13.12.09

شهادات حية للمرأة الفلسطينية في لبنانمناضلات يحكين ما لم يكتب بعد


نُشر في جريدة السفير

جهينة خالدية

13/12/09

روايات لنساء كثيرات، ناضلن - كما الرجال - من أجل حق شعب في العودة وتقرير المصير وبناء دولة. روايات لنساء فلسطينيات أثّرن في مشاركتهن السياسية وفي مقاومتهن، على الثورة الوطنية الفلسطينية بالدرجة الأولى، وبالدرجة الثانية على الواقع الاجتماعي العام والواقع الاجتماعي للمرأة المناضلة وما لها من تأثير على العائلة والفرد والجماعة. من خلالهن، وعبر كلماتهن، يُراجع تاريخ الشعب الفلسطيني في كتاب جهان حلو «المرأة الفلسطينية: المقاومة والتغييرات الاجتماعية - شهادات حية للمرأة الفلسطينية في لبنان 1965-1985» الصادر حديثاً عن مركز المرأة الفلسطينية للأبحاث والتوثيق - الأونيسكو. عرض وتقديم : جهينة خالدية النساء الثلاث والخمسين اللواتي «لاحقتهن» حلو بين لبنان، وفلسطين المحتلة، والأردن، وسوريا وباريس، قلن الكثير، لكن قبل كلامهن قالت هي إن «هذا الكتاب - المجلد خرج ليوثق بطولات للمرأة الفلسطينية وتضحياتها في تاريخ الحركة الوطنية المعاصرة، وخرج أساساً لأن هذه البطولات لم تكتب بعد». إذاً، الشهادات خرجت لتعوض عن إهمال التوثيق الذي تعتبر حلو أن الثورة الفلسطينية المعاصرة تعاني منه، «ويؤدي إلى اندثار أحداثها مع كل من استشهد أو غاب من المناضلين، وهنا تصبح المشكلة مضاعفة بالنسبة للمرأة الفلسطينية، إذ على الرغم من الاعتراف بأهمية مشاركتها النضالية، إلا أن مدى فعالية هذه المشاركة بقي ضبابيا، لأن الفلسطينية المناضلة بقيت في الظل ولم تكن في الصفوف المتقدمة لقيادة منظمة التحرير أو في القيادة المؤثرة على ساحة النضال وبقي المشهد الذكوري هو الطاغي على مسرح التاريخ». يسرد كتاب الحلو، بألسنة مناضلات في ميادين مختلفة، قصصاً لم ترو، إلا ربما في المجالس العائلية والنسائية وعلى ألسنة المجتمع.. مع أنها أسهمت في تحديد مسار القضية ورسم معالمها. قصص، هي أبعد بكثير من كونها روايات أو حكايات، وهي أقرب إلى أن تكون تجارب يجب الاعتماد عليها في دراسات وتحليلات جديدة للثورة الفلسطينية ومراحلها، وللتاريخ الفلسطيني عموما. ولعل من أبرز ما تظهره تلك الشهادات هو الخلل الأساسي الذي رافق مراحل التحرر والثورات التي شهدتها منطقتنا، بدءاً من منتصف القرن الماضي، والمتمثل باقتصار عمل حركات التحرر والمقاومة على الشق السياسي، مع تجاهل شبه تام لضرورة أن يترافق كل ذلك مع تغيير اجتماعي ومقاومة المفاهيم التقليدية السائدة. يبدو الكتاب لقارئه نوعاً من كتب المصادر، الذي يحتوي مئات آلاف من الجمل التي نقلت بحرفيتها، من دون تدخل المؤلفة في مضمونها. فترد كل الأسئلة على لسان المؤلفة، وتأتي تجارب النساء كما على ألسنتهن، كل منهن تروي تجربتها بكلماتها وأسلوبها، تنفد دورها في محطات رئيسية من تاريخ الثورة. كانت المرأة الفلسطينية مساهمة أساسية في العمل الوطني على كل المستويات.. وخرّجت عدداً من رائدات بمؤهلات تتفوق على بعض من القادة الرجال. وهنا المشكلتان الأساسيتان اللتان تهمّان الحلو : الاعتراف بدور المرأة الفلسطينية من دون تدوينه للتاريخ، وثانيا عدم مقابلته بأدوار قيادية أمامية. وذلك هو تماما ما يعبر عنه الدكتور شريف كناعنة في مقدمة الكتاب بالقول «حاول أن تتذكر معي الأسماء لقيادات الثورة الفلسطينية ولأبطالها وشهدائها. إذا وضعت كلمة «أبو» فإن كل واحد أو واحدة منا، بمن فينا الأطفال، يستطيع أن يعبئ الفراغ بعشرات أو مئات «الآباء»، لكن كم اسماً تستطيع أن تعبئ وراء كلمة «أم»؟ الأمهات في تاريخ الثورة الفلسطينية قليلات جداً». وبرأي كناعنة، من حاز من «الأمهات» اللقب لم يكن «بسبب بطولاتهن أو مناصب قيادية تبوأنها. بل حُزنَ عليه بالوراثة من زوج كان بطلاً أو قائداً واستشهد». اللقب (أم فلان) إذا، كان تعزية لها بمصيبتها، وليس اعترافاً بإنجازاتها. البدايات كتاب البطولات الذي نشر بعد 17 عاماً من بدء العمل على إعداده (سجلت المقابلات في العام 1993 واستأنف العمل في 2007)، يتنقل بتأن ودقة شديدتين بين بدايات الثورة والزمن الحالي. من دون أي حرق للمراحل أو لكل تجربة شخصية. مع بداية الوجود الفلسطيني في لبنان، والذي تشرح الحلو بأنه كان «يوم وصل مئة ألف لاجئ إلى مخيمات تفتقر إلى أي خدمات إنسانية، فيما كانت آلة القمع تقبض على مسار حياتهم وتحد من تحركاتهم ومن مزاولتهم معظم المهن والأشغال». وهو ما ترويه زهرة يوسف بقولها إن «جماعة المكتب الثاني (المخابرات اللبنانية) كانوا ما يخلوا الناس يتحركوا أبدا، اللي تكب نتفة مياه وبدها تشطف قدام بيتها ياخدوها هي وجوزها. ولما كان الناس يسهروا بالليل كانوا يدقوا عليهم الباب ويسألوهم أي إذاعة عم تسمعوا، إيش اللي عم تحكوه؟». وفي ظل كل حال البؤس، إذ كما يقول إبراهيم صالح «الوسخ والقمل بين الفلسطينيين الرقبة على الرقبة»، كانت الثورة بالنسبة للفلسطينيين بحسب حلو «الحلم بالتحرير والعودة والتخلص من الوضع المعيشي البائس». هل كانت البدايات سهلة لجماهير النساء كما الرجال؟ تجيب حلو «في ذلك الوقت، كانت القيود الاجتماعية تكبل المرأة وتكرس دونيتها، وبالتالي لم يكن من السهل الاشتراك بأي تنظيم أو نشاط نضالي بسبب التزمت الاجتماعي». واحدة من شهادات الكتاب تعبر عن ذلك شارحة كيف كانت الأمهات يعارضن أحياناً أكثر من الآباء مشاركة بناتهن في العمل النضالي إذ «تربت المرأة لتكون ضد نفسها!».إلا أن ذلك الواقع تغيّر مع دخول المرأة في الأطر التنظيمية ونشوء الاتحادات وحتى العمل الفدائي والتدريب العسكري، فـري أبو الهيجا «في العام 1969 أخذونا إلى عمّان، إلى معسكر الناعور، وكانت الدورة العسكرية الأولى وكان فيها مجموعة كبيرة من بنات فلسطين من لبنان».في ما ترويه المناضلات، بطولات أسطورية لعشرات النساء اللواتي استشهدن لتأمين الطعام والأدوية لمخيم تل الزعتر المحاصر، وجبروتهن عند إعادة بناء مخيم عين الحلوة الذي دمرته قوات الاحتلال الإسرائيلي بالكامل. ولا يمكن هنا إلا التوقف عند شهادة آمنة جبريل ودورها كامرأة وتقبل الرجال لها إذ تقول «كان في البعض يقولوا، شو مرا بدها تجي تقودنا، وكان أبو عمار يحكي معي وقال لي مرة لما زعلت وكنت بدي أترك المخيم «يا آمنة، كيف بدك تتركي إخوانك؟». كل ذلك، تورده حلو لتعود وتسأل «إذاً لماذا بقيت النساء في الظل؟» ويأتي الجواب في نقدها هي والنساء، للمنظمة/ المقاومة بحد ذاتها، إذ «لم تطرح ومنذ البداية أي رؤية ثورية للتغيير الاجتماعي الهادف إلى تغيير بنى الاستغلال والتبعية في المجتمع.. وبالرغم من أن البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية أكد على ترقية وتطوير أداء المرأة في النضال الوطني إلا أنه في الأطر المشتركة العام لم يكن هناك أي برنامج أو لجنة خاصة بها». وهو ما تعبر عنه حمدة عراقي «طلبت الذهاب إلى تل الزعتر المحاصر وطلبت الإذن من مدير العمليات المركزية ابو وليد الذي رفض، لكنني أصررت. وكانت الرحلة صعبة في الطرق الجبلية للوصول إلى هناك، وبالرغم من الخطورة والعذاب. قالت لي أمي: سودت وجه العيلة، والكل بيحكي عليك، ثم لاحقا اعترفت إنه صار إلي شعبية كبيرة بالمخيم».الاتحاد.. والحركة النسوية في مقدمة الكتاب، تسهب حلو في تفنيد استبعاد المرأة عن الأدوار القيادية، ولا تستثني تجربة «الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية» الذي تأسس في العام 1965، في القدس بقرار من منظمة التحرير، كإحدى قواعدها، وما له من تأثير على الوحدة الوطنية وتطوير المواقف السياسية. ونجح الاتحاد في فرض نفسه على الساحة النسائية الجماهيرية والنضالية، وتأسيس رياض الأطفال و«بيت أطفال الصمود» للعناية واحتضان الأطفال الذي فقدوا الأبوين في «تل الزعتر» وغيرهم مثل «صامد» و«الهلال الأحمر» وتثقيف الكوادر وإصدار البيانات السياسية. وعلى الرغم من كل ذلك، لا يفوت المؤلفة وبطلاتها، التذكير ببعض فرص الاتحاد الضائعة، «كإصدار مجلة خاصة به، تساهم بالارتقاء بوعي المرأة السياسي والاجتماعي والثقافي»، علماً بأن «منظمة التحرير لم تحبذ وجود منبر مستقل للاتحاد». بالإضافة إلى ذلك، لم تعط المرأة الاهتمام الكافي لمشكلاتها الاجتماعية والشخصية والأسرية وأثّر ذلك على تطور الحركة النسوية وتحرر أفرادها، وهو ما تعبر عنه إحدى الشهادات بالقول «المهم كان للبعض إنه المرأة بتشارك، بس ما كان في حركة نسوية، يعني الشعب الفلسطيني ما عرف حركة نسوية تعبر عن أفكار تحررية واضحة».لكن وزيرة الشؤون الاجتماعية في السلطة الوطنية الفلسطينية (1994-2004) وعضو لجنة إقليم سوريا في فتح (1961) وعضو الأمانة العامة للاتحاد انتصار الوزير تشير إلى أنه «كان من الصعب في قضايا الثورة والصراعات اليومية طرح قضايا لها علاقة بإيديولوجية المرأة ورؤيتنا لتحررها، وحتى في المجلس الوطني لم تتخط نسبة النساء العشرة في المئة». علماً بأن شهادات عدة أكدت على الفكرة ذاتها. امرأة جديدة.. لكن تحكي حلو في خلاصة شهاداتها عن تحولات اجتماعية هامة طالت واقع بضع آلاف من النساء، أحرزن أحيانا قفزات نوعية إلى الأمام، أفرزتها بشكل موضوعي البيئة الثورية في ظل غياب عامل ذاتي يحتضن التحولات ويدفعها إلى الأمام. وقد أطلقت حلو على تلك الظاهرة اسم «بداية «امرأة فلسطينية جديدة»، تمتلك الثقة بالنفس، وبإمكانها العمل والتحرك خارج المنزل، والسفر للدراسة والعمل، واختيار الزوج.. تقول فادية فضة في شهادتها «ساهمت مشاركتي في النضال في بلورة شخصيتي وتوسيع أفق تفكيري، وتمكنت من إحراز مكانة واعتراف كبيرين من عائلتي ومن النساء والرجال في مخيم برج البراجنة.. وبرغم كل الإحباطات كانت تلك الفترة أحلى أيام حياتي، كان هناك أمل بتحقيق أهدافنا».لكن.. تلك الحال لم تستمر فعلاً، لا سيما أن مسار تحرير المرأة كان مرتبطا ارتباطا وثيقا بمسار التحرر الوطني، وهو ما تشرحه حلو بقولها «أضاعت هزيمة الثورة في لبنان، وعلى رغم الصمود الرائع للشعبين اللبناني والفلسطيني، العديد من المكتسبات سواء للمرأة أو للرجل! وترك الشعب الفلسطيني، وتحديداً النساء الفلسطينيات، لمصيره المظلم في ظل غياب الحقوق المدنية وتردي الوضع الاقتصادي، والأسوأ هو غياب الأمل بعد توقيع اتفاقيات أوسلو!». ويأتي تفصيل الحال وقتها على لسان أحد المناضلين في العمل الاجتماعي قاسم عينا بقولها «قبل العام 1982، كانت المرحلة المضيئة للرجل والمرأة، وبعدها بدأنا بالتراجع، وتغيرت المفاهيم وعم تزداد سوء معاملة الرجل للمرأة.» خسارة الساحة اللبنانية خلاصة الكاتبة لا تنتهي عند قراءة نهائية لشهادة النساء في لبنان، ولا تكتمل إلا عندما يصل تحليلها إلى «انتهاء الثورة» ونتائجها، لافتة إلى أن الشعب اللبناني احتضن الثورة برغم الأخطاء، وهو ما تصفه إحدى الكوادر بقولها «عند انسحاب المقاومة، عمل اللبنانيون أزمة رز من كثر ما رشوه على المقاتلين عندما طلعوا من بيروت». ويكون سؤال حلو الأهم هو: «لماذا خسرنا الساحة اللبنانية كساحة نضال هامة لتحرير فلسطين بعد خسارة الساحة الأردنية؟ وهل تعوض الفرص الثورية؟ لماذا لم تناقش منظمة التحرير بجدية أسباب وتداعيات هذه الهزيمة برغم تراجع أداء الثورة الفلسطينية والكوارث التي تلتها وبرغم تعاظم معاناة الشعب الفلسطيني؟». الأسئلة هذه، التي تتخطى مسألة التحولات المتعلقة بتفجير طاقات المرأة وتمكينها وتعزيز وعيها لإنسانيتها ولحقوقها، لا نجد لها الكثير من الأجوبة لدى حلو، إذ تنتقل الكاتبة من الأسئلة إلى الإشارة إلى أن «عملية تحرير المرأة تبقى مجتزأة ومحدودة ولا يمكن أن تشمل الجماهير النسائية كافة إلا مع تطور المسار التحرري العام، إذ ترتبط هي عضويا بمسار الكفاح الوطني والمضامين الاجتماعية المرافقة له»، معتبرة أن ما تغّير لا يمكن أحداً أن ينتزعه من المرأة، لكن يبقى السؤال أين أصبحت جماهير النساء الفلسطينيات إن في الأرض المحتلة أو في لبنان وكل الشتات، من قضيتهن؟». أسماء كثيرة الصفحات الـ515 من القطع الكبير لكتاب جهان حلو، لا تأتي باستعادة لتواريخ معروفة فقط، بل تعكس الثورة وتاريخها بين العامين 1965 و1985 من وجهات نظر متنوعة، وهي إن تشابهت إلا أنها غير متطابقة وذلك بسبب اختلاف الكوادر والنساء اللواتي قابلتهن على صعيد الدور والمستوى والموقع، وشمولهن أسماء مثل آمنة سليمان (جبريل)، سميرة صلاح، انتصار الوزير (أم جهاد)، بيان نويهض الحوت، عصام عبد الهادي، مي الصايغ، شادية حلو، خديجة أبو علي (إم عمار)، حسنة رضا، وفاء اليسير، ليلى خالد وغيرهن. وربما تكمن أهمية كتاب حلو الأساسية في كونه مادة خصبة يمكن التعامل معها كمرجع لعشرات من القضايا، التي تحتاج إلى تحليل وبحث ومتابعة، وهو ما تصفه مديرة المركز الناشر زهيرة كمال في مقدمة الكتاب بالقول إن «الروايات التي يضمها هذا المجلد تزخر بالكثير من القضايا التي تحتاج إلى دراسة، بما يتطلب عملاً مماثلاً في الضفة الغربية لتوثيق تجارب النساء خلال الفترة الزمنية ذاتها، ومقارنة التحولات الاجتماعية الحاصلة من خلال دارسة التجربتين معاً». من جهة ثانية، يبقى السؤال الأخير للحلو عن تجربتها الخاصة، في الاتحاد، مع «أمهات» الثورة، مع زوجها المناضل الشهيد الدكتور حنا ميخائيل (أبو عمر)؟ فتجيب.. «لازم أكتب، قريباً». توقع جهان حلو كتابها بين السادسة والثامنة من مساء السبت 12 الجاري في جناح مؤسسة الدراسات الفلسطينية في معرض الكتاب الدولي في بيروت.

30.11.09

800 قتيل ومئة منهم أطفال وتلامذة.. معدل قتلى الحوادث ثابت أو إلى ارتفاع رغم وجود القوانين.. عندما ينتظر الموت في باص مدرسة : من يتحمل المسؤولية؟ من يس


مشر في جريدة السفير
تحقيق: جهينة خالدية

30-11-2009

لنحكِ عن هذه الأسماء: آية أبو خشفة، جان نادر، صلاح الزعبي، سمر عطية، جوي تلج، جوي تابت، غياث حب الله، سماهر خضر، ملاك الشموري، ساجدة محمد شعبان. لنحكِ عن عشرات الأسماء الأخرى التي لم يعد أصحابها يحملونها لأنهم رحلوا وتركوها على ورق يحمله الأهل كإفادات موت. تركوا كل شيء، وأصبحوا في يوم حزين «أطفالاً قتلى».. وبكلمات رسمية هم: «ضحايا الحوادث المدرسية». أسماء هؤلاء أصبحت، لأسباب عدة، من الماضي. ولم تعد أكثر من أرقام يتم تداولها في التقارير الأمنية، وتقارير المدرسة، وتلك الصحافية. فجمعيتا «اليازا» و«اللاسا»، على سبيل المثال، تقدران عدد ضحايا حوادث السير المدرسية في لبنان سنوياً بمئة وخمسين ضحية، بين قتيل وجريح. نملك أسماء القتلى، فنوردها. أما الجرحى فلا نعرف عنهم سوى عددهم. الأخبار الصحافية لا تحكي قصصهم، آلامهم، لكن عددهم يتراكم: «12 جريحاً في صيدا»، «12 جريحاً في الناقورة»، «عدة تلامذة سقطوا جرحى»، «مقتل طفلة وإصابة آخرين في حادث سير مدرسي».. لكن ماذا بعد الأخبار والتقارير؟ ماذا بعد الحملات؟ الأرقام إما على حالها أو إلى ارتفاع، والدراسات ما زالت تؤكد أن «حوادث السير هي المسبب الأول للوفاة عند الشبان والأطفال في لبنان وفي العالم العربي». وتجدر مقارنة بسيطة من خلال تقرير يفيد بأنه: في ثلاثة وثلاثين يوماًَ من الحرب الإسرائيلية على لبنان العام 2006، سقط 1200 شهيد، وبحسب تقارير قوى الأمن الداخلي، يخسر لبنان 197 ضحية جرائم متفرقة.. أما في ما يتعلق بحواث السير، فإننا نتحدث عن معدل ثمانمئة قتيل و12 ألف جريح سنوياً! وبحسب إحصاءات قوى الأمن الداخلي، فإن 2.5 في المئة من الثمانمئة قتيل، هم دون الخمسة أعوام، و1,88 في المئة ما بين ستة وتسعة أعوام، 3,77 في المئة ما بين عشرة و14 عاماً، و3,77 في المئة ما بين 15 و17 عاماً. إذاً، نحن نحكي عن حوالى 12 في المئة (96 قتيلاً) من أصل 800 قتيل، هم بعمر طلاب وتلامذة المدرسة. لعلهم أطفال «قضوا» في ساحة المدرسة أو منها وإليها. أطفال زرروا في صباحاتهم أزياءهم المدرسية، حملوا حقائب تخبئ لهم وجبات الظهيرة. أكلوها في الفرصة، ووعدوا أنفسهم بغداء ساخن من صنع أمهاتهم. لكن ساعات قليلة بعد، هؤلاء لن يكونوا هنا، لأن هناك من أهمل، وهناك من ساهم في الإهمال، وهناك من سكت عليه. من يتحمل وزرهم؟ الجهات الرسمية؟ الأهل؟ المدرسة؟ أم الكل على حد سواء؟ من تغافل فكانت النتيجة أن يغادر هؤلاء الحياة لأسباب تافهة كعدم ثبوتهم في مقاعدهم عند وقوع حادث السير، أو كاستخفاف السائق بمسؤولية عشر أو عشرين روحاً فتية، أو كعدم استيفاء الحافلة للشروط الضرورية الواجب توفرها؟ أسئلة برسم الحكومة الجديدة. لن تصدق الأمهات بسهولة أنهن سهون عن التشديد على مواصفات الحافلة والسائق. لكنهن أيضاً لن يعتصمن أو يوحدن الصوت لمطالبة الجهات الرسمية بالتدقيق في كل وسيلة نقل تحمل أولادهن. تردد الأمهات، مع الآباء، عند لوعة الفقدان: «أرسلناهم إلى المدرسة لا إلى الجبهة»، ومع مرور الوقت سيعرف الكل أن الطرقات في لبنان، وأساليب القيادة المجنونة، تجعل التنقل إلى المدرسة، أصعب ربما من القتال على جبهة. طلاب يتكدسون في الباصات كأنهم في شاحنة، يختنقون في «فان» يتسع في الحالات الطبيعية لإثني عشر أو خمسة عشر راكباً، وهم بداخله عشرون.. ماذا لو انقطع الهواء عن الأطفال؟ لا تقلقوا، نفتح لهم الباب الخلفي ونركّب لهم، بسرعة، شبكاً حديدياً يحميهم. لكنهم ما زالوا مكدّسين، فوق بعضهم البعض.. أيديهم تخرج من النوافذ، فلا مكان لها في الداخل! رؤوسهم تلتصق بالزجاج و«بلمسة» بسيطة على الفرامل يصبحون والزجاج «واحداً»! حقائبهم رصت على سطح الفان، أو صُنع لها صندوق حديدي خارجي.. إذا، فلنتفق: هذا الذي يقلّ عدداً كبيراً من أولادنا، ليس باص نقل. هذا قفص كبير، ربما يصحّ للدواجن. ليس بالقانون وحده نحميهم هو السؤال البديهي. لكن بالرغم من هذا، ننطلق من القانون الوحيد المتوفر: القانون الرقم 551 «المتعلق بوسائل النقل المعدة لنقل تلامذة المدارس الرسمية والخاصة»، ويمنع في مادته الأولى، منعاً باتاً، نقل تلامذة المدارس الرسمية والخاصة في جميع مراحل التعليم ما قبل الجامعي، من البيت إلى المدرسة وبالعكس، من دون وجود مراقب مسؤول في كل وسيلة نقل. إذ يفترض أن يكلّف لهذه المهمة من قبل مالك وسيلة النقل، أكانت المدرسة (حتى ولو كانت تستأجر هذه الوسيلة)، أو أي شخص آخر. وفي المادة الثالثة من القانون، يتوجب على مالك وسيلة النقل، أو مستأجرها، إجراء عقد تأمين لوسيلة النقل المستخدمة لنقل التلامذة، على أن يغطي التأمين جميع الأضرار التي قد تنتج عن حوادث السير وخلافها أثناء النقل. هذا بالإضافة إلى إقرار القانون «الحكم بغرامة تتراوح بين قيمة الحد الأدنى الرسمي للأجور وضعفيها، في حال إهمال تعيين مراقب في كل وسيلة نقل من قبل الجهة المعنية بذلك، ويحكم بالغرامة بالاستناد إلى محضر ضبط منظم من قبل القوى المولجة بتطبيق قوانين السير. السؤال الثاني الذي يطرح نفسه: إذا كان دور وزارة الداخلية في هذه العملية كلها هو تطبيق القانون 551، فهل يُطبق؟ يقدم قائد سرية سير بيروت، العقيد محمد الأيوبي، جواباً يختصر معاناة الوزارة الأزلية، التي تتكرر كلما طًرق باب أزمة السير وحوادث السير في لبنان، وهي عديد عناصر تنظيم السير. هكذا يكرر الأيوبي: «نعم نطبق القانون بحذافيره، لكن بالقدر المستطاع. فنحن، كما هو معلوم، نعاني نقصاً فادحاً في عديد هذه العناصر التي لا تتعدى ستمئة عنصر ضمن قوى الأمن الداخلي والذين يعملون في مفارز السير». إذاً هل يطبق القانون؟ كم غرامة أعطيت حتى اللحظة؟ لا نملك الرقم، لكن يمكن استنتاجه من جواب ثان للأيوبي: «العدد القليل للعناصر بالكاد يكفي لتنظيم سير السيارات العادية وملاحقة الدراجات واستخدام أحزمة الأمان». القوى الأمنية التي لا يمكنها ملاحقة كل مخالف للقانون 551، نجدها في مواقف أخرى، عندما يقع حادث السير. يُحرّر المحضر، تُحصى الإصابات، ويُحول إلى النيابة العامة.. فهل يكون هذا، حتى اللحظة، كل ما يمكن تقديمه لتعزيز وقاية نقل التلامذة إلى مدارسهم ومنها؟ يجيب عضو الهيئة الإدارية في «اليازا»، كامل إبراهيم: «إن معضلة عديد قوى الأمن الداخلي لطالما كانت موجودة، لكن العديد نفسه يستطيع، أثناء مراقبته للدراجات وواضعي أحزمة الأمان، تبيان وجود مراقب في الباص أم لا. وذلك يتطلب من العناصر التوزع على بعض المدارس، عند الصباح، وعند انتهاء الدوام الدارسي». ويجزم إبراهيم: «إن القانون 551 لا يطبق بأي شكل من الأشكال»، وهو ما يتوضح أكثر في جولة لـ«السفير» على مجموعة مدارس بيروت وجبل لبنان، حيث لا يوجد مراقبون في غالبية المدارس الخاصة والرسمية، ولا يُستثنى من هذه النتيجة إلا بضع مدارس كبرى تعتمد بشكل كبير على أساتذتها للقيام بهذه المهمة. والنقطة الثانية التي يتطرق إليها إبراهيم، هي «الفضائح الحاصلة في الميكانيك عند الترخيص لكل الآليات، (وبينها باصات النقل وباصات المدارس)، إذ يتم استئجار الكثير من القطع الناقصة لآلياته لتنجح في إمتحانها، من دواليب ومرايا، وإشارات وإلى ما هنالك، لتعاد بعد اجتيازها الفحص!». يقول إبراهيم إن «هناك مسؤوليات جمّة على المعنيين تحملها، بملاحقة المتاجر والمحال التي تؤجر هذه القطع». مرسوم جديد.. ناقص وعالق من جهة ثانية ما هو دور وزارة التربية؟ يلفت مدير مصلحة التعليم الخاص في وزارة التربية، عماد الأشقر، إلى أن «دور الوزارة محصور في الموافقة على إفادة تقدمها المدرسة حول عدد طلابها، لكن لا دور لوزارة التربية عند وقوع الحادث أو للإشراف على الآليات التي تقل الطلاب». لكن الأشقر يشير بالمقابل إلى مرسوم جديد تعاونت في وضعه وزارة التربية والداخلية، لكنه حتى اللحظة لم يتم إقراره». حصلت السفير على نسخة من المرسوم الذي يشير إليه الأشقر ويشدد أكثر على «تحديد مهام المراقب، في وسائل النقل كافة المعدة لنقل تلامذة المدارس الرسمية والخاصة، وعدد التلامذة في الآلية». لكن هذا القانون، كما سيرد أدناه، لا يشير بالمطلق إلى أي تعديل يجب أن يجري على الحافلة لجهة توفر بابين بدلاً من الباب الواحد، أو حزام أمان للتلامذة (لا سيما من هم أكبر من 12 عاماً). ويحدد المرسوم في مادته الأولى «عدد التلامذة في وسيلة نقل التلامذة بحسب رخصة المركبة الآلية الصادرة عن هيئة إدارة السير، والآليات والمركبات وفقاً لمواصفات المصنع. ويمنع منعاً باتاً زيادة العدد أو وضع الكراسي الإضافية في وسيلة النقل ويبقى الممر الوسطي مفتوحاً لدخول التلامذة وخروجهم دون أي عائق». وتحدد المادة الثانية، مهام المراقب بالتواجد في الحافلة قبل دخول التلاميذ، وعدم مغادرتها حتى نزول آخر طالب، المشاركة بوضع خريطة الرحلة بالتعاون مع سائق الحافلة، ولائحة بأسماء الطلاب المسجلين أو المنتسبين في الحافلة وعناوينهم، وأرقام الهاتف، ومنها عدم التحدث مع سائق الحافلة إلا عند الضرورة. إضافة إلى الاتصال بمسؤول النقل في المدرسة في حال وقوع أي حادث، تسليم تلامذة الروضات وتلامذة الحلقة الأولى إلى أهاليهم او من ينوب عنهم، ضبط النظام في الحافلة خصوصاً عند وقوع حوادث أو عطل، وعدم السماح بخروج التلامذة منها إلا في حالات الخطر وتحت إشراف المراقب، إلى جانب إلمام المراقب باستعمال مطفأة الحريق وعلبة الإسعافات الأولية. هنا يشير عضو الهيئة الإدارية في «اليازا» كامل إبراهيم إلى أن «المشكلة الأساسية في عمل هذه اللجنة كانت في عدم مشاركة ممثل عن قوى الأمن الداخلي في حينه، وهو المفترض أنه معني بتطبيق القانون، وليس ممثل مديرية النقل! من جهة ثانية، المرسوم كله معلق، ولا أحد يتابعه، لا سيما في زمن حكومة تصريف الأعمال». والآن تشكلت حكومة الوحدة الوطنية.. فهل يتوافق أقطابها على بديهيات السلامة على الطرقات، خصوصاً بالنسبة إلى أولادنا.. وأولادهم؟!


بين أرقام قوى الأمن واليازا
تلفت «اليازا» إلى أن أحد الاستنتاجات التي توصل إليها تقرير البعثة العلمية السويدية «سويرود» Sweroad، والتي استقدمتها الحكومة اللبنانية بهبة من حكومة السويد لإجراء إحصاءات حول حوادث السير، يقول التالي: «بعد دراسة إحصاءات حوادث السير في لبنان، تبين عدم إدراك حقيقة حجم المشكلة التي يعاني منها وضع السلامة على الطرق، وذلك بسبب النقص في الإفادة عن حوادث السير التي ينتج عنها وقوع إصابات أو وفيات. وفي لبنان، يتم تعريف الوفيات على أنها إصابات تؤدي إلى الوفاة في موقع الحادث فقط، بينما يشمل التعريف العالمي، الوفيات التي تستجد خلال 30 يوماً من وقوع الحادث. ولهذا السبب وحده، يمكن احتساب عدد الوفيات في لبنان بإضافة نسبة 30 في المئة من العدد الرسمي المُعلن إلى هذا العدد. ومن الأسباب الأخرى المعروفة وراء النقص في الإفادة، أن الحوادث التي تتعرض لها مركبات الجيش اللبناني لا تدخل ضمن الإحصاءات الرسمية، علماً أن بعض التقديرات تشير إلى أن مركبات الجيش معنية بنسبة 10 إلى 15 في المئة من إجمالي عدد الحوادث. كما أن إحصاءات الصليب الأحمر تدل إلى وجود نقص في تقدير عدد الإصابات الناتجة عن حوادث سير في الإحصاءات الرسمية، بنسبة قد تصل إلى 75 في المئة إلى 100 في المئة. ويمكننا هنا أن نذكر، كمثال على ذلك، قصة الطفلة آية خالد صالح، التي لم تكن قد تخطت سنواتها الأربع عندما أصيبت في حادث صدم مفجع في منطقة كفريا في البقاع الغربي، في السابع من حزيران الماضي. جراء الحادث دخلت آية في غيبوبة وسجلت في تقارير قوى الأمن «كجريحة». لكن آية فارقت الحياة في 26 أيلول المنصرم.


بين «الوقاية» و«المكتوب»
كلما طرق العام الدارسي أبوابه، رفع الأهالي صرخة الكلفة. لا شك في أنها تشكل أعباء إضافية، إذا ما أضيفت إليها الأقساط وكلفة النقل وغيرها. هكذا تجدهم يتجهون إلى إختيار الوسائل الأقل كلفة. لكن مسؤوليات عدة، لا بد أن تؤخذ بحذافيرها قبل أن تقع الواقعة ويردد الكل إنه «المكتوب»! مسؤوليات تقع، بحسب نائب رئيس اللجنة اللبنانية للوقاية من الحوادث المدرسية (اللاسا)، فيكتور عبود، «على عاتق الإدارات المدرسية، أولياء الأمر، والأجهزة المعنية بنقل التلامذة من وإلى المدارس». بداية، يقول، «على المدرسة التأكد من فصل مواقف المركبات عن ساحة المدرسة بحواجز مناسبة تمنع تجاوز التلاميذ العشوائي لها، الإشراف على عملية صعود التلامذة إلى الحافلات المدرسية ونزولهم منها ضمن حرم المدرسة أو خارجها، وضع مراقب داخل كل باص مدرسي وفقاً للمادة 1 من القانون 551/96، إلزام سائقي المركبات المدرسية التقيّد بقوانين السير، ومراقبة مدى التزامهم بها. بالإضافة إلى توعية سائق المدرسة على طبيعة وخصوصية مهمته كسائق مركبة تقل تلامذة يتوجب عليه المحافظة على حياتهم وسلامتهم عبر اتخاذه أقصى درجات الحيطة والحذر». هذا إلى جانب المواظبة على صيانة الباصات (لا سيما الإطارات والفرامل، والصيانة الهيكلية لها كإصلاح الأبواب، ووضع حماية على النوافذ، صيانة مستمرة للمقاعد لإبقائها ثابتة، وتغليف أجزائها المعدنيّة بالإسفنج الواقي المناسب حفاظاً على سلامة التلامذة). ولا يفوت «اللاسا» التدقيق في أصغر التفاصيل التي على سائق الحافلة التنبه لها، من «تحميله مسؤولية الإغلاق المحكم لباب المركبة عند السير، وعدم فتحه إلا عندما يتوقف الباص تماماً، إلى استعمال الأضواء الجانبية أثناء التوقف، وركن المركبة بمحاذاة الرصيف الأيمن عند صعود أو نزول التلاميذ، وعدم التوقف وسط الطريق، وأن يكون باب المركبة محاذياً لباب المدرسة أثناء نزول التلامذة وصعودهم للباص». كما يجب «تجنب ترك مسافة لمرور سيارة بين الباص وباب المدرسة». هنا يلفت عبود إلى «ضرورة خضوع السائقين لدورات تدريبية في السلامة والحريق والإسعافات الأولية لضمان التصرف السليم في الحالات الطارئة مثل الحريق أو الحادث. بالإضافة إلى المواصفات العامة من عدم التدخين، أو شرب الكحول، إلى معرفة حقوقه وواجباته القانونية والأخلاقية فلا يتفوه بكلام بذيء، ولا يتسبب بمشاكل مع السائقين الآخرين ومع رجال الشرطة. وأن يخضع دورياً للفحص الطبي المرافق لدفتر قيادة الباصات والمعاينة المستمرة». أما مسؤولية الأهل فتتمثل «بالتأكد من كل المواصفات القانونية في الباص الذي يختارونه لأولادهم، ومطالبة الإدارة أو السائق باللجوء إلى أقصى درجات الوقاية والحماية». وهنا يشدد عبود أن القانون 551 ينص على وجود مراقب في الباص، لكن لا مرسوم ولا قانون يدقق في «أهلية» حافلة النقل، واشتراط توفر بابين لدخول الطلاب وخروجهم، بالإضافة إلى أحزمة الأمان التي تخفف الأضرار في حال وقوع الحادث. في المقابل، تتعدد المشاهد المخالفة التي نشهدها عند موعد خروج التلاميذ من مدارسهم، لا سيما عند الأهل الذين يختارون نقل أطفالهم في سياراتهم الخاصة أو سيراً على الأقدام. إذ يغض هؤلاء النظر عن كل شروط السلامة المطلوبة، مثل «إيصال أولادهم شخصياً (أو مع شخص ناضج) من وإلى باب المدرسة، واستعمال جسور المشاة والأرصفة، بالإضافة إلى استخدام حزام الأمان الذي حان الوقت لاعتباره من أبجدية سلامة النقل، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال التساهل في استخدامه». من جهة ثانية، ينصح عبود جميع المعنيين (لجان الأهل، إدارات المدارس، سائقي الباصات المدرسية)، الاعتماد على دليل «أسئلة وأجوبة تعلم السوق» الذي أعدّته «اليازا»، كوسيلة من الوسائل المتعددة لنشر الوعي والمعرفة حول القيادة الآمنة بين جميع السائقين المخضرمين، ومن بينهم المبتدئون، ما يؤدي إلى رفع مستوى السلامة المرورية. فهو يستند إلى أحدث الدراسات العلمية، ويزودهم بكافة المعلومات من خلال 400 سؤال وجواب. هكذا، مرّت سنوات أربع على عمل اللجنة اللبنانية للوقاية من الحوادث المدرسية. واللجنة لا تكلّ ولا تملّ من الترويج لفكرة السلامة العامة المدرسية عبر خدمات وتوجيهات اللجنة، مساعدة المدارس الخاصة والرسمية ضمن نطاق برنامج متخصص لتفادي الإصابات المدرسية ويعدّ خصيصاً لكل مدرسة. بالإضافة إلى إقامة ندوات وحلقات حوار في المدارس، تدور حول مفهوم فعالية وأهمية السلامة المدرسية، وإطلاق حملات توعية شاملة عبر الإعلام تصل إلى جميع شرائح المجتمع. من خلال كل هذا العمل، كانت ولا تزال اللجنة تأمل في تحسين وضع السلامة المدرسية من خلال برامج تعنى بجميع الميادين المتعلقة بالحوادث والإصابات المدرسية. لكن السؤال يبقى: هل أدى كل هذا الجهد إلى أي تطور أو إلى نتيجة ملموسة في تقليص نسبة الإصابات؟ يجيب عبود: «لا إحصاءات رسمية»، لكننا نشعر أن هناك وعياً بسيطاً لدى الناس». لا بد من التذكير إذاً، إلى أننا بحاجة إلى كل هذه التفاصيل، لتعزيز الوقاية. بحاجة لها، لئلا يصلنا، كأهل، نعي أطفالنا على ورقة سوداء وبيضاء صادرة عن إدارة المدرسة، تحاول أن تواسينا ولا تستطيع، بكلمات مثل «تأسف إدارة المدرسة لمقتل عدد من الطلاب وإصابة آخرين بجروح... وتعلن إقفال المدرسة حداداً..».

مايكل بولتون في بيروت..فتح بوابة الذكريات وغنى لنفسه

كان معهم، لكنه كان يغني لنفسه بالدرجة الأولى، ثم يغني لهم.
غفا داخل الصوت، قبل أن يخرج بكل هذا الشغف إلى جمهور ينتظر الحب ليأتيه مع المغني العالمي مايكل بولتون.
هو الذي غنى أكثر من ثلاثة آلاف متفرج عاشق لأغنيات بألحان كلاسيكية و Soft Rock، صنعتها يداه الموسيقيتان، إلى جانب احترافه تأليف أغنيات كبار النجوم، مثل باربرا سترايسند، وكيني روجرز وكيني جي، وتعاونه مع بوب ديلان وبيبي فايس.
في ليلة السبت حل سباق آخر، بين نشوة الموسيقى التي تخرج من مكبرات الصوت من طرف، وخيالات الخيل وسط ميدان سباقها في بيروت، من طرف آخر. حيثُ توزع الحضور على المسرح الذي نصب في الهواء الطلق، من دون أن يتجاهلوا رمزية المكان. فتجد هنا وهناك أحاديث تستذكر موقع هذه البقعة خلال الحرب اللبنانية، مقارنة بمحيطها الحالي وذلك الماضي وما تختزنه كخط تماس سنين. أما في هذه الأمسية، فلن تفرد هذه المساحة إلا لصوت راق، دار في فضاء واسع وتسلل إلى أحضان أشجار الصنوبر المتناثرة كحراس الليل. على مدى ساعتين من الوقت، تمايل معه الجمهور، ولوحوا بأيديهم، ودخلوا من باب ألبوماته إلى ذكرياتهم الثمانينية والتسعينية، وإلى قصص حب نمت فوق عشب أغاني مثل I said I loved you but I lie و How am I supposed to live without you، وWhen a man loves a women و steel bars و Can I touch you there و Time, love and tenderness وOnly a women like you التي ألفها في العام 2002 بالتعاون مع المغنية شنايا تواين. الروائع هذه، غناها بولتون مساء الأول من أمس لآلاف يحفظونها كأسمائهم، واختار لهم من ألبومهمbolton swings Sinatra عدداً من أغاني سيناترا الشهيرة، مثل «نيويورك.. نيويورك» التي جعلت الكبار قبل الصغار يتمايلون ويشدون بصوت عال كلمات الأغنية ككورال جماعي، مرحبين بالحفل الفني الأول لبولتون في لبنان (باستثناء الدعوة الخاصة التي لباها لحفل السنة الماضية).
تفاعل جميل
كانوا هناك مع ماضيهم القريب، يمجدون فناً يتجسد بصوت نادر، ويرفعون القبعة لكل ما أداه للأسطوري «فرانكي» ـ فرانك سيناترا ـ ولنجاحه على مدى أكثر من ثلاثين عاماً، باعَ أكثر من 53 مليون نسخة من ألبوماته، وتشارك خلالها المسرح مع عمالقة أهمهم مغني التينور الإيطالي لوتشيانو بافاروتي، خوسيه كاريراس، راي تشارلز وسيلين ديون ورينيه فليمنغ.
«أنا هنا لمهمة أعشقها .. الغناء لجمهور معجب». هذا ما قاله بولتون في المؤتمر الصحافي الذي أقيم في فندق البريستول عصر الجمعة. وبالأمس أدى المهمة باحترافية عالية وتفاعل جميل مع جمهور شاب ومراهق يتشرب أغاني هادئة، قد يعتبرها البعض «موضة قديمة» لأبناء جيلهم. أما المتفرجون الأكبر سناً، فتركوا بدورهم مقاعدهم المرفهة المزينة بالملاءات البيضاء، والتصقوا بالمسرح ليلقوا التحية على النجم، ويتأملوه من قرب مغنياً لهم بصوت يغمره الدفء (وإن كانت هذه الميزة ما عادت رائجة الآن). وهو يراقبهم بدقة، ينزل إليهم حيناً، ويمد يده محيياً أحايين أخرى، وبعدها يتركهم يغنونه ويغنون أنفسهم.. وهو يدعوهم مرارا ليستلموا «دفة الحكم».
عديدون ممن حضروا الحفل الذي نظمته شركة RKNA بحثوا عن الحنين إلى فن من نوع آخر، وآخرون عبروا بحضورهم عن إعجابهم بشخص النجم، لنضاله من أجل قضايا المرأة وحقوقها، محاربا العنف الذي يمارس عليها. كذلك تأسيسه جمعية تعنى بالأطفال الذين يعانون الفقر والأمراض المزمنة والاستغلال.
الرجل قال الكثير بين أغنياته، ثم نسي الكلام العادي ورحل مع جمهوره إلى عوالم خاصة بهم وحدهم. رصف أغانيه وألحانه فوق مشاعر كل منهم منفردا، وحاكاهم بما تختزن ذاكراتهم. عزف لهم، وكأنه يحلق إلى زوايا رومانسية تندر الآن في عالم الموسيقى، ليترك بعدها المسرح لعازفين اختلوا بالحضور بوصلات منفردة على البيانو والغيتار الإلكتروني.. هنا أيضا تماهى الكل مع الكل.. واختلى من أراد من العشاق بأنفسهم وهم بين الجميع.. اختلوا تحت السماء الواسعة التي طلت عليهم بملء أعينها، كأنها هاربة من أبنية تختنق بناسها وتخنق معها العاصمة.

27.11.09

«لكم حَمْراؤكم ولي حَمْرائي»: لحظات الشارع كلها.. تختطفها الصور



نشرت في السفير- 27-11-2009
جهينة خالدية

الوجه بتجاعيد سبعينية، يود أن يبتسم، لكنه يتوجس. يخشى أن تأسر العدسة أسنانه القليلة. الوجه يود أن يبتسم، لكن قبل أن يأخذ القرار، يقف في وسط شارع الحمراء..فتسرقه الصورة. العجوز المحجبة، تمر بجانب عارضة مثيرة شبه عارية وتتصدر ملصق إعلاني. تحب العجوز أن تتأمل هذا الجسد، لتلعن عريّه ربما، أو لتتحسر على شبابها الآفل، لكن قبل أن تبادر.. تخطفها الصورة. مدخل مسرح المدينة فارغ. قبل قليل كان يغلي بناسه، وربما عما قليل ينهمر عليه الرواد «المسرحيون».. لكنه الآن ينتظر. الانتظار هذا، أصبح في صورة. صور، صور، صور. هكذا هي الحمراء هذه الأيام، مسرح كبير تغزوه عدسات الهواة والمحترفين. التقطوا وما زالوا يلتقطون عشرات اللحظات، يجمدونها، يعودون إلى منازلهم، يختارون منها خمساً فقط، يطبعونها ويشاركون فيها بمسابقة «لكم حَمْراؤكم ولي حَمْرائي» التي أطلقتها منذ أكثر من شهر شركة «سبريد مايندز» ـ Spreadminds، برعاية وزارة الثقافة. المسابقة التي كان من المفترض أن يغلق باب الاشتراك فيها بتاريخ 22 الجاري، مددت مدتها حتى بعد غد الأحد، فاسحة المجال لكل «حمراوي» أن يساهم في تأريخ شارعه. هكذا، بات كل متجول أو زائر أو مار في «الحمراء» يصادف كاميرا هنا، وأخرى هناك.. فكل شيء هنا يمكن تخليده، كل ما يريد المصور أن يقول عبره: هذه حَمْرائي، هكذا أراها، أو هكذا أجد نفسي فيها. الشارع إياه، وكما عادته، وكما بات كل مدمنوه يعرفون، يفتح أذرعته، ومقاهيه، وقلوبه للكل. وكأنه يعطي كل ذي حق فيه حقه. وكأنه يوزع بلاط أرصفته عليهم «حبة حبة»! ما الصور التي يمكن توقعها إذاً؟ طالبة جامعية تحول المقهى الشبابي إلى بيت ثان تلونه روائح القهوة والشوكولاتة الساخنة؟ أربعيني تلاحق العدسة دخان نرجيلته، كزائرة جديدة في مطاعم الشارع؟ بائع يانصيب لم يغير ركنه منذ ثلاثين سنة؟ بائع الصحف المتجول الذي يحفظ المارة اسمه وقصته وعائلته؟ السيدة الجميلة، بائعة الورود التي لا تخرج إلى مهنتها بلا جزدان أنيق يتناسق وأزهارها؟ صحافيون في قنوات تلفزيونية محلية وعالمية يرصدون نبض المدينة من قلبها: من الحمراء.. مالكة روح العاصمة. كثير من هذا «تجسد حتى الآن في صور نحو خمسين مشارك (علماً بأن أكثر من 900 استمارة حملت عن الموقع الإلكتروني للمسابقة واستلمت من المقاهي)، التقطوا إدمانهم الخاص في الشارع، أو تركوا عيونهم كغريبة عنهم تتصرف بحرية مع ما تراه»، كما يقول صاحب الفكرة ومدير شركة «سبريد مايندز» المنظمة للمسابقة، محمد بدر. وبرأيه «فالنتائج حتى الآن، رسخت ما يعرفه كثر: حالة الإدمان الجماعي على الشارع، وذلك لما يفسحه من حرية لمرتادين من خلفيات مختلفة، بينهم من يبحث عن ذوق فريد في السهر، ومن يلاحق مساحات خاصة في المقاهي للانفراد بكتاب أو بصفحات إلكترونية، ومن يبتغي مزاجاً بسيطاً يلف جَمعة «شلة»، أو يحضن حباً لا يولد إلا هنا». على بعد يومين من إغلاق باب الاشتراك في المسابقة، يقف بدر أمام الصور المسلمة في مكتبه، يراقب تحول حلمه، وقصيدة كتبها للشارع وعنه، إلى واقع يتوقف داخل الصور. منذ أشهر قليلة كتب الشاب العشريني: «لكم ضجيج السيارات في الظهيرة/ ولي صمت الأرصفة في العشية/ لي روح المدينة/ تنتقل في أضلع الجدران/ لكم رسوم بعمر أحزان الشبابيك الخشبية/ ولي صور لعيون معلقة كنجوم على أغصان شجرة ميلادية». واليوم، تجده يجول في المكتب مع فريق عمل نشيط، محضراً لفكرة جديدة يخبئها لهذا الشارع. ويعود بدر ليذكر أن اللجنة التحكيمية للمسابقة تختار بين 19 و20 كانون الأول المقبل، الصور الفائزة، والتي تشارك في معارض متجولة في سبع مقاه في الحمراء وهي «فرانكو جيلاتو»، «ة مربوطة»، «سمبلي ريد»، «مقهى يونس»، «ستاربكس»، غرافيتي» و«دو براغ»، علماً بأن مرتادي المقاهي إياها، يحق لهم قبل إصدار النتيجة النهائية أن يختاروا صورة أحبوها، لتشكل نسبة تصويتهم هذه 10 في المئة من النتيجة النهائية، فيما تحتسب 15 في المئة من النتيجة على أساس التصويت على صفحة المسابقة على موقع «فايس بوك». بالإضافة إلى هذا تنشر الصور في كتاب يباع في المكتبات اللبنانية في بداية عام 2010 احتفالاً بالشارع

21.11.09

منتدى بيروت الإعلامي 2009»: قرب من الدراسات والنظريات.. بعد عن الواقع

نشرت في السفير- جهينة خالدية
21-11-2009

قالت: «هناك نوع جديد من العروبة على الشبكة!» واستطردت أستاذة العلوم السياسية في جامعة كوبنهاغن دوناتيلا ديلا راتّا، في مداخلتها عن «نشاط الشبكات الإلكترونية الاجتماعية وتأثيرها على الحراك الاجتماعي في الواقع»، التي ألقتها في منتدى «تعبئة الرأي العام، صورة الحقيقة وحقيقة الصورة» في المعهد العالي للأعمال ESA أمس. خرجت راتّا بالاستنتاج التالي: «الشبكات الاجتماعية على الإنترنت ناشطة وتتجه إلى تأثير متزايد على واقع العالم العربي، وإلى نوع جديد من العروبة، الناشئة من الأسفل (الشعب) إلى الأعلى (السلطة) وليس العكس». الحضور، الغربي بمعظمه، هز رأسه مصغياً جيداً لراتّا التي قدمت مداخلة شيقة مستعرضة فيها عدداً من المواقع الإلكترونية الفاعلة، لكن مبنية على قناعة عامة أو لنقل معممة، تظهر نوعاً من البعد عن الواقع الفعلي للشبكات الإلكترونية الاجتماعية العربية، وتبرز قلة دراية في البنية الاجتماعية والسياسية في العالم العربي، فتقول الدكتورة دوناتيلا «هناك عدد من الشبكات الاجتماعية، استطاعت تخطي الحدود الإقليمية والتشبيك مع العرب الآخرين، في نوع من الوحدة، يؤثر بعض منها على الحياة العامة الواقعية». والمثير أن البراهين التي تقدمها راتّا ليست أكثر من عرض للشبكات، من دون أرقام أو دلائل. وبحسبها ما قالت هناك موقعا «حبر» وcreative jordan، الأردنيان علماً ان الأخير بحسب ما قالت «خلق حركة اجتماعية ما في الأردن انتقلت فعليا إلى الحياة العامة الواقعية!». تجيب راتّا عن سؤال «السفير» حول مظاهر هذه «العروبة» التي تتحدث عنها (وهنا يكفي استرجاع التغطيات الإعلامية وحرب المدونات عقب مباراة مصر- الجزائر الشهيرة). تعود راتّا لتصوغ عباراتها التي كررتها مرتين في المداخلة: «أنا لا أؤمن بوجود ثورة عبر وسائل الإعلام ولا الإنترنت، ولا أقول هناك توحد بين الشباب العربي على الشبكة، لكن هناك محاولة يبنى عليها، نحن نعرف أن العالم العربي يعاني من مشاكل أخرى كالمياه والكهرباء و..!». كل هذا، لا يعني غض النظر عن مجموعة كبيرة من المقاربات التي عالجها منتدى أمس، الذي ينظمه «المعهد الألماني للأبحاث الشرقية»، مؤسسة «فريدريتش ايبرت» و«المعهد الفرنسي للشرق الأدنى». شملت المحاور تأثير طفرة الإعلام العربي على المنطقة، على صناعة المعلومة والخبر وعلى البنية الاجتماعية والمعرفية فيه، بالإضافة إلى «العلاقة بين الصورة في شكلها الوثائقي وتنوع مظاهر الحراك السياسي والاجتماعي والديني، وتأثير ذلك على الدينامية في المجتمعات». لكن انطلاقا من المذكور أعلاه، بالإضافة إلى بعض التعميم الذي حضر في بعض المداخلات الأخرى، كان لافتاً وجود نوع من التسليم التام بالرأي الغربي حول قضايا تخصنا، في مداخلات بعيدة كل البعد عن الواقع، لا تشبه إلا العالم الافتراضي الذي لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يكون المؤشر الأكثر دلالة على حجم التعبئة والتغيير في المنطقة. جلسات أمس الثلاث، سعت لتدرس كيفية ومدى قدرة الإعلام والصورة على التعبئة الاجتماعية والسياسية والدينية. ويمكن القول إن عدداً لا بأس به من المداخلات «بترت» أفكارها لضيق الوقت أمام عناوين واسعة يمكن معالجتها برسائل دكتوراه، ومن جهة ثانية شوّهت الترجمة غير المتخصصة البعض الآخر، خصوصاً عندما غيرت أحياناً كثيرة فحوى أفكار المداخلات تماماً. بدوره ركز الدكتور ميشال تابت الذي تناول «طقوس عاشوراء»، مقارناً إحياء هذه المناسبة وفقاً لطريقة «حزب الله»، وإحيائها في النبطية، خالصاً إلى أن «المقارنة البصرية هذه هي الدليل الأقوى والأوضح الذي يظهر الفرق بين الأنتروبولوجيا البصرية والتقرير الصحافي، وبين الوثائقي والعمل الفني المبتكر». أما في ما يتعلق بالتعبئة أو «التجييش» الاجتماعي عبر الإعلام والأفلام والصورة، فكان لافتاً ما ذكرته موزعة الأفلام، الألمانية إريت نايهاردت حول «صورة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني» راوية انه «من تجربتها الخاصة مع توزيع عدد من الأفلام حول فلسطين، ظهر أن أكثر الأفلام المرفوضة هي تلك التي لا تكرس الصورة الجامدة والتقليدية عن فلسطين من طفل الحجارة، العجوز الباكية المتجذرة في أرضها، الجرحى والقتلى. ما يظهر أن صورة فلسطين في عيوننا وعيون العالم خيالية، ولا قدرة للعالم الغربي على تخيّل أو القبول بواقع مختلف عما صور على مدى السنوات المنصرمة، وكل هذا يجعل تأثير الصورة على تعبئة الرأي العام مستحيلاً». بدوره، تناول مدير مركز دراسات العالم العربية المعاصرة في جامعة القديس يوسف الدكتور كريستوف فاران التعبئة السياسية وموقع «يوتيوب»، عارضاً أربعة نماذج تتعلق بالأحداث السياسية في لبنان بين عامي 2005 و2007 (من ضمنها شريط مقتضب حول مجزرة حلبا) من أصل 70 ألف فيديو متوافر حول الموضوع نفسه. ولفت فاران الى ان «يوتيوب» لا يزال يلعب دوراً هامشياً في التعبئة في لبنان مقارنة مع وسائل أخرى كالرسائل النصية والألكترونية التي استخدمت بكثافة لحث اللبنانيين على المشاركة في التظاهرات وغيرها. وأشار فاران إلى ان ذلك لا يعني تجاهل تأثير «يوتيوب» ففي حين غابت صور المجزرة عن وسائل الاعلام التقليدية اليوم، لا تزال حاضرة على «يوتيوب» وبالتالي يمكن دوماً استرجاعها عند أي ظرف سياسي طارئ، ويمكن من يشاء أن يحمّل فيديو مثيراً للغرائز السياسية أو الطائفية أو الإنسانية.. وهذا ما لا يمكن اعتباره حرية وديموقراطية!

