28.10.08

يحجبون عنا "السان جورج": كيف نهرب من المدينة؟




نُشر في جريدة السفير




27-10-2008




جهينة خالدية




عند السان جورج، نهرب من المدينة إلى المدينة. من بيروت إلى مدينة أخرى، نحلم أن تكون هكذا ليل نهار. نهرب من ازدحام لا تلتقطه العين، مواعيد، مدارس، مقاه، مطاعم، عمل، ناد، قراءة، كتابة، صخب ورش البناء... هكذا يكون النهار. نأت إلى ليل، نريده أن ينتهي عند انعكاس الأضواء على مياه »بيروت مارينا«. بلا شرح كثير. هنا رصيف بطول ٢٠٠ متر، يتجمع عليه الناس، لدردشات قصيرة أو لكثير من الهدوء. يتجمع الناس تحت ضوء خافت، هرباً من مراقبة وجوه المارة وابتساماتهم وهمومهم. يقفون كنسّاك أعمدة. خلال الأيام القليلة المقبلة، نُحرم من هذا كله. الشركة المساهمة »بيروت واتر دفالوبمنت« تغلق الواجهة البحرية عند هذا الموقع، لتنفيذ مشروع يمتد لسنتين ويقضي ببناء سلسلة مطاعم على طول الرصيف. ولكن، ألا تعتبر المساحة التي تنفذ عليها الشركة مشروعها، ملكاً لها، أما السور والرصيف فليسا كذلك؟ ألا يبقى من حق المواطن أن يستمتع بالمنظر عند هذه النقطة؟ حسب مدير المشروع المهندس فادي بستاني: »السبب الأول لحجب الواجهة البحرية بسياج محكم الإغلاق، هو دواعي السلامة العامة، كما تقضي القوانين. ولا هدف آخر«. يكمل بستاني: »بعد سنتين من الآن، يعود كل شيء كما كان، وأحلى«.




كيف نشرح للشركة ما قاله الناس عند »السان جورج«؟ كيف نشرح للشركة أنها ربما لا تخالف القانون ولكنها تخنقنا؟ ونحن نهرب من المدينة إلى قلب المدينة. نبتعد قليلاً عن المنارة وصوت هاني شاكر يخرج من سيارة »غولف« زرقاء، بالكاد يتسع صاحبها فيها، إلى جانب عشرات مكبرات الصوت. نريد أن ننسى المغني وهو يكرر: »أنا اللي فيكي يا دنيا تاهت خطوتي...«. أن نبتعد عن رائحة المعسّل الخارجة من نراجيل على طول الكورنيش... نعنع، عنب، تفاحة، تفاحتين.




عند »السان جورج«، نترك البحر وراءنا، ونستسلم لعدّ طوابق الأبراج العملاقة التي تكاد تأكل نصف سمائنا... »باي تاور«، »مارينا تاورز«، فندق »فور سيزنز«، و»بيروت تاور«... »بلاتينيوم تاور«.




عندما تتعب أعناقنا، ونمل من شتم أصحاب الملايين، نستدير لنقابل اليخوت. نراها، »نتحسر« على أنفسنا، ثم نكاد ننسى أنها موجودة. أما عندما ينتهي كوب »النسكافيه« الذي اشتريناه كالعادة من »الأنكل ديك«، أو »بيروت كافيه« أو »أبو الدهب«، ويحين موعد رميه، ويحين موعد الاستهزاء بالخطة الأمنية التي قضت بإغلاق سلاّت المهملات المعدنية خوفاً من زرع القنابل فيها، فنترك الكوب فارغاً عند سور »الألومنيوم«، ونمضي.




نكتب عن »السان جورج« عندما نتلقى اتصالاً من طبيب في »الجامعة الأميركية في بيروت«، يتحدث عن بقعته المفضلة في كل بيروت، عن متنفسه، عن قهوته الصباحية التي تصنع نهاره ونهار كثر. يناشدنا: »دخيلكم اكتبوا عن السان جورج، لا يمكن أن يخفوا عنا رؤية البحر، هذا ملك لله... بدكم ننزل مظاهرة؟ نستطيع أن نجمع لكم مئة«. والعجوز النشيط، الذي يدمن مشيته الرياضية الصباحية، لا يقنعه أي تبــرير حـول إغلاق الواجهة البحرية: »هيدا البحر إلنا أو لأ يا عمي؟ هيدا إلنا. والرصيف؟ إلنا؟ إيه إلنا. طيب كيف بدكم إقتنع إنه إذا تسكر المنظر، بكون علشانا وعلشان سلامتنا؟؟«.

ليست هناك تعليقات: