12.10.10

شباب لبنان.. نحو الوطنية: حركة طالبية تتبنى عقيدة الجيش!



نُشر في جريدة السفير

12-10-2010

جهينة خالدية



«شباب لبنان.. نحو الوطنية» هم مجموعة طلاب ينظرون إلى المؤسسة العسكرية بصفتها «المؤسسة الوحيدة الصامدة في مواجهة الاجتياح الطائفي في لبنان، فتستحق أن يساندها الشعب اللبناني». وأعلنوا هدفهم: دعم الجيش اللبناني.
منذ أشهر معدودة، بدأ تسعة أعضاء العمل على تأسيس هذه الحركة. إلا أنها تنامت بسرعة، باتوا ينتشرون في جامعات لبنان كلها، ويقدرون عددهم بالآلاف. حالياً، هم يجهزون لإطلاق الحركة رسمياً خلال الأسابيع المقبلة، ويركز برنامج عملهم بالدرجة الأولى على «تنشئة وطنية» يقولون إنها «نائمة، أو ميتة منذ فترة».
يشير أحد «شباب لبنان» الاختصاصي النفسي مروان لحود إلى أن «الحركة تملك رؤية واحدة للوضع الراهن المبني على الانقسام السياسي الحاد، الطائفي، المذهبي، بالإضافة إلى استشراء الفساد، وانتشار المخدرات. نسعى إلى تغيير هذا الواقع تبعاً للثوابت الوطنية، لنصل إلى مجتمع لبناني يكون الوطن فيه يعني الأمان». أما تجسيد هذا السعي فيكون من خلال محاضرات تثقيفية ينفذونها «بالتعاون مع الجيش اللبناني».
يختصر لحود إيمان الحركة بكلمة واحدة: «العدل، أن يكون السيد في المجتمع اللبناني، وقيمته تعلو كل القيم، لتسود المساواة في الحقوق والواجبات، وتكافؤ الفرص للجميع جندرياً وطبقياً».
لا يعني ذلك أبداً أن تحرك هذه المجموعة يتسم بالطابع السياسي، فيوضح أحد أعضائها المؤسسين علاء عز الدين، وهو طالب في اختصاص الكيمياء في الجامعة الأميركية في بيروت، أن «آمنا بالجيش لأنه خارج عن السياسة، وتماهينا معه لأننا نريده في مواجهة العدو الإسرائيلي والإرهاب والفساد. ونحن نسعى إلى إخراج الشباب من الأطر الحزبية والطائفية وجعلهم قوة اعتراض وتغيير في المعادلة». يساهم في تحقيق ذلك، بحسب عز الدين، تنفيذ زيارات دورية إلى مواقع الجيش وإنشاء مخيمات ترفيهية وتثقيفية هادفة بالتعاون مع الجيش اللبناني، وإطلاق محاضرات في الجامعات والمدارس يلقيها ضباط الجيش، وأساتذة جامعيون واختصاصيون: «لأن عملية التماهي مع الجيش اللبناني هي أعلى درجات الوطنية».
لكن، هذا الإيمان المطلق بالقوة العسكرية الرسمية لا يرتبط بالنسبة إلى الحركة بالنقاش الدائر حول كون الجيش الجهة الوحيدة المسؤولة عن الدفاع عن الوطن. فيقول لحود: «تكفل الأمم المتحدة حق المقاومة وتشرعه، ونحن ننظر إلى الهدف البعيد، وهو مقاومة عدونا الواحد: إسرائيل، بغض النظر عمن يقاومه، ويجب ألا نغفل أن الحكومة اللبنانية أكدت في بيانها الوطني على ثلاثية الشعب - الجيش - المقاومة».
لكن، لماذا هذا الارتباط المباشر الذي تبديه حركة طالبية مدنية معنية بالعدل، تجاه الجيش؟ يقول لحود: «نحن نتبنى عقيدة الجيش، ولسنا محسوبين على الجيش».

9.10.10

لا تنعسي أرجوك، فالملائكة يا فيروز لا تنام






نٌشر في جريدة السفير

الصفحة الثقافية

جهينة خالدية

9-10-2010


كنتُ بين يديك.
أبحث عن نفسي فيك. عن حب. عن أمل. عن حيوات. كلنا كنا نفعل ذلك، كلنا مجتمعين وكل منا على حدة. لأننا نشتم فيك روائح فاكهتنا الشهية. نتجرد من السموات التي تنام فوق رؤوسنا كل ليلة، ونأتي إليك لنسرد معك تفاصيل حياتنا عند هذا المساء. هذه صلاة جماعية داخلك، وخارج الأديان.
في كل هذا السواد هنا، وكل الهواجس التي تمسنا ليل نهار، ما كنا نحتاج إلى أكثر من نقطة بيضاء واحدة. وها أنت تخرجين إلى المسرح. تهدهدين الطمأنينة في آخر ليل كفيك، وتبعدين رائحة حرب ممسوسة.
من موقعي هذا في الصف الأخير، لا أرى وجهك، لكني أحفظه، أحفظ الكلام وتعابيرك التي ترسمه. وأنت تقولين «يا سلام»، أرى من بُعدي كيف تُفتح العين الجاحظة. وأنت تقولين لحبيب «بعرف شو يعني إنت بعيد، إحساسي ما عاد يرجع لي من جديد»، كنتُ ألون صورتك تلك التي أحفظها في رأسي بالأسود والأبيض. تلك التي تتركين فيها الغرّة تلامس الكحل الكثيف حول العينين، وترسمين فيها شفتك العليا كالقلب، الذي على وشك أن يرتشف القهوة ويتلون بالغناء.
[[[
أنا بين يديك. وأنت تصنعين لي شبابي كأنه كِبَري.
تصنعين حالتنا الفيروزية، كأنك بكلّيتك تعرفيننا أكثر مما نعرف أنفسنا.
أخشى في هذه الثانية وأنا أنظر إليك في الوقت عينه مع سبعة آلاف كائن بشري آخر، أن تهربي. أخشى عليك من نظراتنا، من أن تسرق روحك الصغيرة من سِلمها. فنحن يا حبيبتي نخشى من يوم لا تكونين فيه بجانبنا، ولا يكون صوتك ينام على أكتافنا كملائكة للخير فقط. اعتدنا سماعك مثلما نعتاد الحب.
في هذه الأمسية، الأولى التي نلتقي فيها، أقول لك من كل هذا البعد، اني لا أشبع. سآتي إليك اليوم، وبالأمس وغداً وبعد غد. لا بد من أن تكوني هنا. سأستعيرك كل ليلة إلى سهراتي، وكلام عشقي ومناماتي وصباحاتي. سأستعيرك إلى الأبد.
في هذه الأمسية فهمت أنه صوت، لا أريد بعده صوت أحد.
وأنا أنظر إلى «بياضك» من هنا، أسأل نفسي: هل أنت لهم كلهم، أم لي وحدي؟ أنت لي ولنا جميعا، وفي كل ثانية تسميننا بـ«أسامينا». أو ربما تمنحيننا إياها من جديد. تعرفيننا جميعاً. لقد سمعتك منذ ثوانٍ وأنت تدندنين في أذني «أمي نامت عا بكير». أعتقد أنك همست «هذه الأغنية لك». أصدقك.
في هذا المساء، وأنا أكتب هذه الأسطر على مرأى منك تماما، أرى أننا كلنا نفعل الأمر عينه.. نكتب، نحكي، ندمع، نضحك، نصفق، نهلل.. ونشيح بنظرنا إليك فقط، فلا شيء آخر يعنينا الآن.
هل تعبتِ؟ هل خاننا العمر وسرق منك اليسير؟ خذي أعمارنا، فقد منحتِنا جزءاً منها، بل أضفت إليها أعماراً.
غني لنا لنبتسم، لنتذكر، ونعود فننسى الماضي والقرية ومن فقدْنا وجنون المدينة. ولا تنعسي أرجوك، الملائكة يا تشرين لا تنام. الملائكة تسهر لتصنع مطر الصباح. والصباح قد جاء.
[[[
أنا هنا، عاشقة، ممتلئة بموسيقاك. أسمع جنية صغيرة تنقر في أذني «لا تخافي، إنها خالدة». تبتلعني هذه الفكرة.
أبكي. وأكره أني أمنحك هذا الفعل الموقت، وربما السطحي، مقارنة بما تمنحينني إياه. سامحيني، هو رد فعلي الأبسط الذي يعرّيني ويعتريني عندما أتشبع بزيتك. أبكي لأن كلماتك الجديدة حزينة جدا، أسمعها الآن، وأسهر معها كل المساء، وكل الفجر، وفي هذا الصباح الذي أرتب فيه نصي إليك، وحدك. وأرتب فيه زهوراً تزرعينها في وجهي وأنت ترقصين الفالس بقامتك السبعينية المنتصبة، في فضاء هذه الصالة.
أبتسم لك من بعيد وأنت تخبرينني عن «مزحة كبيرة من بعد هل العمر»، تعودين لتُنسيني وتطفئي الضوء في غرفتك وتهمسي بثقل: «حبني بس حبني، حبني».
وأنت ترمينني بحكايات الأعوام الماضية وتلك المقبلة، كنت أفكر كيف أزور روح صوتك بعد عشرين سنة من هذه الأمسية، وكيف أتباهى أمام ابنتي وهي تتأمل تجاعيدي الأربعينية، «أتعرفين أني كنت في حفل فيروز في مساء ما؟ ويومها عرفت أن للسماء همساً يُعيد إلينا هدوءنا وأنانا، ويومها صفقنا لها لدقائق طويلة لتعود إلى المسرح. سأقول لها إنك عدتِ، ولم تغيبِي أصلاً».
هل أقول لها إن يديّ تعبتا من كثرة التصفيق؟ هل أُسرّ لها بأني ما كنت أجرؤ على التوقف؟ ماذا لو، بلا انتباه ووعي مني، صنعت كفي تلويحة من بعيد. ماذا لو ظننتِ أنه الوداع، في حين كل ما كنت أقصده هو الرقص قليلا. لم اتوقف عن التصفيق، خشية فهمي بشكل خاطئ. لن ألوح، سأكتفُ ذراعيّ وأسمعك بقلبي.
كوني هنا بعد سنوات طويلة. امنحيني فرصة أن أحملك كلك إلى مستقبلي، وأحضن صوتك إلى طفلة ستنام يوماًَ في أحشائي، وتقول عندما تتعلم الكلام: فيروز جاءتني قبل أن أولد.
أكتب لك، وأنا أعرف أننا كلنا نريد الكتابة لك، كلاما كثيرا متشابها، لأننا ندرك أنه سيسعدك، وابتسامتك هذه تعني الأمل، وتعني مزيداً من الضوء في الشمس الحقيقية داخلك، وتعني أننا سجينا لليلك وخطفناك.
كوني هنا، لأننا لن نقوى على العيش بدونك.. لأننا لا نعرف معنى أن ترحلي، تماما كما لا نعرف معاني كثيرة ترسم حنينك بيننا.

24.9.10

412 مواطناً حرروا أوراقهم الرسمية من المذهب، فأُجبر بعضهم على «العودة»


جهينة خالدية
نشرت في جريدة السفير
24-9-2010
هم قلة، وعددهم لا يتعدى أربعمئة واثني عشر شخصاً، إلا أنهم لم يخافوا خلع قبعات الطوائف عن رؤوسهم، ليحتموا بشمس الخانة الفارغة على سجلات الأحوال الشخصية. استفاد هؤلاء من تعميم وزير الداخلية والبلديات زياد بارود الذي أكد فيه، منذ سنة ونصف السنة، «حق كل مواطن في عدم التصريح عن القيد الطائفي في سجلات الأحوال الشخصية أو شطب هذا القيد».

شطبوه، ليقولوا ان الطائفة لم تعد تقوى على تصنيفهم، ولا على توظيفهم، فلن يقاتلوا باسمها ولن تقاتل باسمهم.

كان يمكن لمناهضي الطائفية أن يسجلوا رقماً أكبر، لو أزيلت مخاوف الراغبين بالشطب تماماً. لكن حملة الشطب تعرقلت مرات عدة، وواجه «الشاطبون» مشاكل مختلفة عند تقدمهم لوظائف معينة، وتحديداً على مستوى الانخراط في صفوف القــوى الأمنــية، ولم تقبل طلباتهم إلا بعدما أرفقوها باخراجات قيد عائلية تثبت طوائفــهم. في المقابل، تؤكد «الداخلية» أن التعميم ساري المفعول، وبابها مفتوح لأي مراجعة تستند إلى حق. في أرض الواقع، حلّت مشاكل عدد من هذه الحالات، بمبادرات فردية. لكن، بقيت حالات أخرى عالقة، ما دفع بأصحابها إلى العودة عن قرار الشطب، فإعلان الطائفة. ويبدو أن هذه الخطوة أيضاً احتاجت إلى تدخل مرجعيات دينية، إذ كان جواب المعنيين: «إعادة الطائفة إلى إخراج القيد ليست بسهولة شطبها، عليكم العودة إلى مرجعياتكم الدينيــة وأخذ الموافقة منها»! ما أثار استهجان عدد كبير من مناصري حملة الشطب، فعبّروا عن تململهم من تراخي وزير الداخلية والبلديات زياد بــارود في تطبيق التعميم الصادر عنه على كل الأراضي اللبنانية، الذي أدى إلــى اتاحة المجال أمام عدد من مأموري النفوس والدوائر الرسمية بتشـويه التعميم أو حتى تجاهله.

كما أثارت هذه العراقيل علامات استفهام في أوساط «اتحاد الشباب الديموقراطي» الذي ناصر الحملة وتابع الحالات الفردية وسعى لحلها. ويشير رئيس الاتحاد عربي العندراي إلى أنه «لا يجب أن ينحصر تطبيق التعميم بمتابعة الحالات الفردية، ولا يمكن أن نقبل بأن يعود أي مواطن إلى المرجعيات الدينية لإعادة ذكر طائفته. ويشكل طلب تدخل المرجعيات مخالفةً جوهرية لحق المواطن بالإعلان عن طائفته أو شطبها متى شاء، لا سيما أنه لم يخرج من الطائفة ولم يتخل عنها، إنما اختار أن يشطبها فقط، وبالتالي لا حاجة للعودة إلى مرجعيته لتدرس ملفه وتقرر قبوله بالطائفة مجدداً أو عدمه». ويوضح عندراي: «كانت تلك واحدة من الإشارات التي أثارت ريبتنا، لأننا بالدرجة الأولى نرفض أن يواجه أي مواطن مشاكل في تطبيق حق يكفله القانون. وبالدرجة الثانية، نخشى أن تتكرس فكرة تدخل المرجعيات الدينية كلما مارس المواطن اللبناني حق شطب أو ذكر الطائفة». دفعت المشاكل والعراقيل بالاتحاد، بحسب العنداري، إلى «فرملة» الحملة الداعية لشطب الطائفة عن القيد، «لأننا نود أن ندقق في خلفيات هذه المشاكل ومدى تأثيرها على مستقبل كل مواطن يتخذ هذا الخيار. ولهذا الغرض، ما زلنا ننتظر تحديد موعد مع وزير الداخلية زياد بارود للحصول على أجوبة أساسية حول عدد من النقاط المبهمة، ومعرفة إذا كانت هناك حاجة لتعميم جديد يؤكد عدم الحاجة للمرور عبر أي من المؤسسات الدينية لأي غرض يتعلق بهذا الحق، بالإضافة إلى تعميم ثان يوجه إلى كافة المديريات يذكرها بأنها لا تحتاج إلى مراجعة طلب مواطن بشطب طائفته عن القيد، بحيث تعتبر الأوراق الثبوتية لهذا المواطن قانونية ومكتملة». بدوره، لفت رئيس «الحزب الشيوعي اللبناني» خالد حدادة إلى أن الحزب «تلقى شكاوى من مواطنين واجهوا مشاكل لدى تقدمهم لوظائف رسمية، ولم تحل مشكلة أحد المواطنين إلا بعد الضجة الاعلامية التي أثرناها وبعد مراجعة الوزير بارود». كما تلفت نائبة رئيس الحزب ماري الدبس إلى أن «العرقلة تأتي من المنزعجين من هذا التعميم الذين يحبون أن يبقى اللبناني أسير طائفته ومحسوباً عليها في كل خطوة يتقدم بها في حياته».

«الداخلية»: إنه حقكم

حملت «السفير» مجمل هذه الأسئلة إلى وزارة الداخلية، التي أرسلت ردّاً عليها أفاد بأن «التدبير الذي كرّسه تعميم وزير الداخلية لا يلغي الانتماء إلى الطائفة، اذا شاء صاحب العلاقة ذلك، وانما يعطيه حق عدم التصريح عن هذا الانتماء». أما العراقيل التي واجهها الأفراد على مستوى الانخراط في الوظيفة فهي، برأي الوزارة، «غير مبررة بحجة قانونية، وذلك استناداً إلى المبدأ المقرر في المادة 7 من الدستور» الذي كفل أن «كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دون فرق بينها». وتضيف الوزارة إلى ذلك، «المبدأ المقرر في المادة 12 من الدستور الذي كفل لكل لبناني الحق في تولي الوظائف العامة لا ميزة لأحد على الآخر إلا من حيث الاستحقاق والجدارة بحسب الشروط التي ينص عليها القانون». وطلبت الوزارة من «المتضررين من أي تدبير جائر، وغير مبرر قانوناً يتعلق برفض طلبات انخراطهم في الوظائف العامة، أن يلجأوا إلى الوسائل القانونية المتاحة لهم للمطالبة بحقوقهم». هل هناك حاجة لتعميم جديد من وزارة الداخلية والبلديات يثبّت تطبيق التعميم الأول، من دون تأخير في أي ظرف كان؟ تفيد الوزارة بأن «وحدات المديرية العامة للأحوال الشخصية تتقيد بدقة بتنفيذ طلبات شطب الطائفة التي تقدم إليها من أصحاب العلاقة، وذلك تطبيقاً لأحكام المادة 11 من القرار الرقم 60/ل الصادر بتاريخ 13/3/1936 وعملاً بالتعميم الرقم 14/1 الصادر بتاريخ 6/2/2009 عن وزير الداخلية والبلديات زياد بارود بهذا الخصوص». وعليه، تجزم الوزارة بأنه «لا حاجة إطلاقاً لإصدار تعميم جديد بهذا الخصوص، وثمة استعداد للمعالجة الفورية لأي شكوى يمكن أن تقدم إلى الوزارة في حال وقوع أي عرقلة». وتعتبر الوزارة أن «إضافة الطائفة للأشخاص الذين تمّ شطب قيد طائفتهم عن سجلات الأحوال الشخصية، يبقى خاضعاً لأحكام المادة 21 من المرسوم الرقم 8837 تاريخ 15/1/1932 التي توجب مراجعة القضاء المدني المختص للحصول على القرار اللازم بالتصحيح». وحول سبب التأخير في تحديد موعد للقاء الوزير بارود مع ممثلي المنظمات والأحزاب الداعمة لشطب الطائفة عن القيد، يقول رد الوزارة ان «أبوابها مفتوحة دائماً لهم، للاستماع إلى تقويمهم والأخذ باقتراحاتهم. وقد حصل أكثر من ثلاثة اجتماعات حتى الآن. كما أن الوزارة مصممة على إعطاء جميع اللبنانيين حقوقهم، ومنها حقهم في شطب قيدهم الطائفي، وسبق لها أن بادرت إلى ذلك، وهي مستعدة حالياً لتأمين الظروف القانونية المطلوبة لضمان حسن تطبيق هذا الشطب، وهي على تواصل دائم مع الجمعيات المعنية بهذا الملف».

يذكر أن عدد الأشخاص الذين شطبوا مذهبهم عن السجلات، وفق المحافظات اللبنانية، بحسب الجدول الذي أمّنته وزارة الداخلية لـ«السفير»، يتوزّع على الشكل التالي: 45 في محافظة بيروت، 17 في محافظة الشمال، 90 في محافظة البقاع، 78 في محافظة الجنوب، 30 في محافظة النبطية، 182 في محافظة جبل لبنان، ما مجموعه 412 مواطناً شطبوا الطائفة عن سجلات القيد.

23.9.10

مشروع إزالة الملعب البلدي في الطريق الجديدة وبناء بديل له في سباق الخيل







جهينة خالدية


نشر في جريدة السفير

23-9-2010

خزانٌ حفظ ذاكرة المدينة منذ الثلاثينيات: من صلاة الاجتياح إلى فلسطين... وكرة بوشكاش

كثبان الرمل التي كانت تغطي جنوب بيروت، اختفت. ومعها، راحت أشجار الصبير الممتدة من حرج بيروت إلى البحر.
شقت الطرقات بين الرمل، وقسمت المناطق وولدت منطقة سميّت بـ«الطريق الجديدة»، لتتوالد بعدها البيوت والمباني، سريعاً.
أصبحت المنطقة اليوم من أكثر المناطق كثافة سكانية في بيروت الكبرى. مليئة بكل شيء: المساكن، المحال التجارية، الجامعات والمدارس وعشرات الآلاف من البشر.
تختنق المدينة بعشرات الآلاف من السيارات والمركبات الآلية. لا تكفيها المرائب المتوافرة تحت المباني ولا في محيطها ولا حتى تلك التي تبعد عنها لمئات الكيلومترات.
لحل هذه الأزمة، يبدو أن اختيار القيمين وقع على صرح رياضي تنام فيه ذاكرة المدينة: الملعب البلدي لبيروت. هو مشروع تطلقه بلدية بيروت، ويقضي بإزالة الملعب البلدي في الطريق الجديدة المخصص لمباريات المحترفين، واستبداله بمشروع «إنمائي، بيئي، مدني، رياضي»، يتضمن مرأباً، على أن يُبنى الملعب الجديد على أرض ميدان سباق الخيل. ي
قدّر الكثير من فعاليات المنطقة المعنية، مشروع رئيس بلدية بيروت بلال حمد الإنمائي، إلا أن أنهم يعجزون عن تقبل بتر حياة أهم معلم في المنطقة وخزان ذاكرتها، وحاضن ذكرياتها وأحداثها السياسية والرياضية والاجتماعية. محطات كثيرة ارتبطت باسمه: المهرجانات الحاشدة منذ العام 1948 دفاعاً عن القضية الفلسطينية واستقلال الجزائر ومصر عبد الناصر، حفل تسليم قائد الجيش اللبناني الأول، اللواء فؤاد شهاب زمام أمر الجيش اللبناني منذ تأسيسه، احتفالات جلاء القوات الأجنبية عن لبنان في العام 1946، والاحتفالات السنوية لجمعية المقاصد الإسلامية في بيروت... ومن ينسى الصلاة الجامعة في عيد الفطر وبعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت في العام 1982، التي جمعت الشيخ الشهيد حسن خالد والشيخ المرحوم محمد مهدي شمس الدين والشيخ الشهيد حليم تقي الدين!

