30.12.08

عن عجزي أمام روائح الموت..

وأنا أحاول الكتابة عن قمر.. فتاة مخيم شاتيلا التي شغلت بالي لثلاثة أيام.. نسيت كل شيء عن حماس وفتح.. نسيت محمود عباس.. نسيت معبر رفح.. نسيت حسني مبارك.. نسيت الكلمات المنددة.. لم أستطع إلا أن أفكر بقمر.. بالأولاد اللي عم بيروحوا فراطة.. حتى ما عدت أعرف كيف أكتب. كيف.. وأنا أشعر أني أختنق كلما كتبت.. كلما تذكرت هواء لبنان في تموز 2006.. كلما شممت روائح الموت.. أقول في نفسي.. أطفال غزة الآن لا يحظوّن بدقائق ليتعرفوا على وجهه... الموت يأتيهم وهم نيام، الموت تسلل من فوق.. من السقف الاسمنتي وخطف أرواح الملائكة الصغار الأخوات "تحرير وسمر واكرام وجواهر..".. كتبت عن قمر، وتنشر القصة في شباب السفير بعد غد الأربعاء، ولكني لم أشعر بالارتياح، لم أشعر بالاكتفاء..لم أشعر بالرضى..لأني أعيش كما كلنا.. أعيش عجزي، ماذا أفعل لهؤلاء.. لاشيء.. نحن لا نفعل شيئا.

مقتطفات من أيام في سوق خضار بيروت.. بين أرواح الباذنجان والملوخية

جهينة خالدية- جريدة السفير

27-12-2008



عند الخامسة فجراً، تكون في عزّ شبابها. فقد نزلت من فوق أشجارها، وتركت مساحة في التراب، لغيرها.
عند الخامسة فجراً، تكون حبات الخضار والفاكهة في منتصف عمرها. قُطفت منذ ساعات أو أيام قليلة، ونامت في صناديقها السوداء. تكدّست الصناديق في الشاحنات، ثم تدافعت إلى سوق الجملة للعاصمة بيروت عند المدينة الرياضية.
على أرض السوق الممتدة على مساحة ٣٥ ألف متر مربع، ستجد كل حبة في كل الصندوق نصيبها. تكون فعلياً قد انتقلت من أراض أهاليها المزارعين في القرى اللبنانية، إلى بائعي السوق، المعلمين، ليحتضنوها طوال النهار بأمانة، في انتظار أن يأتي نصيبها إلى خارج حدود السوق.


بعض الحبات المحصورة أسفل الصناديق، لا ترى وجوه أهلها الجدد، أو أولئك الموقتين، لكنها تشعر بأنها تنتقل من يد إلى أخرى، وأخرى. وتبقى عند تاجر السوق بقيةٌ لم تجد من يشتريها، فترحل آخر النهار إلى مكب النفايات أو إلى شاحنة »سوكلين« مباشرة. لا يمكن لحبة لم يأت نصيبها اليوم، أن تنتظر الغد »نحن نتاجر بكائنات حية ذات أرواح، لفاكهتنا وخضارنا أرواح تموت عند المساء«، يقول نقيب معلمي الخضار والفاكهة محمد القيسي.
"جزدان الست"

في هذه الساعة المبكرة من الصباح، يكون »الباذنجان« وحيداً عند أبي هيثم، أحد معلمي السوق. الباذنجان الخمري الداكن والممتلئ يتراكم في صناديقه، لا يكترث فعلاً لوحدته، فصاحبه يعرف اسم صنفه جيداً: »جزدان الست«.
حوالى السابعة مساء، تجد عدداً قليلاً من المعلمين يوضبون محلاتهم لاستقبال البضائع الطازجة. التوضيب يعني لملمة الصناديق الفارغة، وتنظيم الفواتير اليومية، وإجراء »حسبة« الأرباح. بذلك، ينشغل المعلم أبو أحمد الجالس في زاوية محله. أما ابنه أحمد الخجول فيردد في أثناء حراكه المستمر ما حفظه عن والده سابقاً: »بالذمم ولا بالركب.. بالذمم ولا بالركب يا رب«. تقوم هذه المقولة مقام خاتمة كل يوم عمل في حياة المعلمين. ويتدخل أبو أحمد ليساعد ابنه في شرح المقولة، بالقول: »كل تاجر تتراكم بضاعته أمامه يرضى أن يبيعها بالرخيص، أو بذمة أحدهم، بدلاً من أن تتكدس عنده. بكلمات أخرى، انصبوا عليّ ولا تبقى بضاعتي بين رجليّ!«.

تخلو السوق من الشعارات والهتاف، ومن نداءات قد يتوقع المرء سماعها في سوق للخضار. ففي عز الحركة، بين الخامسة والثامنة صباحاً، لا يرتفع النداء الغزلي »بخدود الحلوة يا بندورة«، أو أصابيع البوبو يا خيار«، و»أوراقك طرية يا ملوخية«.. وإنما تتشكل الأصوات البديلة من جلبة الشاحنات وأبواقها، والصناديق التي »تُشقّع« (تتراكم) فوق بعضها البعض، وتتوزع بحركات ميكانيكية على كل محل، في خلية النحل الضخمة هذه حيث يصعب على المرء أن يجد موطئ قدم في ساعات الذروة. تهدأ حركة السوق تدريجاً.
وبحلول التاسعة صباحاً، يظهر عدد من الشباب، يكنسون الطرقات أمام المحال، ويُسمع صوت حاجٍ مؤمن يشكر الله على »الرزقة الكريمة«. من هنا وهناك، يُسمع كلام يصب أغلبه في مجالات العمل والمساومة على الأسعار والكميات، وقلما يعلو نقاش في السياسة أو في مواضيع بعيدة عن هذه التجارة. الحاج المنهمك بعدّ رزم البقدونس في الصندوق الأسود، يقول إن »نحن وين والسياسة وين؟ يا عمي نحن لاحقين الرغيف، والرغيف هربان منا وبدك نحكي عن الزعماء؟ لا ما حزروا.. الحكي مع التجار أصدقاء عمرنا، عن عائلاتهم وخضرياتهم وبندوراتهم أهم بكتير، على الأقل خضرياتي لا سنّة ولا شيعة!«.

جولة في مخيمات العاصمة بيروت في اليوم الثاني للإعتداء الإسرائيلي على غزة.. والله قلبنا واجعنا

