28.1.08

مئة ألف معوق ينتظرون تطبيق القانون منذ 8 سنوات

نُشر في جريدة السفير
28-1-2008
جهينة خالدية
حان دورها. بعد قليل ستتقدم الى المنبر وتنتقي كرسيا يريحها الجلوس عليه. بعد قليل سيرتجف صوتها وتهتز عكازاها أكثر مما هما عليه الآن. القاعة اليسرى في قصر الاونيسكو تجمع أكثر من مئة من المهتمين في مؤتمر «حق الشخص المعاق بالتعليم: بين تطبيق القانون 220/2000 وواقع والتزام فرقاء المجتمع المدني» الذي ينظمه «منتدى المعاقين الشمالي» برعاية وزارة التربية. الحضور كله هذا سيستمع الى تجربتها. تضحك وتقول «أنا أرتجف». عليها أن تهدأ. في ورقة بيضاء مطوية تخبئ بعض مفاتيح مداخلتها: «تجربتي، المدرسة، حقي بالتعلم، أهمية تأقلم الآخر مع المعوق..». تنقص ورقة هدى كلمة مهمة: الانتظار. هي تنتظر فعلا، الى جانب نحو مئة ألف معوق صدور المراسيم التطبيقية للقانون اياه، بعد أن أقره المجلس النيابي منذ ثماني سنوات. وينص القرار على حق المعوق في التعليم بأنواعه كافة وبالعمل وببيئة مؤهلة وحقه في دعم المؤسسات الاجتماعية.
هدى الشقطي فتاة ثلاثينية لديها اعاقة في احدى الساقين، سعت منذ سنوات طويلة لتكون فتاة طبيعية تكمل دراستها الأكاديمية، وفشل مسعاها. أنهت صفها المتوسط الرابع وحازت الشهادة المتوسطة، ثم رفضت كثير من المدراس استقبالها. يومها لم تكن مشاريع دمج المعوق ناشطة كما اليوم. لاحقا تمكنت هدى بدعم «منتدى المعاقين الشمالي»، من الخضوع لعدد من دورات اللغة الانكليزية والكومبيوتر، وبعد أن فشلت في ايجاد وظيفة في أي مؤسسة أخرى، أصبحت موظفة في المنتدى نفسه.. الرفض كان يأتي من المؤسسات بحد ذاتها، ورفض آخر مصدره المجتمع الذي ينكر حقها كمواطنة لها كل الحق في العمل وعليها واجبات إذا ما مدت لها يد المساعدة.
توصيات… كثيرة
التهميش الذي حلم المعوقون بأن ينتهي، ما زال قائما. الأسباب الأساسية لذلك هي تقصير كثير من القطاعات الرسمية والخاصة في العمل على تطبيق القانون، وتقديم حجج بأنه معقد ويحتاج الى جهد خارق. هذا ما خلص اليه المؤتمر، وأوصى وزارة الشؤون الاجتماعية بتوعية المعوقين على حقوقهم للمساعدة في عملية الدمج التربوي والاجتماعي والعيش باستقلالية، بعد فهم المجتمع لحقائق أساسية تتعلق بمجالات الإعاقة على تنوعها. ومساعدة أهل المعوق على تقبل الإعاقة وإظهار أهمية دمج أطفالهم في الحياة الاجتماعية، وتنظيم حملات توعية شاملة وعاملة لجميع أبناء المجتمع. ووضع سياسة تدخل واضحة وخطط دمج للتخفيف من عزل المعوقين، ضمن مؤسسات الرعاية.
أما وزارة التربية والتعليم العالي، فأشارت التوصيات الى دورها في ضمان حق الأشخاص المعاقين بالتعليم والالتزام بتسهيل عملية الدمج، وإصدار مراسيم تنفيذية بإلزامية استقبال المعوقين في المدارس تحت طائلة تحميل عدم المنفذين المسؤولية، وإفساح فرص التعلم المتكافئ، ووضع خطة تدريجية واضحة لتأهيل المدارس، مع تخصيص بند خاص ضمن موازنات وزارة التربية لتأهيل المدارس الرسمية ليصبح معظمها مؤهلا لاستقبال معوقين. والأهم توفير الكوادر البشرية التربوية والتعليمية المؤهلة لتربية وتعليم الأطفال والطلاب المعوقين وتدريبها وتأهيلها وفق التكنولوجيا الحديثة، اضافة الى اعطاء الحق الى الجمعيات أسوة بقانون الأحداث، بالتقدم بمراجعات إدارية وقضائية بحق كل من يخالف القانون .220
وأوصى المؤتمر وزارة التربية، إنشاء مديرية للمعوقين تحل محل اللجان المنشأة بموجب القانون تكون لها سياستها العامة وخطتها وكوادرها التنفيذية. ومنح المعوقين طلبات انتساب تمكنهم من متابعة الدراسة في المؤسسة التربوية التي يختارونها واتخاذ التدابير اللازمة لذلك.
أما في ما يتعلق بدور المدارس الخاصة والرسمية، فأوصى المؤتمر بتنظيم دورات تدريبية لسائقي الباصات والسيارات والحجاب والعاملين في المؤسات التربوية، لمساعدة المعوق على الصعود والنزول الى المدارس. والتشديد على الزامية ادخال مربين متخصصين وتقويميين ومعالجي نظق ضمن فريق العمل المتخصص في المدرسة، زرع مبدأ تقبل الآخر المختلف لدى الطلاب الآخرين، وذلك ضمن نشاطات فصلية متكررة والزامية وعدم الاكتفاء فقط بما جاء في كتاب التربية المدنية. واقترح المؤتمر تنظيم مشاريع مشتركة بين وزارة التربية ووزارة الشؤون الاجتماعية وبعض الجمعيات الأهلية لتأهيل مدرسة نموذجية في كل قضاء من أقضية لبنان.
تنتهي توصيات المؤتمر، لكن تبقى نقطة أخيرة تأتي على الشكل التالي: «للأسف إن ما نراه اليوم في معظم وسائل الإعلام يرتكز على عمل الخير والمساعدات المادية وليس على المطالبة بالحقوق».
المؤتمر والقانون
مؤتمر الأمس جاء من ضمن سياسة المنتدى بمحاولة اقناع المعنيين بتطبيق القانون، عبر اعطاء البراهين على عدم صعوبة او استحالة تطبيقه، عن طريق تقديم نماذج تطبيقية عملية لبعض مواده. وبحسب رئيس المنتدى نبيل عبد في هذا الاطار تحول الى مشروع «نموذج إستراتجيات تطبيق المواد الاولوية للقانون 220»، الذي ينفذه منذ تموز 2007 بتمويل من الاتحاد الاوروبي وبإدارة وزارة التربية الإدارية ضمن برنامج افكار ,2 ويمتد بنهاية العام ,2008 هذا ما تحدث عنه عبد في المؤتمر الذي قدم الكثير من الشرح المفيد عن القانون وأهميته وضرورة ادخاله حيز التنفيذ.
ولفت عبد الى ان المشروع يهدف الى «تنفيذ نماذج عن استراتجيات تطبيق بعض المواد الأولية للقانون، ليكون مثالا يحتذى به، واشراك بعض القطاعات الإنتاجية في بعض القطاعات الاجتماعية، في تطبيق بعض جوانب القانون، وبناء قاعدة من مختلف القطاعات الاجتماعية لدعمه». وبحسب عبد ينفذ المشروع بغالبيته في الشمال عموما ومدينتي طرابلس والميناء خصوصا، بالاضافة الى بعض النشاطات العامة التي تطبق على المستوى الوطني.
في ختام المؤتمر صدرت توصيات تقع في ست صفحات، تؤكد على حق ذوي الحاجات الخاصة بالتعلم وانماء قدراتهم العقلية وتوسيع آفاقهم المعرفية، والأهم التدرب على الحياة المجتمعية.
حضر المؤتمر المدير العام لوزارة التربية فادي يرق، المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي ممثلا بالرائد حنا اللحام، ممثل المفوضية الاوروبية في لبنان يوسي نارفي، ممثل مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الادارية يمنى غريب، ممثلة وزيرة الشؤون الاجتماعية هيام فاخوري، مساهمون في تنفيذ المشروع وممثلون عن عدد من الوزارات، مدراء مدارس ونشطاء ومهتمون.
وألقت ممثلة مكتب وزير الدولة للشؤون الادارية ومنسقة برنامج افكار 2 يمنى الشكر غريب كلمة اكدت فيها «ان هدف البرنامج هو دعم المجتمع المدني اللبناني في سبيل احترام الحقوق المدنية والسياسية»، مشيرة الى «ان القانون 220/2000 قدم اطارا مقبولا لدمج المعاق وتأمين حقوقه وتعزيز دوره كعضو فاعل في النظام الاجتماعي». وجزمت «ان القانون منذ اقراره بقي برسم التنفيذ وان الجهود جميعها تنصب على تطبيقات ميدانية وعملية له».
ثم تحدث نارفي فرأى «ان القانون يشكل الاطار القانوني لدمج المعوقين في لبنان. لم يعد مجرد رقم نظرا الى الجهود المشتركة للواضعين والمنفذين الآيلة الى ترجمة القانون على ارض الواقع».
واكد «ان مهمة انفاذ حقوق المعوقين تقع على عاتق العديد من القطاعات، اذ جرى تهميش المعوقين في المجتمع لاسباب ترتبط بالاعاقة والبنية التحتية الضعيفة التصميم، وهم يتعرضون غالبا للتمييز في ما يتعلق بحصولهم على الخدمات العامة وفرص العمل والتربية، والمشاركة في الحياة العامة. وعليه، لا بد من تنسيق الجهود بين الفاعلين في المجالات الاجتماعية والخاصة بالعمل وحقوق الانسان والتربية والصحة».
واشار يرق الى «ان مفهومنا للمساواة وديموقراطية التعليم، يرفض التهميش المدرسي والاجتماعي، ويأبى اعتبار الحاجة الاضافية، لأي تلميذ، سببا للاقصاء والعزل، او اللامبالاة. نحن مجتمعون هنا، لنؤكد اهتمامنا الكلي بذوي الحاجات الخاصة. هذا المؤتمر الهادف، شهادة لتعاونكم الخير، وتصميمكم على المتابعة، في عمل جماعي، رسمي واهلي، لتحديث القوانين والانظمة، التي ترعى الاساليب والوسائل لمواجهة الحالات المختلفة».
وقال: «ان وزارة التربية والتعليم العالي، تضع في طليعة اهتماماتها، تقليص المسافة بين التلميذ، الذي يتمتع بكامل قدراته، الجسدية والنفسية، وبين التلميذ الذي فقد بعضها. وان الوزير خالد قباني، حريص جدا على توفير الشروط والظروف لتحقيق الدمج الفعلي، بين جميع تلامذتنا، وفي كل مدارسنا بالتعاون مع الجهات المعنية، من وزارات ومنظمات دولية وقطاع اهلي، واصحاب اختصاص».
الندوات
بعد كلمات الافتتاح انعقدت الندوة الاولى بعنوان: «حق الشخص المعاق بالتعليم» فقدم المحامي فهمي كرامي مداخلة عرض فيها حق الشخص المعاق في التعليم انطلاقا من القانون. وعرض مدير الارشاد والتوجيه في وزارة التربية جان حايك للمشاريع المنفذة من قبل الوزارة في هذا الاطار.
وفي الندوة الثانية التي عرضت لواقع الحال من خلال التجارب العملية التي قام بها مختلف الفرقاء المعنيين لتسهيل حصول الاشخاص المعاقين على حقهم في التعليم من خلال عرض مسؤولة العلاقات العامة في المنتدى تجربة هذا الاخير من خلال دمج تربوي للاشخاص المعاقين في مدارس عادية خاصة ورسمية نفذه المنتدى منذ انطلاقته عام 1986 كما ولصعوبات ونتائج هذا البرنامج.
ثم عرض عدد من مدراء المدارس تجارب مدارسهم في مجال الدمج التربوي للاشخاص المعاقين.
تحدث المؤتمر مطولا عن القرار 220/,2000 وكانت الحماسة والاندفاع واضحين لتطبيقه، لكن حتى بعد اقرار المرسوم التطبيقي للقانون وتحوله الى نص، نكون ما زلنا امام تحد كبير. المرسوم هذا ليس الدواء الناجع لكن صدوره يضعنا في موقع اكثر تقدما مما نحن عليه الآن.