مشروعان في واحد
تسرّب الخبر لأهالي الطريق الجديدة منذ نحو الشهرين، فثارت ثورتهم: كيف يُزال الملعب الذي حضن أمجاد لعبة كرة القدم في لبنان؟ الملعب الذي أقيمت فيه أهم المهرجانات السياسية والاجتماعية والاحتفالات العربية والمحلية؟ وفي الأيام التالية، وبعد التدقيق في المشروع المنوي إقامته على أرض ملعبهم، أنصتوا قليلاً للمخطط. منهم من «قاس» فائدة المشروع الجديد وأعلن الموافقة، وتوجس قسم آخر بانتظار ضمان تقديم ملعب بلدي بديل. وبقي الموقف الرافض الأكثر حدة من «الاتحاد اللبناني لكرة القدم»، الذي رأى فيه «مشروع عدائي للرياضة وكرة القدم بالذات، ويستفزّ مشاعر مئات الآلاف من المواطنين»، وطلب التدخل العاجل «للحؤول دون تنفيذ الجريمة المعدّ لارتكابها في حق الرياضة والصرح التاريخي لكرة القدم في لبنان». أما حمد فيتحدث عن مشروعين في آن: هدم الملعب الحالي في الطريق الجديدة، وإنشاء بديل في الوقت نفسه على أرض ميدان سباق الخيل. ويستغرق الهدم والبناء مدة زمنية تقدر بثلاث سنوات، بحسب حمد. يقول حمد إنه لا يغفل تاريخ المكان، إلا أن «الملعب الرياضي لم يعد بذات النفعية في منطقة مكتظة سكانيا، ولا تتوافر له البنية التحتية اللازمة للمتفرجين واللاعبين، بالإضافة إلى تأثير الأوضاع الأمنية في البلاد في أي مباراة تعقد هنا»، يقول لـ«السفير»، مشترطاً «عدم الانطلاق بأي من المشروعين إذا لم ننل موافقة أهل المنطقة وفعالياتها». في هذا السياق، كان لقاءه بالأمس مع الفعاليات والأندية الرياضية في لبنان. واعتبر حمد أن «الهدف الوحيد من هذا المشروع هو إرضاء أهل بيروت، والطريق الجديدة ليست كل بيروت، لكنها جزء أساسي منها»، علماً أن المكان ذاكرة للبلد، بكل سكانه. يجزم أن «المشروع الجديد ليس مرأبا للسيارات فقط كما يشاع، وكما يتكرر دوماً، إن استبدال الملعب بمرآب جريمة بحق الرياضة، بل نحن في صدد إنشاء ثمانية ملاعب لألعاب رياضية مختلفة يستفيد منها الشباب، ومجمع تجاري، وصالات للمهرجانات والاحتفالات، ومسرح شعبي، ومكتبة عامة وصالة للكومبيوتر لنعلّم نساء الطريق الجديدة على هذه التقنية، بالإضافة إلى مرأب مؤلف من أربع طبقات تحت الأرض يتسع لنحو ألفي سيارة، وله أربع مداخل لجهة ساحة الملعب البلدي، شارع البستاني، ساحة أبو شاكر والاطفائية». ووعد بأن تكون تكلفة هذا المرأب مناسبة للمستوى المعيشي لأهل المنطقة... يقول إنه «في السنوات العشر الأخيرة، تدنى عدد المباريات على أرض هذه الملاعب، إلى رقم مخجل، وربما لم يتعد عددها الثلاث في العام الماضي. أما المشروع الجديد المنوي إنشاؤه على أرض ميدان سباق الخيل الذي تبلغ مساحته 210 ألف متر فسيتضمن ملعباً أولمبياً بمعايير عالمية، وميدان سبق حديث، واسطبلات ومساحات لتدريب الأحصنة، بالإضافة إلى مرأب يتسع لنحو ألف سيارة». هذه المعطيات التي من المنتظر أن يتوسع فيها حمد خلال مؤتمر صحافي يعقده بحلول الشهر الحالي، أقنعت معظم الفعاليات الرياضية التي شاركت في اجتماع الأمس معه في بلدية بيروت، إنما لم يخف أي منهم خوفه من حرمان كرة القدم من ملعب في بيروت، خلال المدة المستغرقة لبناء الملعب الجديد على ارض سبق الخيل.
وكان السؤال الأساس: أين نلعب وأين نتدرب في الوقت الذي تهدمون فيه ملعبنا البلدي؟ والجواب كان: «يمكن استخدام المدينة الرياضية، في حال حلت المشاكل التي تمنع استخدامها». ومن المعروف أن أبواب المدينة الرياضية مغلقة في وجه الاتحاد اللبناني لكرة القدم ووجه كل مبارياته لخلافات مع مجلس إدارة المدينة الرياضية! ب

انتظار الموافقة الجماعية للمعنيين بالملعب البلدي، بقي الاتحاد اللبناني لكرة القدم، رافضاً لهدم المبنى البلدي، وناشد في بيان له أمس «الاتحادين الدولي والأسيوي للعبة التدخل، كما طلب تحديد مواعيد عاجلة مع الرؤساء الثلاثة للتدخل للعمل على إنقاذ الملعب والحؤول دون تنفيذ المشروع المعادي للرياضة والشباب».
وطلب الاتحاد «تحديد مواعيد عاجلة للقاء كل من رئيس الجمهورية ميشال سليمان، رئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، ووزير الشباب والرياضة علي عبد الله». وكرر رئيس الاتحاد اللبناني هاشم حيدر «رفضه لهدم الملعب لأنه حاجة رياضية، أما في حال قررت البلدية السير به، فسنواصل سعينا لإيقافه ونرفع الصوت دوليا ومحليا لثني المجلس البلدي عن تنفيذه».


قصص هذا المكان التاريخية
حتى اللحظة، لم يحدد رئيس البلدية الوقت الذي «سيدفن» فيه هذا المعلم إلى الأبد. لكن، حتى ولو اختفى عن خارطة بيروت و«بُعث» من جديد على أرض أخرى، سيبقى «ملعب بيروت البلدي» الأول في هذه العاصمة، والحاضن الأكبر لأهم مبارياتها ومهرجاناتها الرياضية والسياسية والاجتماعية. وهو بحسب الكاتب أسامة العارف «بنيّ أيام الفرنسيين في العام 1936، ولكن بأموال بلدية بيروت. ودفع محافظ بلدية بيروت سليم تقلا مقابل الأرض التي بُني عليه مبلغ أربعين ألف ليرة لهنري فرعون». ويروى أن ساحة المعلب القديم، قبل أن يعيد الرئيس الشهيد رفيق الحريري بناؤه في العام 1996، كانت تتزين بنافورة صغيرة شهيرة. لاقى إنشاء الملعب في حينه، رهجة كبيرة استمرت حتى بناء المدينة الرياضية في العام 1959، التي سرقت بعضاً من بريقه. ويذكر العارف أنه «كان العامل الأكبر الذي أسس ليوميات مفعمة بالحياة في هذه المنطقة المغمورة بالرمال، لاسيما أن كل الفرق اللبنانية التي كانت مرتبطة بالطوائف وممثلة لها بشكل رسمي، كانت تقصده.
وكان، كلما لعب فريق رافقه جمهوره، ما أدى إلى جعل المنطقة مفتوحة على الجميع وملتقى لكل الطوائف اللبنانية». هي المنطقة نفسها التي تحولت مع السنوات إلى مجمع للأحلام القومية، والتحركات الطلابية، ومقصداً لتجمع الرياضيين ومحبي تلك الساحة المستديرة... ويمكن القول إن المعلب البلدي يمتلك الفضل في خلق حركة مختلفة في المنطقة، ذلك طبعاً إلى جانب دور «جامعة بيروت العربية» التي أنشأت في الستينيات، وحيوات اللاجئين الفلسطينيين الذين تقاطروا في الأربعينيات إلى مساحة قريبة من هنا، تحولت تدريجياً إلى مخيم شاتيلا.
في السنوات التي سادت خلالها الرمال المنطقة، كان كل من يفكر بالسكن فيها يلقى، بحسب المدرب الوطني عدنان الشرقي، جواباً مستغرباً: «تقعدوا بالمنطقة المهجورة؟ أو تعيشوا في ظلمة الكلاب؟ وقيل ذلك، لأن المَعلم الأبرز وربما الوحيد في تلك المنطقة كان سجن الرمل (جنوبي الملعب البلدي الحالي ـ وتحديداً مكان ملعب كرة القدم لجامعة بيروت العربية)، الذي جعل الوحشة هي سمة المنطقة الأبرز. كذلك، لم تكن المواصلات متوافرة لقاصدها، الذي كان يُجبر على السير لمئات الأمتار، إذ كان سير القطار يتوقف عند سينما سلوى في البربير، وتحديداً أمام ثانوية المقاصد ـ الحرج، ليصل إليها». ويروي الشرقي أنه «في الأربعينيات من القرن العشرين، وربما قبل ذلك، كان القاطن في الطريق الجديدة يرى البحر يمتد أمامه متصلاً بالرمال البيضاء. وتدريجياً، راح المنظر يختفي مع ازدياد عدد المباني السكنية في المنطقة». اختلفت هذه الحال بحسب المؤرخ الدكتور حسان حلاق، «بعدما امتدت الطرقات بالإسفلت إلى المنطقة، وذلك في عهدي الانتداب الفرنسي ومن ثم الاستقلال، وشقت الشوارع المسماة اليوم شارع البستاني وشارع عمر فروخ والشارع الممتد من المستشفى الإسلامي «مستشفى المقاصد» باتجاه منطقة السبيل وسواها».
وجاء بناء الملعب البلدي لبيروت هنا، «ليكرسه الصرح الرياضي الأهم في كل لبنان وعامل الجذب الأكبر للمواطنين من كل المناطق والطوائف. ما خلق تفاعلا وتمازجاً سكانياً فريداً لغاية العام 1975، عند اندلاع الحرب الأهلية». كان الملعب البلدي الأب الروحي لمناسبات لا تمحى من تاريخ هذا البلد، بينها حفل تسليم قائد الجيش اللبناني الأول، اللواء فؤاد شهاب زمام أمر الجيش اللبنانية منذ تأسيسه. كما شهد الملعب البلدي احتفالات جلاء القوات الأجنبية عن لبنان في العام 1946 . أضف إلى ذلك «الاحتفالات السنوية لجمعية المقاصد الخيرية الاسلامية في بيروت، وبينها تلك التي أقيمت في عهد الرؤساء عمر بيك الداعوق، محمد سلام، صائب سلام، تمام سلام وأمين الداعوق». ويشير حلاق إلى أن «جميع البيروتيين يذكرون دينامو هذه الاحتفالات، رجل التربية البدينة والرياضة في لبنان، المربي عارف الحبال». هذا الصرح، بحسب حلاق، «أصبح رمزاً من رموز الوحدة الوطنية والاسلامية والقومية، فقد شهد مهرجانات حاشدة منذ عام 1948 دفاعاً عن القضية الفلسطينية واستقلال الجزائر ومصر عبد الناصر ودفاعاً عن سيادة وحرية الشعوب العربية والافريقية والاسلامية». التواريخ التي تروي سيرة الملعب البلدي، تستذكر دوماً تلك الصلاة الجامعة في عيد الفطر التي أمها الشيخ الشهيد حسن خالد على ارض الملعب بعد الاجتياح الاسرائيلي لبيروت في العام 1982، والتي جمعت خالد إلى جانب الشيخ المرحوم محمد مهدي شمس الدين، الشيخ الشهيد حليم تقي الدين: «فغطى خلالها المصلون مساحة أرض الملعب كلها. وعبرت عن الرفض للاجتياح الاسرائيلي لبيروت وللبنان، ولمجازر صبرا وشاتيلا، ولتعاون بعض القوى اللبنانية مع العدو الصهيوني». ويذكر عدنان الشرقي أن لولادة هذا الصرح الرياضي «أهمية رياضية جمعت كل محبي هذه الرياضية فيه، إذ يعتبر الملعب الرسمي الأول في لبنان، وكان يتسع لنحو 600 متفرج قبل أن يعاد بناؤه في التسعينيات على يد الرئيس الشهيد رفيق الحريري». ويذكر الشرقي أن «عشب هذا الملعب استضاف مباريات لأهم الفرق في حينه من فريق النهضة، فريق الجامعة الأميركية، فريق سكة الحديد، فريق حلمي سبور، وطبعاً لكل فرق لبنان في كرة القدم من الهومنتمن، الهومنمن، الراسينغ الأنصار، النجمة، الشبيبة المزرعة. وغيرهم». ولا ينسى أسماء لاعبين «حققوا أهدافاً لا تنسى هنا، من أبو مراد، أبو طالب، مارديك، سميح شاتيلا، عبد الرحمن شبارو، والوزير السابق خالد قباني الذي سجل هدف صعود الأنصار إلى الدرجة الأولى مقابل الهومنتمن برج حمود في العام 1969».
شهرة الملعب البلدي لم تكن محلية فقط. إذ لعبت على أرضه معظم فرق أوروبا الشرقية وحتى الوسطى، وأشهرها مباراة منتخب المجر مع لبنان في العام 1956 (انتهت بخسارة لبنان 1ـ4) بمشاركة اللاعب الشهير بوشكاش، بالإضافة إلى استضافة الملعب لفريق النمسا في الخمسينيات، وكان الفريق الأقوى أوروبياً في حينه، من دون أن ينال ألقاباً رسمية، «لهذا كان يلقب ببطل العالم غير المتوج». المجد الرياضي هذا، وكل المناسبات التي صنعت على أرض الملعب البلدي لبيروت، تشكل جزءا من الذاكرة التاريخية للمدينة، وهذه، كما يصفها حلاق «جزء أساسي من ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا».
بعيداً عن التجاذب حول مشروع الملعب البلدي، تكون منطقة الطريق الجديدة في الأشهر المقبلة، وفي حال تقرر تنفيذ المشروع، على موعد رسمي مع ورشة هدم واعمار تمتد لسنوات ثلاث، وتكون مليئة بكوابيس الازدحام المروري، والضجيج، والتلوث التي تحول نهار المنطقة إلى جهنم... قد يقود إلى جنة الحدائق ونعيم المرأب.

21.9.10

بيـروت: أطفـال يبكـون «فـراق» الأهـل وشبـاب يشكـون الصيـف المبتـور




نشرت في جريدة السفير


الثلاثاء 21-9-2010


عند السادسة من صباح أمس، أضيئت أنوار الكثير من بيوت بيروت ولبنان.


لم تكن الشمس قد أشرقت تماماً، لكن الأمهات نهضن ليحضرن ليوم طويل ينتظر أطفالهن وأبناءهن.


يوم مختلف يأتي بعد صيف حار: اليوم الأول في العام الدراسي الذي انطلق أمس في كل المدارس الرسمية في لبنان وفي بعض الخاصة منها. واليوم الذي يمثل نقلة بين موسم الراحة والعودة الى الدراسة يتطلّب اللجوء الى مغريات كثيرة، منها شخصيات الرسوم المتحركة ملصقة ومطبوعة فوق الحقائب المدرسية، وزينة الشعر، وأقلام الرصاص والدفاتر الملونة المبهجة، على أمل أن تخفف من غربة اليوم الأول، أو غرابته. لكنه بقي يوم أول، مختلف بكل شيء، بمواعيده التي تؤثر مباشرة على الساعة البيولوجية لكل طفل، ومختلف ببرنامجه وبهمومه وبفرحته للقاء أصدقاء الدراسة مجددا.


يوم أول طال الجميع: الأهل الذين يعدّون أبناءهم للانطلاقة المبكرة للعام المدرسي، والتلاميذ الذين امتعضوا من «اختلاس» أيام المسك من عطلتهم الصيفية، من دون أن يخفوا فرحة اختبارهم لتجربة جديدة تتمثل بالانتقال الى الصفوف الأعلى، والأساتذة الذين يتحضرون لنقل معارفهم للأجيال الصاعدة على أمل أن تقدّر جهودهم وتحسّن ظروف مهنتهم المقدسة.


اختلف كل شيء في صباح نحو 350 ألف تلميذ في التعليم الرسمي في لبنان، علماً أن مدارس بيروت التي جالت عليها «السفير» في كل من الطريق الجديدة، وساقية الجنزير، والأشرفية، ووطى المصيطبة، وحارة حريك، ورأس النبع، سجلت نسب حضور تراوحت بين ستين وثمانين في المئة من إجمالي عدد الطلاب


جمال يود أن يطير إلى صفه


انطلق الأطفال إلى مدارسهم، و«سبايدرمان» بزيه الأحمر المخطط، المرسوم على الحقيبة المدرسية، لا يسعف جمال على الطيران. يمشي الطفل، ببطء، وبثقل من يحمل عبئا ثقيلا فوق ظهره، ويحلم بأن تؤجل الصفوف ساعة واحدة فقط، ليعود إلى نومه الهانئ، أو ليعيش كسله الطفولي الطبيعي في هذه الساعة من الصباح. بعد قليل سينسى كل ذلك ليستمتع بصفه الجديد، وسيحاول التأقلم مع كرسيه الخشبي المتواضع. في الخارج، الوالدة سمر تضحك طويلاً لنعاس ابنها العلني، تقول لزوجها «لو أن جمال تخطى الخامسة بسنوات قليلة، لأحضرت له «ترمسا» ضخما من القهوة قبل الدخول إلى العام الدراسي». المزاح الذي تقوى عليه سمر، لا يجد طريقه لمها، التي تخوض «حوارا» عاطفياً مع ابنتها لُبنى أمام مدرسة عمر الزعني في الطريق الجديدة. الطفلة تمزج صراخها بدموع غزيرة، وتطلق توسلات لا تنتهي، راجية الأم أن تعيدها معها إلى المنزل. تقول الوالدة «إن المدرسة حلوة، فيها تلوين وحلوى وألعاب»، ولبنى تبكي أكثر. وتبقى يداها البيضاوان الصغيرتان متمسكتين بيد أمها، وكأنها تخشى من «احتجازها» في البيت الجديد الذي يُسميه الكبار: مدرسة. المشهد عينه يتكرر في زوايا مختلفة عند مدخل المدرسة وفي باحتها، حيث تردد الأمهات هنا وهناك «تقربيني يا ماما..» ويعدن ليهمسن «والله قطعتلي قلبي!». يقلن ذلك، ومعظمهن لا يفارقن أولادهن وبناتهن في اليوم الأول، وإن فعلن تلقى المهمة على مربية حنونة عايشت أسبوع البكاء الأول في حياة تلاميذ الحضانة. هؤلاء يخترعن ألعاب للأطفال ومغرياتهم.. وعادة ما تؤدي إلى نتائج إيجابية.. إلا أن كل ذلك يختفي مع دخول طفل جديد لصف الحضانة، يبكي ويبكي معه كل الصف من جديد!


60 ألفاً في ذمة المدارس


عند الثامنة وبعد أن تدق الأجراس في المدارس، يُترك الأهل وحدهم خارج الأحرام. هؤلاء يجدونها فرصة للتعارف على الأهالي الجدد أو إلقاء التحية على معارف قديمة، وبينهم تكون الأحاديث حول الغلاء المعيشي وكلفة التسجيل والفاتورة المدرسية هي الأكثر شيوعاً. يعلن الكثير منهم أنهم قد دفعوا 130 ألف ليرة مقابل تسجيل أولادهم، وذلك قبل أن يصدر قرار مجلس الوزراء إعفاء الأهل من هذه الرسوم، وبذلك يكون لهم ستون ألف ليرة في ذمة صناديق المدارس، وتبقى الآلاف السبعون المستحقة لصندوق المدرسة. ولا ينسى الأهل أن يستعرضوا الغلاء غير المحتمل الطارئ على أسعار الكتب المدرسية التي لا يمكن الاستعانة بنسخات مستعملة منها، لكونها كتباً ودفاتر تطبيقية، أو على أسعار القرطاسية والمواد الأولية الضرورية للأشغال اليدوية والمواد الاجرائية والتطبيقية. زي العيد دقت المدرسة أبوابها باكراً، وجاءت بدون أن تحمل خريفها معها. ولا يمكن حرّ أيلول أن يحتمل الزي المدرسي. هذا يوم أول يمكن التلاميذ أن «يتمردوا» فيه على قوانين المدرسة واستقبالها بأزيائهم المبهرجة، كتلك التي استقبلوا فيها العيد مثلاً، فتجد الطفلات بفساتينهن الزهرية والخضراء والبيضاء كدمى بضفائر طويلة متنقلة في باحات الملعب، أما الأكبر سناً فلا ينسين تبرجهن وخطوط الكحل الأسود فوق العيون وعند حدودها ولا يتوانين عن الاعتناء الفائق بشعورهن المسرحة فوق أكتفاهن، كذلك الشبان لا يقصرون بتسريحاتهم العصرية جدا وسراويلهم الجينز الممزقة وحتى الملونة، وبأساور جلدية تلتف حول معاصمهم. جزء من هؤلاء التلاميذ يستمتع بثيابه «المدنية» تعبيراً عن تحرره من النظام ليوم واحد، وجزء آخر يعكس «خنقة» مادية منعت العائلة من توفير «مريلة» هذا العام، لا سيما إن ألزمتها العائلة بتصميم جديد، أو إن ضاق مقاسها على أطفالهم.


مدارس تخنق العاصمة


لم يطل اليوم الدراسي الأول على العاصمة بيروت وحتى على بعض المناطق بلا أن يخنقها بزحمة سير جنونية.. جعلت الكثيرين يتأخرون عن مواعيد عملهم، من دون أن تكون الزحمة، عند الصباح أو عند انتهاء الدوام المدرسي، هي الأقوى، إذ يُنتظر أن تصل إلى ذروتها مع انطلاق الدراسة في كل المدارس الخاصة في الأيام المقبلة. لكن في مطلق الأحوال، أعاد مشهد طوابير السيارات في أحياء وشوارع بيروت المختلفة التذكير بأزمات سير لم تفتقدها العاصمة أصلاً، انما المختلف مع الموسم الدراسي هو انتظامها وبلوغها ذروتها في أوقات محددة من النهار عند بداية اليوم الدراسي، ثم انطلاقها من الواحدة بعد الظهر عند انتهاء الدوام المدرسي تدريجياً ووفقاً للصفوف التعليمية. ويستمر هذا الازدحام «المدرسي» حتى ساعات المساء بعد تداخله مع زحمة الخامسة عصراً عند انتهاء دوامات العمل في معظم المؤسسات.


وتبقى الأزمات المرورية واحدة فقط مما يحمله معه هذا العام من هموم، الكثير منها تربوي - معيشي يتعلق بالانطلاقة المتعثرة للعام الدراسي وتكاليف التعليم وارتفاع الأقساط وتكاليف الكتب والقرطاسية والزي المدرسي.. هموم يتشاركها معظم عائلات أبناء المدارس الرسمية في لبنان الذين يرتفع عددهم سنويا، لأسباب عدة، ومعلومة.

13.9.10

ثلاثة أيام وليال من البهجة على طول «الشارع» وعرضه: الحمرا يفتح ذراعيه لملاقاة ناسه .. يعكس صورهم في «مرايا 2010»




جهينة خالدية


نشر في جريدة السفير


13-9-2010


مهرجان الحمرا يملأ الشارع بنهاره وليله بالفرح كل ذلك الفرح، صُنع على الملأ، بحرية تامة متخففة من الهموم اليومية، في شارع بيروتي، يحب أهله أن يمجدوه، فيجزمون: عندما نقول شارعاً، لا نقصد غير الحمرا. ثلاثة أيام «من كل شيء» قدمها مهرجان الحمرا – «مرايا» 2010، فصنع ابتسامات جماعية لعشرات الآلاف من الرواد الذين تنقلوا في نعيم صنعته الموسيقى، وألعاب الخفة، ومعارض الصور، وعروض السينما، والمسرحيات، والأغاني التي صدحت بها مسارح في الهواء الطلق.


وتحول الشارع إلى ما يشبه مدينة الملاهي الضخمة التي تختلف ألعابها وطرق التسلية فيها، من دون أن تختلف الضحكات التي تُسمع من أطفال هنا، وصبايا أتقن تبرجهن وأزياءهن، وعاشقين يساعدهما الازدحام مشكوراً على الالتصاق بعضهما ببعض، أكثر فأكثر. على مدى ثلاثة أيام، خرجت الهموم المعتادة والتفاصيل اليومية المتعبة من حياة رواد المهرجان، ولم يبق لديهم إلا القليل من الوقت ليريحوا أقدامهم التي حفظت أعداد حجارة الشارع لكثرة ما قطعته طولاً وعرضاً. وكانوا كلما جلسوا لدقائق، عادوا سريعاً لجولات جديدة تحاول أن تواكب برنامجا احتفاليا طويلا، يزدحم بمعروضات واستعراضات كثيرة. كان مهرجانا سيتذكره الناس جيداً، وسيتذكرون أن الحمرا فتحت شارعها كله لهم، وخرجت إليهم تلاقيهم، تحت وطأة درجات حرارة ورطوبة قياسية. في مهرجان الحمرا نصبت عشرات منصات العرض التي لم تبخل على الرواد بأي طلب، فهنا وجدوا المشغولات اليدوية، والمطرزات، والحليّ، والأزياء بلمسات شبابية معاصرة، والألعاب، والمنتجات الغذائية، و«المونة». وغير بعيد عنها منصات لجمعيات أهلية هادفة، ومؤسسات مجتمع مدني حملت قضاياها إلى الحمراء الذي اعتاد على احتضانها ونشاطاتها. وهنا صور مسابقة وكتاب «لكم حمراؤكم ولي حمرائي»، التي يقف الزوار أمامها وهم يبحثون عن الخط الفاصل بين واقعية (آنية) اللحظات التي يعيشونها في هذا الشارع، وتلك المجمدة في صور في المكان نفسه وهم يستذكرون «ذاك المبنى الأزرق»، و«هذا الشرطي الشهير»، و«هذا الوجه الحمراوي المألوف»، و«هذه أضواء الشارع الحاضن لناسه».. وفي الشارع أيضاً، «بيت» صغير جمع الشباب حوله، ليحثهم على أن يحكوا عن أنفسهم، ويكتبوا عن أخبارهم وأحوالهم وفرحتهم وهمومهم. هذا بيت ملحق وموقع «شباب السفير» الذي نشر أخباراً وبرنامجاً وصوراً مباشرة من المهرجان لحظة بلحظة. في ركن آخر، كانت عيون عشرات من الأطفال تتحرك بكل الاتجاهات، وهي تحاول أن تلاحق بهلوانيين لم تهدأ حركتهم إلا قليلاً وهم يقدمون ألعاب الخفة الماهرة في «السيرك اللبناني»، ويقفزون من عليّ أو يرمون الطابات الكثيرة في الهواء.. ومَن لم يشبع مِن كل هؤلاء المهرجين بوجوههم المرحة وابتساماتهم الحمراء العريضة، يعُد ليلتقي بهم في أنحاء مختلفة من الشارع.. «يكزدرون» طوال النهار فوق أقدامهم الخشبية الاصطناعية القياسية الطول.. التي تجعل كل الناس يرفعون رؤوسهم إلى الأعلى، بحثاً عن هذا وجه «العملاق» اللطيف في الأعالي.. في أيام المهرجان ولياليه، كان الرواد يتغيرون تدريجياً مع تقدم ساعات النهار، لتغلب الفئة الشبابية عند انطلاق الحفلات الموسيقية في المسارح الثلاثة التي توزعت عند بداية الشارع، ووسطه ونهايته وسعت لتقدم عروضا موسيقية لأذواقهم مختلفة.


هنا العشرات يهتفون عالياً للفنان شربل روحانا يدعوهم للعودة إلى عربيتهم «عبر عن فرحك بالعربي عبر عن حزنك بالعربي غنّ عن حبك بالعربي صرخ عن غضبك بالعربي اشكي عن تعبك عن ضجرك ...أكتب عن أملك عن ألمك»، وبين هؤلاء جمع كبير من الأوروبين والأميركيين يصفقون بحماسة لأغنية يقدرون جماهيريتها ونجاحها.. من دون أن يبدوا حاجة فعلية لأي ترجمة للمعنى.. الليل الموسيقي يكمل أمسياته مع زياد سحاب الذي غنى الناس «لا تسألني عن عنواني» و«الأرض بتتكلم عربي».


السهرات الموسيقية التي قدمت نحو أربعين فناناً وفرقة «أعادت للحمرا كثيرا من شهرتها بفتح المسارح لأنماط موسيقية جديدة، أو ربما غير تقليدية، ولأسماء تخرج إلى الجماهير حديثاً وطبعا أخرى شقت طريق نجاحها في سنوات قليلة»، بحسب مديرة الانتاج الموسيقي للمهرجان أسيل عياش. للسهرات تلك أسماء كثيرة مثل «بند جزائي»، «فريق الأطرش»، «بند عودة» المميزة، منير خولي، فلاديمير كورميليان، غازي عبد الباقي والموزعين الموسيقين روي مالكيان، شيك داون وغيرهم.. التنوع والبرنامج المكثف وما قدمه كل ذلك من مرح للناس هو «الاثبات الأول والأخير على نجاح المهرجان»، بحسب أحد منظميه فادي غزاوي، الذي يفكر منذ اللحظة بمهرجان العام المقبل، وما يمكن أن يتجنبه من أخطاء تقنية تجعل من المهرجان عالميا بحق، بالإضافة إلى نشاطات ثقافية فنية تنظم خصيصاً للمهرجان ولا تجمع انتاجات سابقة فقط. عاد مهرجان الحمرا إلى الشارع، وهو يحمل في ذكرياته صور التسعينيات عن المهرجان نفسه الذي شغل الناس بنشاطات ملأت أرصفته كلها.. صور الماضي الراسخة، لم تمنع وجود تغيرات على النسخة الجديدة من مهرجان الحمرا، منها تغيرات إيجابية تظهر في جمعه ناساً من اهتمامات وطبقات وطوائف ومشارب مختلفة، ومنه سلبي يحكي عن طغيان التسوق والصناعات على حساب الثقافة ومنتجاتها التي تشكل عصب هذا الشارع وميزته.. فتسمع تعليقاً لاذعاً من حمراوي عتيق «جزء من هذا المهرجان يذكرني بشارعي ومدينتي، وجزء منه يذكرني بسوق تجاري شعبي، وجزء ثالث بسوق للمونة والتسالي.. وقليل ما يذكرني بثقافة هذا الشارع». هذا لا ينفي أن الحمرا لم تستطع النوم في الأيام الماضية وهي تحضر لمهرجانها أو تحييه.




والمؤكد أن مساء أمس، عند اختتام المهرجان، ما كان الشارع - المدينة يشبه إلا نفسه، بجنون وفوضى خلاقة يرتكبها أهله يومياً. لا تنام الحمرا فعلاً، فهي صاحية دوماً لتقول بطريقة أو بأخرى إنها عاصمة ثقافية، فنية، اجتماعية لبيروت.. ولا يمكن هذه الأخيرة أن تكون نفسها من دون شارعها: الحمراء.

6.8.10

إعادة تقييم» أمنية وقانونية واقتصادية لخدمات «بلاك بيري»



نُشر في جريدة السفير


6-8-2010


جهينة خالدية
لم تتوقف خدمات هاتف «البلاك بيري» في لبنان، بعد، لكن وزارة الاتصالات والهيئة المنظمة للاتصالات، تجري إعادة تقييم للتبعات الأمنية والقانونية والاقتصادية لهذه الخدمات (من BBM-»ماسينجر» (المراسلة) والدخول إلى الشبكات الإلكترونية الاجتماعية وتصفح المواقع الإلكترونية وأي نوع من تبادل المعلومات عبر الشبكة)، بهدف التأكد من أمنها وسلبيات «تشفيرها» وسريتها على الوضع الأمني في لبنان. ويوجد في البلد نحو 60 ألف مشترك بخدمات «البلاك بيري»، بحسب وزير الاتصالات شربل نحاس، في حين أن أرقام خبراء الاتصالات تؤكد أن الرقم مضاعف. وفي مطلق الأحوال، يتخوف المشتركون من أن اعادة التقييم ستؤدي إلى قرار ايقاف خدمات الهاتف على غرار ما حصل في الإمارات العربية المتحدة والسعودية الأسبوع الماضي، بعدما فشلت المفاوضات مع شركة RIM- ريسيرش إن موشن الكندية المصنعة للجهاز، حول تصدير بيانات العملاء في الدولتين إلى خارج حدودهما. بدوره يشير نحاس لـ«السفير» إلى أن الوزارة تقوم بدراسة الملف، وتحضيره للتفاوض مع شركة RIM المصنعة للبلاك بيري، بهدف الحصول على البرنامج الذي يسمح للدولة بالوصول إلى معلومات أو البيانات منقولة عبر هذه الجهاز، التي قد تحتاجها في وضع ما». ويجزم نحاس أن «تحضير الملف للتفاوض لا علاقة له بالحصول على أي معطيات أو مخاوف حول خروقات إسرائيلية جديدة للاتصالات»، إنما يتم التداول بالموضوع منذ أيام، في ما نعتبره حقا أساسيا، لكننا لم نتواصل مع الشركة حتى اللحظة، ولم نقرر حتى الآن اتخاذ أي تدبير احترازي لوقف هذه الخدمات حمايةً للاتصالات في لبنان، علماً أن المفاوضات قد تستغرق مدة شهرين». ويقول نحاس أن «انطلاق هذه الخدمات في لبنان في السنوات الماضية، جاء في ظل أوضاع غير طبيعية إن كانت حرب تموز أو الأحداث الأمنية في السنوات الأخيرة، وربما كان يمكن أن نكون أشد حرصاً ونحن نشرع هذه الخدمات في بلد بخصوصية لبنان». ويشير خبير في قطاع الإتصالات لـ«السفير»، إلى أن «خطورة خدمات «البلاك بيري» تكمن بالدرجة الأولى، في أنها عابرة للصلاحيات التشريعية التي تملكها الدولة لحماية المصلحة العامة، بمعنى أنه لا يمكن لأي جهاز في الدول، وفق أي تشريع أن يصل إلى أي نوع من البيانات المنقولة عبر «البلاك بيري»، مهما كانت خطورتها». ويوضح المصدر أنه «في حين أُعلن أن دولا مثل أميركا وبريطانيا عملت على سن تشريعات تساعد على تطبيق القانون وتتيح للدولة اعتراض شركات الاتصالات لمساعدة الدولة على الوصول إلى خدماتها، يجب الانتباه إلى أن إسرائيل أيضاً أرغمت شركة «RIM» على الخضوع لقوانينها، في حين استخففنا نحن في التدقيق في دفتر شروط هذه الخدمة، وتعاملنا معها كأنها مجرد تجارة ناجحة، من دون الأخذ بعين الاعتبار قدرة العدو على خرق أمن الاتصالات في لبنان عبرها بسهولة». بدوره يلفت رئيس الهيئة المنظمة للاتصالات عماد حب الله لـ«السفير»، إلى أن «إعادة التقييم لخدمات «البلاك بيري» تجري في ظل الخروقات الإسرائيلية لشبكة الاتصالات، ونحاول أن نسد كل الثغرات التي يمكن عبرها اختراق الشبكة»، ونسعى لنجيب على أسئلة حول «مدى أمان خدمات «البلاك بيري»، وكيف يمكن الدخول إليها في حالة الطوارئ، أو في حال احتاجت القوى الأمنية والعسكرية والقضائية إلى أي نوع من البيانات عبرها». ولتوضيح الالتباسات والمخاوف حول سرية البيانات المنقولة عبر خدمات البلاك بيري ومدى خطورتها، يوضح الخبير لدى الاتحاد الدولي للاتصالات رياض بحسون لـ«السفير» أن «المشكلة الأساس أمام هكذا خدمات، أننا لا نملك السيطرة على أي من المعلومات المتبادلة عبرها، إذ تنتقل هذه الأخيرة من جهاز المستخدم في أي دولة في العالم إلى «مركز معلومات»-Data center يعمل وفق مشغل –server تابع للشركة المصنعة RIM، وهو خارج كل الجهات الرقمية في كل البلدان (إلا تلك التي وقعت اتفاقيات مع الشركة لتعديل خدمات أجهزتها، مثل بريطانيا وأميركا). هذه «الحرية»، تسمح بحسب بحسون «لأي جهة باستخدام خدمات البلاك بيري بطرق غير شرعية». ويعود ليشير الى أنه «من حق أي دولة أن تحمي اتصالاتها من جهة، وتبقي المعلومات والبيانات المنقولة عبر أجهزة داخل بلدها، محفوظة في «مركز معلومات» تابع لها، أو يمكن الدخول إليه، وهو ما تفاوضت بشأنه أميركا على سبيل المثال، حيث عدلت خدمات «بلاك بيري»، وطالبت بأن تُنقل المعلومات من المركز التابع لـ RIM إلى داخل أميركا عبر ما يُعرف بـ mirror Data Center»، على أن يبقى لأميركا السلطة الوحيدة على هذه المعلومات، من دون أن تستطيع RIM أن تنسخها، ليشكل هذا حلاً نهائياً لهذه المشكلة». أما ما يطالب به لبنان، ودول أخرى، ويعتبره بحسون «حقاً شرعيا»ً، هو حل مؤقت يقضي بالسماح بالدخول الى هذه المعلومات فقط، من دون أن يملك السلطة الوحيدة عليها». جهينة خالدية

29.7.10

حالة هلع تذكر بأزمة «الألفية» الالكترونية.. عناوين "IP" التي تصلنا بالانترنت.. تنفذ خلال سنة



نُشر في جريدة السفير

الخميس 29-7-2010

جهينة خالدية


الشبكة الالكترونية تصاب بالتخمة. يوماً تلو الآخر يتزايد استخدامها عبر أجهزة الكترونية مختلفة. بات يلج المستخدم الواحد إلى الشبكة عشرات المرات في اليوم. وفي كل مرة عبر جهاز مختلف: كومبيوتر العمل، الكومبيوتر المحمول، كومبيوتر في المنزل، الهاتف الخلوي الذي أحياناً نملكه أيضاً إلى جانب جهاز «البلاك بيري»... وبهذا يكرّس المصطلح الذي يصف مستخدمي تكنولوجيا هذا العصر بـ«كائنات متصلة»، التي يستحيل عليها العيش، التفاعل، التواصل، تلقي المعرفة، والإنتاج من دون الاتصال بالشبكة. تحتاج عملية الاتصال بين أجهزتنا والشبكة إلى رمز أو عنوان خاص لتعريف كل جهاز ووصله بالانترنت. ويسمى الرمز «IP address» وهو اختصار لمصطلح «Internet protocol address». ولقد أصيبت الشبكة بالتخمة بهذه العناوين، بحيث استهلك العالم نحو تسعين في المئة من عددها المتوفر، الذي يصل إلى أربعة مليارات ومئتي مليون عنوان. منذ أيام قليلة، دُق ناقوس الخطر. انتشر الخبر عبر مواقع «تويتر»، Read write web وCNN..، ليبدأ العدّ العكسي لأزمة نفاد العناوين، خلال أقل من سنة واحدة. حتى أن بعض الخبراء ذكروا أن نفاد العناوين يحل بعد 338 يوما تحديداً. ويكون لدى العالم نحو مئتي وثلاثين مليون عنوان فقط لاستهلاكها خلال هذه المدة. وهو رقم قليل مقارنة مع نحو مليار وثمانمئة مليون مستخدم للشبكة عالمياًً. والأهم أن تدني هذا العدد، يطلق مخاوف جدية من انتشار «السوق السوداء» لتوزيع العناوين المتبقية، كما يضع الكل أمام أزمة ما بعد هذه السنة. ما هو IP Address؟ ولماذا هو على طريق النفاد؟ وما هي الحلول المطروحة؟ يلفت المتخصص في البرمجة الالكترونية وجدي كنعان إلى أن «ما سنشهد نفاده بعد فترة وجيزة هو العناوين التي تتبع نظام IPV4 (أي النسخة الرابعة من النظام الرقمي المشغل لنقل المحتوى بين الجهاز والانترنت). ويستخدم هذا النظام منذ العام 1980، يوم كانت الأجهزة الالكترونية التي تتصل بالانترنت، لا تتعدى أجهزة الكومبيوتر PC، ولم تكن فورة الأجهزة الخلوية قد انفجرت. هذا ما يستدعي نظاماً جديدا، يوفر عددا أكبر من العناوين أو الرموز، تماماً كما حصل في الثمانينيات والتسعينيات، خلال أزمة عدم توفر أرقام للهاتف، ما دفع المعنيين لاعتماد نظام جديد يزيد عدد الخانات الخاصة بها. وهذا ما يمكن تطبيقه تماماً لحل أزمة عناوين الانترنت، عبر محاولة إطلاق نظام IPV6 (النسخة السادسة) التي يمكن أن توفر لكل مستخدم نحو أربعة مليارات عنوان». لكن المسألة لا تبدو بهذه البساطة، فالفرق شاسع بين «سهولة» تقنية زيادة عدد الخانات للهاتف، وتطبيق نظام جديد على مليارات الأجهزة الموصولة بالانترنت، وما يترتب عن ذلك من تعقيدات (على الصعيد التقني والكلفة)، لنقل المحتوى بين النظامين. ولعلّ العقدة الأولى تتمثل بصعوبة تحديد نقطة بداية الشبكة أو نهايتها، حيث يبحر المستخدم من خلال أرقام «بليونية» للمواقع الالكترونية والنوافذ الرقمية، لا سيما أنه عصر الحياة الافتراضية عبر الشبكة، التي تحوّلت إلى واقعية ففيها يتواصل المبحر، ويتفاعل، ويتلقى البيانات، ويرسلها، ويشتري، ويبيع، ويعرض، ويحب، ويتثقف، ويتعلم، ويجري تحويلات مصرفية... حتى أنه في بعض الأحيان تتم من خلالها إدارة الدول، والتواصل بين الحكومات والشعوب. هل يمكن لكل هذا أن يتوقف؟ على الرغم من الانتشار البطيء للنظام الجديد بنسخته السادسة، الذي استهلّ تطويره منذ عشر سنوات، يبدي كثيرون تفاؤلهم لإيجاد كل الحلول اللازمة له. وهو ما بدأت شركات عدة بالعمل عليه مثل «غوغل»، «فايس بوك»، كما أُعلن في المؤتمر المخصص لهذا النظام في حزيران الفائت. وعلى الرغم من انتشار تحذيرات مما ستُقبل عليه الشبكة بعد هذه الأزمة، يحاول بعض الخبراء المتفائلين التخفيف من حالة الهلع المتفجرة، التي تشبّه أزمة IPV4 بما سُمي بمشكلة «بقة الألفية» أو Y2K التي كان يُظن أنها ستؤدي إلى تعطيل نظام الاتصالات العالمي، عندما تنتقل أجهزة الكمبيوتر المبرمجة من الرقم 99 (1999) إلى الرقم 00 (2000). وهي المشكلة التي وجد لها حل في نهاية المطاف. لا يعني هذا أن الانتقال من النسخة الرابعة إلى السادسة، سيكون بتلك السهولة، فعلى الرغم مما قدمته التكنولوجيا من خدمات وتسهيلات للعالم، يشهد كل تطور تقني سلسلة من التعقيدات. الشبكة لا تعرف الأمان. جهينة خالدية

10.7.10

تعليق من 140 حرفاً على «تويتر» ضرب مصداقيتها بنظر المحطة بعد ٢٠ عاماً من العمل فيها






نشر في جريدة السفير


جهينة خالدية


10-07-2010




لم تقف الإعلامية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط في محطة التلفزيون الأميركية «سي أن أن» أوكتافيا نصر أمام الكاميرا لتعبر بصراحة للعديد من المشاهدين، عن حزنها لرحيل السيد محـمد حسين فضل الله. كل ما فعلته الإعلامية الأميركية (الفلسطينية الأصل والمولـودة في لبنان من أم لبنانية)، إنها دونت رسالة جديدة في هاتفها الخلوي، وكتبت جــملة من مئة وأربعين حرفاً تقول فيها: «أنا حزينة لتبلغي نبأ وفاة آية الله محمد حسين فضل الله، أحد عمالقة رجال «حزب الله»، فأنا كنت أحترمه جداً». هذه العبارة، التي كتبتها صباح الأحد الماضي خلال إجازة تقضيها في بيروت، نشرتها على صفحتها الخاصة على موقع «تويتر» الإلكتروني للتواصل الاجتماعي. لم تكن نصر داخل استديوهات ومطابخ التحرير، كانت خارج مهامها، تعبر عن رأي خاص وفردي، المفترض أنه حق مكفول. وهو الحق الذي اختزلته المحطة العالمية، بأقل من ثماني وأربعين ساعة، حيث أجبرت نصر على الاستقالة، سالبة إياها حق التعبير عن رأيها، كإنسانة، وإعلامية عربية عاصرت المرجع الراحل. فضلت نصر، في اتصال مع «السفير»، عدم التعليق على الإقالة، أو على العبارة التي تحولت إلى «خطيئة»، على الرغم من اعتذارها عن تعليقها - زقزقتها (ترجمة لمعنى تويت على هذا الموقع الإلكتروني). بلا مقدمات، او تفاوض، ومن دون تقدير لجهدها في القناة على مدى عشرين عاماً، أقيلت نصر، وأصبحت فجأة خارج المؤسسة التي احتلت فيها احد الصفوف الأمامية. منذ اللحظة التي نشر فيها التعليق، انفجر الحقد الإسرائيلي، واندفعت صحف إسرائيلية ومؤسسات مثل «مركز سايمون وايزنثال» (أضخم منظمة يهودية لحقوق الإنسان)، للمطالبة بمعاقبة نصر «لاحترامها لمن يعتبر الراعي الدولي للإرهاب». وسرعان ما توالت ردود الفعل الأميركية والتقارير التلفزيونية المناهضة لنصر، مُدينة إياها «لدفاعها عن الإمام الإرهابي»، و«الشخصية التي أدرجتها الولايات المتحدة على لائحة الإرهابيين الدوليين». ولم يقتصر موقف القناة على إقالة موظفتــها، بل كـانت طلبت منها الاعتذار، ما دفعها الى الاعتذار عبر مدونتها في الموقع، وهو لا يتضمن بالضرورة تراجعاً عن رأيها بالراحل خصوصاً في قضية المرأة. وقد تضمن الآتي: « «نشر التعليق كان خطأ من قبلي، لكني كنت اقدر موقــف فضل اللــه المتميز بين رجــال الدين الشيعة حول حقوق المرأة». وعادت لتوضح «لا يعني أني كنت أؤيد كل مقولاته». وبالرغم من هذا الاستدراك، لم تشــف «سي أن أن» غليلها، إذ أعلنت على موقـعها الإلكتروني أن «رأي نصــر آثار موجــة عارمة من الانتـقادات، وكان سوء تقدير منها أن تنــشر هذا التــعليق بهذه البساطة». واعتذرت القناة عن «أي إهانة سببــها هذا التعليق، الذي لا يتلاقى مع معاييرها في التحرير. وهي مسألة جدية وسيتم البت فيها». ولم ينته الأمر عند هذا الحد، بل اعلنت نائبة رئيس «سي أن أن انترناشونال» باريسا خوسرافي أمس الاول، اننا «بحثنا المسألة مع نصر وقررنا أن تغادر المحطة، معتبرة «أن مصداقيتها كصحافية متخصصة فى شؤون الشرق الأوسط قد تأثرت». هكذا بات اسم أوكتافيا نصر متداولاً عبر عشرات الآلاف من المقالات والتعليقات على الإنترنت، التي عبر كثير منها عن انحياز فاضح ومعيب للقناة الأميركية. وهو انحياز كانت طاولت مفاعليه عميدة المراسلين في البيت الأبيض هيلين توماس التي أحيلت منذ شهر إلى التقاعد بعدما قالت لحاخام يهودي: «قل لهم (للإسرائيليين) أن يغادروا فلسطين، وتذكر أن هذا الشعب (الفلسطيني) خاضع للاحتلال، وهي أرضه، يجب أن يعودوا إلى ديارهم إلى بولندا، ألمانيا والولايات المتحدة». كتوماس تماماً، دفعت نصر الثمن، لأن «الحريات» الأميركية لم تتسع لتعليق حول شخصية مشهود لها باعتدالها. ولم تستطع احترام حق التعبير، وهو الحق الذي استخدمته السفيرة البريطانية في بيروت فرانسيس غاي عبر نشرها علانية مقالة رصينة على مدونتها، مودعة فيها السيد فضل الله. وعبرت فيها عن إعجابها بالمرجع الراحل، فكتبت «عند زيارته يمكنك أن تكون متأكداً من حصول نقاش حقيقي مع جدال محترم وكنت تعلم أنك سوف تتركه مع شعور بأنك أصبحت شخصاً أفضل. هذا بالنسبة لي هو الأثر الفعلي لرجل الدين الحقيقي الذي يترك أثراً على جميع من يلتقيهم بغض النظر عن دينهم». اطاح تعليق شخصي بحت بجهد صحافية بــرزت في برامــج مثل «سي ان ان وورلــد ريبــورت» و«سـي ان ان انترناشونالز وورلد نيوز» وتغـطية الحــروب والنزاعات (العدوان الإسرائيلي على لبنان 2006، تداعيات 11 أيلول، حرب البوسنة). كما أدارت فريقاً ضم 15 شخصاً خلال تغطية الحرب على العراق. وقبل أن تنتقل متخرجة الإعلام والتمثيل من «كلية بيروت الجامعية» إلى أميركا، عملت منذ عام 1985 في «المؤسسة اللبنانية للإرسال». من جديد تحاصر الحرية الفردية للصــحافيين، ويفتح النقاش حول قمع المؤسسات الإعلامية للآراء الشخصية لموظفيها. نقاش ينطلق من أسئلة أساســية: أين تبدأ حرية الــرأي وأين تنتهي؟ أين تُعلن وأين تُستر، في ظل تداخل الشبكات الإلكترونية الاجتماعية مع يومياتهم؟ لا أحد يدري إذا ما طرحت نصر هذه الأسئلة على نفسها عندما أودعت ذلك التعليق- العاطفي أكثر منه السياسي- في حضن الشبكة. ربما كانت تمارس حقاً ليس من المشروع أن يسلبها إياه أحد. لم تخسر نصر، على الأغلب خسرت الحريات الإعلامية.

6.7.10

عندما تأتي أبتسم، نبتسم، ويبتسم العالم كله


نشرت في جريدة السفير
جهينة خالدية
2007

عندما صمــتا، كــانت تنــظر إلى عينيه، وتحاول أن تجد شيــئاً ما. أي شيء يمــكن أن يقودها إليه. أو أن يقــودها بعيــداً عنه. قالت إن عينيه سوداوتان، وهي تحبهما عسليتين. وقالت إن شعره بنيّ وهي تحبه أسود، وبشرته بيضاء وليست حنطية.


عندما صمتا، كان يــردد أنها كــثيرة الــكلام، كثيرة الحركة، كثيرة النظام، شعــرها مجــعد، قامــتها قصـيرة، عيونـها سوداء وهو يـحبها عسلية.


كان هذا لقاءً أول. انتهى بجملة من نوع: "أنا أحترم صداقتنا كثيرا".


"الصداقة" التقت مرة ثانية، لتتبلور. اختلفا بين الفتوش والتبــولة، النسـكافيه والقهوة، ميلان كونديرا وخوسيه ساراماغو، عبد الحليم حافظ وأم كلثوم، ريما خشيش ولينا شماميان، أنجيلينا جولي وشارون ستون، مايكل شوماخر ورايكونون.


في اللقاء الثالث، بعد أسبوعين سألها: - قهوة؟ - سادة، أجابت. - الشِعر؟ - العاميّ، أجابت. قالت، وقال هو في وقت واحد: طلال حيدر. وجدت ما تبحث عنه. في اللقاء العاشر أو الحادي عشر، اتفقا على التالي: أم كلثوم، ريما خشيش، أنجيلينا جولي، المطر، التبولة، القهوة، ومؤكد ساراماغو. وبقي كل ما تبقى.. عالقاً. في اللقاء الثاني عشر، شربا القهوة. مشيا على طول شاطئ صور، وقرآ ما يحفظان من الشعر. انتهت السهرة عند أذان الصبح. وبقي طلال حيدر يحرك يده وحيداً على الرمل، وكأن بعلبك كلها تلوح في أفق كفه.. وبقي ينمنم: مشتاق../ إيديّي غـمر مفــتوح متل النون/ معجّل.. متل جملة ما فيها سكون/ ولا بنهدى/ والوقت ما عنده وقت ينطر حدا/ يمكن أنا مجنون/ هيّ/ متل شي خط بريشة قصب/ وهوّ / متل حرف العرب..


مضى على اللقاء الأول أشهر ثلاثة. عادت فيها مراراً إلى دفتر يومياتها، وكتبت: »يغير قناعتي، وكأنه يعيد كتابتي. يجدد ما ظننت أني حذفته من نفسي. أحب العيون السود، لا بأس بالبشرة البيضاء، أحب عندما يبالغ بقص أظافره، أحب عندما يناديني »بسينة« (قطة)، أظن أني..«.


كانت تريد أن تأخذ وقتها في التعرف إليه. كانت تريد أن تتململ به. كانت تريد ان تعطي نفسها فرصة أخيرة لئلا تحبه. لئلا تنهض في صباح كل يوم وهي تشعر أنها تختنق به.. ثم يعجبها الاختناق به. كانت تحب فكرة أن تستطيع الهرب منه. كانت تحب ألا تنهض وسط الحلم لتقول له همساً، وعبر المنامات إنها له. وإنها لا تغفو إلا عندما تتخيل نفسها فوق غيمة على شكل حضنه. ما كانت تكــترث لأي شــيء، كــانت قد تغيرت منذ مدة. كانت تسأل نفسها أسئلة مملــة ومتعبة مثل »كيف نتغير فلا يعود الانتــظار مشـكلة. ولا الملل مشكلة. ولا الرهــبة مشــكلة ولا الكــآبة الناتجــة عن كل هؤلاء مشــكلة؟ كيف نتغير كما نغير عطرنا فلا يعود للعــطر رائحـــة. يمر بجابنا ولا يلتصق بنا. يلامـس البشـرة ولا تمتصه ولا تتشربه. يتغير جلدنـا فلا يعود يعرفنا ولا يتعرف على عطورنا. تصبح الرائحة ترشح منا لا تدخل إلينا«.


كان يحب ألا يكون مرتــبطاً أبداً. كان يحب أن يشاهد فيلماً رومانسياً، ويركــز على بطــلته المثيرة.. ولا يفكر بحبيبة رسمية. كان يحب أن يكون حراً. كان يحب أن ينظف أسنانه بهدوء، يقرأ رواية بهدوء، يكمل مشروعه بهدوء.. بلا أن تقفز هي أمام كل شيء، بين الدقيقة والأخرى. بلا أن تغتال انفراده. بلا أن تسرق خصوصيته. بلا أن يشعر فجأة برغبة بضمها. بلا أي كلام.. لا كثير ولا قليل. الكثير منه لا ينفع. فقط يريد أن يضمها. وكلما شدّ أكثر.. قال لها بهذا إنه يحبها أكثر. قبل أن يتدخل طلال حيدر في علاقتهما، كان يتجنب أن يلامس المدينة، ويفضل أن يتخفى في ثوب مظلل، يبعده عن صخبها ونسائها وفتياتها. كان يحب أن يهرب منهن.. ولا يخرج ليتأملهن، إلا وقت تتعبه الروايات. كان يخجل.


اختلفا. الحب، الغيرة، العلاقات السابقة. اختلفا مرة ثانية: العمل، المال، الهجرة.. لبنان نسيا الشعر. ارتبكا. ارتفع صوتهما. عاد وغمرها. ضحكت واستكانت. اختلفا مرة ثالثة: الأهل، الفوارق الاجتماعية، العقيدة.. انفصلا. أشهر ثلاثة مرت. العلاقة انتهت. ثم التقته مرة في أحد مسارح العاصمة. قالت له إنها بخير. أوحى لها أيضا أن »كله تمام«. عند صباح اليوم التالي عالجته برسالة قصيرة: »عريس في بيتنا اليوم«. اتصل : سألها »تتجوزيني؟« أجابته: »سأسأل أمي«. قالت لها: »هو أحن رجل على وجه الأرض«. قالت الأم »لا«. قالت له: »أمي تقول لا«. رسمت كرزتين صغيرتين لا إراديتين فوق وجنتيها.. ذبلت برومشها القصيرة.. وقالت له »بشوفك بكرا«.


**


عادا


**


حاول أن يشرح شيئاً من هذا لصديقه. ففشل في قول غير التالي: »تعلمني كيف أرسم رجلين لفكرة رائعة ولكن عرجاء. تعلمني كيف اصطاد فكرة حقيقية من بحيرة اصطناعية. تعلمني كيف أنتظرها وأنتظرها وأنتظرها. وعندما تأتي، تعلمني أنها عندما تبتسم ابتسم.. وبعدها العالم كله.. يبتسم«. وقال لنفسه همساً: »لأنها ابنة مناماتي، أريد ان أنام ولا أصحو. أريد أن أعيش بلا صوت. أريد ذاك الجنون. أريده.. هو المجنون. أريد ان أهرب من كل مرجانة تلاحقني. علني بهذه الطريقة أعيش في البين والبين. أو أنام بين أغنيات ودندنات ومووايل. علي ان أستلقي في بيت خيالي، في بيت أفكاري، في بيت البحيرة الذي أحفظه من فيلم قديم«.


هو حبيبي. عندما كررت هذه الجملة بصوت مرتفع، قالت »اللعنة.. والله بحبه«.. سأقول له. [[[ هو، قال لصديقه: صرت أقف عند محلات الفضة، أبحث عن سوار برفع خيط.. يرسم خطاً على يدها، ولا يسرق من جمالها شيء. ابحث عن سوار بحبتي خرز، تحميانها من كل عين. صرت أقف عند واجهات محلات الأحذية، أبحث لها عن »سكربينة« زهرية ناعمة، تشبه تلك التي تلبسها »بالورينا«. وجدت واحدة، بوردة صغيرة عند الكاحل، فاشتريتها لحبيبتي الصغيرة. في اليوم الذي بعده.. بحث لها عن قصيدة. وجدها: فوتي على خيالي/ تا سكّر عليك/ قاعد بالمرايه/ اتنوقص علــيك/ وجّك/ سفر العسكر/ متل الخنجر/ متل القدس وعم تتــسكّر/ قوليلهن إني انا خيالن/ رح اسكن بــها النوم/ واتخايل قبالن.

3.7.10

أذهب إلى السماء الآن

جهينة خالدية

أموت الآن
سأموت الآن
أشهر أنام في ورق الرمان
أدور حول حولي في زرقة بلا لون
أتوحد وأنت فتتوحد وهي
ألعق الإبتسام وأزرع نثرات الزجاج في الوجه
النثرات هي أنت
الدمع هو أنا

على غفلة بت بلا ظل
أنام في سجن النساء وأختار لنفسي حماية من قضبان
الظل هنا ينقصه الضوء والضوء أكلته الكوابيس
أحتاج إلى ماء أو أسبح في التراب
التراب أنت
وأنت مسمم

في سجني القلب يكون حبات كرز ثمانينية
يتفتت، يجف، يجن، يقف فوق أجساد النساء
يضرب رأسه في حيطان مشبعة برائحة البول
يقضم الحنجرة مرات: "أينك يا مطر؟" "أينك يا مطر" أينك يا مطر"
المطر أنت
وأنت في السماء
والسماء بعيدة
أذهب إليها بعد يوم
بعد يومين
الآن

