1.9.08

عندما أصبحتُ "شهينة"!

عندما أصبحتُ "شهينة"!
السفير- جهينة خالدية
30-4-2008
شُهينة.. يتكرر اسمي مرتين متتابعتين. لا أحد يجيب. لم أكن أعرف أنها تناديني أصلاً. شُهينة كالديي ـ ليبانون.. أفهم الآن، إنها أنا. حان دوري. «جيبي شنطة تبعك أنت وتعييّ يللا». لماذا تصرخ في وجهي هكذا؟ لم أتخيّل أن هذا الصوت يخرج من امرأة هزيلة كتلك الماثلة أمامي. تبدو لطيفة لكنها تزعق. لا بأس سأحتملها، لكن... «لا أحد يزعق بي!». رجال الأمن في مطار كولومبو الدولي يدفعوننا الواحدة تلو الأخرى. ينادوننا لتسلم جوازات سفرنا التي لن نراها بعد اليوم. أصل إلى «بيتي» الجديد في «هيكادوا» على ساحل جنوب غرب سريلانكا (يبعد 90 كيلومتراً عن كولومبو). هذه بلدة محاها التسونامي قبل سنوات قليلة. «شُهينة؟ شُهيهة؟ جُنينة؟» تعاني مستخدمتي تحديداً مع حرف الجيم، ويستحيل عليها لفظ الخاء. يسهل عليها لفظ الاسماء المبتدئة بأحرف كالسين والشين والراء.. شونينكارا هو اسمي الجديد. اخيرا تنام شونينكارا، بغربتها، بخوف من الغد، بخوف من السنوات الثلاث المقبلة. غداً اليوم الأول في العمل. صباحاً، ستوضب أغراضها وسريرها المركون في زاوية المطبخ.
***
صباحاً، أنهض على دلو من الماء البارد. أشهق، أرتعب، أقفز من مكاني. أجمع كلماتي في جمل غير مفهومة. أعتذر عن فعل أجهله، لكنه دفع بمستخدمتي إلى إيقاظي بهذه الطريقة. «كام أون يا حومارا.. يالا».. تصرخ مدام سوماري. تطلب مني أن ألف شعري بشكل كعكة وأغطيه بشال صغير. أطيع الأوامر، بعدما أستبدل ثيابي المبللة. تزودني «المدام» ببنطال أحمر وكنزة صفراء مهترئة، ربما اشترتها ولبستها قبل 10 سنوات.. تنقطع أفكاري السخيفة بجملة مكررة: «يالا.. يالا.. يالا».. ترددها «المدام» طوال الوقت. أنظف أرض المنزل كلها، زحفاً، أمسح أثاثه، وأغسل ستائره. وهي تتأفف من عملي. أتلقى صفعتي الأولى. فجأة، تتهمني بسرقة حليّها.. ضرب مبرح.. وانهض من نومي صارخة. كان هذا حلماً مزعجاً. لم يحن بعد يومي الأول في العمل. أعود إلى النوم.
***
تهزني بلطف: «شونينكارا.. ويك أب..(انهضي)». أستجيب فوراً. تحسباً، أضم شعري بشكل كعكة، وأغطيه بشال صغير. تجول بي في منزل متوسط المساحة، تمتلكه عائلة ميسورة: غرفة للجلوس وأخرى للطعام، حمام، مطبخ واسع وغرفتان للنوم، واحدة لها ولزوجها «مستر رانديرنيني» (أظن أننا في لبنان كنا لنناديه راندي أو رضوان)، وأخرى لابنتيها «سوماري» (باللبناني سمية)، و«سفيينكارا» (صفية). لا شيء لافتا حتى الآن، إلا تفصيل صغير وهو أن للمنزل واجهة زجاجية عريضة، وحديقة زجاجية لشاي «العصرونية». عملي اليوم هو تنظيف كل هذا الزجاج. أطيع الأوامر بصمت. يحين موعد الغداء، وجبتي يسمونها «بيتو» تتضمن الأرز بالكاري، وصلصة جوز الهند والقصب.. مخبوصة كعجينة فاسدة.. لا أطيقها، لكن.. أهم بتناول لقمتي الأولى، عندما أسمعها تنادي اسمي الجديد.. أهرع إلى غرفة الجلوس، أجدها تستنكر عدم تنظيفي للزجاج. لا تقتنع بأنه سبق لي أن لبّيت أوامرها. ربما وسّخت الأمطار الزجاج. لا تصدقني، تشدني من شعري وهي تنفث «النفس» الأخير من سيجارتها التي تطفئها في ذراعي.. أصرخ من الألم.. وأنهض. هذا كابوس مؤلم.
***
لا أحتمل رائحة الفراش. تشبه رائحتهم هم. رطبة، متعفنة، تختلط فيها روائح إفرازات كثيرة فيها شيء من روائح التوابل والبهارات والكاري التي تدخل في أطعمتهم كلها. أقرف من رائحتي ومن رائحة ثيابي. لا يمكن أن أكون اللبنانية الأنيقة «أ لا مود» التي تصرف ثلاثة أرباع راتبها على التسوق، والعطور، والكريمات.. لا يمكن أن أكون أنا نفسي. أنهار، أبدأ بالبكاء. ألعن الساعة التي قبلت فيها العمل هنا. أتذكر أخواتي وأخي. أمي وأبي. لبنان. الروشة، عين المريسة، سهل البقاع، أشتاق إلى الحمرا، إلى جدتي.. أبحث في محفظتي عن ورقة وقلم لأكتب رسالة إلى أمي. أشتاق إلى اللغة العربية. غداً صباحاً، سأطالب بمجلة عربية. كما تطالب المخدومات في لبنان بمجلات سريلانكية. لا بأس إذا كانت صادرة منذ ثلاثة أشهر. يطل الصبح. تنهض مستخدمتي. أسلّمها رسالتي الأولى. تجن.. تفتح فمها وتغلقه وتكرر كلمات لا أفهم منها شيئاً. وكأنها تقول: «ما صار لك بالقصر من مبارح العصر!»، تمزق الرسالة. تحيلني على دلو أغسل فيه ثيابي، وبالمرّة أغتسل، فرائحتي لا تعجبها. أُصدم. تطفو عنصريتي إلى السطح. أود أن أقول لها إنها هي المقرفة. لا أحتمل شتائمها. أنا أمام حل من إثنين. إما قتلها، أو التزام الصمت. لا أحتمل فكرة أن تصفعني سريلانكية. أشعر بأني أختنق. أعرف أن هذا كابوس آخر. أدفع بنفسي إلى الأعلى لأنهض عن سريري، فلا أستطيع. أنا أختنق فعلاً. لم أستطع الاحتمال. ربطت عنقي بالشرشف الوسخ إياه وانتحرت.
***
في سريلانكا، نشر الخبر في أسفل صفحة داخلية في إحدى الصحف. نسمة بين 20 مليون نسمة، من سيهتم بي؟ وأضف أني لبنانية.. لا شك أن الخادمات السابقات فرحوا لموتي. في لبنان، نشروا الخبر كقصة كبيرة. تناولتني الصحف طوال أيام ثلاثة، ثم عادت إلى معضلة انتخاب الرئيس. قبل انتحاري، سعيت لدى ماهيندا راجاباكسا (رئيس بلادي الجديدة) ليساعدهم، لا أعرف إذا فعل.
***
يحل الصباح. هذا يومي الأول في العمل. أرتب المنزل. أناديها «مدام». تقول إنه يمكنني أن أناديها «ماما». مستخدمتي تعرف العربية. قليلاً. لقد كانت في لبنان منذ سنوات بعيدة. وهربت بعد سنتين من العمل كـ«عبدة» لدينا. لقد نهضتُ فعلاً.. وأخيراً. لست في الجنة، لكني لبنانية وخادمة في سريلانكا ليوم واحد. وأنا بخير.

ليست هناك تعليقات: