30.11.09

مايكل بولتون في بيروت..فتح بوابة الذكريات وغنى لنفسه

كان معهم، لكنه كان يغني لنفسه بالدرجة الأولى، ثم يغني لهم.
غفا داخل الصوت، قبل أن يخرج بكل هذا الشغف إلى جمهور ينتظر الحب ليأتيه مع المغني العالمي مايكل بولتون.
هو الذي غنى أكثر من ثلاثة آلاف متفرج عاشق لأغنيات بألحان كلاسيكية و Soft Rock، صنعتها يداه الموسيقيتان، إلى جانب احترافه تأليف أغنيات كبار النجوم، مثل باربرا سترايسند، وكيني روجرز وكيني جي، وتعاونه مع بوب ديلان وبيبي فايس.
في ليلة السبت حل سباق آخر، بين نشوة الموسيقى التي تخرج من مكبرات الصوت من طرف، وخيالات الخيل وسط ميدان سباقها في بيروت، من طرف آخر. حيثُ توزع الحضور على المسرح الذي نصب في الهواء الطلق، من دون أن يتجاهلوا رمزية المكان. فتجد هنا وهناك أحاديث تستذكر موقع هذه البقعة خلال الحرب اللبنانية، مقارنة بمحيطها الحالي وذلك الماضي وما تختزنه كخط تماس سنين. أما في هذه الأمسية، فلن تفرد هذه المساحة إلا لصوت راق، دار في فضاء واسع وتسلل إلى أحضان أشجار الصنوبر المتناثرة كحراس الليل. على مدى ساعتين من الوقت، تمايل معه الجمهور، ولوحوا بأيديهم، ودخلوا من باب ألبوماته إلى ذكرياتهم الثمانينية والتسعينية، وإلى قصص حب نمت فوق عشب أغاني مثل I said I loved you but I lie و How am I supposed to live without you، وWhen a man loves a women و steel bars و Can I touch you there و Time, love and tenderness وOnly a women like you التي ألفها في العام 2002 بالتعاون مع المغنية شنايا تواين. الروائع هذه، غناها بولتون مساء الأول من أمس لآلاف يحفظونها كأسمائهم، واختار لهم من ألبومهمbolton swings Sinatra عدداً من أغاني سيناترا الشهيرة، مثل «نيويورك.. نيويورك» التي جعلت الكبار قبل الصغار يتمايلون ويشدون بصوت عال كلمات الأغنية ككورال جماعي، مرحبين بالحفل الفني الأول لبولتون في لبنان (باستثناء الدعوة الخاصة التي لباها لحفل السنة الماضية).
تفاعل جميل
كانوا هناك مع ماضيهم القريب، يمجدون فناً يتجسد بصوت نادر، ويرفعون القبعة لكل ما أداه للأسطوري «فرانكي» ـ فرانك سيناترا ـ ولنجاحه على مدى أكثر من ثلاثين عاماً، باعَ أكثر من 53 مليون نسخة من ألبوماته، وتشارك خلالها المسرح مع عمالقة أهمهم مغني التينور الإيطالي لوتشيانو بافاروتي، خوسيه كاريراس، راي تشارلز وسيلين ديون ورينيه فليمنغ.
«أنا هنا لمهمة أعشقها .. الغناء لجمهور معجب». هذا ما قاله بولتون في المؤتمر الصحافي الذي أقيم في فندق البريستول عصر الجمعة. وبالأمس أدى المهمة باحترافية عالية وتفاعل جميل مع جمهور شاب ومراهق يتشرب أغاني هادئة، قد يعتبرها البعض «موضة قديمة» لأبناء جيلهم. أما المتفرجون الأكبر سناً، فتركوا بدورهم مقاعدهم المرفهة المزينة بالملاءات البيضاء، والتصقوا بالمسرح ليلقوا التحية على النجم، ويتأملوه من قرب مغنياً لهم بصوت يغمره الدفء (وإن كانت هذه الميزة ما عادت رائجة الآن). وهو يراقبهم بدقة، ينزل إليهم حيناً، ويمد يده محيياً أحايين أخرى، وبعدها يتركهم يغنونه ويغنون أنفسهم.. وهو يدعوهم مرارا ليستلموا «دفة الحكم».
عديدون ممن حضروا الحفل الذي نظمته شركة RKNA بحثوا عن الحنين إلى فن من نوع آخر، وآخرون عبروا بحضورهم عن إعجابهم بشخص النجم، لنضاله من أجل قضايا المرأة وحقوقها، محاربا العنف الذي يمارس عليها. كذلك تأسيسه جمعية تعنى بالأطفال الذين يعانون الفقر والأمراض المزمنة والاستغلال.
الرجل قال الكثير بين أغنياته، ثم نسي الكلام العادي ورحل مع جمهوره إلى عوالم خاصة بهم وحدهم. رصف أغانيه وألحانه فوق مشاعر كل منهم منفردا، وحاكاهم بما تختزن ذاكراتهم. عزف لهم، وكأنه يحلق إلى زوايا رومانسية تندر الآن في عالم الموسيقى، ليترك بعدها المسرح لعازفين اختلوا بالحضور بوصلات منفردة على البيانو والغيتار الإلكتروني.. هنا أيضا تماهى الكل مع الكل.. واختلى من أراد من العشاق بأنفسهم وهم بين الجميع.. اختلوا تحت السماء الواسعة التي طلت عليهم بملء أعينها، كأنها هاربة من أبنية تختنق بناسها وتخنق معها العاصمة.

ليست هناك تعليقات: