3.9.08

١٧ فناناً من لبنان والعالم في "محترف الفنانين العالمي ـ عاليه"

جهينة خالدية - السفير
3-9-2008
في المنازل الثلاثة في عاليه، تختفي الحياة منذ سنوات طويلة، ولا يبقى إلا الرمّان الجاف وشجر الزنزلخت والتين المتعفن. في البيوت هذه، ماض فائض خرج من جدران متشققة، وأدراج غير مستوية وعشب داخل النوافذ. هنا فرشت مساحات لسبعة عشر فناناً وفنانة، ليشكلوا جزءاً من عملية التواصل ما بين الجغرافيا المحلية للمنطقة والجغرافيات ذات الطابع الشخصي، وليسرحوا بأعمالهم ضمن ورشة عمل »محترف الفنانين العالمي ـ عاليه« (أيوا).
هؤلاء تقدموا بطلبات للورشة، واختيروا من نحو ٣٠٠ فنان من مختلف أنحاء العالم. ما عاشوه خلال هذه التجربة أشبه ببرنامج تدريب داخلي، وكما يشرح منسق المشروع الفنان غسان معاصري: »يأتي تبعاً لنموذج محترفات »تراينغل آرتس تراست« الذي أطلقه عام ١٩٨٢ كل من روبرت لودر وانطوني مارو، وبات اليوم حاضراً في أكثر من ١٨ بلداً، وترعاه في لبنان، إلى جانب »تراينغل آرتس تراست«، كل من بلدية عاليه وكهرباء عاليه وشركة جورج خوري وشركة موريس والملحق الثقافي الايطالي ومؤسسة فورد«.
نفذت هذه الورشة عام ،٢٠٠٥ واليوم تعود لتطبق بعد ثلاث سنوات. وبحسب مدير شركة كهرباء عاليه ألبير خوري: »هناك نية لإعادة تنفيذها، بالإضافة إلى إطلاق بيت ثقافي«. ثلاثة بيوت شهدت العروض، واحد منها تعود ملكيته لعائلة غسان معاصري، وإثنان لعائلة ألبير خوري الذي يقول: »الورشة هي عمل ثقافي بحت. وفتح البيوت يعود عليها بشيء من الروح المهجورة. السؤال هو ما نفع البيوت إن كانت بلا روح وبلا سكانها؟«.
***
في الأيام الأولى للورشة التي استمرت أسبوعين، لازم الفنانون البيوت، استجمعوا روائحها ونبشوا ماضيها والتفوا حولها بحثاً عن روايات سكنت هنا. تركوا أنفسهم رهن ما يفيض عليهم من هذا كله. في مساحات كهذه، تُسمع الذكريات من نوافذ مخلعة، ومن أرضيات بفجوات عميقة، ومن حشرات صغيرة نمت في ترابٍ غمر البلاط الأحمر والأسود. تفشوا بين جدران بندوب وحروق كثيرة، وهناك عرف بعضهم أنهم سيبتكرون عرضاً معقداً، ورجّح آخرون أن المكان ينطق فناً، ولا يحتاج إلا إلى محاكاة صغيرة. وهذا ما كان. يعرف عدد من المشاركين الكثير عن لبنان الصغير. منهم من لجأ إلى الإنترنت لمزيد من المعلومات، منهم من لقي تنبيهات من العائلة قبل السفر إلى بلد لا تستقر أوضاعه الأمنية. ولكن بشكل عام، وصل الجميع بحماسة لمعرفة المزيد وملامسة الشارع كما هو. جالوا في بيروت والجبل، اختلطوا بالناس وحادثوهم. سألوهم عن المزج بين الحياة والموت، وعن زرع أرضٍ قد تحترق غداً، وعن بناء بيت هُدم أو أحرق في الأمس القريب. هذا الاختلاط والتعرف على المنطقة عن قرب هو جزء من هدف الورشة، كما يقول معاصري: »بهذه الطريقة، يخرج الفنان من الإطار التقليدي لورشات العمل التي تقام عادة في قاعات للعرض، ويحظى بفرصة لتخرج أفكاره من حالة معينة راهنة متأثرة بالمحيط، وبتاريخه وحاضره«. تناقش المشاركون حول تجاربهم الآتية من خلفيات وبلدان ومجالات مختلفة، لا سيما أن المحترف يعتمد على جمع جنسيات مختلفة. هم سبعة من العالم: نورمان أوفيلن (جنوب أفريقيا)، باتريسيا سوزا (برتغال) جوليانا سميث (سويسرا ـ أميركا)، لوكا بيرتيني (إيطاليا)، سليم برسيل (تركيا)، سيتاريه شهبازي (إيران ـ ألمانيا) ودايفيد غريغ هارث (أميركا)«. وسبعة من لبنان: أيمن بعلبكي، جينو شويري، تغريد درغوث، يمنى شلالا، كميل زخريا، غسان معاصري (منسّق) ولينا حكيم (منسّقة). وثلاثة من المنطقة العربية: محمود حنفي (مصر)، لاريسا سانسور (فلسطين ـ سويسرا)، نبيل مخلوفي (المغرب). ما ارتكبت أيديهم... في اليوم الأخير، الأحد ٣١ من آب المنصرم، خرجوا بأعمالهم إلى الجمهور، وقفوا أمام ما ارتكبوه، شرحوا ما احتاج الى توضيح... وابتسموا.
خلال العمل والنقاش واليوميات، تسللت »السفير« إليهم. سمعتهم... وتنصتت إلى أعمالهم قبل أن تنضج أولاً، ثم بعدما خرجت إلى الجمهور سلال هواجسهم وانطباعاتهم عن المنطقة وبيروت وعن الحب والحرب والعمق والظاهر والوجه والوجه الآخر. منهم من أعاد حياة البيوت إليها، ومنهم من رسم موتها من جديد. أو، ذكّرونا أن الموت واقع وما يبقى هو أشياء قليلة... كحذاء. هكذا، جمع كل من كميل زخريا وأيمن بعلبكي أحذية قديمة تناثرت في البيوت، دفنوها في قبرين صغيرين بزجاج شفاف: »الحذاء المتروك هو دليل على حياة كانت هنا وانتهت، ودليل على الموت وعلى ذاكرة مكان«، يقول أيمن. في مكان آخر، جمع أيمن »اليافطات« المليئة بكلامها. قطّعها وألصقها على صناديق كرتونية. جمعها فوق بعضها لتشكل باباً: »نكترث للغة، ولأحرفها، ونحملها معاً دوماً، ونسكن داخلها، وهي في الوقت عينه تغلق على ماض كان... فتصبح أبواباً تحمل كلاماً كثيراً، وقصص الهجرة والألم والرحيل من بيوتنا«.
علاقاتنا... الزهرية
عروض أخرى اعتبرت البيوت تصغيراً عن لبنان كله، وعن جروحاته المتناوبة والعائدة إلى الواجهة بين الفترة والأخرى. الجروح تترك ندوباً عميقة وتصبح جزءاً منا. ولكن في لبنان، بحسب تغريد درغوث، »نهرب منها أو نتجاهلها، ونخفيها داخلنا، ونتعامل مع الآخر وكأن شيئاً لم يكن، في حين تجب معالجة أثر أذية الآخر لنا في كل حرب«. سكن ذلك كله بطريقة ما في عمل تغريد، وهو عبارة عن مطبخ لبناني التصميم، ولكنه مكسّر ومشوّه. لم تصلحه ولم ترتبه. فقط دهنت جدرانه وأدوات الطبخ والثوم المجفف والرفوف بالطلاء الزهري الهادئ الأنيق. وأغلقته بواجهة زجاجية شفافة يُمنع تخطيها. هكذا، يتحول التشوه إلى »جمال« مفترض، ولا يمس. وهي بذلك تعكس أيضاً مفهوم عمليات التجميل التي ندمن عليها في لبنان، والتي ترسم شكلاً خارجياً »جميلاً«، ويبقى الداخل بعشرات القطب والجروح.
وجوهنا الأخرى...
يحتل المغربي نبيل مخلوفي المساحة الثامنة في المعرض. يقف فوق عمله الأول المفروش على الأرض، ويكرر الشرح لمن بدت على وجهه علامات التساؤل. اشترى ألعاب أطفال هي عبارة عن دبابات وأسحلة وعتاد حربي من البلاستيك. استعملها كقوالب، ملأها بالجفصين وطبعها على الأرض. صنع منها مدينة العنف. يقول: »الوجه الآخر لألعاب أطفالنا ليس إلا أدوات تؤذينا وتشرح لنا أننا نعيش في مدن القتل والحروب والعنف، السلاح هو بيوت المدينة وهو ما يدمرها«. في العرض الثاني لمخلوفي، هناك صورة على جدار. في الصورة، غزال محنط معروض في واجهة محل للمفروشات. يفتقد الغزال مكانه الطبيعي ويعلق بين صور وجسد بلا روح. جاء مخلوفي بالغزال، زرعه بين الشجر، ليطلّ من النافذة الملاصقة للصورة. واقفاً كحي يرزق فوق العشب وتحت الشجر. الغزال في مكانه الطبيعي ولكنه في وجهه الآخر... ميت. خارج الغرف، وبين الزرع والنبات النامي بشكل عشوائي، جاء إلينا المصري محمود حنفي برسائله العديدة. هذا واحد من عروض ثلاثة قدمها. نثر »المكاتيب« في الحديقة، وحمّلها جملة واحدة: »سنعود على العشاء ونشرب القهوة سوياً«. يحكي عن مفاهيم الانتظار الدائم، وعن الرغبة الدائمة بالعودة من المهجر أو من المدينة إلى بيت الطفولة. يحكي عن أمل إعادة بناء البيوت وبناء حياة سابقة انتهت بفعل التهجير والحروب. يقول محمود: »تربينا على أن لبنان هو الشيء الجميل بيننا وفي حياتنا، هكذا الأمل موجود دائماً، نعرف أن كل شيء سيعود إلى حاله، لأن اللبناني يحب الحياة«.
كل ما في الأرض...
عند التركي سليم برسيل، خرج كل ما في الأرض الى الطاولة. »ركّب« عرضه وهو يحتل باحة البيت الأول، من خلال تنظيفها. حمل إلينا ما اختفى بين التراب وخلف العشب ووضعه على الطاولة المستديرة. هكذا ترك الأشياء والبقايا تركّب حاضرها وتحكي قصة بقائها هنا. ماذا تتخيل؟ »فردة سكربينة«، صندل زهري لطفل، »خرطوش« فارغ مستعمل، زجاج مكسور، فنجان قهوة »عربية«، علب سردين يغلفها الصدأ، رمّان جاف، سيارة بلاستيكية صغيرة، مفرقعات، وردة يابسة، »كباكيب« الصوف، جراد، أزرار، حبات من »الأكي دنيا«، ملقط لنشر الغسيل، ربطة شعر... هذه صنعت حياة في الماضي... واليوم لم تعد إلى الحاضر، إلا لتكون جزءاً من معرض.

ليست هناك تعليقات: