق في الأمس القريب. هذا الاختلاط والتعرف على المنطقة عن قرب هو جزء من هدف الورشة، كما يقول معاصري: »بهذه الطريقة، يخرج الفنان من الإطار التقليدي لورشات العمل التي تقام عادة في قاعات للعرض، ويحظى بفرصة لتخرج أفكاره من حالة معينة راهنة متأثرة بالمحيط، وبتاريخه وحاضره«. تناقش المشاركون حول تجاربهم الآتية من خلفيات وبلدان ومجالات مختلفة، لا سيما أن المحترف يعتمد على جمع جنسيات مختلفة. هم سبعة من العالم: نورمان أوفيلن (جنوب أفريقيا)، باتريسيا سوزا (برتغال) جوليانا سميث (سويسرا ـ أميركا)، لوكا بيرتيني (إيطاليا)، سليم برسيل (تركيا)، سيتاريه شهبازي (إيران ـ ألمانيا) ودايفيد غريغ هارث (أميركا)«. وسبعة من لبنان: أيمن بعلبكي، جينو شويري، تغريد درغوث، يمنى شلالا، كميل زخريا، غسان معاصري (منسّق) ولينا حكيم (منسّقة). وثلاثة من المنطقة العربية: محمود حنفي (مصر)، لاريسا سانسور (فلسطين ـ سويسرا)، نبيل مخلوفي (المغرب). ما ارتكبت أيديهم... في اليوم الأخير، الأحد ٣١ من آب المنصرم، خرجوا بأعمالهم إلى الجمهور، وقفوا أمام ما ارتكبوه، شرحوا ما احتاج الى توضيح... وابتسموا.
خلال العمل والنقاش واليوميات، تسللت »السفير« إليهم. سمعتهم... وتنصتت إلى أعمالهم قبل أن تنضج أولاً، ثم بعدما خرجت إلى الجمهور سلال هواجسهم وانطباعاتهم عن المنطقة وبيروت وعن الحب والحرب والعمق والظاهر والوجه والوجه الآخر. منهم من أعاد حياة البيوت إليها، ومنهم من رسم موتها من جديد. أو، ذكّرونا أن الموت واقع وما يبقى هو أشياء قليلة... كحذاء. هكذا، جمع كل من كميل زخريا وأيمن بعلبكي أحذية قديمة تناثرت في البيوت، دفنوها في قبرين صغيرين بزجاج شفاف: »الحذاء المتروك هو دليل على حياة كانت هنا وانتهت، ودليل على الموت وعلى ذاكرة مكان«، يقول أيمن. في مكان آخر، جمع أيمن »اليافطات« المليئة بكلامها. قطّعها وألصقها على صناديق كرتونية. جمعها فوق بعضها لتشكل باباً: »نكترث للغة، ولأحرفها، ونحملها معاً دوماً، ونسكن داخلها، وهي في الوقت عينه تغلق على ماض كان... فتصبح أبواباً تحمل كلاماً كثيراً، وقصص الهجرة والألم والرحيل من بيوتنا«.
علاقاتنا... الزهرية
عروض أخرى اعتبرت البيوت تصغيراً عن لبنان كله، وعن جروحاته المتناوبة والعائدة إلى الواجهة بين الفترة والأخرى. الجروح تترك ندوباً عميقة وتصبح جزءاً منا. ولكن في لبنان، بحسب تغريد درغوث، »نهرب منها أو نتجاهلها، ونخفيها داخلنا، ونتعامل مع الآخر وكأن شيئاً لم يكن، في حين تجب معالجة أثر أذية الآخر لنا في كل حرب«. سكن ذلك كله بطريقة ما في عمل تغريد، وهو عبارة عن مطبخ لبناني التصميم، ولكنه مكسّر ومشوّه. لم تصلحه ولم ترتبه. فقط دهنت جدرانه وأدوات الطبخ والثوم المجفف والرفوف بالطلاء الزهري الهادئ الأنيق. وأغلقته بواجهة زجاجية شفافة يُمنع تخطيها. هكذا، يتحول التشوه إلى »جمال« مفترض، ولا يمس. وهي بذلك تعكس أيضاً مفهوم عمليات التجميل التي ندمن عليها في لبنان، والتي ترسم شكلاً خارجياً »جميلاً«، ويبقى الداخل بعشرات القطب والجروح.
وجوهنا الأخرى...
يحتل المغربي نبيل مخلوفي المساحة الثامنة في المعرض. يقف فوق عمله الأول المفروش على الأرض، ويكرر الشرح لمن بدت على وجهه علامات التساؤل. اشترى ألعاب أطفال هي عبارة عن دبابات وأسحلة وعتاد حربي من البلاستيك. استعملها كقوالب، ملأها بالجفصين وطبعها على الأرض. صنع منها مدينة العنف. يقول: »الوجه الآخر لألعاب أطفالنا ليس إلا أدوات تؤذينا وتشرح لنا أننا نعيش في مدن القتل والحروب والعنف، السلاح هو بيوت المدينة وهو ما يدمرها«. في العرض الثاني لمخلوفي، هناك صورة على جدار. في الصورة، غزال محنط معروض في واجهة محل للمفروشات. يفتقد الغزال مكانه الطبيعي ويعلق بين صور وجسد بلا روح. جاء مخلوفي بالغزال، زرعه بين الشجر، ليطلّ من النافذة الملاصقة للصورة. واقفاً كحي يرزق فوق العشب وتحت الشجر. الغزال في مكانه الطبيعي ولكنه في وجهه الآخر... ميت. خارج الغرف، وبين الزرع والنبات النامي بشكل عشوائي، جاء إلينا المصري محمود حنفي برسائله العديدة. هذا واحد من عروض ثلاثة قدمها. نثر »المكاتيب« في الحديقة، وحمّلها جملة واحدة: »سنعود على العشاء ونشرب القهوة سوياً«. يحكي عن مفاهيم الانتظار الدائم، وعن الرغبة الدائمة بالعودة من المهجر أو من المدينة إلى بيت الطفولة. يحكي عن أمل إعادة بناء البيوت وبناء حياة سابقة انتهت بفعل التهجير والحروب. يقول محمود: »تربينا على أن لبنان هو الشيء الجميل بيننا وفي حياتنا، هكذا الأمل موجود دائماً، نعرف أن كل شيء سيعود إلى حاله، لأن اللبناني يحب الحياة«.
كل ما في الأرض...
عند التركي سليم برسيل، خرج كل ما في الأرض الى الطاولة. »ركّب« عرضه وهو يحتل باحة البيت الأول، من خلال تنظيفها. حمل إلينا ما اختفى بين التراب وخلف العشب ووضعه على الطاولة المستديرة. هكذا ترك الأشياء والبقايا تركّب حاضرها وتحكي قصة بقائها هنا. ماذا تتخيل؟ »فردة سكربينة«، صندل زهري لطفل، »خرطوش« فارغ مستعمل، زجاج مكسور، فنجان قهوة »عربية«، علب سردين يغلفها الصدأ، رمّان جاف، سيارة بلاستيكية صغيرة، مفرقعات، وردة يابسة، »كباكيب« الصوف، جراد، أزرار، حبات من »الأكي دنيا«، ملقط لنشر الغسيل، ربطة شعر... هذه صنعت حياة في الماضي... واليوم لم تعد إلى الحاضر، إلا لتكون جزءاً من معرض.

1.9.08

لمريم تبتسك ملائكة الروح..

لمريم تبتسم ملائكة الروح
السفير- جهينة خالدية
26-3-2007
أخيراً وصل أبي ليقلنا الى منزلنا الجديد. كانت أمي قد سبقتنا منذ ساعات الصباح الأولى، مستغلة إجازة ليوم واحد من مهمة «الست الناظرة» في مدرسة البلدة. في يد أبي لائحة أغراض أمرت أمي بنقلها معنا. كل غرض على سطر، ولكل سطر رقم. لا تعرف أمي الفوضى حتى في أحرج الأوقات وأضيقها. وعلى الرغم من تدريبها لنا على نهجها النظامي «الفائق التطور» إلا أني لم أنجح يوماً في التفوق عليها... ويبدو هذا حتى اليوم أمراً مستحيلاً، فأمي تستلذ بجمل من نوع: «صفيهم بالترتيب»، و«عيدي جليهم».
البطانيات، الطناجر، السجاد... والصندوق الأبيض. داخله مئات الصور الخارجة عن نظام أمي الصارم. لا بد أنها لم تكن لتجد وقتاً لفرز ذكرياتها. هل يجوز أن أسميه حب النظرة الأولى مع الصندوق؟ نعم، أظن ذلك.
في المنزل الجديد غرقنا في الصندوق. لكل صورة قصة طويلة، تستمتع بروايتها لنا. وأنا أستمتع بتأملها وهي تروي. أرى كيف تضحك عيناها عندما تحكي عن بعلبك، وذكريات القلعة، ومدرسة الراهبات، واحتيالها على الخياطة عند أخذ قياس طول الفستان، فتحاول أن ترفعه عن حدود الركبة قليلاً.يهرب الشعر الأسود الطويل في كثير من الصــور من تحت غطاء الرأس ليتدلى على القميـص المقلم. تبتسم أمي في صورها كلها، ومع حركة الشفتين «تزم» العين الواسعة عند زاويتها، فيختفي خط الكحل الأسود داخل الجفن.
في هذا الماضي، رحت أبحث عن نفسي فيها. لا أشبهها تماماً. اليوم، يقولون إن حركاتنا وشخصيتنا متشابهة جداً. شكل العين وشكل اليد والفم أيضاً. لم يكفني هذا. أريد أن أجد في طفولتها ومراهقتها ونضوجها أجوبة لي. حققت الصور جزءاً من مرادي، وتولت السنوات اللاحقة إتمام المهمة.اصطفت الصور في ألبومات عديدة. أحدها يحمل عنوان «قصتنا قصة». ويروي حياة مريم ـ غادة بالصور.
حياة أمي التي تحمل إسمين. إسم هو الأول، مثبت في سجلات القيد، وثانٍ اعتادت العائلة على مناداتها به. معها، ومع الإسمين، علمتنا «ارتكاب» الشغف في كل ما نفعله. رددت مع كل قبلة: «أنتم جزء مني». كنا ولا زلنا منها ولها، حتى أبي هو جزء منها ولها. تفضحه عيناه.
أخرجتنا نحن وهو من الصور وحفظتنا مع ملائكة الروح. وما عاد للصندوق قصص مخفية. خرجت الصور منه وانتشرت في كل المنزل. ولا يبدو هذا كافياً لها. قالت لي السنة الماضية وهي تقبل صورة أخي المهاجر: «تعبت من زجاج الإطار، أريد أن أُقبل بشرته».
لا تدرك هي أني أفعل الأمر عينه مع صورتها في غرفتي في بيروت. وعندما أزورها في نهاية الأسبوع، استمتع بتقبيلها في أثناء قيلولة العصر. فعلت ذلك يوم الجمعة الماضي، حملت لها نبتة «الأرطاسيا»، وتسللت الى سريرها. قبلتني على الخد نفسه مراراً، وهي تدلعني: يا «برزوئة»، يا «بيستي»... وقال دفء حضنها أكثر... اشتقتلك يا "مامتي".

عندما أصبحتُ "شهينة"!

عندما أصبحتُ "شهينة"!
السفير- جهينة خالدية
30-4-2008
شُهينة.. يتكرر اسمي مرتين متتابعتين. لا أحد يجيب. لم أكن أعرف أنها تناديني أصلاً. شُهينة كالديي ـ ليبانون.. أفهم الآن، إنها أنا. حان دوري. «جيبي شنطة تبعك أنت وتعييّ يللا». لماذا تصرخ في وجهي هكذا؟ لم أتخيّل أن هذا الصوت يخرج من امرأة هزيلة كتلك الماثلة أمامي. تبدو لطيفة لكنها تزعق. لا بأس سأحتملها، لكن... «لا أحد يزعق بي!». رجال الأمن في مطار كولومبو الدولي يدفعوننا الواحدة تلو الأخرى. ينادوننا لتسلم جوازات سفرنا التي لن نراها بعد اليوم. أصل إلى «بيتي» الجديد في «هيكادوا» على ساحل جنوب غرب سريلانكا (يبعد 90 كيلومتراً عن كولومبو). هذه بلدة محاها التسونامي قبل سنوات قليلة. «شُهينة؟ شُهيهة؟ جُنينة؟» تعاني مستخدمتي تحديداً مع حرف الجيم، ويستحيل عليها لفظ الخاء. يسهل عليها لفظ الاسماء المبتدئة بأحرف كالسين والشين والراء.. شونينكارا هو اسمي الجديد. اخيرا تنام شونينكارا، بغربتها، بخوف من الغد، بخوف من السنوات الثلاث المقبلة. غداً اليوم الأول في العمل. صباحاً، ستوضب أغراضها وسريرها المركون في زاوية المطبخ.
***
صباحاً، أنهض على دلو من الماء البارد. أشهق، أرتعب، أقفز من مكاني. أجمع كلماتي في جمل غير مفهومة. أعتذر عن فعل أجهله، لكنه دفع بمستخدمتي إلى إيقاظي بهذه الطريقة. «كام أون يا حومارا.. يالا».. تصرخ مدام سوماري. تطلب مني أن ألف شعري بشكل كعكة وأغطيه بشال صغير. أطيع الأوامر، بعدما أستبدل ثيابي المبللة. تزودني «المدام» ببنطال أحمر وكنزة صفراء مهترئة، ربما اشترتها ولبستها قبل 10 سنوات.. تنقطع أفكاري السخيفة بجملة مكررة: «يالا.. يالا.. يالا».. ترددها «المدام» طوال الوقت. أنظف أرض المنزل كلها، زحفاً، أمسح أثاثه، وأغسل ستائره. وهي تتأفف من عملي. أتلقى صفعتي الأولى. فجأة، تتهمني بسرقة حليّها.. ضرب مبرح.. وانهض من نومي صارخة. كان هذا حلماً مزعجاً. لم يحن بعد يومي الأول في العمل. أعود إلى النوم.
***
تهزني بلطف: «شونينكارا.. ويك أب..(انهضي)». أستجيب فوراً. تحسباً، أضم شعري بشكل كعكة، وأغطيه بشال صغير. تجول بي في منزل متوسط المساحة، تمتلكه عائلة ميسورة: غرفة للجلوس وأخرى للطعام، حمام، مطبخ واسع وغرفتان للنوم، واحدة لها ولزوجها «مستر رانديرنيني» (أظن أننا في لبنان كنا لنناديه راندي أو رضوان)، وأخرى لابنتيها «سوماري» (باللبناني سمية)، و«سفيينكارا» (صفية). لا شيء لافتا حتى الآن، إلا تفصيل صغير وهو أن للمنزل واجهة زجاجية عريضة، وحديقة زجاجية لشاي «العصرونية». عملي اليوم هو تنظيف كل هذا الزجاج. أطيع الأوامر بصمت. يحين موعد الغداء، وجبتي يسمونها «بيتو» تتضمن الأرز بالكاري، وصلصة جوز الهند والقصب.. مخبوصة كعجينة فاسدة.. لا أطيقها، لكن.. أهم بتناول لقمتي الأولى، عندما أسمعها تنادي اسمي الجديد.. أهرع إلى غرفة الجلوس، أجدها تستنكر عدم تنظيفي للزجاج. لا تقتنع بأنه سبق لي أن لبّيت أوامرها. ربما وسّخت الأمطار الزجاج. لا تصدقني، تشدني من شعري وهي تنفث «النفس» الأخير من سيجارتها التي تطفئها في ذراعي.. أصرخ من الألم.. وأنهض. هذا كابوس مؤلم.
***
لا أحتمل رائحة الفراش. تشبه رائحتهم هم. رطبة، متعفنة، تختلط فيها روائح إفرازات كثيرة فيها شيء من روائح التوابل والبهارات والكاري التي تدخل في أطعمتهم كلها. أقرف من رائحتي ومن رائحة ثيابي. لا يمكن أن أكون اللبنانية الأنيقة «أ لا مود» التي تصرف ثلاثة أرباع راتبها على التسوق، والعطور، والكريمات.. لا يمكن أن أكون أنا نفسي. أنهار، أبدأ بالبكاء. ألعن الساعة التي قبلت فيها العمل هنا. أتذكر أخواتي وأخي. أمي وأبي. لبنان. الروشة، عين المريسة، سهل البقاع، أشتاق إلى الحمرا، إلى جدتي.. أبحث في محفظتي عن ورقة وقلم لأكتب رسالة إلى أمي. أشتاق إلى اللغة العربية. غداً صباحاً، سأطالب بمجلة عربية. كما تطالب المخدومات في لبنان بمجلات سريلانكية. لا بأس إذا كانت صادرة منذ ثلاثة أشهر. يطل الصبح. تنهض مستخدمتي. أسلّمها رسالتي الأولى. تجن.. تفتح فمها وتغلقه وتكرر كلمات لا أفهم منها شيئاً. وكأنها تقول: «ما صار لك بالقصر من مبارح العصر!»، تمزق الرسالة. تحيلني على دلو أغسل فيه ثيابي، وبالمرّة أغتسل، فرائحتي لا تعجبها. أُصدم. تطفو عنصريتي إلى السطح. أود أن أقول لها إنها هي المقرفة. لا أحتمل شتائمها. أنا أمام حل من إثنين. إما قتلها، أو التزام الصمت. لا أحتمل فكرة أن تصفعني سريلانكية. أشعر بأني أختنق. أعرف أن هذا كابوس آخر. أدفع بنفسي إلى الأعلى لأنهض عن سريري، فلا أستطيع. أنا أختنق فعلاً. لم أستطع الاحتمال. ربطت عنقي بالشرشف الوسخ إياه وانتحرت.
***
في سريلانكا، نشر الخبر في أسفل صفحة داخلية في إحدى الصحف. نسمة بين 20 مليون نسمة، من سيهتم بي؟ وأضف أني لبنانية.. لا شك أن الخادمات السابقات فرحوا لموتي. في لبنان، نشروا الخبر كقصة كبيرة. تناولتني الصحف طوال أيام ثلاثة، ثم عادت إلى معضلة انتخاب الرئيس. قبل انتحاري، سعيت لدى ماهيندا راجاباكسا (رئيس بلادي الجديدة) ليساعدهم، لا أعرف إذا فعل.
***
يحل الصباح. هذا يومي الأول في العمل. أرتب المنزل. أناديها «مدام». تقول إنه يمكنني أن أناديها «ماما». مستخدمتي تعرف العربية. قليلاً. لقد كانت في لبنان منذ سنوات بعيدة. وهربت بعد سنتين من العمل كـ«عبدة» لدينا. لقد نهضتُ فعلاً.. وأخيراً. لست في الجنة، لكني لبنانية وخادمة في سريلانكا ليوم واحد. وأنا بخير.

27.8.08

تركت طفولتي في منزلك.. ولم أتركك


جهينة خالدية
نُشر في جريدة السفير
27-8-2008 

أخاطبك حبيبي... عبر الصورة. أخرجها من محفظتي. أمرر أصابعي فوقها، كأني أتحسس شعيرات ذقنك. 
"ذقنك تشوكني"، أقول لك، ثم أضحك كطفلة صغيرة تظن أن كل الوجوه بنعومة بشرة الأطفال. وعيناك؟ لم أعرف يوماً لونهما الفعلي. يرتديان اللون مع ثيابك. أقول إنهما بنيّتان أو زيتيتان. لا أحتاج إلى الصورة لأعرف ذلك.

 ***
كم أنت بعيد! كيف أجدك في وسع هذا السهل؟
بينما كنت أتأملك تلعب مع الصغار، أربكتني الغيرة. أسماء الدلع التي تختارها لهم، ضمّاتك، الأصوات الهامسة التي توازنها على قدر سمعهم.
لاحقاً، ماذا ستقول لأطفالي؟ أي ألعاب ستبتدع لتسليهم؟ أياً من أسرارك ستستخدم لكي يحبوك بعد البسمة الأولى؟
وأنا أتأملك، تهت في سهل البقاع الذي أحفظ تقاطيعه عن ظهر قلب. تطل أنت من بين أراض حُصدت، وقمح ينتظر، ووادٍ تنضـح منه حبات البطاطا، من ثرى دوالي العنب التي تحاكي أيلول وتشرين.
وكأنك تطل وكأني أقول لك: لا تغش، ستقرأها لاحقاً.

***
سأكتب لك، وأنا لا أعرف إن كان الكلام يغسل أقمشة الشمس القريبة. ولا أعرف إن كنت أستطيع أن أثلج هواجس تتقلب في فراشها ليل نهار. الكلام قد لا يفعل، لكني أحمل جيناتك. هذا المشترك يا أبي... كافٍ.

***
على هذا الورق، أواجه نفسي قبل أن أواجهك. أختار ما أقول، وما لا أقربه. أبتسم لك من بعد. أما وأنا قريبة، فأستمع إليك بصمت. أدّعي أني أنسى بعض الأفكار معك، لكني أحفظك، كأني أحفظ الخصلات البيضاء والرمادية في شعرك. 
أعرفك، مثلما أعرف أني أجلس في حضنك على ضفاف البردوني
أكنت أنت الذي لاعبني على «كرشه»؟ أكنت أنت من وضــعني في عــمق قهقهته؟ أكنت أنت من هدهدني وتركني أتعلق بالهواء؟ 
يومها ظننت أنها أوراق السماء التي أمسكها، ولم تكن سوى شجرة قزمة. يومها ظننت أن الغيم يشبه القشطة فوق صحن الفاكهة، ويشبه مثلجات بطعم الفانيلا. أكنت أنت من طلب مني ألا أبكي تحت المطر؟ 
قلت إن السماء عندما تبكي تصبح كعجوز رمادية... ولا تريديني أن أصبح مثلها. عندما أتذكر الآن ما قلت، أخاف. 

***
أتصل بك. أسمع صوتك المتعب. أخاف عليك عندما تقرر أن تسبق العمل قبل أن يصل إليك. كيف تغلبه دوماً؟ كيف اخترت، على مدى أربعين عاماً، أن تنام ساعات أربع فقط؟ كيف احتملت أربع فتيات وفتى؟ كيف ألقيت برأسك على الوسادة وأنت مثقل بأحلامنا؟ 
تثقلك أحلامنا، أعرف. تثقلنا ممنوعاتك، ولاءاتك، ولكني أتذكرها وأضحك. أقول في سري... هذا أنت. أب بقوانين كثيرة. لا أحتمل كل العلاقة الأبوية. لا أحتمل هذا النوع من الخوف عليك وخوفك عليّ.

***
أقرأتها؟ حبيبي، لا أحتمل. فالخوف، كالحب تماماً، يكبر عنّا ويفيض.

***
يفيض عن دلو تُركت المياه مفتوحة فوقه لسنوات طويلة. يفيض كأن المياه تدفقت شلالات. الخوف في البعد يلملم هوامشنا ويتركنا في صلب كل شيء. أنا من صلبك. وأنا أشعر، وأنت على الجانب الآخر لتلك السماعة البلاستيكية، أنك حبيبي، مرهق.

***
إضحك لي. إضحك لها. فأنا أخاف عليها من دونك. وأخاف عليك من دونها. أحتاج إلى غادة لأجدك. لأعرف ما بك. تقول الكثير بصورتها التي فوق لوحة مفاتيحي. الصورة لها، ليست لك، لأني أراك عبرها. تقول كل شيء في اختزان العينين وتتمنى ألا تفعل. ولكن عمن برأيك تستطيع غادة أن تحجب نظراتها؟ غادة تعرف أني «أحبك» على طريقتي.
***
في الصورة أطالك. وتحت السماء الغامضة أطالك. أنتظر سماءً هوى منها الرذاذ البارد وأخرج اليك. السماء تعيدني إليك. النظر إلى البحر بعينيين فارغتين يعيدني إليك. ما تقول وما تفكر وما لا تقول... يجعل الماء المتدفق أمامي خانقاً.
كأن الموج لا يروح ولا يجيء. 
كأنه ينزل عليّ دفعة واحدة. أعجز عن استيعابه. لا يستطيع التأمل الفارغ استيعاب كل ماء البحر، ولو كان ذلك في مشهد.

***
أخشى أحياناً أن أنسى أنك مع أحد الملائكة التي تدور حول رأسي.

***
أخشى أن أقول إني من دونك وحيدة. لا بد أن أجد الوقت. لا بد أن أخترع لك مســاحة زمنية أو افتـراضية لأرمي فيها كل ثقل الـكلام المركون في فمي. 
أجمع لك كلاماً بعدد خصلات شعري. وأنا أنتظر هذه المساحة، أهيم في أحلام رائعة.

***
أول من أمس كنت طفلة في منام. ركعت أمامك، أدرت ظهري ومددتك بفرشاة خشبية. سرحت لي شعري، خصلة خصلة. سألتني إن كنت تؤلمني وهززت رأسي نافية. قررت أن تصنع لي ضفيرة. ضحكنا معاً لأغرب ضفيرة تصنع.

***
منذ زمن ليس ببعيد، تركت طفولتي في منزلك. لم أتركك. فقط تركت براءة الطفولة. عرفت ذلك أنت، لكنك تصرفت كأنك لا تعرف. وفي عيدك أبلغك هذا السر. لدي الكثير لأقوله لك وجهاً لوجه. لكني عندما أتذكر أني كلما لاقيتك تشغلني بأفكار أخرى، تعرفها وأعرفها... أعدل عن رأيي. 
وأتذكر أن هذا يضيّع الكثير من مساحة زمنية أريدها فقط... للحب. 

المصدر: جهينة خالدية- السفير
أخرج من الدفاتر الى المدونة. أقرر أن أترك كل ما يختلط في الرأس، يخرج الى الافتراض. اقول أني أحاول. لا أكثر.

26.8.08

ملل..

ملل..
جهينة خالدية- السفير
ألمانيا
19-11- 2007:
لا أملك غراباً في بيروت. في ألمانيا، أصادق الكثير منها. أقضي الصباح برفقتها. والغروب أيضاً. ليست نذير شؤمي. ليست رمزاً يعنيني... لكنها هنا. لا أملك ركوة قهوة. لا أملك هالاً ولا بنّاً مطحوناً. أعيش صباحاتي برفقة قهوة محلية صنعت في آلة. وتُسمع فيروز (مؤكد) ووديع الصافي (ممكن)، كخلفية لمشهد. يومياً، يرتسم أمامي منظر وحيد: أطراف شمس نائمة تقريباً (قد تصحو بعد ثلاث ساعات)، هواء بارد في أواخر الصيف، نبتة صغيرة تحمل زهرتَي دوّار الشمس، إلى جانبها حبق كثير. كرسي صغير أحمر، أنا أجلس إليه، يد في جيبي، وأخرى تحمل فنجاناً، وأرتجف.
ما بعد حدود الشرفة، أُصبح أمام مشاهد من فئة «خلاّب». كاتدرائية «الدوم» تطلّ من خلف غيم خفيف. الراين كوجه طفلة خالٍ من تجعيدة. دخانٌ أبيض يتصاعد منذ ليل الأمس من عدد من مداخن الأبنية، كشعيرات قليلة بقيت في رأس جدّ. الغراب أيضاً يزورني كحبّة بن لا أشمها. يتلذذ بزيارة كل نافذة متاحة. لا يحب الغراب أن يطيل الوقوف، يتلصص قليلاً إلى داخل المنزل، يراقب أباً يُقبّل أطفاله قبل أن ينطلق إلى عمله بأناقة عادية. ينتقل إلى شرفة أخرى. هذه سيدة ثلاثينية تروي أزهارها البرتقالية الصغيرة. تلامسها وكأنها تقرص خدّ طفل صغير غنجاً. تضيف قليلاً من أحمر الشفاه، وتخرج. أحب أن أحكي مع هذه المدينة.
***
مطر
يملأ المطر فراغات هنا. يشغل أحلامك ببيت لا تملكه. للمطر رائحة في الحلم. هل نشم في الحلم؟ يسألك صديق. لست متأكدة. لكن للمطر رائحة... تختفي هنا. لا يبقى شيء منها في ألمانيا. الطرقات النظيفة حتى من تراب الزوايا تُبعد شبهات الروائح. إذاً، في ألمانيا للمطر شكل يشبه السكون. متسلسل بخيوط رقيقة، لا يتحرك. تحب هذه المدينة النظافة في الوقت غير المناسب. لا تشتاق أحجار البيوت إلى قطرة ترتشفها كقهوة صباحية. تحتمل مباغتتها لها. تحب تلصصها الدائم على الشمس. تحب أن يمسح عنها آثامها. يحب المطر أن يكون رومنسياً. يحب شغف الشوارع به. يحتال على عاشق لكي يخلع سترته ويغطي حبيبته. يبلل سيدةً «مسنّة» متأنقة تقصد عملها على دراجة هوائية. يحب أن يرى ابتسامة طفل وهو يجمع القطرات بكفين مفتوحتين إلى السماء. يحب أن تتحول ألوان المشهد إلى الأسود والأبيض وهو يطلّ على جنين في شهره السادس. يحب أن يملأ صندوق غيتار مفتوح أمام عازف لا يمتلك آلته. يحب المطر أن يجد الجميع في انتظاره. لكن، هنا، الجميع ينتظرون الشمس. قد لا يحبه إلا الغريب، وحده يُغرم بكل هذا المطر. يحب أن يعيشه حتى لو كان وحيداً. يتقمص الطريقة الألمانية. يجد نفسه داخل كنزة قطنية، وسترة سميكة، ووشاح حول الرقبة، ومظلة في اليد. لباسٌ لأربعة فصول. تمطر السماء فيفتح الغريب مظلته. يكبت الغيم خيره فيغلقها. تغري الشمس الغيم وتُرحّله فيخلع السترة. يستلقي الأصفر كله، فيوضب الوشاح في الحقيبة. .. وبعد قليل، يعود الغيث. هذا يوم طبيعي. هذا يوم من «صيف» أيلول والتشرينين. عليك أن تفهم اللعبة. وعليك ألا تقرر أن تكون ألمانياً فجأة. فأنت لن تحتمل أمزجة السماء. ولن تنجح في احتمال برد صيفي.
***
فراغ
تنسل من أشياء كثيفة لتعيش فراغاً هادئاً يكون مِلكك. تريده هادئاً، يختلسك من صخب شيء ما. يقرر الفراغ أن يكون موجوداً... يقرر أن يتسلل بروية بين مقاعد القطار، وبين مكاتب العمل... وفي الأمسيات أحياناً. وأنت تقرأ فوق عشب حديقة. وتطعم البط والأوز في بحيرة صغيرة. وتبحث عن بقعة شمس تعيرك دفئاً طبيعياً. يأتيك عندما تقرر أن تحيّي المشردين النائمين فوق قطعة كرتون في محطة قطار... فلا تلقى رداً. لا يأتي الفراغ كمشهد ثابت. الفراغ هنا يتنكر، غالباً. وأحياناً، يصبح شبيهاً بشعور غربة لا يحق لك أن تعيشها وأنت تعرف أنك عائد بعد أقل من شهرين. الملل يأتيك وأنت تختبر كل جديد في «بلاد المهجر». فتدرك أن الأشياء تكتسب معناها أحياناً من محيط تحبه لا من ذاتها. بتّ تدرك شيئــاً عن معنــى الأشــياء، وعن لا رائحة للمطر. فالرائحة للتراب، للشجر، للهواء، تحت المطر.

12.7.08

عازفا البيانو فالديس ولوغران في مهرجانات بيبلوس: أصابع من ماء


نُشر في جريدة السفير

جهينة خالدية

12-07-2008

أراد الليل أن يتوقف هناك، فقط ليسمع أصوات كل هذا الماء الآتي من الأصابع. كانت نسمات الهواء وبعض الغيوم التائهة وحدها التي تتحرك، عدا ذلك، كل شيء آخر توقف في «مواجهة» عازف البيانو الكوبي الحاصل على ثلاث جوائز »غرامي» تشوشو فالديس، والمؤلف الفرنسي والعازف الحاصل على ثلاث جوائز أوسكار وخمس «غرامي» ميشال لوغران.. في أمسية مؤنسة ضمن مهرجان بيبلوس أمس الأول.
الأصابع العشرون التي لم تهدأ طوال ساعتين، أحيت قسمي الأمسية. قسم غمره فالديس ومنفرداً بالجاز اللاتيني ـ الافريقي ـ الكوبي والجاز التجريبي، وقسم كان فيه وجهاً لوجه مع لوغران، أمام جمهور صامت مسحور.
لوغران يدخل في القسم الثاني، بمزج الكلاسيكي بالجاز، في عزف هادئ. يحيّي الجمهور، ويحاكي فالديس عبر مفاتيحه السوداء والبيضاء.. يتوقف لثانية ليردد كلمات قليلة «السعادة العارمة تغمرني وأنا في إحدى أقدم المدن وأحد أقدم المرافئ في العالم». ويعود الاثنان ليغيبا عن كل المشهد الهوائي وينفردا بآلتيهما وتبادل الجمل الموسيقية.
أما الجمهور الذي تلقف كل ذلك، فلم ينتبه إلى عُزلته التي غرق فيها، كل واحد غلّفته النوتات الساحرة، فانفرد بلحظات نادرة حجبته عن كل تفصيل آخر. لعب الإثنان واستعرضا مهارتيهما، حتى خرجا عن البنى الكلاسيكية لعزف البيانو. نسمع همساً من شاب ثلاثيني يقول «نسينا العالم، نسينا كل شيء آخر في الحياة». بقليل جدا من الكلام، وكثير من الزهو والاحتراف يأتي لوغران مع كل هذه الموسيقى، هو الفيّاض في إنتاجه (أكثر من ٢٠٠ مقطوعة ولحن)، وقد نشرت أعماله في كثير من الأفلام الفرنسية مع جان لوك غودار، أجني فاردا، وجاك ديمي وغيرهم. أمس الاول عزف لوغران من مؤلفاته «أمبريلا أوف شيربول»، ومن فيلم «ذا توماس كراون أفير» عزف «ويند ميلز أوف يور مايند»، و«يو ماست بيليف إن سبرينغ». يملي لوغران علاماته الموسيقية منتجا اهتزاز ثلاثة أوتار تشد على نفس التردد. ويشبك فالديس يديه الكبيرتين، متحايلاً على مفاتيح قد لا تصلها أصابع عازف سواه، في حين يقول الصوت الذي يخرج: «أنا أدرك ما تفعل.. لهذا أنت عميد الجاز اللاتيني». عندها يبتسم الرجل، منهمكا بعمله اللذيذ، كأنه يعزف أو يسمع «كرافان» أو «فاتن دول» للمرة الأولى، أو كأنه يسمع أخته ماريا تغني لنا «بيسا مي موتشو»الليلة فقط. في العزف مقاطع كثيرة تقول لك.. قم وارقص. قام الناس، لكن قلة هم الذين رقصوا. آخرون استغلوا المساحات الخاوية من المدرج واستلقوا هناك، كأنهم في نزهة ربيع. افترشوا الأرض، وغرقوا في صمت تلك الموسيقى. لم يغمضوا عيونهم، فهذا حفل يجب ان يشاهد مع النجوم في آن. هذا ما كان. هذا حفل تسمعه النجوم ولا تراه.
العزف الذي يخرج من أرواح تلك المفاتيح السوداء والبيضاء، يطيع أهواء ميشال لوغران وتشوتشو فالديس الذي يبدو وكأنه ساحر الأيدي العشر.
الجمهور يغيب ويترك العازفَين وجها لوجه، خلفهما عازف الكونترباص لازارو آلركون، وعلى الدرامز خوان كارلوس كاسترو الذي بدا كأنه لا يتعب، وعلى الإيقاع يارولدي روبلس. أما الناس الملتفة على مقاعدها او متناثرة فوق «سنسول» جبيل فتلذّذت بوحدة الأصوات الطازجة.
يفترض المرء أن هذا الكم من النوتات لا يمكن أن يتشارك فيه اثنان. هذه امرأة خمسينية بجسد رشيق، تتمايل في أعلى المدرج، كأنها معلقة فوق الماء بدرجات وتحت السماء بمساحات بسيطة. تدور، تغمر زوجها وتهمس: «مشهد كهذا، وموسيقى كهذه، وهذه الاضواء لا يمكن إلا أن تكون أفضل من الشعور الذي يمليه علينا النبيذ».. قالت هذا بالانكليزية.. ورقصت.

عازفا البيانو فالديس ولوغران في مهرجانات بيبلوس: أصابع من ماء


نُشر في جريدة السفير

جهينة خالدية
12-7-2008

أراد الليل أن يتوقف هناك، فقط ليسمع أصوات كل هذا الماء الآتي من الأصابع. كانت نسمات الهواء وبعض الغيوم التائهة وحدها التي تتحرك، عدا ذلك، كل شيء آخر توقف في «مواجهة» عازف البيانو الكوبي الحاصل على ثلاث جوائز »غرامي» تشوشو فالديس، والمؤلف الفرنسي والعازف الحاصل على ثلاث جوائز أوسكار وخمس «غرامي» ميشال لوغران.. في أمسية مؤنسة ضمن مهرجان بيبلوس أمس الأول.
الأصابع العشرون التي لم تهدأ طوال ساعتين، أحيت قسمي الأمسية. قسم غمره فالديس ومنفرداً بالجاز اللاتيني ـ الافريقي ـ الكوبي والجاز التجريبي، وقسم كان فيه وجهاً لوجه مع لوغران، أمام جمهور صامت مسحور.
لوغران يدخل في القسم الثاني، بمزج الكلاسيكي بالجاز، في عزف هادئ. يحيّي الجمهور، ويحاكي فالديس عبر مفاتيحه السوداء والبيضاء.. يتوقف لثانية ليردد كلمات قليلة «السعادة العارمة تغمرني وأنا في إحدى أقدم المدن وأحد أقدم المرافئ في العالم». ويعود الاثنان ليغيبا عن كل المشهد الهوائي وينفردا بآلتيهما وتبادل الجمل الموسيقية.
أما الجمهور الذي تلقف كل ذلك، فلم ينتبه إلى عُزلته التي غرق فيها، كل واحد غلّفته النوتات الساحرة، فانفرد بلحظات نادرة حجبته عن كل تفصيل آخر. لعب الإثنان واستعرضا مهارتيهما، حتى خرجا عن البنى الكلاسيكية لعزف البيانو. نسمع همساً من شاب ثلاثيني يقول «نسينا العالم، نسينا كل شيء آخر في الحياة». بقليل جدا من الكلام، وكثير من الزهو والاحتراف يأتي لوغران مع كل هذه الموسيقى، هو الفيّاض في إنتاجه (أكثر من ٢٠٠ مقطوعة ولحن)، وقد نشرت أعماله في كثير من الأفلام الفرنسية مع جان لوك غودار، أجني فاردا، وجاك ديمي وغيرهم. أمس الاول عزف لوغران من مؤلفاته «أمبريلا أوف شيربول»، ومن فيلم «ذا توماس كراون أفير» عزف «ويند ميلز أوف يور مايند»، و«يو ماست بيليف إن سبرينغ». يملي لوغران علاماته الموسيقية منتجا اهتزاز ثلاثة أوتار تشد على نفس التردد. ويشبك فالديس يديه الكبيرتين، متحايلاً على مفاتيح قد لا تصلها أصابع عازف سواه، في حين يقول الصوت الذي يخرج: «أنا أدرك ما تفعل.. لهذا أنت عميد الجاز اللاتيني». عندها يبتسم الرجل، منهمكا بعمله اللذيذ، كأنه يعزف أو يسمع «كرافان» أو «فاتن دول» للمرة الأولى، أو كأنه يسمع أخته ماريا تغني لنا «بيسا مي موتشو»الليلة فقط. في العزف مقاطع كثيرة تقول لك.. قم وارقص. قام الناس، لكن قلة هم الذين رقصوا. آخرون استغلوا المساحات الخاوية من المدرج واستلقوا هناك، كأنهم في نزهة ربيع. افترشوا الأرض، وغرقوا في صمت تلك الموسيقى. لم يغمضوا عيونهم، فهذا حفل يجب ان يشاهد مع النجوم في آن. هذا ما كان. هذا حفل تسمعه النجوم ولا تراه.
العزف الذي يخرج من أرواح تلك المفاتيح السوداء والبيضاء، يطيع أهواء ميشال لوغران وتشوتشو فالديس الذي يبدو وكأنه ساحر الأيدي العشر.
الجمهور يغيب ويترك العازفَين وجها لوجه، خلفهما عازف الكونترباص لازارو آلركون، وعلى الدرامز خوان كارلوس كاسترو الذي بدا كأنه لا يتعب، وعلى الإيقاع يارولدي روبلس. أما الناس الملتفة على مقاعدها او متناثرة فوق «سنسول» جبيل فتلذّذت بوحدة الأصوات الطازجة.
يفترض المرء أن هذا الكم من النوتات لا يمكن أن يتشارك فيه اثنان. هذه امرأة خمسينية بجسد رشيق، تتمايل في أعلى المدرج، كأنها معلقة فوق الماء بدرجات وتحت السماء بمساحات بسيطة. تدور، تغمر زوجها وتهمس: «مشهد كهذا، وموسيقى كهذه، وهذه الاضواء لا يمكن إلا أن تكون أفضل من الشعور الذي يمليه علينا النبيذ».. قالت هذا بالانكليزية.. ورقصت.

28.1.08

مئة ألف معوق ينتظرون تطبيق القانون منذ 8 سنوات

نُشر في جريدة السفير
28-1-2008
جهينة خالدية
حان دورها. بعد قليل ستتقدم الى المنبر وتنتقي كرسيا يريحها الجلوس عليه. بعد قليل سيرتجف صوتها وتهتز عكازاها أكثر مما هما عليه الآن. القاعة اليسرى في قصر الاونيسكو تجمع أكثر من مئة من المهتمين في مؤتمر «حق الشخص المعاق بالتعليم: بين تطبيق القانون 220/2000 وواقع والتزام فرقاء المجتمع المدني» الذي ينظمه «منتدى المعاقين الشمالي» برعاية وزارة التربية. الحضور كله هذا سيستمع الى تجربتها. تضحك وتقول «أنا أرتجف». عليها أن تهدأ. في ورقة بيضاء مطوية تخبئ بعض مفاتيح مداخلتها: «تجربتي، المدرسة، حقي بالتعلم، أهمية تأقلم الآخر مع المعوق..». تنقص ورقة هدى كلمة مهمة: الانتظار. هي تنتظر فعلا، الى جانب نحو مئة ألف معوق صدور المراسيم التطبيقية للقانون اياه، بعد أن أقره المجلس النيابي منذ ثماني سنوات. وينص القرار على حق المعوق في التعليم بأنواعه كافة وبالعمل وببيئة مؤهلة وحقه في دعم المؤسسات الاجتماعية.
هدى الشقطي فتاة ثلاثينية لديها اعاقة في احدى الساقين، سعت منذ سنوات طويلة لتكون فتاة طبيعية تكمل دراستها الأكاديمية، وفشل مسعاها. أنهت صفها المتوسط الرابع وحازت الشهادة المتوسطة، ثم رفضت كثير من المدراس استقبالها. يومها لم تكن مشاريع دمج المعوق ناشطة كما اليوم. لاحقا تمكنت هدى بدعم «منتدى المعاقين الشمالي»، من الخضوع لعدد من دورات اللغة الانكليزية والكومبيوتر، وبعد أن فشلت في ايجاد وظيفة في أي مؤسسة أخرى، أصبحت موظفة في المنتدى نفسه.. الرفض كان يأتي من المؤسسات بحد ذاتها، ورفض آخر مصدره المجتمع الذي ينكر حقها كمواطنة لها كل الحق في العمل وعليها واجبات إذا ما مدت لها يد المساعدة.
توصيات… كثيرة
التهميش الذي حلم المعوقون بأن ينتهي، ما زال قائما. الأسباب الأساسية لذلك هي تقصير كثير من القطاعات الرسمية والخاصة في العمل على تطبيق القانون، وتقديم حجج بأنه معقد ويحتاج الى جهد خارق. هذا ما خلص اليه المؤتمر، وأوصى وزارة الشؤون الاجتماعية بتوعية المعوقين على حقوقهم للمساعدة في عملية الدمج التربوي والاجتماعي والعيش باستقلالية، بعد فهم المجتمع لحقائق أساسية تتعلق بمجالات الإعاقة على تنوعها. ومساعدة أهل المعوق على تقبل الإعاقة وإظهار أهمية دمج أطفالهم في الحياة الاجتماعية، وتنظيم حملات توعية شاملة وعاملة لجميع أبناء المجتمع. ووضع سياسة تدخل واضحة وخطط دمج للتخفيف من عزل المعوقين، ضمن مؤسسات الرعاية.
أما وزارة التربية والتعليم العالي، فأشارت التوصيات الى دورها في ضمان حق الأشخاص المعاقين بالتعليم والالتزام بتسهيل عملية الدمج، وإصدار مراسيم تنفيذية بإلزامية استقبال المعوقين في المدارس تحت طائلة تحميل عدم المنفذين المسؤولية، وإفساح فرص التعلم المتكافئ، ووضع خطة تدريجية واضحة لتأهيل المدارس، مع تخصيص بند خاص ضمن موازنات وزارة التربية لتأهيل المدارس الرسمية ليصبح معظمها مؤهلا لاستقبال معوقين. والأهم توفير الكوادر البشرية التربوية والتعليمية المؤهلة لتربية وتعليم الأطفال والطلاب المعوقين وتدريبها وتأهيلها وفق التكنولوجيا الحديثة، اضافة الى اعطاء الحق الى الجمعيات أسوة بقانون الأحداث، بالتقدم بمراجعات إدارية وقضائية بحق كل من يخالف القانون .220
وأوصى المؤتمر وزارة التربية، إنشاء مديرية للمعوقين تحل محل اللجان المنشأة بموجب القانون تكون لها سياستها العامة وخطتها وكوادرها التنفيذية. ومنح المعوقين طلبات انتساب تمكنهم من متابعة الدراسة في المؤسسة التربوية التي يختارونها واتخاذ التدابير اللازمة لذلك.
أما في ما يتعلق بدور المدارس الخاصة والرسمية، فأوصى المؤتمر بتنظيم دورات تدريبية لسائقي الباصات والسيارات والحجاب والعاملين في المؤسات التربوية، لمساعدة المعوق على الصعود والنزول الى المدارس. والتشديد على الزامية ادخال مربين متخصصين وتقويميين ومعالجي نظق ضمن فريق العمل المتخصص في المدرسة، زرع مبدأ تقبل الآخر المختلف لدى الطلاب الآخرين، وذلك ضمن نشاطات فصلية متكررة والزامية وعدم الاكتفاء فقط بما جاء في كتاب التربية المدنية. واقترح المؤتمر تنظيم مشاريع مشتركة بين وزارة التربية ووزارة الشؤون الاجتماعية وبعض الجمعيات الأهلية لتأهيل مدرسة نموذجية في كل قضاء من أقضية لبنان.
تنتهي توصيات المؤتمر، لكن تبقى نقطة أخيرة تأتي على الشكل التالي: «للأسف إن ما نراه اليوم في معظم وسائل الإعلام يرتكز على عمل الخير والمساعدات المادية وليس على المطالبة بالحقوق».
المؤتمر والقانون
مؤتمر الأمس جاء من ضمن سياسة المنتدى بمحاولة اقناع المعنيين بتطبيق القانون، عبر اعطاء البراهين على عدم صعوبة او استحالة تطبيقه، عن طريق تقديم نماذج تطبيقية عملية لبعض مواده. وبحسب رئيس المنتدى نبيل عبد في هذا الاطار تحول الى مشروع «نموذج إستراتجيات تطبيق المواد الاولوية للقانون 220»، الذي ينفذه منذ تموز 2007 بتمويل من الاتحاد الاوروبي وبإدارة وزارة التربية الإدارية ضمن برنامج افكار ,2 ويمتد بنهاية العام ,2008 هذا ما تحدث عنه عبد في المؤتمر الذي قدم الكثير من الشرح المفيد عن القانون وأهميته وضرورة ادخاله حيز التنفيذ.
ولفت عبد الى ان المشروع يهدف الى «تنفيذ نماذج عن استراتجيات تطبيق بعض المواد الأولية للقانون، ليكون مثالا يحتذى به، واشراك بعض القطاعات الإنتاجية في بعض القطاعات الاجتماعية، في تطبيق بعض جوانب القانون، وبناء قاعدة من مختلف القطاعات الاجتماعية لدعمه». وبحسب عبد ينفذ المشروع بغالبيته في الشمال عموما ومدينتي طرابلس والميناء خصوصا، بالاضافة الى بعض النشاطات العامة التي تطبق على المستوى الوطني.
في ختام المؤتمر صدرت توصيات تقع في ست صفحات، تؤكد على حق ذوي الحاجات الخاصة بالتعلم وانماء قدراتهم العقلية وتوسيع آفاقهم المعرفية، والأهم التدرب على الحياة المجتمعية.
حضر المؤتمر المدير العام لوزارة التربية فادي يرق، المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي ممثلا بالرائد حنا اللحام، ممثل المفوضية الاوروبية في لبنان يوسي نارفي، ممثل مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الادارية يمنى غريب، ممثلة وزيرة الشؤون الاجتماعية هيام فاخوري، مساهمون في تنفيذ المشروع وممثلون عن عدد من الوزارات، مدراء مدارس ونشطاء ومهتمون.
وألقت ممثلة مكتب وزير الدولة للشؤون الادارية ومنسقة برنامج افكار 2 يمنى الشكر غريب كلمة اكدت فيها «ان هدف البرنامج هو دعم المجتمع المدني اللبناني في سبيل احترام الحقوق المدنية والسياسية»، مشيرة الى «ان القانون 220/2000 قدم اطارا مقبولا لدمج المعاق وتأمين حقوقه وتعزيز دوره كعضو فاعل في النظام الاجتماعي». وجزمت «ان القانون منذ اقراره بقي برسم التنفيذ وان الجهود جميعها تنصب على تطبيقات ميدانية وعملية له».
ثم تحدث نارفي فرأى «ان القانون يشكل الاطار القانوني لدمج المعوقين في لبنان. لم يعد مجرد رقم نظرا الى الجهود المشتركة للواضعين والمنفذين الآيلة الى ترجمة القانون على ارض الواقع».
واكد «ان مهمة انفاذ حقوق المعوقين تقع على عاتق العديد من القطاعات، اذ جرى تهميش المعوقين في المجتمع لاسباب ترتبط بالاعاقة والبنية التحتية الضعيفة التصميم، وهم يتعرضون غالبا للتمييز في ما يتعلق بحصولهم على الخدمات العامة وفرص العمل والتربية، والمشاركة في الحياة العامة. وعليه، لا بد من تنسيق الجهود بين الفاعلين في المجالات الاجتماعية والخاصة بالعمل وحقوق الانسان والتربية والصحة».
واشار يرق الى «ان مفهومنا للمساواة وديموقراطية التعليم، يرفض التهميش المدرسي والاجتماعي، ويأبى اعتبار الحاجة الاضافية، لأي تلميذ، سببا للاقصاء والعزل، او اللامبالاة. نحن مجتمعون هنا، لنؤكد اهتمامنا الكلي بذوي الحاجات الخاصة. هذا المؤتمر الهادف، شهادة لتعاونكم الخير، وتصميمكم على المتابعة، في عمل جماعي، رسمي واهلي، لتحديث القوانين والانظمة، التي ترعى الاساليب والوسائل لمواجهة الحالات المختلفة».
وقال: «ان وزارة التربية والتعليم العالي، تضع في طليعة اهتماماتها، تقليص المسافة بين التلميذ، الذي يتمتع بكامل قدراته، الجسدية والنفسية، وبين التلميذ الذي فقد بعضها. وان الوزير خالد قباني، حريص جدا على توفير الشروط والظروف لتحقيق الدمج الفعلي، بين جميع تلامذتنا، وفي كل مدارسنا بالتعاون مع الجهات المعنية، من وزارات ومنظمات دولية وقطاع اهلي، واصحاب اختصاص».
الندوات
بعد كلمات الافتتاح انعقدت الندوة الاولى بعنوان: «حق الشخص المعاق بالتعليم» فقدم المحامي فهمي كرامي مداخلة عرض فيها حق الشخص المعاق في التعليم انطلاقا من القانون. وعرض مدير الارشاد والتوجيه في وزارة التربية جان حايك للمشاريع المنفذة من قبل الوزارة في هذا الاطار.
وفي الندوة الثانية التي عرضت لواقع الحال من خلال التجارب العملية التي قام بها مختلف الفرقاء المعنيين لتسهيل حصول الاشخاص المعاقين على حقهم في التعليم من خلال عرض مسؤولة العلاقات العامة في المنتدى تجربة هذا الاخير من خلال دمج تربوي للاشخاص المعاقين في مدارس عادية خاصة ورسمية نفذه المنتدى منذ انطلاقته عام 1986 كما ولصعوبات ونتائج هذا البرنامج.
ثم عرض عدد من مدراء المدارس تجارب مدارسهم في مجال الدمج التربوي للاشخاص المعاقين.
تحدث المؤتمر مطولا عن القرار 220/,2000 وكانت الحماسة والاندفاع واضحين لتطبيقه، لكن حتى بعد اقرار المرسوم التطبيقي للقانون وتحوله الى نص، نكون ما زلنا امام تحد كبير. المرسوم هذا ليس الدواء الناجع لكن صدوره يضعنا في موقع اكثر تقدما مما نحن عليه الآن.