26.8.08

ملل..

ملل..
جهينة خالدية- السفير
ألمانيا
19-11- 2007:
لا أملك غراباً في بيروت. في ألمانيا، أصادق الكثير منها. أقضي الصباح برفقتها. والغروب أيضاً. ليست نذير شؤمي. ليست رمزاً يعنيني... لكنها هنا. لا أملك ركوة قهوة. لا أملك هالاً ولا بنّاً مطحوناً. أعيش صباحاتي برفقة قهوة محلية صنعت في آلة. وتُسمع فيروز (مؤكد) ووديع الصافي (ممكن)، كخلفية لمشهد. يومياً، يرتسم أمامي منظر وحيد: أطراف شمس نائمة تقريباً (قد تصحو بعد ثلاث ساعات)، هواء بارد في أواخر الصيف، نبتة صغيرة تحمل زهرتَي دوّار الشمس، إلى جانبها حبق كثير. كرسي صغير أحمر، أنا أجلس إليه، يد في جيبي، وأخرى تحمل فنجاناً، وأرتجف.
ما بعد حدود الشرفة، أُصبح أمام مشاهد من فئة «خلاّب». كاتدرائية «الدوم» تطلّ من خلف غيم خفيف. الراين كوجه طفلة خالٍ من تجعيدة. دخانٌ أبيض يتصاعد منذ ليل الأمس من عدد من مداخن الأبنية، كشعيرات قليلة بقيت في رأس جدّ. الغراب أيضاً يزورني كحبّة بن لا أشمها. يتلذذ بزيارة كل نافذة متاحة. لا يحب الغراب أن يطيل الوقوف، يتلصص قليلاً إلى داخل المنزل، يراقب أباً يُقبّل أطفاله قبل أن ينطلق إلى عمله بأناقة عادية. ينتقل إلى شرفة أخرى. هذه سيدة ثلاثينية تروي أزهارها البرتقالية الصغيرة. تلامسها وكأنها تقرص خدّ طفل صغير غنجاً. تضيف قليلاً من أحمر الشفاه، وتخرج. أحب أن أحكي مع هذه المدينة.
***
مطر
يملأ المطر فراغات هنا. يشغل أحلامك ببيت لا تملكه. للمطر رائحة في الحلم. هل نشم في الحلم؟ يسألك صديق. لست متأكدة. لكن للمطر رائحة... تختفي هنا. لا يبقى شيء منها في ألمانيا. الطرقات النظيفة حتى من تراب الزوايا تُبعد شبهات الروائح. إذاً، في ألمانيا للمطر شكل يشبه السكون. متسلسل بخيوط رقيقة، لا يتحرك. تحب هذه المدينة النظافة في الوقت غير المناسب. لا تشتاق أحجار البيوت إلى قطرة ترتشفها كقهوة صباحية. تحتمل مباغتتها لها. تحب تلصصها الدائم على الشمس. تحب أن يمسح عنها آثامها. يحب المطر أن يكون رومنسياً. يحب شغف الشوارع به. يحتال على عاشق لكي يخلع سترته ويغطي حبيبته. يبلل سيدةً «مسنّة» متأنقة تقصد عملها على دراجة هوائية. يحب أن يرى ابتسامة طفل وهو يجمع القطرات بكفين مفتوحتين إلى السماء. يحب أن تتحول ألوان المشهد إلى الأسود والأبيض وهو يطلّ على جنين في شهره السادس. يحب أن يملأ صندوق غيتار مفتوح أمام عازف لا يمتلك آلته. يحب المطر أن يجد الجميع في انتظاره. لكن، هنا، الجميع ينتظرون الشمس. قد لا يحبه إلا الغريب، وحده يُغرم بكل هذا المطر. يحب أن يعيشه حتى لو كان وحيداً. يتقمص الطريقة الألمانية. يجد نفسه داخل كنزة قطنية، وسترة سميكة، ووشاح حول الرقبة، ومظلة في اليد. لباسٌ لأربعة فصول. تمطر السماء فيفتح الغريب مظلته. يكبت الغيم خيره فيغلقها. تغري الشمس الغيم وتُرحّله فيخلع السترة. يستلقي الأصفر كله، فيوضب الوشاح في الحقيبة. .. وبعد قليل، يعود الغيث. هذا يوم طبيعي. هذا يوم من «صيف» أيلول والتشرينين. عليك أن تفهم اللعبة. وعليك ألا تقرر أن تكون ألمانياً فجأة. فأنت لن تحتمل أمزجة السماء. ولن تنجح في احتمال برد صيفي.
***
فراغ
تنسل من أشياء كثيفة لتعيش فراغاً هادئاً يكون مِلكك. تريده هادئاً، يختلسك من صخب شيء ما. يقرر الفراغ أن يكون موجوداً... يقرر أن يتسلل بروية بين مقاعد القطار، وبين مكاتب العمل... وفي الأمسيات أحياناً. وأنت تقرأ فوق عشب حديقة. وتطعم البط والأوز في بحيرة صغيرة. وتبحث عن بقعة شمس تعيرك دفئاً طبيعياً. يأتيك عندما تقرر أن تحيّي المشردين النائمين فوق قطعة كرتون في محطة قطار... فلا تلقى رداً. لا يأتي الفراغ كمشهد ثابت. الفراغ هنا يتنكر، غالباً. وأحياناً، يصبح شبيهاً بشعور غربة لا يحق لك أن تعيشها وأنت تعرف أنك عائد بعد أقل من شهرين. الملل يأتيك وأنت تختبر كل جديد في «بلاد المهجر». فتدرك أن الأشياء تكتسب معناها أحياناً من محيط تحبه لا من ذاتها. بتّ تدرك شيئــاً عن معنــى الأشــياء، وعن لا رائحة للمطر. فالرائحة للتراب، للشجر، للهواء، تحت المطر.

ليست هناك تعليقات: