27.8.08

تركت طفولتي في منزلك.. ولم أتركك


جهينة خالدية
نُشر في جريدة السفير
27-8-2008 

أخاطبك حبيبي... عبر الصورة. أخرجها من محفظتي. أمرر أصابعي فوقها، كأني أتحسس شعيرات ذقنك. 
"ذقنك تشوكني"، أقول لك، ثم أضحك كطفلة صغيرة تظن أن كل الوجوه بنعومة بشرة الأطفال. وعيناك؟ لم أعرف يوماً لونهما الفعلي. يرتديان اللون مع ثيابك. أقول إنهما بنيّتان أو زيتيتان. لا أحتاج إلى الصورة لأعرف ذلك.

 ***
كم أنت بعيد! كيف أجدك في وسع هذا السهل؟
بينما كنت أتأملك تلعب مع الصغار، أربكتني الغيرة. أسماء الدلع التي تختارها لهم، ضمّاتك، الأصوات الهامسة التي توازنها على قدر سمعهم.
لاحقاً، ماذا ستقول لأطفالي؟ أي ألعاب ستبتدع لتسليهم؟ أياً من أسرارك ستستخدم لكي يحبوك بعد البسمة الأولى؟
وأنا أتأملك، تهت في سهل البقاع الذي أحفظ تقاطيعه عن ظهر قلب. تطل أنت من بين أراض حُصدت، وقمح ينتظر، ووادٍ تنضـح منه حبات البطاطا، من ثرى دوالي العنب التي تحاكي أيلول وتشرين.
وكأنك تطل وكأني أقول لك: لا تغش، ستقرأها لاحقاً.

***
سأكتب لك، وأنا لا أعرف إن كان الكلام يغسل أقمشة الشمس القريبة. ولا أعرف إن كنت أستطيع أن أثلج هواجس تتقلب في فراشها ليل نهار. الكلام قد لا يفعل، لكني أحمل جيناتك. هذا المشترك يا أبي... كافٍ.

***
على هذا الورق، أواجه نفسي قبل أن أواجهك. أختار ما أقول، وما لا أقربه. أبتسم لك من بعد. أما وأنا قريبة، فأستمع إليك بصمت. أدّعي أني أنسى بعض الأفكار معك، لكني أحفظك، كأني أحفظ الخصلات البيضاء والرمادية في شعرك. 
أعرفك، مثلما أعرف أني أجلس في حضنك على ضفاف البردوني
أكنت أنت الذي لاعبني على «كرشه»؟ أكنت أنت من وضــعني في عــمق قهقهته؟ أكنت أنت من هدهدني وتركني أتعلق بالهواء؟ 
يومها ظننت أنها أوراق السماء التي أمسكها، ولم تكن سوى شجرة قزمة. يومها ظننت أن الغيم يشبه القشطة فوق صحن الفاكهة، ويشبه مثلجات بطعم الفانيلا. أكنت أنت من طلب مني ألا أبكي تحت المطر؟ 
قلت إن السماء عندما تبكي تصبح كعجوز رمادية... ولا تريديني أن أصبح مثلها. عندما أتذكر الآن ما قلت، أخاف. 

***
أتصل بك. أسمع صوتك المتعب. أخاف عليك عندما تقرر أن تسبق العمل قبل أن يصل إليك. كيف تغلبه دوماً؟ كيف اخترت، على مدى أربعين عاماً، أن تنام ساعات أربع فقط؟ كيف احتملت أربع فتيات وفتى؟ كيف ألقيت برأسك على الوسادة وأنت مثقل بأحلامنا؟ 
تثقلك أحلامنا، أعرف. تثقلنا ممنوعاتك، ولاءاتك، ولكني أتذكرها وأضحك. أقول في سري... هذا أنت. أب بقوانين كثيرة. لا أحتمل كل العلاقة الأبوية. لا أحتمل هذا النوع من الخوف عليك وخوفك عليّ.

***
أقرأتها؟ حبيبي، لا أحتمل. فالخوف، كالحب تماماً، يكبر عنّا ويفيض.

***
يفيض عن دلو تُركت المياه مفتوحة فوقه لسنوات طويلة. يفيض كأن المياه تدفقت شلالات. الخوف في البعد يلملم هوامشنا ويتركنا في صلب كل شيء. أنا من صلبك. وأنا أشعر، وأنت على الجانب الآخر لتلك السماعة البلاستيكية، أنك حبيبي، مرهق.

***
إضحك لي. إضحك لها. فأنا أخاف عليها من دونك. وأخاف عليك من دونها. أحتاج إلى غادة لأجدك. لأعرف ما بك. تقول الكثير بصورتها التي فوق لوحة مفاتيحي. الصورة لها، ليست لك، لأني أراك عبرها. تقول كل شيء في اختزان العينين وتتمنى ألا تفعل. ولكن عمن برأيك تستطيع غادة أن تحجب نظراتها؟ غادة تعرف أني «أحبك» على طريقتي.
***
في الصورة أطالك. وتحت السماء الغامضة أطالك. أنتظر سماءً هوى منها الرذاذ البارد وأخرج اليك. السماء تعيدني إليك. النظر إلى البحر بعينيين فارغتين يعيدني إليك. ما تقول وما تفكر وما لا تقول... يجعل الماء المتدفق أمامي خانقاً.
كأن الموج لا يروح ولا يجيء. 
كأنه ينزل عليّ دفعة واحدة. أعجز عن استيعابه. لا يستطيع التأمل الفارغ استيعاب كل ماء البحر، ولو كان ذلك في مشهد.

***
أخشى أحياناً أن أنسى أنك مع أحد الملائكة التي تدور حول رأسي.

***
أخشى أن أقول إني من دونك وحيدة. لا بد أن أجد الوقت. لا بد أن أخترع لك مســاحة زمنية أو افتـراضية لأرمي فيها كل ثقل الـكلام المركون في فمي. 
أجمع لك كلاماً بعدد خصلات شعري. وأنا أنتظر هذه المساحة، أهيم في أحلام رائعة.

***
أول من أمس كنت طفلة في منام. ركعت أمامك، أدرت ظهري ومددتك بفرشاة خشبية. سرحت لي شعري، خصلة خصلة. سألتني إن كنت تؤلمني وهززت رأسي نافية. قررت أن تصنع لي ضفيرة. ضحكنا معاً لأغرب ضفيرة تصنع.

***
منذ زمن ليس ببعيد، تركت طفولتي في منزلك. لم أتركك. فقط تركت براءة الطفولة. عرفت ذلك أنت، لكنك تصرفت كأنك لا تعرف. وفي عيدك أبلغك هذا السر. لدي الكثير لأقوله لك وجهاً لوجه. لكني عندما أتذكر أني كلما لاقيتك تشغلني بأفكار أخرى، تعرفها وأعرفها... أعدل عن رأيي. 
وأتذكر أن هذا يضيّع الكثير من مساحة زمنية أريدها فقط... للحب. 

المصدر: جهينة خالدية- السفير

ليست هناك تعليقات: