22.6.09

جانيت تقود التاكسي الزهرية..إمراة جميلة وسعيدة خلف المقود


الوجوه تتغير. تروح وتجيء في يوميات جانيت، وكل منها يخبئ لها قصة جديدة. فالراكبات اللواتي يجلسن في سيارة الأجرة الزهرية المخصصة للسيدات والبنات (ومن يرافقهن)، لسن «مجرد عابرات»، كما تقول جانيت جبيلي. هؤلاء يشغلن ساعات نهارها، بقصصهن، بوجوههن، بدردشات نسائية أنثوية ممتعة. وهن بهذا يحولن وظيفتها إلى مهنة اجتماعية مسلية كثيراً. جانيت (47 سنة) تركت عملها كسكرتيرة في المدارس ومكاتب المحاماة، وقد ظلت تمارسها طوال السنوات العشرين الماضية، وانضمت إلى شركة «بنات تاكسي» التي افتتحتها صاحبتها نوال ياغي فخري منذ أشهر ثلاثة. النقلة النوعية هذه، حولت حياة جانيت «بين ليلة وضحاها إلى شخصية تفاعلية أتعرف كل يوم إلى شخصيات مميزة من جهة، وإلى مناطق ما كنت أعرفها، وبت أشبه بسائحة دائما من جهة أخرى». تعرف السيدة أن كثراً ممن يرونها، ويعرفونها، تمتلكهم الأسئلة الفضولية إياها: شعورها كسائقة تاكسي، جلوسها خلف مقود لسيارة زهرية، كيف يتعامل معها المسيطرون «الأصليون» على المهنة، تقبلها أو ما تسميه هي «متعتها» بالوردة الزهرية الطبيعية التي تحتل جهة اليسار من شعرها، ربطة العنق الزهرية.. تبرجها الدائم.. وقبل أن تجيب عن أي من هذه الأسئلة، تشرح الأم لشاب وفتاة في العشرينات من عمريهما، أن وجودها هنا بالدرجة الأولى «هو تلبية لرغبتي وإشباع لشغفي، لأني أعشق قيادة السيارة طوال الوقت وهذا ما كنت أمارسه دوما، إذ كنت أوصف بتاكسي العائلة. أما الآن، وقد تحولت الرغبة إلى مهنة، ما زلت أتعامل معها كهواية لا كوظيفة متعبة، لدرجة أني قلما أمل خلال الدوام، وأشعر طوال الوقت بأني داخل الحياة، وذلك من خلال تعرفي إلى أشخاص من طبقات مختلفة وفئات متنوعة وتقربي من عوالم ما كنت أعرف عنها الكثير، وبكلمات أخرى، أشعر كأني صحافية ترصد نبض الناس طوال النهار». لا تفوت جانيت، «الفروقات الواضحة بين عملي خلف مكتب في غرفة مبردة، وبين تنقلي طوال الوقت في عملي الجديد.. وبالنسبة إلي، أعيش نوعا من التجديد في هذا الموقع، ولم أتردد للحظة عندما اخترت التقدم بطلب لهذه الوظيفة، من دون أن أفكر بكل التقاليد والقيل والقال في مجتمــعنا. أنا لا أختـــلف بشيء عن السائق الرجل من حيث أداء المهنة.. ربما إلا في استخدام «مفرداته» من طلب وطلبية وغيرها.. ونفضل أن أقول بدلا عنها «عنا تاكسي». ما يهم السيدة فعلا أن محيطها وعائلتها قدما لها الدعم في هذه الخطوة، بل راحت عائلتها تطلق عليها صفات «مهضومة»، وتحولت هي إلى «أم أوريجنال، والماما تاكسي باربي، وكتير فاشن». أما على أرض الواقع، فتحدد السيدة عدداً من الصفات التي يجب أن تتحلى بها لتشغل هذه الوظيفة: «أن تفصل بين حياتها الشخصية، ومهنتها، وتتذكر دوما أنها وظيفة جدية وإن كانت بلباس زهري ناعم، ويجب أن تكون شخصيتها قوية وسريعة البديهة ومرحة، لتعرف كيف تتصرف مع الآخر (الزميل، الشرطي، الزبونة..)، والأهم وجوب ادراكها سلفا انها تقود سيارة زهرية، وبالتالي فان مرورها في الشوارع يكون أحيانا أشبه بالمهرجان، وستسمع تعليقات حلوة واخرى مزعجة.» أما أكثر الاعتراضات التي أثيرت حول عملها كسائقة أجرة، فهي من السائقين الذكور المتحزبين لمهنتهم وتعريفهم إياها كحكر على الرجال.. وتعلو انتقادات وصيحات هؤلاء أكثر، عندما تتقدم لهم منافسة بكامل أنوثتها وأناقتها.. فجانيت مثلا، تخرج إلى عملها كأنها هي الزبونة لا السائقة، متأنقة بقميصها الأبيض، وحليّ من الذهب المشغول بنعومة، تحتل معصمها وعنقها. القالب هذا، والفكرة بحد ذاتها لقيت استنكار «عدد من الرجال، وتحديدا السائقين، الذين كرّسوا التمييز الذي يمارسه الرجال اتجاه النساء، ويمكن اختصارهم بالجملة التي رماني بها واحد منهم في إحدى المرات: «شو رأيكن يا نسوان، تستلموا هل بلد ونحن نقعد بالبيت أو نهاجر؟». هؤلاء، يتعاملون مع الفكرة، «كأننا ضربنا مهنتهم ودخلنا في المحظور علينا ونمارس مهنا خاصة بهم فقط. وهذا لم يعد يصح الآن». وتعود لتلفت «نحن لا نهاجمهم ولا نسرق منهم أي شيء، كل ما نفعله أننا نهتم بالمرأة، ونعمل لنريحها، فكثيرات يشعرن براحة أكبر وأمان في سيارة واحدة مع سيدة، لا سيما أننا نسمع روايات عدة عن المضايقات والتحرشات التي تحصل في سيارات الأجرة..». والفريق هذا كما تقول جانيت «يحاول دوما أن يمتحن قدرتنا على السيطرة على كل جوانب هذه المهنة، كأن نغير الإطارات في حال احتجنا لذلك، أو تصليح أي عطل يصيب السيارة، ونحن فعليا نعرف كيف نقوم بكل هذا، لكننا بحسب قوانين الشركة، لا نبادر إلى ذلك، كل ما نفعله هو الجلوس في السيارة وطلب العون من الشركة.. لا أكثر». القسم الثاني بحسب تصنيف جانيت، هو ذلك الذي «هنـأنا على جرأتنا، وعلى فكرتنا، مرحبا بإضفاء نكهة أنثوية على مهنة كانت ممنوعة عن النساء، من دون أن «نسترجل»، ونسمع من هؤلاء تعليقات ظريفة على قيادتنا، وزينتا، ومنهم من يجد أننا نقود بهدوء ورزانة أكبر». من أجمل وألطف ردود الفعل التي تلقتها جانيت هي من رجال الشرطة، الذين ما يكونون غالبا متعبين ومشغولين بتنظيم السير.. «لكن عندما أمر أمامه، بسيارتي المميزة، يهدأ. إذا كان عنده أي ملاحظة على سواقتي.. يبلعها»!. لا يمكن لجانيت، بحسب قوانين الشركة أن تتدخل في شؤون راكباتها الخاصة، لكنها تحاول أن تشعرهن بالراحة، وتتعرف إليهن بكلمات بسيطة. وترحب بهن بكلمات معدودة، لتضفي بعض «الروحية على الجلسة، لا سيما إذا كان المشوار بعيداً.. بعد دقائق ترتاح الزبونة، وتكتشف أنها فعلا أصابت الاختيار بالحجز في تاكسي تقودها امرأة، لأننا نفهم على بعض». بعض الزبونات، يفضل أن تبقى الجلسة رسمية، وهو ما تحترمه جانيت تماما، والبعض الآخر ينتهز فرصة جميلة للمحادثة مع سيدة طوال الطريق من دون أن يصل أي سوء فهم، كما يحصل مع بعض سائقي الأجرة الذكور. والقسم الأكبر هو ذلك الذي يستفيد مني كسائقة وكدليل يفهم عليهن على الطاير، حول أفضل الأماكن للتسوق مثلا». وتشير إلى أن «الزبونات يتنوعن من طالبات الجامعات، إلى كبار السن أو ربما التلاميذ الصغار الذين تولينا أمهاتهم مهمة أخذهم إلى مدارسهم، لأنهن يعرفن أننا سنعاملهم كأطفالنا. جانيت التي اختارت دواما نهاريا، ينتهي عند الظهيرة أو بعدها بقليل، تعرف أن مهنتها ليست عادية، ولا تشبه تماما تلك التي تمارسها خلف المكتب، لكن بعد ساعة من الدردشة معها، وغمرها بالأسئلة أثناء جولة تتولاها هي، لن تلقى منها تذمرا واحدا حول هذه المهنة، أو حول التصاقها خلف المقود لساعات طويلة. كل ما ستلحظه هو اهتماهها الدائم بالقرنفلة التي ترتكز خلف أذنها اليسرى، فهذه «لها تأثير نفسي يومي علي، ولم تعد من عدة الشغل فقط، بل هي من العدة التي تشعرني بأنوثتي أكثر.. وتقول لي دوما إني امرأة جميلة وسعيدة .. خلف مقود..».