جهينة خالدية- جريدة السفير
29-12-2008
تخيفها أعداد الشهداء والجرحى التي ترد من غزة. يربكها اصطفافها في ثلاث خانات، فلا تعرف كيف تقرأها.
تتجاهل الأرقام وتمشي في المسيرة تضامنا مع غزة، وتعرّف عن نفسها بجملة واضحة »أنا اسمي قمر، أنا بنت مخيم شاتيلا، أنا بنت فلسطين كمان«.
تشارك الفتاة ابنة الإحدى عشرة سنة وأمها وأخوها في المسيرة التي نظمتها القوى الفلسطينية أمس، في مخيم شاتيلا، وهتف فيها العشرات »غزة خلقت لأجل الموت ولتحارب أعداء الله«.
قمر تقول »اللي عم بيصير هْناك كتير، واللي سقطوا ما منِعرَف إديش صاروا.. وأنا مش قادرة إلا إمشي وأرفع الراية«..
تقول جملتها وتغيب بين الجموع. بعد برهة تظهر من جديد، لتعلن قرارها الأخير: »بلى، بقدر أساعد أطفال »الهناك«، رح أجيب »القجة« وأتبرع بكل ما فيها ليشتروا علبتين دواء. ما بقدر إدفع أكتر من ١٥ ألف ليرة«.
المخيمات الفلسطينية في بيروت ومحيطها، كانت أمس بأكثر من لون، بأكثر من نبض، وبأكثر من نفس. هدوء ما قبل الظهر، سببه توجه سكان المخيم إلى الاعتصام أمام بيت الأمم المتحدة، والسكون المتوتر عصراً، عبّر عنه الناس برفع الأعلام والشعارات وتشكيل التجمعات الغاضبة. صباح مخيم شاتيلا يشبه كل صباحاته اليومية، وسوق صبرا المحيط يتابع عمله حتى الظهيرة.
الزبائن المتدافعون إلى سوق الأحد، احتاروا بين انتقاء حاجياتهم ومتابعة الأخبار عبر أجهزة الإذاعة الموزعة هنا وهناك بين بسطات السوق.
عند الواحدة ظهرا، تغلق المحال أبوابها، ويتوجه حشد من الرجال لتأدية صلاة الغائب في »قاعة الشعب« وسط المخيم، ثم تنطلق المسيرة التي »انضوت فيها فصائل منظمة التحرير، والقوى الإسلامية والتحالف تحت اسم »فصائل الثورة الإسلامية«، بحسب المسؤول الإعلامي في حركة فتح في المخيم حسن باكير. تنقسم المسيرة إلى مجموعتين، أولى للرجال والشباب، وثانية للنساء والفتيات.
كل مجموعة تهتف بهتافاتها الخاصة، هذه المرة تقال بأسى لمذبحة جديدة، وتقال لـ»غزة اللي بتنادي يُمى، وأنا يُمى رايح ومش محتار«، و»لغزة الأبية، اللي لبست توب الحرية«، ولـ»مقاوم غزة الجبار، اللي ما يهمه الحصار«. المسيرة التي جابت شوارع المخيم، تفرقت بعد نحو ساعة من انطلاقتها. عادت النسوة إلى منازلهن، واتجه كثير من الشباب إلى اعتصام السفارة المصرية، وبقيت مجموعة من الأولاد يحتجون وسط السوق على عدم إحراق أي علم إسرائيلي خلال المسيرة. »كيف ما جبنا علم، ما بيسواش يفلوا كلهم، هيك على الناشف بلا ما ندعس علم أولاد الكلب«، يقول حازم ابن الثلاثة عشر عاما.
أمس، ساد أزقة مخيم برج البراجنة، هدوء قلما يُلمس هنا. منذ العاشرة صباحا، تجمع أهل المخيم عند مدخله، ليتجه قسم منهم إلى وسط البلد للمشاركة في الاعتصام المركزي، وقسم آخر ليرابض عند السفارة المصرية، ومن بقي داخله، التصق بشاشات التلفزيونات لمراقبة كل ما يعيشه الأهل في فلسطين. أبو هيثم الجالس على مقعده الخشبي في دكان السمانة، يقول إن »الاعتصام لن يودي إلى أي مكان، والهتاف لن يعبر إلا عن غضبنا وعدم قدرتنا على تقديم المزيد.. أما الجلوس في منازلنا أو متاجرنا فلننفرد بحزننا الخاص«.
في شارع آخر، تنشر الحاجة سمية غسيل أولادها على شرفة لا يصلها الضوء. تستعجل الحاجة خطواتها، لتعود إلى الراديو الصغير عند نافذة المطبخ، الذي يأتيها بتقارير ومقابلات تبثها إذاعة »النور«. تقول الحاجة: »ما فش إشي نسويه.. خلصنا شغلنا وقعدنا بلا حيلة ودموعنا مش عم تهدى. والله بيقولوا الإنسان بيتعود على الحرب، بس إحنا والله ما تعودنا، إحنا زعلنا على حربنا بين أولادنا وهلق منموت من حرب على أولادنا، على كل حال هادي عمرها ما وقفت«.
تتركنا الحاجة، وتهتم بطبخة الكوسا التي تغلي على النار.. وهي تحدث نفسها »مين بباله ياكل بهل الوضع، مين له نفس، مين له قلب؟«.
في مخيم مار الياس لا تخترق الأجواء إلا أصوات صادرة من الشاشات، أو نقاش بين رجلين يبحثان عن بقعة شمس ترافق حديثهم السياسي. لا يصدق الرجل الأول أنهما وهما في هذا السن »يعيشان أسوأ لحظات في تاريخ القضية الفلسطينية«. يستذكران معا قيام »الكيان الغاصب« على أراضيهما، ويراجعان الأحداث وصولا الى هذه اللحظة التي »يباد فيها الشعب على مرأى من العرب وبتواطؤ منهم«. يهز أحدهما رأسه متململاً. يقول »والله يا أبو قاسم قلبنا واجعنا، وإيدنا فاضية من سلاح يشيل«.
عند نهاية الجولة في مخيم مار الياس، يكون الأطفال الثلاثة حسام، بلال ومحمد، يحتلون مقعد الدراجة النارية عند مدخل مخيم مار الياس. يتناوبون على المقعد الأمامي الذي يمكّنهم من التحكم بالمقود، على الرغم من أن الدراجة معطلة. طُرد الأولاد من منازلهم بعدما أطفأت أمهاتهم التلفاز، »أمي ما بدها نشوف القصف«، يروي محمد، ابن السابعة، صغير المجموعة، »بس إحنا منعرف إيش بيصير، إسرائيل عم تقتل »الحمساوية« في غزة«، يضيف بلال، ويعود ليردف »بس ماما بتقول إحنا مش فتحاوية ولا حمساوية. إحنا منزعل على الكل".