24.3.09

800 قتيل ومئة منهم أطفال وتلامذة.. معدل قتلى الحوادث ثابت أو إلى ارتفاع رغم وجود القوانين..



عندما ينتظر الموت في باص المدرسة: من يتحمّل المسؤولية؟ من يساهم؟ من يتغافل؟


نُشر في جريدة السفير


تحقيق: جهينة خالدية
24-3-2009
لنحكِ عن هذه الأسماء: آية أبو خشفة، جان نادر، صلاح الزعبي، سمر عطية، جوي تلج، جوي تابت، غياث حب الله، سماهر خضر، ملاك الشموري، ساجدة محمد شعبان. لنحكِ عن عشرات الأسماء الأخرى التي لم يعد أصحابها يحملونها لأنهم رحلوا وتركوها على ورق يحمله الأهل كإفادات موت. تركوا كل شيء، وأصبحوا في يوم حزين «أطفالاً قتلى».. وبكلمات رسمية هم: «ضحايا الحوادث المدرسية». أسماء هؤلاء أصبحت، لأسباب عدة، من الماضي. ولم تعد أكثر من أرقام يتم تداولها في التقارير الأمنية، وتقارير المدرسة، وتلك الصحافية. فجمعيتا «اليازا» و«اللاسا»، على سبيل المثال، تقدران عدد ضحايا حوادث السير المدرسية في لبنان سنوياً بمئة وخمسين ضحية، بين قتيل وجريح. نملك أسماء القتلى، فنوردها. أما الجرحى فلا نعرف عنهم سوى عددهم. الأخبار الصحافية لا تحكي قصصهم، آلامهم، لكن عددهم يتراكم: «12 جريحاً في صيدا»، «12 جريحاً في الناقورة»، «عدة تلامذة سقطوا جرحى»، «مقتل طفلة وإصابة آخرين في حادث سير مدرسي».. لكن ماذا بعد الأخبار والتقارير؟ ماذا بعد الحملات؟ الأرقام إما على حالها أو إلى ارتفاع، والدراسات ما زالت تؤكد أن «حوادث السير هي المسبب الأول للوفاة عند الشبان والأطفال في لبنان وفي العالم العربي». وتجدر مقارنة بسيطة من خلال تقرير يفيد بأنه: في ثلاثة وثلاثين يوماًَ من الحرب الإسرائيلية على لبنان العام 2006، سقط 1200 شهيد، وبحسب تقارير قوى الأمن الداخلي، يخسر لبنان 197 ضحية جرائم متفرقة.. أما في ما يتعلق بحواث السير، فإننا نتحدث عن معدل ثمانمئة قتيل و12 ألف جريح سنوياً! وبحسب إحصاءات قوى الأمن الداخلي، فإن 2.5 في المئة من الثمانمئة قتيل، هم دون الخمسة أعوام، و1,88 في المئة ما بين ستة وتسعة أعوام، 3,77 في المئة ما بين عشرة و14 عاماً، و3,77 في المئة ما بين 15 و17 عاماً. إذاً، نحن نحكي عن حوالى 12 في المئة (96 قتيلاً) من أصل 800 قتيل، هم بعمر طلاب وتلامذة المدرسة. لعلهم أطفال «قضوا» في ساحة المدرسة أو منها وإليها. أطفال زرروا في صباحاتهم أزياءهم المدرسية، حملوا حقائب تخبئ لهم وجبات الظهيرة. أكلوها في الفرصة، ووعدوا أنفسهم بغداء ساخن من صنع أمهاتهم. لكن ساعات قليلة بعد، هؤلاء لن يكونوا هنا، لأن هناك من أهمل، وهناك من ساهم في الإهمال، وهناك من سكت عليه. من يتحمل وزرهم؟ الجهات الرسمية؟ الأهل؟ المدرسة؟ أم الكل على حد سواء؟ من تغافل فكانت النتيجة أن يغادر هؤلاء الحياة لأسباب تافهة كعدم ثبوتهم في مقاعدهم عند وقوع حادث السير، أو كاستخفاف السائق بمسؤولية عشر أو عشرين روحاً فتية، أو كعدم استيفاء الحافلة للشروط الضرورية الواجب توفرها؟ أسئلة برسم الحكومة الجديدة. لن تصدق الأمهات بسهولة أنهن سهون عن التشديد على مواصفات الحافلة والسائق. لكنهن أيضاً لن يعتصمن أو يوحدن الصوت لمطالبة الجهات الرسمية بالتدقيق في كل وسيلة نقل تحمل أولادهن. تردد الأمهات، مع الآباء، عند لوعة الفقدان: «أرسلناهم إلى المدرسة لا إلى الجبهة»، ومع مرور الوقت سيعرف الكل أن الطرقات في لبنان، وأساليب القيادة المجنونة، تجعل التنقل إلى المدرسة، أصعب ربما من القتال على جبهة. طلاب يتكدسون في الباصات كأنهم في شاحنة، يختنقون في «فان» يتسع في الحالات الطبيعية لإثني عشر أو خمسة عشر راكباً، وهم بداخله عشرون.. ماذا لو انقطع الهواء عن الأطفال؟ لا تقلقوا، نفتح لهم الباب الخلفي ونركّب لهم، بسرعة، شبكاً حديدياً يحميهم. لكنهم ما زالوا مكدّسين، فوق بعضهم البعض.. أيديهم تخرج من النوافذ، فلا مكان لها في الداخل! رؤوسهم تلتصق بالزجاج و«بلمسة» بسيطة على الفرامل يصبحون والزجاج «واحداً»! حقائبهم رصت على سطح الفان، أو صُنع لها صندوق حديدي خارجي.. إذا، فلنتفق: هذا الذي يقلّ عدداً كبيراً من أولادنا، ليس باص نقل. هذا قفص كبير، ربما يصحّ للدواجن.
ليس بالقانون وحده نحميهم
هو السؤال البديهي. لكن بالرغم من هذا، ننطلق من القانون الوحيد المتوفر: القانون الرقم 551 «المتعلق بوسائل النقل المعدة لنقل تلامذة المدارس الرسمية والخاصة»، ويمنع في مادته الأولى، منعاً باتاً، نقل تلامذة المدارس الرسمية والخاصة في جميع مراحل التعليم ما قبل الجامعي، من البيت إلى المدرسة وبالعكس، من دون وجود مراقب مسؤول في كل وسيلة نقل. إذ يفترض أن يكلّف لهذه المهمة من قبل مالك وسيلة النقل، أكانت المدرسة (حتى ولو كانت تستأجر هذه الوسيلة)، أو أي شخص آخر. وفي المادة الثالثة من القانون، يتوجب على مالك وسيلة النقل، أو مستأجرها، إجراء عقد تأمين لوسيلة النقل المستخدمة لنقل التلامذة، على أن يغطي التأمين جميع الأضرار التي قد تنتج عن حوادث السير وخلافها أثناء النقل. هذا بالإضافة إلى إقرار القانون «الحكم بغرامة تتراوح بين قيمة الحد الأدنى الرسمي للأجور وضعفيها، في حال إهمال تعيين مراقب في كل وسيلة نقل من قبل الجهة المعنية بذلك، ويحكم بالغرامة بالاستناد إلى محضر ضبط منظم من قبل القوى المولجة بتطبيق قوانين السير. السؤال الثاني الذي يطرح نفسه: إذا كان دور وزارة الداخلية في هذه العملية كلها هو تطبيق القانون 551، فهل يُطبق؟ يقدم قائد سرية سير بيروت، العقيد محمد الأيوبي، جواباً يختصر معاناة الوزارة الأزلية، التي تتكرر كلما طًرق باب أزمة السير وحوادث السير في لبنان، وهي عديد عناصر تنظيم السير. هكذا يكرر الأيوبي: «نعم نطبق القانون بحذافيره، لكن بالقدر المستطاع. فنحن، كما هو معلوم، نعاني نقصاً فادحاً في عديد هذه العناصر التي لا تتعدى ستمئة عنصر ضمن قوى الأمن الداخلي والذين يعملون في مفارز السير». إذاً هل يطبق القانون؟ كم غرامة أعطيت حتى اللحظة؟ لا نملك الرقم، لكن يمكن استنتاجه من جواب ثان للأيوبي: «العدد القليل للعناصر بالكاد يكفي لتنظيم سير السيارات العادية وملاحقة الدراجات واستخدام أحزمة الأمان». القوى الأمنية التي لا يمكنها ملاحقة كل مخالف للقانون 551، نجدها في مواقف أخرى، عندما يقع حادث السير. يُحرّر المحضر، تُحصى الإصابات، ويُحول إلى النيابة العامة.. فهل يكون هذا، حتى اللحظة، كل ما يمكن تقديمه لتعزيز وقاية نقل التلامذة إلى مدارسهم ومنها؟ يجيب عضو الهيئة الإدارية في «اليازا»، كامل إبراهيم: «إن معضلة عديد قوى الأمن الداخلي لطالما كانت موجودة، لكن العديد نفسه يستطيع، أثناء مراقبته للدراجات وواضعي أحزمة الأمان، تبيان وجود مراقب في الباص أم لا. وذلك يتطلب من العناصر التوزع على بعض المدارس، عند الصباح، وعند انتهاء الدوام الدارسي». ويجزم إبراهيم: «إن القانون 551 لا يطبق بأي شكل من الأشكال»، وهو ما يتوضح أكثر في جولة لـ«السفير» على مجموعة مدارس بيروت وجبل لبنان، حيث لا يوجد مراقبون في غالبية المدارس الخاصة والرسمية، ولا يُستثنى من هذه النتيجة إلا بضع مدارس كبرى تعتمد بشكل كبير على أساتذتها للقيام بهذه المهمة. والنقطة الثانية التي يتطرق إليها إبراهيم، هي «الفضائح الحاصلة في الميكانيك عند الترخيص لكل الآليات، (وبينها باصات النقل وباصات المدارس)، إذ يتم استئجار الكثير من القطع الناقصة لآلياته لتنجح في إمتحانها، من دواليب ومرايا، وإشارات وإلى ما هنالك، لتعاد بعد اجتيازها الفحص!». يقول إبراهيم إن «هناك مسؤوليات جمّة على المعنيين تحملها، بملاحقة المتاجر والمحال التي تؤجر هذه القطع».
مرسوم جديد.. ناقص وعالق
من جهة ثانية ما هو دور وزارة التربية؟ يلفت مدير مصلحة التعليم الخاص في وزارة التربية، عماد الأشقر، إلى أن «دور الوزارة محصور في الموافقة على إفادة تقدمها المدرسة حول عدد طلابها، لكن لا دور لوزارة التربية عند وقوع الحادث أو للإشراف على الآليات التي تقل الطلاب». لكن الأشقر يشير بالمقابل إلى مرسوم جديد تعاونت في وضعه وزارة التربية والداخلية، لكنه حتى اللحظة لم يتم إقراره». حصلت السفير على نسخة من المرسوم الذي يشير إليه الأشقر ويشدد أكثر على «تحديد مهام المراقب، في وسائل النقل كافة المعدة لنقل تلامذة المدارس الرسمية والخاصة، وعدد التلامذة في الآلية». لكن هذا القانون، كما سيرد أدناه، لا يشير بالمطلق إلى أي تعديل يجب أن يجري على الحافلة لجهة توفر بابين بدلاً من الباب الواحد، أو حزام أمان للتلامذة (لا سيما من هم أكبر من 12 عاماً). ويحدد المرسوم في مادته الأولى «عدد التلامذة في وسيلة نقل التلامذة بحسب رخصة المركبة الآلية الصادرة عن هيئة إدارة السير، والآليات والمركبات وفقاً لمواصفات المصنع. ويمنع منعاً باتاً زيادة العدد أو وضع الكراسي الإضافية في وسيلة النقل ويبقى الممر الوسطي مفتوحاً لدخول التلامذة وخروجهم دون أي عائق». وتحدد المادة الثانية، مهام المراقب بالتواجد في الحافلة قبل دخول التلاميذ، وعدم مغادرتها حتى نزول آخر طالب، المشاركة بوضع خريطة الرحلة بالتعاون مع سائق الحافلة، ولائحة بأسماء الطلاب المسجلين أو المنتسبين في الحافلة وعناوينهم، وأرقام الهاتف، ومنها عدم التحدث مع سائق الحافلة إلا عند الضرورة. إضافة إلى الاتصال بمسؤول النقل في المدرسة في حال وقوع أي حادث، تسليم تلامذة الروضات وتلامذة الحلقة الأولى إلى أهاليهم او من ينوب عنهم، ضبط النظام في الحافلة خصوصاً عند وقوع حوادث أو عطل، وعدم السماح بخروج التلامذة منها إلا في حالات الخطر وتحت إشراف المراقب، إلى جانب إلمام المراقب باستعمال مطفأة الحريق وعلبة الإسعافات الأولية. هنا يشير عضو الهيئة الإدارية في «اليازا» كامل إبراهيم إلى أن «المشكلة الأساسية في عمل هذه اللجنة كانت في عدم مشاركة ممثل عن قوى الأمن الداخلي في حينه، وهو المفترض أنه معني بتطبيق القانون، وليس ممثل مديرية النقل! من جهة ثانية، المرسوم كله معلق، ولا أحد يتابعه، لا سيما في زمن حكومة تصريف الأعمال». والآن تشكلت حكومة الوحدة الوطنية.. فهل يتوافق أقطابها على بديهيات السلامة على الطرقات، خصوصاً بالنسبة إلى أولادنا.. وأولادهم؟!

بين أرقام قوى الأمن واليازا
تلفت «اليازا» إلى أن أحد الاستنتاجات التي توصل إليها تقرير البعثة العلمية السويدية «سويرود» Sweroad، والتي استقدمتها الحكومة اللبنانية بهبة من حكومة السويد لإجراء إحصاءات حول حوادث السير، يقول التالي: «بعد دراسة إحصاءات حوادث السير في لبنان، تبين عدم إدراك حقيقة حجم المشكلة التي يعاني منها وضع السلامة على الطرق، وذلك بسبب النقص في الإفادة عن حوادث السير التي ينتج عنها وقوع إصابات أو وفيات. وفي لبنان، يتم تعريف الوفيات على أنها إصابات تؤدي إلى الوفاة في موقع الحادث فقط، بينما يشمل التعريف العالمي، الوفيات التي تستجد خلال 30 يوماً من وقوع الحادث. ولهذا السبب وحده، يمكن احتساب عدد الوفيات في لبنان بإضافة نسبة 30 في المئة من العدد الرسمي المُعلن إلى هذا العدد. ومن الأسباب الأخرى المعروفة وراء النقص في الإفادة، أن الحوادث التي تتعرض لها مركبات الجيش اللبناني لا تدخل ضمن الإحصاءات الرسمية، علماً أن بعض التقديرات تشير إلى أن مركبات الجيش معنية بنسبة 10 إلى 15 في المئة من إجمالي عدد الحوادث. كما أن إحصاءات الصليب الأحمر تدل إلى وجود نقص في تقدير عدد الإصابات الناتجة عن حوادث سير في الإحصاءات الرسمية، بنسبة قد تصل إلى 75 في المئة إلى 100 في المئة. ويمكننا هنا أن نذكر، كمثال على ذلك، قصة الطفلة آية خالد صالح، التي لم تكن قد تخطت سنواتها الأربع عندما أصيبت في حادث صدم مفجع في منطقة كفريا في البقاع الغربي، في السابع من حزيران الماضي. جراء الحادث دخلت آية في غيبوبة وسجلت في تقارير قوى الأمن «كجريحة». لكن آية فارقت الحياة في 26 أيلول المنصرم.


بين «الوقاية» و«المكتوب»
كلما طرق العام الدارسي أبوابه، رفع الأهالي صرخة الكلفة. لا شك في أنها تشكل أعباء إضافية، إذا ما أضيفت إليها الأقساط وكلفة النقل وغيرها. هكذا تجدهم يتجهون إلى إختيار الوسائل الأقل كلفة. لكن مسؤوليات عدة، لا بد أن تؤخذ بحذافيرها قبل أن تقع الواقعة ويردد الكل إنه «المكتوب»! مسؤوليات تقع، بحسب نائب رئيس اللجنة اللبنانية للوقاية من الحوادث المدرسية (اللاسا)، فيكتور عبود، «على عاتق الإدارات المدرسية، أولياء الأمر، والأجهزة المعنية بنقل التلامذة من وإلى المدارس». بداية، يقول، «على المدرسة التأكد من فصل مواقف المركبات عن ساحة المدرسة بحواجز مناسبة تمنع تجاوز التلاميذ العشوائي لها، الإشراف على عملية صعود التلامذة إلى الحافلات المدرسية ونزولهم منها ضمن حرم المدرسة أو خارجها، وضع مراقب داخل كل باص مدرسي وفقاً للمادة 1 من القانون 551/96، إلزام سائقي المركبات المدرسية التقيّد بقوانين السير، ومراقبة مدى التزامهم بها. بالإضافة إلى توعية سائق المدرسة على طبيعة وخصوصية مهمته كسائق مركبة تقل تلامذة يتوجب عليه المحافظة على حياتهم وسلامتهم عبر اتخاذه أقصى درجات الحيطة والحذر». هذا إلى جانب المواظبة على صيانة الباصات (لا سيما الإطارات والفرامل، والصيانة الهيكلية لها كإصلاح الأبواب، ووضع حماية على النوافذ، صيانة مستمرة للمقاعد لإبقائها ثابتة، وتغليف أجزائها المعدنيّة بالإسفنج الواقي المناسب حفاظاً على سلامة التلامذة). ولا يفوت «اللاسا» التدقيق في أصغر التفاصيل التي على سائق الحافلة التنبه لها، من «تحميله مسؤولية الإغلاق المحكم لباب المركبة عند السير، وعدم فتحه إلا عندما يتوقف الباص تماماً، إلى استعمال الأضواء الجانبية أثناء التوقف، وركن المركبة بمحاذاة الرصيف الأيمن عند صعود أو نزول التلاميذ، وعدم التوقف وسط الطريق، وأن يكون باب المركبة محاذياً لباب المدرسة أثناء نزول التلامذة وصعودهم للباص». كما يجب «تجنب ترك مسافة لمرور سيارة بين الباص وباب المدرسة». هنا يلفت عبود إلى «ضرورة خضوع السائقين لدورات تدريبية في السلامة والحريق والإسعافات الأولية لضمان التصرف السليم في الحالات الطارئة مثل الحريق أو الحادث. بالإضافة إلى المواصفات العامة من عدم التدخين، أو شرب الكحول، إلى معرفة حقوقه وواجباته القانونية والأخلاقية فلا يتفوه بكلام بذيء، ولا يتسبب بمشاكل مع السائقين الآخرين ومع رجال الشرطة. وأن يخضع دورياً للفحص الطبي المرافق لدفتر قيادة الباصات والمعاينة المستمرة». أما مسؤولية الأهل فتتمثل «بالتأكد من كل المواصفات القانونية في الباص الذي يختارونه لأولادهم، ومطالبة الإدارة أو السائق باللجوء إلى أقصى درجات الوقاية والحماية». وهنا يشدد عبود أن القانون 551 ينص على وجود مراقب في الباص، لكن لا مرسوم ولا قانون يدقق في «أهلية» حافلة النقل، واشتراط توفر بابين لدخول الطلاب وخروجهم، بالإضافة إلى أحزمة الأمان التي تخفف الأضرار في حال وقوع الحادث. في المقابل، تتعدد المشاهد المخالفة التي نشهدها عند موعد خروج التلاميذ من مدارسهم، لا سيما عند الأهل الذين يختارون نقل أطفالهم في سياراتهم الخاصة أو سيراً على الأقدام. إذ يغض هؤلاء النظر عن كل شروط السلامة المطلوبة، مثل «إيصال أولادهم شخصياً (أو مع شخص ناضج) من وإلى باب المدرسة، واستعمال جسور المشاة والأرصفة، بالإضافة إلى استخدام حزام الأمان الذي حان الوقت لاعتباره من أبجدية سلامة النقل، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال التساهل في استخدامه». من جهة ثانية، ينصح عبود جميع المعنيين (لجان الأهل، إدارات المدارس، سائقي الباصات المدرسية)، الاعتماد على دليل «أسئلة وأجوبة تعلم السوق» الذي أعدّته «اليازا»، كوسيلة من الوسائل المتعددة لنشر الوعي والمعرفة حول القيادة الآمنة بين جميع السائقين المخضرمين، ومن بينهم المبتدئون، ما يؤدي إلى رفع مستوى السلامة المرورية. فهو يستند إلى أحدث الدراسات العلمية، ويزودهم بكافة المعلومات من خلال 400 سؤال وجواب. هكذا، مرّت سنوات أربع على عمل اللجنة اللبنانية للوقاية من الحوادث المدرسية. واللجنة لا تكلّ ولا تملّ من الترويج لفكرة السلامة العامة المدرسية عبر خدمات وتوجيهات اللجنة، مساعدة المدارس الخاصة والرسمية ضمن نطاق برنامج متخصص لتفادي الإصابات المدرسية ويعدّ خصيصاً لكل مدرسة. بالإضافة إلى إقامة ندوات وحلقات حوار في المدارس، تدور حول مفهوم فعالية وأهمية السلامة المدرسية، وإطلاق حملات توعية شاملة عبر الإعلام تصل إلى جميع شرائح المجتمع. من خلال كل هذا العمل، كانت ولا تزال اللجنة تأمل في تحسين وضع السلامة المدرسية من خلال برامج تعنى بجميع الميادين المتعلقة بالحوادث والإصابات المدرسية. لكن السؤال يبقى: هل أدى كل هذا الجهد إلى أي تطور أو إلى نتيجة ملموسة في تقليص نسبة الإصابات؟ يجيب عبود: «لا إحصاءات رسمية»، لكننا نشعر أن هناك وعياً بسيطاً لدى الناس». لا بد من التذكير إذاً، إلى أننا بحاجة إلى كل هذه التفاصيل، لتعزيز الوقاية. بحاجة لها، لئلا يصلنا، كأهل، نعي أطفالنا على ورقة سوداء وبيضاء صادرة عن إدارة المدرسة، تحاول أن تواسينا ولا تستطيع، بكلمات مثل «تأسف إدارة المدرسة لمقتل عدد من الطلاب وإصابة آخرين بجروح... وتعلن إقفال المدرسة حداداً..».