1.9.08

لمريم تبتسك ملائكة الروح..

لمريم تبتسم ملائكة الروح
السفير- جهينة خالدية
26-3-2007
أخيراً وصل أبي ليقلنا الى منزلنا الجديد. كانت أمي قد سبقتنا منذ ساعات الصباح الأولى، مستغلة إجازة ليوم واحد من مهمة «الست الناظرة» في مدرسة البلدة. في يد أبي لائحة أغراض أمرت أمي بنقلها معنا. كل غرض على سطر، ولكل سطر رقم. لا تعرف أمي الفوضى حتى في أحرج الأوقات وأضيقها. وعلى الرغم من تدريبها لنا على نهجها النظامي «الفائق التطور» إلا أني لم أنجح يوماً في التفوق عليها... ويبدو هذا حتى اليوم أمراً مستحيلاً، فأمي تستلذ بجمل من نوع: «صفيهم بالترتيب»، و«عيدي جليهم».
البطانيات، الطناجر، السجاد... والصندوق الأبيض. داخله مئات الصور الخارجة عن نظام أمي الصارم. لا بد أنها لم تكن لتجد وقتاً لفرز ذكرياتها. هل يجوز أن أسميه حب النظرة الأولى مع الصندوق؟ نعم، أظن ذلك.
في المنزل الجديد غرقنا في الصندوق. لكل صورة قصة طويلة، تستمتع بروايتها لنا. وأنا أستمتع بتأملها وهي تروي. أرى كيف تضحك عيناها عندما تحكي عن بعلبك، وذكريات القلعة، ومدرسة الراهبات، واحتيالها على الخياطة عند أخذ قياس طول الفستان، فتحاول أن ترفعه عن حدود الركبة قليلاً.يهرب الشعر الأسود الطويل في كثير من الصــور من تحت غطاء الرأس ليتدلى على القميـص المقلم. تبتسم أمي في صورها كلها، ومع حركة الشفتين «تزم» العين الواسعة عند زاويتها، فيختفي خط الكحل الأسود داخل الجفن.
في هذا الماضي، رحت أبحث عن نفسي فيها. لا أشبهها تماماً. اليوم، يقولون إن حركاتنا وشخصيتنا متشابهة جداً. شكل العين وشكل اليد والفم أيضاً. لم يكفني هذا. أريد أن أجد في طفولتها ومراهقتها ونضوجها أجوبة لي. حققت الصور جزءاً من مرادي، وتولت السنوات اللاحقة إتمام المهمة.اصطفت الصور في ألبومات عديدة. أحدها يحمل عنوان «قصتنا قصة». ويروي حياة مريم ـ غادة بالصور.
حياة أمي التي تحمل إسمين. إسم هو الأول، مثبت في سجلات القيد، وثانٍ اعتادت العائلة على مناداتها به. معها، ومع الإسمين، علمتنا «ارتكاب» الشغف في كل ما نفعله. رددت مع كل قبلة: «أنتم جزء مني». كنا ولا زلنا منها ولها، حتى أبي هو جزء منها ولها. تفضحه عيناه.
أخرجتنا نحن وهو من الصور وحفظتنا مع ملائكة الروح. وما عاد للصندوق قصص مخفية. خرجت الصور منه وانتشرت في كل المنزل. ولا يبدو هذا كافياً لها. قالت لي السنة الماضية وهي تقبل صورة أخي المهاجر: «تعبت من زجاج الإطار، أريد أن أُقبل بشرته».
لا تدرك هي أني أفعل الأمر عينه مع صورتها في غرفتي في بيروت. وعندما أزورها في نهاية الأسبوع، استمتع بتقبيلها في أثناء قيلولة العصر. فعلت ذلك يوم الجمعة الماضي، حملت لها نبتة «الأرطاسيا»، وتسللت الى سريرها. قبلتني على الخد نفسه مراراً، وهي تدلعني: يا «برزوئة»، يا «بيستي»... وقال دفء حضنها أكثر... اشتقتلك يا "مامتي".

ليست هناك تعليقات: