23.1.09

مقابلة مع مدوّن من غزة..لأجل غزة.. صلوا لأجلنا.. سامح حبيب: نحن بخير الآن.. ولكن لا نعرف شيئاً عن الغد

نشر في جريدة السفير

21-1-2009
جهينة خالدية

من غزّة، يأتي صوت الصحافي الشاب والمدون سامح حبيب.. مرهقاً. يكون قد وصل لبيته لتوه بعد مقابلة متعبٌ حجم الألم فيها.

سامح، ابن الـ٢٣ عاماً، كان قد عاد من منزل يجمع »من تبقى« من عائلة السموني، بعد أن استشهد ٢٩ فرداً منها. ي

قول صوت سامح الكثير عن حال البلاد التي تعلن الحزن، وعن حال مدينة الأطفال.

عندما تسمعه يتحدث بحماسة، تستطيع أن تتخيل عينيه تفتحان على وسعهما، مع كل قصة يتذكرها، وهو فعلياً لم ينسها.

يمكنك أن تتخيل هول ما رأى وما سمع، وهو يُعرّض نفسه عشرات المرات للخطر.

في اليوم الثاني بعد وقف العدوان الإسرائيلي على غزة، نسأل سامح: كيفها غزّة؟ يجيبنا: »تعرفوا كيف كانت الضاحية عندكم.. هكذا هي غزّة الآن: ممسوحة. غزّة الآن هي الناس التعبانة، المنهكة، الناس المشردين، الناس اللي بلا سقف.

غزّة الآن هي مثل باقي أفراد عائلة »السموني« الأربعين، اللي عايشين كلهم في بيت واحد من غرف ثلاث، هادي غزّة«.

***

في معظم أيام العدوان، كان سامح لا يفارق حبيبته المدينة. كان ينتظرها في الشوارع، يلاحق ما بقي من الحياة فيها، أو الموت الهابط عليها بالجمع المذكر والمؤنث والسالم والمكسر. ويعود ليكتب قصصه لنا باللغة الإنكليزية على مدونته: »غزة..قصص غير محكية«.

***

وأنت تقرأ المدونة، تجد أنه كان يلاحق الأطفال، وجوعهم، وعيونهم الزائغة، وكأنهم لا يرون إلا الصورايخ، ولا يسمعون إلا الصواريخ، وقلما يأكلون. كان يلاحق الأكفان المبللة بالأحمر في كل مكان وفي كل المستشفيات. وما كان هناك ضرورة لبحث كثير. كان يحمل ما سرقته كاميراته على عجل، يحضنها بحرص، خوفاً على صورة طفل ينام فيها، وفي الحقيقة هو يغفو متألماً في براد مستشفى.

***

يقول إن »الأطفال كانوا وما زالوا همي الأساسي، بالإضافة إلى قصص الناس، وأزمات مياه الشرب، ومياه الاستخدام، والطعام والأمراض. لا أهتم بالسياسة وبالأحزاب الآن، وكنت أعمل بغض النظر عن أي محسوبيات، وكنت وما زلت أعرف الوطنية بالسعي وراء قصص مخفية عن الإعلام التقليدي، لا سيما الأجنبي. كنت أعرف مدى الحاجة إلى نقل الوقائع كما هي على الأرض، بتفنيدها حادثة تلو الأخرى، من دون تحليل أو حجب معلومة على حساب أخرى«.

وهو يقوم بمهامه، كان الخوف يزور مفاصله أحياناً، فيرتجف: »كنت كأي إنسان آخر، أجول في الشوارع، أسمع أصوات الصواريخ قريبة، تلامسني الرجفة لبرهة، ثم أعود وأكمل العمل«.

يحمل في ذاكرة كاميراته الصور، وفي دفتره القصة، ويعود إلى منزله في حي التفاح، شرق غزّة، ليمارس المهمة اليومية، الكتابة. وعندما يفرغ من ذلك، تكون بطارية كومبيوتره المحمول قد فرغت أيضاً، ويحين عندها موعد »النزهة اليومية« إلى بيت احد الأصدقاء ليشحنها. والنزهة هذه، كانت تكلفه أربعة كيلومترات من السير المتواصل.


***

سامح هو أيضاً مصور ومترجم وناشط في حقوق الإنسان، وفي الحرب الأخيرة كان يمارس دور الصحافي والمصور بالدرجة الأولى، وكان أفراد العائلة أجمع جزءاً من عمله اليومي. اثنتان من أخواته الأربع كانتا تقومان بدور رصد الأخبار الواردة عبر وسائل الإعلام المتوفرة، لا سيما الإذاعات، وأخوه وقريبه كانا يساعدانه في تلقي عشرات الاتصالات التي كانت ترده من بعض القنوات الأجنبية، إذ تحول إلى مصدر موثوق للأخبار. ويقول إنه »تلقى أكثر من خمسين اتصالاً في اليوم الواحد، لدرجة أنه اضطر أحياناً لفصل الهاتف، لتجنيب العائلة مزيداً من التوتر«.. أما المعلومات التي يجمعها هو والعائلة فكان يعود ليقارنها بما ينشر على مواقع الفضائيات، أو الانترنت ويجري اتصالات محلية عبر الهاتف الأرضي، بالأقارب والأصدقاء والمستشفيات ليوثقها ويعود ليفندها بنداً تلو الآخر على مدونته الالكترونية.

مع العلم أن سامح أنشأ مدونته أواخر عام ،٢٠٠٧ ومنذ ذلك الوقت يواكب بشكل مياوم قصص الحصار، وآثاره. ومنها إحدى قصصه عن اختناق المدينة تحت عنوان »لا فردة حذاء في غزّة، ولا حتى نقطة ماء«.

***


ما قدمه سامح طوال الأيام الصعبة للعدوان وقبله، يعتبر أبرز مثال عن قدرة الإعلام البديل على لعب دور هام في ظل الأزمات أو الأوضاع الاستثنائية. فسامح كان في الفترة الأولى يجري مقابلات متفرقة مع قنوات أجنبية عدة. والأهم أنه قد يُنشئ قريباً موقعاً الكترونياً إخبارياً باللغة الإنكليزية. ولكن كلما زاد العمل كان يزيد قلق العائلة على سامح: »أبي وأمي كانا يرددان دوماً مثال الصحافي الشهيد علاء مرتجى، الذي قُصف منزله واستشهد هو ووالدته. وكانا يعتقدان أن كتابتي باللغة الانكليزية، ذات تأثير أكبر على الإسرائيليين، وتسبب لهم إزعاجا أكثر... والدليل على ذلك أني تلقيت الكثير من الاتصالات المهددة والرسائل التي تطلب مني التوقف عن الكتابة أو تحمل عواقب ذلك... ولكني لم أتوقف، فقط اقترحت على عائلتي أن أنتقل إلى العمل والعيش في مركز وكالة رامتان التي تدربت لديها منذ سنتين... ولكنهم عارضوا الفكرة، فبقيت أعمل من المنزل«. في الحرب، رأى سامح الإسرائيليين، ولكنه لم يرَ رجالاً من »حماس«.. يقول »اختفوا في الأنفاق والاشتباكات على الحدود، لم ألمح أياً منهم، تماماً كما لم نلمح أي مقاوم من »حزب الله« في الحرب على لبنان ٢٠٠٦«.


***


يُذكرنا سامح، »هذه الحرب الأولى التي أعيشها، هذا أكبر حجم دمار أراه في حياتي، سبق أن رأيت القليل عند أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، في ،٢٠٠٦ ولكن عندما شُنت الحرب عليكم (على لبنان)، خف الضغط علينا، بس مع هذا، حالتكم كانت أفضل، الناس كان بإمكانهم النزوح والهرب، والمقاومة كان يأتيها دعم. بس غزّة محاصرة ولا تملك أياً من هذا.. غزة مدينة صغيرة جميلة ولكن الآن حالتها بالويل«.


***


صمد سامح وعائلته، كما كثر. ولكن تبقى جمل كان يكررها على مدونته، عالقة في الذهن، منها »نحن بخير الآن.. ولكن لا نعرف شيئاً عن الغد«. وأخرى كتبها في اليوم العاشر للحرب تقول »قد أتوقف عن النشر، في حال أخلينا البيت مع عائلتي، أو في حال وفاتي.. صلّوا لأجلنا، صلّوا لأجلنا«.


عنوان المدونة الالكترونية: gazatoday.blogspot.com

ليست هناك تعليقات: