30.12.08

مقتطفات من أيام في سوق خضار بيروت.. بين أرواح الباذنجان والملوخية

جهينة خالدية- جريدة السفير

27-12-2008



عند الخامسة فجراً، تكون في عزّ شبابها. فقد نزلت من فوق أشجارها، وتركت مساحة في التراب، لغيرها.
عند الخامسة فجراً، تكون حبات الخضار والفاكهة في منتصف عمرها. قُطفت منذ ساعات أو أيام قليلة، ونامت في صناديقها السوداء. تكدّست الصناديق في الشاحنات، ثم تدافعت إلى سوق الجملة للعاصمة بيروت عند المدينة الرياضية.
على أرض السوق الممتدة على مساحة ٣٥ ألف متر مربع، ستجد كل حبة في كل الصندوق نصيبها. تكون فعلياً قد انتقلت من أراض أهاليها المزارعين في القرى اللبنانية، إلى بائعي السوق، المعلمين، ليحتضنوها طوال النهار بأمانة، في انتظار أن يأتي نصيبها إلى خارج حدود السوق.


بعض الحبات المحصورة أسفل الصناديق، لا ترى وجوه أهلها الجدد، أو أولئك الموقتين، لكنها تشعر بأنها تنتقل من يد إلى أخرى، وأخرى. وتبقى عند تاجر السوق بقيةٌ لم تجد من يشتريها، فترحل آخر النهار إلى مكب النفايات أو إلى شاحنة »سوكلين« مباشرة. لا يمكن لحبة لم يأت نصيبها اليوم، أن تنتظر الغد »نحن نتاجر بكائنات حية ذات أرواح، لفاكهتنا وخضارنا أرواح تموت عند المساء«، يقول نقيب معلمي الخضار والفاكهة محمد القيسي.
"جزدان الست"

في هذه الساعة المبكرة من الصباح، يكون »الباذنجان« وحيداً عند أبي هيثم، أحد معلمي السوق. الباذنجان الخمري الداكن والممتلئ يتراكم في صناديقه، لا يكترث فعلاً لوحدته، فصاحبه يعرف اسم صنفه جيداً: »جزدان الست«.
حوالى السابعة مساء، تجد عدداً قليلاً من المعلمين يوضبون محلاتهم لاستقبال البضائع الطازجة. التوضيب يعني لملمة الصناديق الفارغة، وتنظيم الفواتير اليومية، وإجراء »حسبة« الأرباح. بذلك، ينشغل المعلم أبو أحمد الجالس في زاوية محله. أما ابنه أحمد الخجول فيردد في أثناء حراكه المستمر ما حفظه عن والده سابقاً: »بالذمم ولا بالركب.. بالذمم ولا بالركب يا رب«. تقوم هذه المقولة مقام خاتمة كل يوم عمل في حياة المعلمين. ويتدخل أبو أحمد ليساعد ابنه في شرح المقولة، بالقول: »كل تاجر تتراكم بضاعته أمامه يرضى أن يبيعها بالرخيص، أو بذمة أحدهم، بدلاً من أن تتكدس عنده. بكلمات أخرى، انصبوا عليّ ولا تبقى بضاعتي بين رجليّ!«.

تخلو السوق من الشعارات والهتاف، ومن نداءات قد يتوقع المرء سماعها في سوق للخضار. ففي عز الحركة، بين الخامسة والثامنة صباحاً، لا يرتفع النداء الغزلي »بخدود الحلوة يا بندورة«، أو أصابيع البوبو يا خيار«، و»أوراقك طرية يا ملوخية«.. وإنما تتشكل الأصوات البديلة من جلبة الشاحنات وأبواقها، والصناديق التي »تُشقّع« (تتراكم) فوق بعضها البعض، وتتوزع بحركات ميكانيكية على كل محل، في خلية النحل الضخمة هذه حيث يصعب على المرء أن يجد موطئ قدم في ساعات الذروة. تهدأ حركة السوق تدريجاً.
وبحلول التاسعة صباحاً، يظهر عدد من الشباب، يكنسون الطرقات أمام المحال، ويُسمع صوت حاجٍ مؤمن يشكر الله على »الرزقة الكريمة«. من هنا وهناك، يُسمع كلام يصب أغلبه في مجالات العمل والمساومة على الأسعار والكميات، وقلما يعلو نقاش في السياسة أو في مواضيع بعيدة عن هذه التجارة. الحاج المنهمك بعدّ رزم البقدونس في الصندوق الأسود، يقول إن »نحن وين والسياسة وين؟ يا عمي نحن لاحقين الرغيف، والرغيف هربان منا وبدك نحكي عن الزعماء؟ لا ما حزروا.. الحكي مع التجار أصدقاء عمرنا، عن عائلاتهم وخضرياتهم وبندوراتهم أهم بكتير، على الأقل خضرياتي لا سنّة ولا شيعة!«.

ليست هناك تعليقات: