13.12.09

شهادات حية للمرأة الفلسطينية في لبنانمناضلات يحكين ما لم يكتب بعد


نُشر في جريدة السفير

جهينة خالدية

13/12/09

روايات لنساء كثيرات، ناضلن - كما الرجال - من أجل حق شعب في العودة وتقرير المصير وبناء دولة. روايات لنساء فلسطينيات أثّرن في مشاركتهن السياسية وفي مقاومتهن، على الثورة الوطنية الفلسطينية بالدرجة الأولى، وبالدرجة الثانية على الواقع الاجتماعي العام والواقع الاجتماعي للمرأة المناضلة وما لها من تأثير على العائلة والفرد والجماعة. من خلالهن، وعبر كلماتهن، يُراجع تاريخ الشعب الفلسطيني في كتاب جهان حلو «المرأة الفلسطينية: المقاومة والتغييرات الاجتماعية - شهادات حية للمرأة الفلسطينية في لبنان 1965-1985» الصادر حديثاً عن مركز المرأة الفلسطينية للأبحاث والتوثيق - الأونيسكو. عرض وتقديم : جهينة خالدية النساء الثلاث والخمسين اللواتي «لاحقتهن» حلو بين لبنان، وفلسطين المحتلة، والأردن، وسوريا وباريس، قلن الكثير، لكن قبل كلامهن قالت هي إن «هذا الكتاب - المجلد خرج ليوثق بطولات للمرأة الفلسطينية وتضحياتها في تاريخ الحركة الوطنية المعاصرة، وخرج أساساً لأن هذه البطولات لم تكتب بعد». إذاً، الشهادات خرجت لتعوض عن إهمال التوثيق الذي تعتبر حلو أن الثورة الفلسطينية المعاصرة تعاني منه، «ويؤدي إلى اندثار أحداثها مع كل من استشهد أو غاب من المناضلين، وهنا تصبح المشكلة مضاعفة بالنسبة للمرأة الفلسطينية، إذ على الرغم من الاعتراف بأهمية مشاركتها النضالية، إلا أن مدى فعالية هذه المشاركة بقي ضبابيا، لأن الفلسطينية المناضلة بقيت في الظل ولم تكن في الصفوف المتقدمة لقيادة منظمة التحرير أو في القيادة المؤثرة على ساحة النضال وبقي المشهد الذكوري هو الطاغي على مسرح التاريخ». يسرد كتاب الحلو، بألسنة مناضلات في ميادين مختلفة، قصصاً لم ترو، إلا ربما في المجالس العائلية والنسائية وعلى ألسنة المجتمع.. مع أنها أسهمت في تحديد مسار القضية ورسم معالمها. قصص، هي أبعد بكثير من كونها روايات أو حكايات، وهي أقرب إلى أن تكون تجارب يجب الاعتماد عليها في دراسات وتحليلات جديدة للثورة الفلسطينية ومراحلها، وللتاريخ الفلسطيني عموما. ولعل من أبرز ما تظهره تلك الشهادات هو الخلل الأساسي الذي رافق مراحل التحرر والثورات التي شهدتها منطقتنا، بدءاً من منتصف القرن الماضي، والمتمثل باقتصار عمل حركات التحرر والمقاومة على الشق السياسي، مع تجاهل شبه تام لضرورة أن يترافق كل ذلك مع تغيير اجتماعي ومقاومة المفاهيم التقليدية السائدة. يبدو الكتاب لقارئه نوعاً من كتب المصادر، الذي يحتوي مئات آلاف من الجمل التي نقلت بحرفيتها، من دون تدخل المؤلفة في مضمونها. فترد كل الأسئلة على لسان المؤلفة، وتأتي تجارب النساء كما على ألسنتهن، كل منهن تروي تجربتها بكلماتها وأسلوبها، تنفد دورها في محطات رئيسية من تاريخ الثورة. كانت المرأة الفلسطينية مساهمة أساسية في العمل الوطني على كل المستويات.. وخرّجت عدداً من رائدات بمؤهلات تتفوق على بعض من القادة الرجال. وهنا المشكلتان الأساسيتان اللتان تهمّان الحلو : الاعتراف بدور المرأة الفلسطينية من دون تدوينه للتاريخ، وثانيا عدم مقابلته بأدوار قيادية أمامية. وذلك هو تماما ما يعبر عنه الدكتور شريف كناعنة في مقدمة الكتاب بالقول «حاول أن تتذكر معي الأسماء لقيادات الثورة الفلسطينية ولأبطالها وشهدائها. إذا وضعت كلمة «أبو» فإن كل واحد أو واحدة منا، بمن فينا الأطفال، يستطيع أن يعبئ الفراغ بعشرات أو مئات «الآباء»، لكن كم اسماً تستطيع أن تعبئ وراء كلمة «أم»؟ الأمهات في تاريخ الثورة الفلسطينية قليلات جداً». وبرأي كناعنة، من حاز من «الأمهات» اللقب لم يكن «بسبب بطولاتهن أو مناصب قيادية تبوأنها. بل حُزنَ عليه بالوراثة من زوج كان بطلاً أو قائداً واستشهد». اللقب (أم فلان) إذا، كان تعزية لها بمصيبتها، وليس اعترافاً بإنجازاتها. البدايات كتاب البطولات الذي نشر بعد 17 عاماً من بدء العمل على إعداده (سجلت المقابلات في العام 1993 واستأنف العمل في 2007)، يتنقل بتأن ودقة شديدتين بين بدايات الثورة والزمن الحالي. من دون أي حرق للمراحل أو لكل تجربة شخصية. مع بداية الوجود الفلسطيني في لبنان، والذي تشرح الحلو بأنه كان «يوم وصل مئة ألف لاجئ إلى مخيمات تفتقر إلى أي خدمات إنسانية، فيما كانت آلة القمع تقبض على مسار حياتهم وتحد من تحركاتهم ومن مزاولتهم معظم المهن والأشغال». وهو ما ترويه زهرة يوسف بقولها إن «جماعة المكتب الثاني (المخابرات اللبنانية) كانوا ما يخلوا الناس يتحركوا أبدا، اللي تكب نتفة مياه وبدها تشطف قدام بيتها ياخدوها هي وجوزها. ولما كان الناس يسهروا بالليل كانوا يدقوا عليهم الباب ويسألوهم أي إذاعة عم تسمعوا، إيش اللي عم تحكوه؟». وفي ظل كل حال البؤس، إذ كما يقول إبراهيم صالح «الوسخ والقمل بين الفلسطينيين الرقبة على الرقبة»، كانت الثورة بالنسبة للفلسطينيين بحسب حلو «الحلم بالتحرير والعودة والتخلص من الوضع المعيشي البائس». هل كانت البدايات سهلة لجماهير النساء كما الرجال؟ تجيب حلو «في ذلك الوقت، كانت القيود الاجتماعية تكبل المرأة وتكرس دونيتها، وبالتالي لم يكن من السهل الاشتراك بأي تنظيم أو نشاط نضالي بسبب التزمت الاجتماعي». واحدة من شهادات الكتاب تعبر عن ذلك شارحة كيف كانت الأمهات يعارضن أحياناً أكثر من الآباء مشاركة بناتهن في العمل النضالي إذ «تربت المرأة لتكون ضد نفسها!».إلا أن ذلك الواقع تغيّر مع دخول المرأة في الأطر التنظيمية ونشوء الاتحادات وحتى العمل الفدائي والتدريب العسكري، فـري أبو الهيجا «في العام 1969 أخذونا إلى عمّان، إلى معسكر الناعور، وكانت الدورة العسكرية الأولى وكان فيها مجموعة كبيرة من بنات فلسطين من لبنان».في ما ترويه المناضلات، بطولات أسطورية لعشرات النساء اللواتي استشهدن لتأمين الطعام والأدوية لمخيم تل الزعتر المحاصر، وجبروتهن عند إعادة بناء مخيم عين الحلوة الذي دمرته قوات الاحتلال الإسرائيلي بالكامل. ولا يمكن هنا إلا التوقف عند شهادة آمنة جبريل ودورها كامرأة وتقبل الرجال لها إذ تقول «كان في البعض يقولوا، شو مرا بدها تجي تقودنا، وكان أبو عمار يحكي معي وقال لي مرة لما زعلت وكنت بدي أترك المخيم «يا آمنة، كيف بدك تتركي إخوانك؟». كل ذلك، تورده حلو لتعود وتسأل «إذاً لماذا بقيت النساء في الظل؟» ويأتي الجواب في نقدها هي والنساء، للمنظمة/ المقاومة بحد ذاتها، إذ «لم تطرح ومنذ البداية أي رؤية ثورية للتغيير الاجتماعي الهادف إلى تغيير بنى الاستغلال والتبعية في المجتمع.. وبالرغم من أن البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية أكد على ترقية وتطوير أداء المرأة في النضال الوطني إلا أنه في الأطر المشتركة العام لم يكن هناك أي برنامج أو لجنة خاصة بها». وهو ما تعبر عنه حمدة عراقي «طلبت الذهاب إلى تل الزعتر المحاصر وطلبت الإذن من مدير العمليات المركزية ابو وليد الذي رفض، لكنني أصررت. وكانت الرحلة صعبة في الطرق الجبلية للوصول إلى هناك، وبالرغم من الخطورة والعذاب. قالت لي أمي: سودت وجه العيلة، والكل بيحكي عليك، ثم لاحقا اعترفت إنه صار إلي شعبية كبيرة بالمخيم».الاتحاد.. والحركة النسوية في مقدمة الكتاب، تسهب حلو في تفنيد استبعاد المرأة عن الأدوار القيادية، ولا تستثني تجربة «الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية» الذي تأسس في العام 1965، في القدس بقرار من منظمة التحرير، كإحدى قواعدها، وما له من تأثير على الوحدة الوطنية وتطوير المواقف السياسية. ونجح الاتحاد في فرض نفسه على الساحة النسائية الجماهيرية والنضالية، وتأسيس رياض الأطفال و«بيت أطفال الصمود» للعناية واحتضان الأطفال الذي فقدوا الأبوين في «تل الزعتر» وغيرهم مثل «صامد» و«الهلال الأحمر» وتثقيف الكوادر وإصدار البيانات السياسية. وعلى الرغم من كل ذلك، لا يفوت المؤلفة وبطلاتها، التذكير ببعض فرص الاتحاد الضائعة، «كإصدار مجلة خاصة به، تساهم بالارتقاء بوعي المرأة السياسي والاجتماعي والثقافي»، علماً بأن «منظمة التحرير لم تحبذ وجود منبر مستقل للاتحاد». بالإضافة إلى ذلك، لم تعط المرأة الاهتمام الكافي لمشكلاتها الاجتماعية والشخصية والأسرية وأثّر ذلك على تطور الحركة النسوية وتحرر أفرادها، وهو ما تعبر عنه إحدى الشهادات بالقول «المهم كان للبعض إنه المرأة بتشارك، بس ما كان في حركة نسوية، يعني الشعب الفلسطيني ما عرف حركة نسوية تعبر عن أفكار تحررية واضحة».لكن وزيرة الشؤون الاجتماعية في السلطة الوطنية الفلسطينية (1994-2004) وعضو لجنة إقليم سوريا في فتح (1961) وعضو الأمانة العامة للاتحاد انتصار الوزير تشير إلى أنه «كان من الصعب في قضايا الثورة والصراعات اليومية طرح قضايا لها علاقة بإيديولوجية المرأة ورؤيتنا لتحررها، وحتى في المجلس الوطني لم تتخط نسبة النساء العشرة في المئة». علماً بأن شهادات عدة أكدت على الفكرة ذاتها. امرأة جديدة.. لكن تحكي حلو في خلاصة شهاداتها عن تحولات اجتماعية هامة طالت واقع بضع آلاف من النساء، أحرزن أحيانا قفزات نوعية إلى الأمام، أفرزتها بشكل موضوعي البيئة الثورية في ظل غياب عامل ذاتي يحتضن التحولات ويدفعها إلى الأمام. وقد أطلقت حلو على تلك الظاهرة اسم «بداية «امرأة فلسطينية جديدة»، تمتلك الثقة بالنفس، وبإمكانها العمل والتحرك خارج المنزل، والسفر للدراسة والعمل، واختيار الزوج.. تقول فادية فضة في شهادتها «ساهمت مشاركتي في النضال في بلورة شخصيتي وتوسيع أفق تفكيري، وتمكنت من إحراز مكانة واعتراف كبيرين من عائلتي ومن النساء والرجال في مخيم برج البراجنة.. وبرغم كل الإحباطات كانت تلك الفترة أحلى أيام حياتي، كان هناك أمل بتحقيق أهدافنا».لكن.. تلك الحال لم تستمر فعلاً، لا سيما أن مسار تحرير المرأة كان مرتبطا ارتباطا وثيقا بمسار التحرر الوطني، وهو ما تشرحه حلو بقولها «أضاعت هزيمة الثورة في لبنان، وعلى رغم الصمود الرائع للشعبين اللبناني والفلسطيني، العديد من المكتسبات سواء للمرأة أو للرجل! وترك الشعب الفلسطيني، وتحديداً النساء الفلسطينيات، لمصيره المظلم في ظل غياب الحقوق المدنية وتردي الوضع الاقتصادي، والأسوأ هو غياب الأمل بعد توقيع اتفاقيات أوسلو!». ويأتي تفصيل الحال وقتها على لسان أحد المناضلين في العمل الاجتماعي قاسم عينا بقولها «قبل العام 1982، كانت المرحلة المضيئة للرجل والمرأة، وبعدها بدأنا بالتراجع، وتغيرت المفاهيم وعم تزداد سوء معاملة الرجل للمرأة.» خسارة الساحة اللبنانية خلاصة الكاتبة لا تنتهي عند قراءة نهائية لشهادة النساء في لبنان، ولا تكتمل إلا عندما يصل تحليلها إلى «انتهاء الثورة» ونتائجها، لافتة إلى أن الشعب اللبناني احتضن الثورة برغم الأخطاء، وهو ما تصفه إحدى الكوادر بقولها «عند انسحاب المقاومة، عمل اللبنانيون أزمة رز من كثر ما رشوه على المقاتلين عندما طلعوا من بيروت». ويكون سؤال حلو الأهم هو: «لماذا خسرنا الساحة اللبنانية كساحة نضال هامة لتحرير فلسطين بعد خسارة الساحة الأردنية؟ وهل تعوض الفرص الثورية؟ لماذا لم تناقش منظمة التحرير بجدية أسباب وتداعيات هذه الهزيمة برغم تراجع أداء الثورة الفلسطينية والكوارث التي تلتها وبرغم تعاظم معاناة الشعب الفلسطيني؟». الأسئلة هذه، التي تتخطى مسألة التحولات المتعلقة بتفجير طاقات المرأة وتمكينها وتعزيز وعيها لإنسانيتها ولحقوقها، لا نجد لها الكثير من الأجوبة لدى حلو، إذ تنتقل الكاتبة من الأسئلة إلى الإشارة إلى أن «عملية تحرير المرأة تبقى مجتزأة ومحدودة ولا يمكن أن تشمل الجماهير النسائية كافة إلا مع تطور المسار التحرري العام، إذ ترتبط هي عضويا بمسار الكفاح الوطني والمضامين الاجتماعية المرافقة له»، معتبرة أن ما تغّير لا يمكن أحداً أن ينتزعه من المرأة، لكن يبقى السؤال أين أصبحت جماهير النساء الفلسطينيات إن في الأرض المحتلة أو في لبنان وكل الشتات، من قضيتهن؟». أسماء كثيرة الصفحات الـ515 من القطع الكبير لكتاب جهان حلو، لا تأتي باستعادة لتواريخ معروفة فقط، بل تعكس الثورة وتاريخها بين العامين 1965 و1985 من وجهات نظر متنوعة، وهي إن تشابهت إلا أنها غير متطابقة وذلك بسبب اختلاف الكوادر والنساء اللواتي قابلتهن على صعيد الدور والمستوى والموقع، وشمولهن أسماء مثل آمنة سليمان (جبريل)، سميرة صلاح، انتصار الوزير (أم جهاد)، بيان نويهض الحوت، عصام عبد الهادي، مي الصايغ، شادية حلو، خديجة أبو علي (إم عمار)، حسنة رضا، وفاء اليسير، ليلى خالد وغيرهن. وربما تكمن أهمية كتاب حلو الأساسية في كونه مادة خصبة يمكن التعامل معها كمرجع لعشرات من القضايا، التي تحتاج إلى تحليل وبحث ومتابعة، وهو ما تصفه مديرة المركز الناشر زهيرة كمال في مقدمة الكتاب بالقول إن «الروايات التي يضمها هذا المجلد تزخر بالكثير من القضايا التي تحتاج إلى دراسة، بما يتطلب عملاً مماثلاً في الضفة الغربية لتوثيق تجارب النساء خلال الفترة الزمنية ذاتها، ومقارنة التحولات الاجتماعية الحاصلة من خلال دارسة التجربتين معاً». من جهة ثانية، يبقى السؤال الأخير للحلو عن تجربتها الخاصة، في الاتحاد، مع «أمهات» الثورة، مع زوجها المناضل الشهيد الدكتور حنا ميخائيل (أبو عمر)؟ فتجيب.. «لازم أكتب، قريباً». توقع جهان حلو كتابها بين السادسة والثامنة من مساء السبت 12 الجاري في جناح مؤسسة الدراسات الفلسطينية في معرض الكتاب الدولي في بيروت.