22.6.09

جانيت تقود التاكسي الزهرية..إمراة جميلة وسعيدة خلف المقود


الوجوه تتغير. تروح وتجيء في يوميات جانيت، وكل منها يخبئ لها قصة جديدة. فالراكبات اللواتي يجلسن في سيارة الأجرة الزهرية المخصصة للسيدات والبنات (ومن يرافقهن)، لسن «مجرد عابرات»، كما تقول جانيت جبيلي. هؤلاء يشغلن ساعات نهارها، بقصصهن، بوجوههن، بدردشات نسائية أنثوية ممتعة. وهن بهذا يحولن وظيفتها إلى مهنة اجتماعية مسلية كثيراً. جانيت (47 سنة) تركت عملها كسكرتيرة في المدارس ومكاتب المحاماة، وقد ظلت تمارسها طوال السنوات العشرين الماضية، وانضمت إلى شركة «بنات تاكسي» التي افتتحتها صاحبتها نوال ياغي فخري منذ أشهر ثلاثة. النقلة النوعية هذه، حولت حياة جانيت «بين ليلة وضحاها إلى شخصية تفاعلية أتعرف كل يوم إلى شخصيات مميزة من جهة، وإلى مناطق ما كنت أعرفها، وبت أشبه بسائحة دائما من جهة أخرى». تعرف السيدة أن كثراً ممن يرونها، ويعرفونها، تمتلكهم الأسئلة الفضولية إياها: شعورها كسائقة تاكسي، جلوسها خلف مقود لسيارة زهرية، كيف يتعامل معها المسيطرون «الأصليون» على المهنة، تقبلها أو ما تسميه هي «متعتها» بالوردة الزهرية الطبيعية التي تحتل جهة اليسار من شعرها، ربطة العنق الزهرية.. تبرجها الدائم.. وقبل أن تجيب عن أي من هذه الأسئلة، تشرح الأم لشاب وفتاة في العشرينات من عمريهما، أن وجودها هنا بالدرجة الأولى «هو تلبية لرغبتي وإشباع لشغفي، لأني أعشق قيادة السيارة طوال الوقت وهذا ما كنت أمارسه دوما، إذ كنت أوصف بتاكسي العائلة. أما الآن، وقد تحولت الرغبة إلى مهنة، ما زلت أتعامل معها كهواية لا كوظيفة متعبة، لدرجة أني قلما أمل خلال الدوام، وأشعر طوال الوقت بأني داخل الحياة، وذلك من خلال تعرفي إلى أشخاص من طبقات مختلفة وفئات متنوعة وتقربي من عوالم ما كنت أعرف عنها الكثير، وبكلمات أخرى، أشعر كأني صحافية ترصد نبض الناس طوال النهار». لا تفوت جانيت، «الفروقات الواضحة بين عملي خلف مكتب في غرفة مبردة، وبين تنقلي طوال الوقت في عملي الجديد.. وبالنسبة إلي، أعيش نوعا من التجديد في هذا الموقع، ولم أتردد للحظة عندما اخترت التقدم بطلب لهذه الوظيفة، من دون أن أفكر بكل التقاليد والقيل والقال في مجتمــعنا. أنا لا أختـــلف بشيء عن السائق الرجل من حيث أداء المهنة.. ربما إلا في استخدام «مفرداته» من طلب وطلبية وغيرها.. ونفضل أن أقول بدلا عنها «عنا تاكسي». ما يهم السيدة فعلا أن محيطها وعائلتها قدما لها الدعم في هذه الخطوة، بل راحت عائلتها تطلق عليها صفات «مهضومة»، وتحولت هي إلى «أم أوريجنال، والماما تاكسي باربي، وكتير فاشن». أما على أرض الواقع، فتحدد السيدة عدداً من الصفات التي يجب أن تتحلى بها لتشغل هذه الوظيفة: «أن تفصل بين حياتها الشخصية، ومهنتها، وتتذكر دوما أنها وظيفة جدية وإن كانت بلباس زهري ناعم، ويجب أن تكون شخصيتها قوية وسريعة البديهة ومرحة، لتعرف كيف تتصرف مع الآخر (الزميل، الشرطي، الزبونة..)، والأهم وجوب ادراكها سلفا انها تقود سيارة زهرية، وبالتالي فان مرورها في الشوارع يكون أحيانا أشبه بالمهرجان، وستسمع تعليقات حلوة واخرى مزعجة.» أما أكثر الاعتراضات التي أثيرت حول عملها كسائقة أجرة، فهي من السائقين الذكور المتحزبين لمهنتهم وتعريفهم إياها كحكر على الرجال.. وتعلو انتقادات وصيحات هؤلاء أكثر، عندما تتقدم لهم منافسة بكامل أنوثتها وأناقتها.. فجانيت مثلا، تخرج إلى عملها كأنها هي الزبونة لا السائقة، متأنقة بقميصها الأبيض، وحليّ من الذهب المشغول بنعومة، تحتل معصمها وعنقها. القالب هذا، والفكرة بحد ذاتها لقيت استنكار «عدد من الرجال، وتحديدا السائقين، الذين كرّسوا التمييز الذي يمارسه الرجال اتجاه النساء، ويمكن اختصارهم بالجملة التي رماني بها واحد منهم في إحدى المرات: «شو رأيكن يا نسوان، تستلموا هل بلد ونحن نقعد بالبيت أو نهاجر؟». هؤلاء، يتعاملون مع الفكرة، «كأننا ضربنا مهنتهم ودخلنا في المحظور علينا ونمارس مهنا خاصة بهم فقط. وهذا لم يعد يصح الآن». وتعود لتلفت «نحن لا نهاجمهم ولا نسرق منهم أي شيء، كل ما نفعله أننا نهتم بالمرأة، ونعمل لنريحها، فكثيرات يشعرن براحة أكبر وأمان في سيارة واحدة مع سيدة، لا سيما أننا نسمع روايات عدة عن المضايقات والتحرشات التي تحصل في سيارات الأجرة..». والفريق هذا كما تقول جانيت «يحاول دوما أن يمتحن قدرتنا على السيطرة على كل جوانب هذه المهنة، كأن نغير الإطارات في حال احتجنا لذلك، أو تصليح أي عطل يصيب السيارة، ونحن فعليا نعرف كيف نقوم بكل هذا، لكننا بحسب قوانين الشركة، لا نبادر إلى ذلك، كل ما نفعله هو الجلوس في السيارة وطلب العون من الشركة.. لا أكثر». القسم الثاني بحسب تصنيف جانيت، هو ذلك الذي «هنـأنا على جرأتنا، وعلى فكرتنا، مرحبا بإضفاء نكهة أنثوية على مهنة كانت ممنوعة عن النساء، من دون أن «نسترجل»، ونسمع من هؤلاء تعليقات ظريفة على قيادتنا، وزينتا، ومنهم من يجد أننا نقود بهدوء ورزانة أكبر». من أجمل وألطف ردود الفعل التي تلقتها جانيت هي من رجال الشرطة، الذين ما يكونون غالبا متعبين ومشغولين بتنظيم السير.. «لكن عندما أمر أمامه، بسيارتي المميزة، يهدأ. إذا كان عنده أي ملاحظة على سواقتي.. يبلعها»!. لا يمكن لجانيت، بحسب قوانين الشركة أن تتدخل في شؤون راكباتها الخاصة، لكنها تحاول أن تشعرهن بالراحة، وتتعرف إليهن بكلمات بسيطة. وترحب بهن بكلمات معدودة، لتضفي بعض «الروحية على الجلسة، لا سيما إذا كان المشوار بعيداً.. بعد دقائق ترتاح الزبونة، وتكتشف أنها فعلا أصابت الاختيار بالحجز في تاكسي تقودها امرأة، لأننا نفهم على بعض». بعض الزبونات، يفضل أن تبقى الجلسة رسمية، وهو ما تحترمه جانيت تماما، والبعض الآخر ينتهز فرصة جميلة للمحادثة مع سيدة طوال الطريق من دون أن يصل أي سوء فهم، كما يحصل مع بعض سائقي الأجرة الذكور. والقسم الأكبر هو ذلك الذي يستفيد مني كسائقة وكدليل يفهم عليهن على الطاير، حول أفضل الأماكن للتسوق مثلا». وتشير إلى أن «الزبونات يتنوعن من طالبات الجامعات، إلى كبار السن أو ربما التلاميذ الصغار الذين تولينا أمهاتهم مهمة أخذهم إلى مدارسهم، لأنهن يعرفن أننا سنعاملهم كأطفالنا. جانيت التي اختارت دواما نهاريا، ينتهي عند الظهيرة أو بعدها بقليل، تعرف أن مهنتها ليست عادية، ولا تشبه تماما تلك التي تمارسها خلف المكتب، لكن بعد ساعة من الدردشة معها، وغمرها بالأسئلة أثناء جولة تتولاها هي، لن تلقى منها تذمرا واحدا حول هذه المهنة، أو حول التصاقها خلف المقود لساعات طويلة. كل ما ستلحظه هو اهتماهها الدائم بالقرنفلة التي ترتكز خلف أذنها اليسرى، فهذه «لها تأثير نفسي يومي علي، ولم تعد من عدة الشغل فقط، بل هي من العدة التي تشعرني بأنوثتي أكثر.. وتقول لي دوما إني امرأة جميلة وسعيدة .. خلف مقود..».

24.3.09

800 قتيل ومئة منهم أطفال وتلامذة.. معدل قتلى الحوادث ثابت أو إلى ارتفاع رغم وجود القوانين..



عندما ينتظر الموت في باص المدرسة: من يتحمّل المسؤولية؟ من يساهم؟ من يتغافل؟


نُشر في جريدة السفير


تحقيق: جهينة خالدية
24-3-2009
لنحكِ عن هذه الأسماء: آية أبو خشفة، جان نادر، صلاح الزعبي، سمر عطية، جوي تلج، جوي تابت، غياث حب الله، سماهر خضر، ملاك الشموري، ساجدة محمد شعبان. لنحكِ عن عشرات الأسماء الأخرى التي لم يعد أصحابها يحملونها لأنهم رحلوا وتركوها على ورق يحمله الأهل كإفادات موت. تركوا كل شيء، وأصبحوا في يوم حزين «أطفالاً قتلى».. وبكلمات رسمية هم: «ضحايا الحوادث المدرسية». أسماء هؤلاء أصبحت، لأسباب عدة، من الماضي. ولم تعد أكثر من أرقام يتم تداولها في التقارير الأمنية، وتقارير المدرسة، وتلك الصحافية. فجمعيتا «اليازا» و«اللاسا»، على سبيل المثال، تقدران عدد ضحايا حوادث السير المدرسية في لبنان سنوياً بمئة وخمسين ضحية، بين قتيل وجريح. نملك أسماء القتلى، فنوردها. أما الجرحى فلا نعرف عنهم سوى عددهم. الأخبار الصحافية لا تحكي قصصهم، آلامهم، لكن عددهم يتراكم: «12 جريحاً في صيدا»، «12 جريحاً في الناقورة»، «عدة تلامذة سقطوا جرحى»، «مقتل طفلة وإصابة آخرين في حادث سير مدرسي».. لكن ماذا بعد الأخبار والتقارير؟ ماذا بعد الحملات؟ الأرقام إما على حالها أو إلى ارتفاع، والدراسات ما زالت تؤكد أن «حوادث السير هي المسبب الأول للوفاة عند الشبان والأطفال في لبنان وفي العالم العربي». وتجدر مقارنة بسيطة من خلال تقرير يفيد بأنه: في ثلاثة وثلاثين يوماًَ من الحرب الإسرائيلية على لبنان العام 2006، سقط 1200 شهيد، وبحسب تقارير قوى الأمن الداخلي، يخسر لبنان 197 ضحية جرائم متفرقة.. أما في ما يتعلق بحواث السير، فإننا نتحدث عن معدل ثمانمئة قتيل و12 ألف جريح سنوياً! وبحسب إحصاءات قوى الأمن الداخلي، فإن 2.5 في المئة من الثمانمئة قتيل، هم دون الخمسة أعوام، و1,88 في المئة ما بين ستة وتسعة أعوام، 3,77 في المئة ما بين عشرة و14 عاماً، و3,77 في المئة ما بين 15 و17 عاماً. إذاً، نحن نحكي عن حوالى 12 في المئة (96 قتيلاً) من أصل 800 قتيل، هم بعمر طلاب وتلامذة المدرسة. لعلهم أطفال «قضوا» في ساحة المدرسة أو منها وإليها. أطفال زرروا في صباحاتهم أزياءهم المدرسية، حملوا حقائب تخبئ لهم وجبات الظهيرة. أكلوها في الفرصة، ووعدوا أنفسهم بغداء ساخن من صنع أمهاتهم. لكن ساعات قليلة بعد، هؤلاء لن يكونوا هنا، لأن هناك من أهمل، وهناك من ساهم في الإهمال، وهناك من سكت عليه. من يتحمل وزرهم؟ الجهات الرسمية؟ الأهل؟ المدرسة؟ أم الكل على حد سواء؟ من تغافل فكانت النتيجة أن يغادر هؤلاء الحياة لأسباب تافهة كعدم ثبوتهم في مقاعدهم عند وقوع حادث السير، أو كاستخفاف السائق بمسؤولية عشر أو عشرين روحاً فتية، أو كعدم استيفاء الحافلة للشروط الضرورية الواجب توفرها؟ أسئلة برسم الحكومة الجديدة. لن تصدق الأمهات بسهولة أنهن سهون عن التشديد على مواصفات الحافلة والسائق. لكنهن أيضاً لن يعتصمن أو يوحدن الصوت لمطالبة الجهات الرسمية بالتدقيق في كل وسيلة نقل تحمل أولادهن. تردد الأمهات، مع الآباء، عند لوعة الفقدان: «أرسلناهم إلى المدرسة لا إلى الجبهة»، ومع مرور الوقت سيعرف الكل أن الطرقات في لبنان، وأساليب القيادة المجنونة، تجعل التنقل إلى المدرسة، أصعب ربما من القتال على جبهة. طلاب يتكدسون في الباصات كأنهم في شاحنة، يختنقون في «فان» يتسع في الحالات الطبيعية لإثني عشر أو خمسة عشر راكباً، وهم بداخله عشرون.. ماذا لو انقطع الهواء عن الأطفال؟ لا تقلقوا، نفتح لهم الباب الخلفي ونركّب لهم، بسرعة، شبكاً حديدياً يحميهم. لكنهم ما زالوا مكدّسين، فوق بعضهم البعض.. أيديهم تخرج من النوافذ، فلا مكان لها في الداخل! رؤوسهم تلتصق بالزجاج و«بلمسة» بسيطة على الفرامل يصبحون والزجاج «واحداً»! حقائبهم رصت على سطح الفان، أو صُنع لها صندوق حديدي خارجي.. إذا، فلنتفق: هذا الذي يقلّ عدداً كبيراً من أولادنا، ليس باص نقل. هذا قفص كبير، ربما يصحّ للدواجن.
ليس بالقانون وحده نحميهم
هو السؤال البديهي. لكن بالرغم من هذا، ننطلق من القانون الوحيد المتوفر: القانون الرقم 551 «المتعلق بوسائل النقل المعدة لنقل تلامذة المدارس الرسمية والخاصة»، ويمنع في مادته الأولى، منعاً باتاً، نقل تلامذة المدارس الرسمية والخاصة في جميع مراحل التعليم ما قبل الجامعي، من البيت إلى المدرسة وبالعكس، من دون وجود مراقب مسؤول في كل وسيلة نقل. إذ يفترض أن يكلّف لهذه المهمة من قبل مالك وسيلة النقل، أكانت المدرسة (حتى ولو كانت تستأجر هذه الوسيلة)، أو أي شخص آخر. وفي المادة الثالثة من القانون، يتوجب على مالك وسيلة النقل، أو مستأجرها، إجراء عقد تأمين لوسيلة النقل المستخدمة لنقل التلامذة، على أن يغطي التأمين جميع الأضرار التي قد تنتج عن حوادث السير وخلافها أثناء النقل. هذا بالإضافة إلى إقرار القانون «الحكم بغرامة تتراوح بين قيمة الحد الأدنى الرسمي للأجور وضعفيها، في حال إهمال تعيين مراقب في كل وسيلة نقل من قبل الجهة المعنية بذلك، ويحكم بالغرامة بالاستناد إلى محضر ضبط منظم من قبل القوى المولجة بتطبيق قوانين السير. السؤال الثاني الذي يطرح نفسه: إذا كان دور وزارة الداخلية في هذه العملية كلها هو تطبيق القانون 551، فهل يُطبق؟ يقدم قائد سرية سير بيروت، العقيد محمد الأيوبي، جواباً يختصر معاناة الوزارة الأزلية، التي تتكرر كلما طًرق باب أزمة السير وحوادث السير في لبنان، وهي عديد عناصر تنظيم السير. هكذا يكرر الأيوبي: «نعم نطبق القانون بحذافيره، لكن بالقدر المستطاع. فنحن، كما هو معلوم، نعاني نقصاً فادحاً في عديد هذه العناصر التي لا تتعدى ستمئة عنصر ضمن قوى الأمن الداخلي والذين يعملون في مفارز السير». إذاً هل يطبق القانون؟ كم غرامة أعطيت حتى اللحظة؟ لا نملك الرقم، لكن يمكن استنتاجه من جواب ثان للأيوبي: «العدد القليل للعناصر بالكاد يكفي لتنظيم سير السيارات العادية وملاحقة الدراجات واستخدام أحزمة الأمان». القوى الأمنية التي لا يمكنها ملاحقة كل مخالف للقانون 551، نجدها في مواقف أخرى، عندما يقع حادث السير. يُحرّر المحضر، تُحصى الإصابات، ويُحول إلى النيابة العامة.. فهل يكون هذا، حتى اللحظة، كل ما يمكن تقديمه لتعزيز وقاية نقل التلامذة إلى مدارسهم ومنها؟ يجيب عضو الهيئة الإدارية في «اليازا»، كامل إبراهيم: «إن معضلة عديد قوى الأمن الداخلي لطالما كانت موجودة، لكن العديد نفسه يستطيع، أثناء مراقبته للدراجات وواضعي أحزمة الأمان، تبيان وجود مراقب في الباص أم لا. وذلك يتطلب من العناصر التوزع على بعض المدارس، عند الصباح، وعند انتهاء الدوام الدارسي». ويجزم إبراهيم: «إن القانون 551 لا يطبق بأي شكل من الأشكال»، وهو ما يتوضح أكثر في جولة لـ«السفير» على مجموعة مدارس بيروت وجبل لبنان، حيث لا يوجد مراقبون في غالبية المدارس الخاصة والرسمية، ولا يُستثنى من هذه النتيجة إلا بضع مدارس كبرى تعتمد بشكل كبير على أساتذتها للقيام بهذه المهمة. والنقطة الثانية التي يتطرق إليها إبراهيم، هي «الفضائح الحاصلة في الميكانيك عند الترخيص لكل الآليات، (وبينها باصات النقل وباصات المدارس)، إذ يتم استئجار الكثير من القطع الناقصة لآلياته لتنجح في إمتحانها، من دواليب ومرايا، وإشارات وإلى ما هنالك، لتعاد بعد اجتيازها الفحص!». يقول إبراهيم إن «هناك مسؤوليات جمّة على المعنيين تحملها، بملاحقة المتاجر والمحال التي تؤجر هذه القطع».
مرسوم جديد.. ناقص وعالق
من جهة ثانية ما هو دور وزارة التربية؟ يلفت مدير مصلحة التعليم الخاص في وزارة التربية، عماد الأشقر، إلى أن «دور الوزارة محصور في الموافقة على إفادة تقدمها المدرسة حول عدد طلابها، لكن لا دور لوزارة التربية عند وقوع الحادث أو للإشراف على الآليات التي تقل الطلاب». لكن الأشقر يشير بالمقابل إلى مرسوم جديد تعاونت في وضعه وزارة التربية والداخلية، لكنه حتى اللحظة لم يتم إقراره». حصلت السفير على نسخة من المرسوم الذي يشير إليه الأشقر ويشدد أكثر على «تحديد مهام المراقب، في وسائل النقل كافة المعدة لنقل تلامذة المدارس الرسمية والخاصة، وعدد التلامذة في الآلية». لكن هذا القانون، كما سيرد أدناه، لا يشير بالمطلق إلى أي تعديل يجب أن يجري على الحافلة لجهة توفر بابين بدلاً من الباب الواحد، أو حزام أمان للتلامذة (لا سيما من هم أكبر من 12 عاماً). ويحدد المرسوم في مادته الأولى «عدد التلامذة في وسيلة نقل التلامذة بحسب رخصة المركبة الآلية الصادرة عن هيئة إدارة السير، والآليات والمركبات وفقاً لمواصفات المصنع. ويمنع منعاً باتاً زيادة العدد أو وضع الكراسي الإضافية في وسيلة النقل ويبقى الممر الوسطي مفتوحاً لدخول التلامذة وخروجهم دون أي عائق». وتحدد المادة الثانية، مهام المراقب بالتواجد في الحافلة قبل دخول التلاميذ، وعدم مغادرتها حتى نزول آخر طالب، المشاركة بوضع خريطة الرحلة بالتعاون مع سائق الحافلة، ولائحة بأسماء الطلاب المسجلين أو المنتسبين في الحافلة وعناوينهم، وأرقام الهاتف، ومنها عدم التحدث مع سائق الحافلة إلا عند الضرورة. إضافة إلى الاتصال بمسؤول النقل في المدرسة في حال وقوع أي حادث، تسليم تلامذة الروضات وتلامذة الحلقة الأولى إلى أهاليهم او من ينوب عنهم، ضبط النظام في الحافلة خصوصاً عند وقوع حوادث أو عطل، وعدم السماح بخروج التلامذة منها إلا في حالات الخطر وتحت إشراف المراقب، إلى جانب إلمام المراقب باستعمال مطفأة الحريق وعلبة الإسعافات الأولية. هنا يشير عضو الهيئة الإدارية في «اليازا» كامل إبراهيم إلى أن «المشكلة الأساسية في عمل هذه اللجنة كانت في عدم مشاركة ممثل عن قوى الأمن الداخلي في حينه، وهو المفترض أنه معني بتطبيق القانون، وليس ممثل مديرية النقل! من جهة ثانية، المرسوم كله معلق، ولا أحد يتابعه، لا سيما في زمن حكومة تصريف الأعمال». والآن تشكلت حكومة الوحدة الوطنية.. فهل يتوافق أقطابها على بديهيات السلامة على الطرقات، خصوصاً بالنسبة إلى أولادنا.. وأولادهم؟!

بين أرقام قوى الأمن واليازا
تلفت «اليازا» إلى أن أحد الاستنتاجات التي توصل إليها تقرير البعثة العلمية السويدية «سويرود» Sweroad، والتي استقدمتها الحكومة اللبنانية بهبة من حكومة السويد لإجراء إحصاءات حول حوادث السير، يقول التالي: «بعد دراسة إحصاءات حوادث السير في لبنان، تبين عدم إدراك حقيقة حجم المشكلة التي يعاني منها وضع السلامة على الطرق، وذلك بسبب النقص في الإفادة عن حوادث السير التي ينتج عنها وقوع إصابات أو وفيات. وفي لبنان، يتم تعريف الوفيات على أنها إصابات تؤدي إلى الوفاة في موقع الحادث فقط، بينما يشمل التعريف العالمي، الوفيات التي تستجد خلال 30 يوماً من وقوع الحادث. ولهذا السبب وحده، يمكن احتساب عدد الوفيات في لبنان بإضافة نسبة 30 في المئة من العدد الرسمي المُعلن إلى هذا العدد. ومن الأسباب الأخرى المعروفة وراء النقص في الإفادة، أن الحوادث التي تتعرض لها مركبات الجيش اللبناني لا تدخل ضمن الإحصاءات الرسمية، علماً أن بعض التقديرات تشير إلى أن مركبات الجيش معنية بنسبة 10 إلى 15 في المئة من إجمالي عدد الحوادث. كما أن إحصاءات الصليب الأحمر تدل إلى وجود نقص في تقدير عدد الإصابات الناتجة عن حوادث سير في الإحصاءات الرسمية، بنسبة قد تصل إلى 75 في المئة إلى 100 في المئة. ويمكننا هنا أن نذكر، كمثال على ذلك، قصة الطفلة آية خالد صالح، التي لم تكن قد تخطت سنواتها الأربع عندما أصيبت في حادث صدم مفجع في منطقة كفريا في البقاع الغربي، في السابع من حزيران الماضي. جراء الحادث دخلت آية في غيبوبة وسجلت في تقارير قوى الأمن «كجريحة». لكن آية فارقت الحياة في 26 أيلول المنصرم.


بين «الوقاية» و«المكتوب»
كلما طرق العام الدارسي أبوابه، رفع الأهالي صرخة الكلفة. لا شك في أنها تشكل أعباء إضافية، إذا ما أضيفت إليها الأقساط وكلفة النقل وغيرها. هكذا تجدهم يتجهون إلى إختيار الوسائل الأقل كلفة. لكن مسؤوليات عدة، لا بد أن تؤخذ بحذافيرها قبل أن تقع الواقعة ويردد الكل إنه «المكتوب»! مسؤوليات تقع، بحسب نائب رئيس اللجنة اللبنانية للوقاية من الحوادث المدرسية (اللاسا)، فيكتور عبود، «على عاتق الإدارات المدرسية، أولياء الأمر، والأجهزة المعنية بنقل التلامذة من وإلى المدارس». بداية، يقول، «على المدرسة التأكد من فصل مواقف المركبات عن ساحة المدرسة بحواجز مناسبة تمنع تجاوز التلاميذ العشوائي لها، الإشراف على عملية صعود التلامذة إلى الحافلات المدرسية ونزولهم منها ضمن حرم المدرسة أو خارجها، وضع مراقب داخل كل باص مدرسي وفقاً للمادة 1 من القانون 551/96، إلزام سائقي المركبات المدرسية التقيّد بقوانين السير، ومراقبة مدى التزامهم بها. بالإضافة إلى توعية سائق المدرسة على طبيعة وخصوصية مهمته كسائق مركبة تقل تلامذة يتوجب عليه المحافظة على حياتهم وسلامتهم عبر اتخاذه أقصى درجات الحيطة والحذر». هذا إلى جانب المواظبة على صيانة الباصات (لا سيما الإطارات والفرامل، والصيانة الهيكلية لها كإصلاح الأبواب، ووضع حماية على النوافذ، صيانة مستمرة للمقاعد لإبقائها ثابتة، وتغليف أجزائها المعدنيّة بالإسفنج الواقي المناسب حفاظاً على سلامة التلامذة). ولا يفوت «اللاسا» التدقيق في أصغر التفاصيل التي على سائق الحافلة التنبه لها، من «تحميله مسؤولية الإغلاق المحكم لباب المركبة عند السير، وعدم فتحه إلا عندما يتوقف الباص تماماً، إلى استعمال الأضواء الجانبية أثناء التوقف، وركن المركبة بمحاذاة الرصيف الأيمن عند صعود أو نزول التلاميذ، وعدم التوقف وسط الطريق، وأن يكون باب المركبة محاذياً لباب المدرسة أثناء نزول التلامذة وصعودهم للباص». كما يجب «تجنب ترك مسافة لمرور سيارة بين الباص وباب المدرسة». هنا يلفت عبود إلى «ضرورة خضوع السائقين لدورات تدريبية في السلامة والحريق والإسعافات الأولية لضمان التصرف السليم في الحالات الطارئة مثل الحريق أو الحادث. بالإضافة إلى المواصفات العامة من عدم التدخين، أو شرب الكحول، إلى معرفة حقوقه وواجباته القانونية والأخلاقية فلا يتفوه بكلام بذيء، ولا يتسبب بمشاكل مع السائقين الآخرين ومع رجال الشرطة. وأن يخضع دورياً للفحص الطبي المرافق لدفتر قيادة الباصات والمعاينة المستمرة». أما مسؤولية الأهل فتتمثل «بالتأكد من كل المواصفات القانونية في الباص الذي يختارونه لأولادهم، ومطالبة الإدارة أو السائق باللجوء إلى أقصى درجات الوقاية والحماية». وهنا يشدد عبود أن القانون 551 ينص على وجود مراقب في الباص، لكن لا مرسوم ولا قانون يدقق في «أهلية» حافلة النقل، واشتراط توفر بابين لدخول الطلاب وخروجهم، بالإضافة إلى أحزمة الأمان التي تخفف الأضرار في حال وقوع الحادث. في المقابل، تتعدد المشاهد المخالفة التي نشهدها عند موعد خروج التلاميذ من مدارسهم، لا سيما عند الأهل الذين يختارون نقل أطفالهم في سياراتهم الخاصة أو سيراً على الأقدام. إذ يغض هؤلاء النظر عن كل شروط السلامة المطلوبة، مثل «إيصال أولادهم شخصياً (أو مع شخص ناضج) من وإلى باب المدرسة، واستعمال جسور المشاة والأرصفة، بالإضافة إلى استخدام حزام الأمان الذي حان الوقت لاعتباره من أبجدية سلامة النقل، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال التساهل في استخدامه». من جهة ثانية، ينصح عبود جميع المعنيين (لجان الأهل، إدارات المدارس، سائقي الباصات المدرسية)، الاعتماد على دليل «أسئلة وأجوبة تعلم السوق» الذي أعدّته «اليازا»، كوسيلة من الوسائل المتعددة لنشر الوعي والمعرفة حول القيادة الآمنة بين جميع السائقين المخضرمين، ومن بينهم المبتدئون، ما يؤدي إلى رفع مستوى السلامة المرورية. فهو يستند إلى أحدث الدراسات العلمية، ويزودهم بكافة المعلومات من خلال 400 سؤال وجواب. هكذا، مرّت سنوات أربع على عمل اللجنة اللبنانية للوقاية من الحوادث المدرسية. واللجنة لا تكلّ ولا تملّ من الترويج لفكرة السلامة العامة المدرسية عبر خدمات وتوجيهات اللجنة، مساعدة المدارس الخاصة والرسمية ضمن نطاق برنامج متخصص لتفادي الإصابات المدرسية ويعدّ خصيصاً لكل مدرسة. بالإضافة إلى إقامة ندوات وحلقات حوار في المدارس، تدور حول مفهوم فعالية وأهمية السلامة المدرسية، وإطلاق حملات توعية شاملة عبر الإعلام تصل إلى جميع شرائح المجتمع. من خلال كل هذا العمل، كانت ولا تزال اللجنة تأمل في تحسين وضع السلامة المدرسية من خلال برامج تعنى بجميع الميادين المتعلقة بالحوادث والإصابات المدرسية. لكن السؤال يبقى: هل أدى كل هذا الجهد إلى أي تطور أو إلى نتيجة ملموسة في تقليص نسبة الإصابات؟ يجيب عبود: «لا إحصاءات رسمية»، لكننا نشعر أن هناك وعياً بسيطاً لدى الناس». لا بد من التذكير إذاً، إلى أننا بحاجة إلى كل هذه التفاصيل، لتعزيز الوقاية. بحاجة لها، لئلا يصلنا، كأهل، نعي أطفالنا على ورقة سوداء وبيضاء صادرة عن إدارة المدرسة، تحاول أن تواسينا ولا تستطيع، بكلمات مثل «تأسف إدارة المدرسة لمقتل عدد من الطلاب وإصابة آخرين بجروح... وتعلن إقفال المدرسة حداداً..».

23.1.09

مقابلة مع مدوّن من غزة..لأجل غزة.. صلوا لأجلنا.. سامح حبيب: نحن بخير الآن.. ولكن لا نعرف شيئاً عن الغد

نشر في جريدة السفير

21-1-2009
جهينة خالدية

من غزّة، يأتي صوت الصحافي الشاب والمدون سامح حبيب.. مرهقاً. يكون قد وصل لبيته لتوه بعد مقابلة متعبٌ حجم الألم فيها.

سامح، ابن الـ٢٣ عاماً، كان قد عاد من منزل يجمع »من تبقى« من عائلة السموني، بعد أن استشهد ٢٩ فرداً منها. ي

قول صوت سامح الكثير عن حال البلاد التي تعلن الحزن، وعن حال مدينة الأطفال.

عندما تسمعه يتحدث بحماسة، تستطيع أن تتخيل عينيه تفتحان على وسعهما، مع كل قصة يتذكرها، وهو فعلياً لم ينسها.

يمكنك أن تتخيل هول ما رأى وما سمع، وهو يُعرّض نفسه عشرات المرات للخطر.

في اليوم الثاني بعد وقف العدوان الإسرائيلي على غزة، نسأل سامح: كيفها غزّة؟ يجيبنا: »تعرفوا كيف كانت الضاحية عندكم.. هكذا هي غزّة الآن: ممسوحة. غزّة الآن هي الناس التعبانة، المنهكة، الناس المشردين، الناس اللي بلا سقف.

غزّة الآن هي مثل باقي أفراد عائلة »السموني« الأربعين، اللي عايشين كلهم في بيت واحد من غرف ثلاث، هادي غزّة«.

***

في معظم أيام العدوان، كان سامح لا يفارق حبيبته المدينة. كان ينتظرها في الشوارع، يلاحق ما بقي من الحياة فيها، أو الموت الهابط عليها بالجمع المذكر والمؤنث والسالم والمكسر. ويعود ليكتب قصصه لنا باللغة الإنكليزية على مدونته: »غزة..قصص غير محكية«.

***

وأنت تقرأ المدونة، تجد أنه كان يلاحق الأطفال، وجوعهم، وعيونهم الزائغة، وكأنهم لا يرون إلا الصورايخ، ولا يسمعون إلا الصواريخ، وقلما يأكلون. كان يلاحق الأكفان المبللة بالأحمر في كل مكان وفي كل المستشفيات. وما كان هناك ضرورة لبحث كثير. كان يحمل ما سرقته كاميراته على عجل، يحضنها بحرص، خوفاً على صورة طفل ينام فيها، وفي الحقيقة هو يغفو متألماً في براد مستشفى.

***

يقول إن »الأطفال كانوا وما زالوا همي الأساسي، بالإضافة إلى قصص الناس، وأزمات مياه الشرب، ومياه الاستخدام، والطعام والأمراض. لا أهتم بالسياسة وبالأحزاب الآن، وكنت أعمل بغض النظر عن أي محسوبيات، وكنت وما زلت أعرف الوطنية بالسعي وراء قصص مخفية عن الإعلام التقليدي، لا سيما الأجنبي. كنت أعرف مدى الحاجة إلى نقل الوقائع كما هي على الأرض، بتفنيدها حادثة تلو الأخرى، من دون تحليل أو حجب معلومة على حساب أخرى«.

وهو يقوم بمهامه، كان الخوف يزور مفاصله أحياناً، فيرتجف: »كنت كأي إنسان آخر، أجول في الشوارع، أسمع أصوات الصواريخ قريبة، تلامسني الرجفة لبرهة، ثم أعود وأكمل العمل«.

يحمل في ذاكرة كاميراته الصور، وفي دفتره القصة، ويعود إلى منزله في حي التفاح، شرق غزّة، ليمارس المهمة اليومية، الكتابة. وعندما يفرغ من ذلك، تكون بطارية كومبيوتره المحمول قد فرغت أيضاً، ويحين عندها موعد »النزهة اليومية« إلى بيت احد الأصدقاء ليشحنها. والنزهة هذه، كانت تكلفه أربعة كيلومترات من السير المتواصل.


***

سامح هو أيضاً مصور ومترجم وناشط في حقوق الإنسان، وفي الحرب الأخيرة كان يمارس دور الصحافي والمصور بالدرجة الأولى، وكان أفراد العائلة أجمع جزءاً من عمله اليومي. اثنتان من أخواته الأربع كانتا تقومان بدور رصد الأخبار الواردة عبر وسائل الإعلام المتوفرة، لا سيما الإذاعات، وأخوه وقريبه كانا يساعدانه في تلقي عشرات الاتصالات التي كانت ترده من بعض القنوات الأجنبية، إذ تحول إلى مصدر موثوق للأخبار. ويقول إنه »تلقى أكثر من خمسين اتصالاً في اليوم الواحد، لدرجة أنه اضطر أحياناً لفصل الهاتف، لتجنيب العائلة مزيداً من التوتر«.. أما المعلومات التي يجمعها هو والعائلة فكان يعود ليقارنها بما ينشر على مواقع الفضائيات، أو الانترنت ويجري اتصالات محلية عبر الهاتف الأرضي، بالأقارب والأصدقاء والمستشفيات ليوثقها ويعود ليفندها بنداً تلو الآخر على مدونته الالكترونية.

مع العلم أن سامح أنشأ مدونته أواخر عام ،٢٠٠٧ ومنذ ذلك الوقت يواكب بشكل مياوم قصص الحصار، وآثاره. ومنها إحدى قصصه عن اختناق المدينة تحت عنوان »لا فردة حذاء في غزّة، ولا حتى نقطة ماء«.

***


ما قدمه سامح طوال الأيام الصعبة للعدوان وقبله، يعتبر أبرز مثال عن قدرة الإعلام البديل على لعب دور هام في ظل الأزمات أو الأوضاع الاستثنائية. فسامح كان في الفترة الأولى يجري مقابلات متفرقة مع قنوات أجنبية عدة. والأهم أنه قد يُنشئ قريباً موقعاً الكترونياً إخبارياً باللغة الإنكليزية. ولكن كلما زاد العمل كان يزيد قلق العائلة على سامح: »أبي وأمي كانا يرددان دوماً مثال الصحافي الشهيد علاء مرتجى، الذي قُصف منزله واستشهد هو ووالدته. وكانا يعتقدان أن كتابتي باللغة الانكليزية، ذات تأثير أكبر على الإسرائيليين، وتسبب لهم إزعاجا أكثر... والدليل على ذلك أني تلقيت الكثير من الاتصالات المهددة والرسائل التي تطلب مني التوقف عن الكتابة أو تحمل عواقب ذلك... ولكني لم أتوقف، فقط اقترحت على عائلتي أن أنتقل إلى العمل والعيش في مركز وكالة رامتان التي تدربت لديها منذ سنتين... ولكنهم عارضوا الفكرة، فبقيت أعمل من المنزل«. في الحرب، رأى سامح الإسرائيليين، ولكنه لم يرَ رجالاً من »حماس«.. يقول »اختفوا في الأنفاق والاشتباكات على الحدود، لم ألمح أياً منهم، تماماً كما لم نلمح أي مقاوم من »حزب الله« في الحرب على لبنان ٢٠٠٦«.


***


يُذكرنا سامح، »هذه الحرب الأولى التي أعيشها، هذا أكبر حجم دمار أراه في حياتي، سبق أن رأيت القليل عند أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، في ،٢٠٠٦ ولكن عندما شُنت الحرب عليكم (على لبنان)، خف الضغط علينا، بس مع هذا، حالتكم كانت أفضل، الناس كان بإمكانهم النزوح والهرب، والمقاومة كان يأتيها دعم. بس غزّة محاصرة ولا تملك أياً من هذا.. غزة مدينة صغيرة جميلة ولكن الآن حالتها بالويل«.


***


صمد سامح وعائلته، كما كثر. ولكن تبقى جمل كان يكررها على مدونته، عالقة في الذهن، منها »نحن بخير الآن.. ولكن لا نعرف شيئاً عن الغد«. وأخرى كتبها في اليوم العاشر للحرب تقول »قد أتوقف عن النشر، في حال أخلينا البيت مع عائلتي، أو في حال وفاتي.. صلّوا لأجلنا، صلّوا لأجلنا«.


عنوان المدونة الالكترونية: gazatoday.blogspot.com