2.7.10

حملة إعلامية وإعلانية دعماً لمشروع قانون حماية البيوت التراثية



نشر في جريدة السفير

جهينة خالدية

02-07-2010

عشرات القبور تحمل في أعلاها صور موتاها. هذا ببشرة حمراء، آخر بـ«طربوش قرميدي»، ثالث بأوراق خضراء تتسلق الجدران، رابع بقناطر مزدوجة.. لا يرقد الموتى بسلام، يتقلبون ولا ينتفضون، فهم ركام تتكسر أضلاعه تحت أساسات ناطحات سحاب تبنى فوقهم وبينهم. القبور لموتى ليسوا إلا بيوت لبنان وبيروت التراثية التي تسقط وتهدم أمام موجة البناء العصري المتفشي في العاصمة من دون قانون يمنع ذلك أو ينظمه. هذا هو فحوى الفيلم الذي عُرض في المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير الثقافة سليم وردة في قصر الأونيسكو أمس، لإطلاق الحملة الإعلامية من أجل دعم إقرار مشروع قانون حماية الأبنية التراثية والمواقع التراثية، وذلك بالتعاون مع المؤسسة الوطنية للتراث، حزب الخضر اللبناني وجمعيات أبساد، «save Beirut heritage» و«stop destroying our heritage». الفيلم عرض صور بيوت لم تعد في مرمى النظر، هُدمت ولم تخلف وراءها إلا أبنية مقيتة عصرنتها، وممل تصميمها الذي يأتي بلا تاريخ، ولا ذاكرة ولا خاصية تذكر. بيوت يقول وردة إن «مسؤولية الحفاظ عليها تقع على جميع اللبنانيين. إذ لا مستقبل من دون جذور وعندما نهدم منزلا تراثيا إنما نهدم جزءا من هويتنا اللبنانية، والحل الوحيد هو إقرار القانون للحفاظ على ما تبقى من الأبنية التراثية». إقرار مشروع القانون الذي بات أمام اللجان النيابية المشتركة تمهيدا لإقراره في الهيئة العامة لمجلس النواب هو الهدف الأول والأساس الذي بتحقيقه يتوقف النزيف جراء هدر دم هذه البيوت. لكن إقراره سيدخل في مخاض وصراعات طويلة، بعدما تململ وجمد لسنوات في مجلس النواب لأسباب بعضها تتعلق بالظروف السياسية وبعضها الآخر بمصالح رجال أعمال وشخصيات رسمية تخشى على مشاريعها العقارية التي تدر عليها الملايين. كل هذا يجري في ظل عدم وجود قوانين تمنعهم من هدم البيوت غير المدرجة على لائحة الجرد العام. وفي واقع الأمر لا يحتاج هؤلاء إلى لائحة لتمنعهم، فهم برشى ووساطات من هنا وهناك ينجحون حتى في تحرير بيوت ممنوعة من الهدم بسحر ساحر. هكذا يقول وردة «المعركة مستمرة وأنا أضع الجميع أمام مسؤولياته» والمعركة هذه تبدأ فعلياً عند الانطلاق بتنفيذ القانون وتنفيذ القرار الذي استصدره وردة لتأليف لجنة لاستكمال عملية الجرد في مدينة بيروت من مجلس الوزراء يترأسها بنفسه وبعضوية المدير العام للآثار المدير العام التنظيم المدني، نقيب المهندسين، ورئيس بلدية المحلة بيروت أو غيرها. عندها نكون أمام ضغوطات هائلة وأموال ستلوث العاصمة في محاولة لتهريب بيت من هنا أو قصر من هناك. هنا يقول وردة رداً على سؤال لـ«السفير»، «الضغوطات دائمة من شرائح واسعة.. لكن حماية هذه البيوت الآن هو أولوية الوزارة وأولوية الحكومة بحسب ما جاء في بيانها الوزاري». ويعود وردة ليهدئ من روع أصحاب العقارات الذين يهلعون كلما سمعوا بلائحة جرد تجمد الهدم أو التصرف بالعقار، مشيراً إلى أن «لمشروع القانون حلولاً كثيرة، إذ نحن لسنا بصدد سلب أصحاب المنازل حقوقهم المحفوظة أصلا، بل سنقدم لهم الحلول التي تساهم في الحفاظ على التراث». من جهة ثانية أعلن وردة عن «تجاوب وزير الداخلية والبلديات زياد بارود لجهة تمرير جميع رخص الهدم في بيروت عبر لجنة خاصة ستقر بالموافقة أو عدمها وذلك بعد دراسة طابعها التراثي»، داعياً الناس إلى التبليغ عن أي عملية هدم لمبنى يظنون أنه تراثي على الخط الساخن الخاص 01612299، للتحرك الفوري». وكانت ريما شحادة من المؤسسة الوطنية للتراث تمنت أن يلقى مشروع القانون الدعم اللازم من كل المسؤولين. بدوره اعتبر رئيس حزب الخضر فيليب سكاف أن في لبنان عدواً داخلياً أكبر من العدو الخارجي وهذا العدو هو الذي يتحول إلى حفار قبور من خلال هدم المنازل التراثية. بعد صراع طويل، قد يرى قانون حماية الأبنية التراثية النور، حتى ذلك الوقت تسعى وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار إلى ملاحقة بيت يموت هنا وآخر تعلق له المشانق هناك، وكأنها ضابطة عدلية «تراثية». هذا جهد جبار قد يؤخر من محو وجه العاصمة بالكامل، لكنه لا يعيد رسم ما مُسح، وذلك أمام مخطط توجيهي مدني يشجع على الهدم وعلى البناء العصري تحت حجة النمو الاقتصادي، وأمام نظرة مموهة من الدولة وحتى الأفراد لشكل المدينة في الحاضر والمستقبل. الجهد التالي الذي يجب أن ينفذ إذا هو توعية شاملة لكل الناس حول تراثهم وأسباب الحفاظ عليه. بعد ذلك قد نجرؤ على الدعوة لتحرك سلمي يناصر بيوتنا التراثية. إجــراءات متدرجــة للحمايــة
يشدد مشروع القانون الذي أحيل إلى اللجان النيابية المشتركة تمهيداً لإقراره في الهيئة العامة لمجلس النواب على استحداث وسائل حماية وقائمتين إضافيتين، مقترحاً إجراءات متدرّجة على ثلاث مراحل من أجل حماية العقارات المعنية: المرحلة الأولى: قرار تدبير الحماية الذي يصدره وزير الثقافة لأي عقار مبني أو غير مبني وذلك بناء على اقتراح المدير العام للآثار أو بناء على طلب تقدِّمه إحدى الإدارات أو المؤسسات العامة أو البلديات المختصَّة أو أصحاب الحقوق في العقارات المعنية أو إحدى نقابتي المهندسين. مفاعيل هذا القرار ستة أشهر من تاريخ صدوره، وتسقط حكماً إذا انقضت المدة ولم يصدر القرار المؤقَّت في حينه. المرحلة الثانية: القرار المؤقَّت الذي يصدره أيضاً وزير الثقافة بعد استطلاع رأي لجنة فنية استشارية وموافقة المجلس الأعلى للتنظيم المدني ويحدِّد فيه النطاق الجغرافي المُزمع حمايته والعقارات التي يتضمَّنها والتدابير المؤقتة التي تخضع لها. مفاعيل هذا القرار سنتان من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، قابلة للتجديد مرة واحدة وهي تسقط حكماً إذا لم يصدر مرسوم الترتيب النهائي في حينه. المرحلة الثالثة: مرسوم الترتيب النهائي الذي يُتَّخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزيري الثقافة والأشغال العامة والنقل، وبعد استطلاع رأي اللجنة الفنية الاستشارية وموافقة المجلس الأعلى للتنظيم المدني. ويُحدَّد في هذا المرسوم النظام الخاص بالعقارات المُزمع حمايتها بشكل نهائي. وفي إطار الوسائل المتَّخذة أعلاه، تُُمسَك لدى وزارة الثقافة قائمتان: «قائمة التحديد المؤقت للعقارت التراثية المحمية» وفيها تُقيَّد أرقام ومواصفات العقارات المحدَّدة مؤقتاً والمزمع حمايتها وسائر المعلومات الخاصة بها. و«قائمة العقارات التراثية المحمية» وفيها تُقيَّد أرقام ومواصفات العقارات التي جرى ترتيبها نهائياً بمرسوم وسائر المعلومات الخاصة بها. كما يقدم قانون حماية الأبنية التراثية جملة من الحلول لمالكي العقارات المحمية أو التي سيتم حمايتها بينها حوافز من شأنها تشجيعهم على المحافظة على مبانيهم وترميمها، بينها «إمكانية المالك من الاستفادة من التعويض برصيد يوازي 75٪ حدّاً أقصى من المساحات التي حُرم من بنائها على العقار الواقع ضمن المنطقة المحمية، على أن يتمّ هذا التعويض من خلال الترخيص بإضافة بناء في عقارات أخرى تُحدَّد بمرسوم يُتَّخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزيري الثقافة والأشغال العامة والنقل بعد موافقة المجلس الأعلى للتنظيم المدني. والإعفاء من ضريبة الأملاك المبنية، والرسوم البلدية على القيمة التأجيرية عن إيرادات عقاره لفترة تتراوح بين سنة واحدة وعشر سنوات، كما من الرسوم المتوجِّبة عند الترخيص بالبناء أو التعديل أو الترميم. والإعفاء من نسبة خمسين في المئة من قيمة رسم الانتقال عند توجُّبِه، ومن النسبة نفسها من قيمة رسوم التسجيل والفراغ العقاري عند توجُّبِها، إضافة إلى «عطاءات الصندوق المُنشأ بموجب قانون موازنة العام 2003 وذلك من أجل القيام بأعمال الترميم وغيرها طبقاً للمواصفات التي يتطلَّبها النظام الخاص لمنطقة الحماية التي تشمله. وزيادة بدلات عقود الإيجار السنوية بما يوازي نسبة 15% من قيمة المبالغ التي يكون قد تكبَّدها من حسابه الخاص من أجل ترميم البناء في إطار النظام الخاص. وإذا رفض المستأجر، يحقّ للمالِك الطلب من القضاء المختصّ الحكم بإخلاء المأجور لقاء تعويض يُحدَّد بمبلغ يوازي نصف قيمة هذا المأجور حدّاً أقصى قبل إجراء أعمال الترميم عليه. كما يلحظ مشروع القانون، ضمن تدابير الحماية «أهمية دور مالك أو شاغل أي عقار محمي في التقيُّد التام بالقوانين والأنظمة النافذة وعدم ارتكاب المخالفات والتجاوزات. فعليه أن يحافظ على عقاره بحالة جيدة كي لا يتعرَّض إلى فرض تدابير وعقوبات وغرامات بحقّه». وفي هذا الإطار، «يحقّ لكل من وزارة الثقافة - المديرية العامة للآثار ووزارة الأشغال العامة والنقل - المديرية العامة للتنظيم المدني، والبلدية المختصّة، الادعاء أمام النيابة العامة المختصَّة لملاحقة مرتكبي المخالفات والتعدّيات الواقعة على العقارات المشمولة بأحكام هذا القانون. فيُعاقب كل مَن خالفَ الإلزامات أو المحظورات بالحبس من شهر إلى سنة، أو بالغرامة من مليون إلى عشرة ملايين ليرة لبنانية، أو بإحدى هاتين العقوبتين، بالإضافة إلى التعويض الذي قد يُحكَم به عن الضرر الذي يلحق بالمصلحة العامة».

12.6.10

"الفنار ـ Home" وثائقي يضيء على بعض من عالم شبه مجهول... في هذا المستشفى منسيون لا يشبهون الذين حكمنا عليهم "بالجنون"!


نشر في جريدة السفير


جهينة خالدية


12-06-2010


يقولون إنهم يقتلون الوقت وكثير منهم يدرك أن الوقت يقتلهم. لكنهم هنا يركبون جملاًَ مفهومة أحياناً، يبتسمون لعدسة تنقل واقعهم، يضحكون.. ثم يبكون. نراهم عن كثب، وندخل إلى عالم يخشاه كثر. عالم ممنوع، وموسوم «بالجنون». ونطل مع المخرج فيليب بجالي داخل أسوار ما كان يعرف بـ«جبل المجانين» - مستشفى «الفنار للأمراض العقلية والنفسية والعصبية» في المصيلح في الجنوب، ندخل إلى حكايات سكان الداخل وهم ينتظرون أن يأتيهم أحبة من الخارج ولا يعرفون أنه لم يعد لهم «خارج» بعد الآن. ثلاثون دقيقة معهم وعنهم، هم الذين يتوحّدون تحت مأساة واحدة: إدراكهم أنهم وحيدون، وأنه في لحظة من حياتهم اجتمع من كانوا أفراد عائلاتهم، على نبذهم والتخلي عنهم. ثلاثون دقيقة هي مدة فيلم بجالي «الفنار»- Home، الذي عرض في قصر الأونيسكو أمس الأول، نتعرف خلالها أيضاً على قصة أجيال ثلاثة من نساء عائلة اللبان اللواتي حضنّ المرضى بكل ما لهذا الفعل من معنى. وفي حين يسجل على الفيلم طغيان الجانب التوثيقي والدعائي لمشروع إعادة تأهيل ودعم المستشفى، بتمويل من مكتب التعاون في السفارة الإيطالية في بيروت، وفي إطار برنامج الطوارئ ROSS، (وهي الجهة التي أنتجت مع شركة «نيوز بروديكشن» الفيلم)، إلا أنه ينجح في أجزاء أخرى في التعريف أكثر على عوالم رواد هذا المستشفى والتركيز أولاً وأخيراً على إنسانيتهم، بغض النظر عن مرضهم. التركيز هذا، يترجمه بجالي عندما يقرر أن يقول كل شيء: «اقتربت منهم، صوّرت تفاصيل حياتهم ووضعهم المزري (لا سيما قبل تأهيل المستشفى)، عكست فقدانهم وجملهم المتقطعة وحنقهم على المجتمع - العائلة، والأهم أني رفضت إخفاء وجوههم أو أسماءهم، ففي هذا مساواة بأي إنسان آخر لديه ما يقوله، ويحق له بالتعبير عنه». ويعود بجالي ليلفت: «أحاكي في كل هذا مجتمعاً قاسياً، وأنانياً، وأسعى بالدرجة الأولى إلى حثه لتغيير نظرته اتجاه هؤلاء الناس». كما يوضح أن «الجهة الممولة لترميم المستشفى طلبت فيلماً لتوثيق عملها، وفضلت أنا تصوير الجوانب الإنسانية لمن يعيش داخل هذه الجدران ومن خلالها نرى التغيير والترميم». ولا ينسى مخرج أفلام «المقايضة الكبرى» (المعتقلون في السجون الإسرائيلية وقضية الطيار الإسرائيلي رون آراد) و«ذاكرة حيّة» (الحرب الإسرائيلية على لبنان -2006)، أن يذكّر «بحصوله على إذن من المرضى لتصويرهم، مما يسمح بعرض الفيلم بشكل غير تجاري وفي لقاءات هادفة فقط، إنما يمكن له أن يشارك في مهرجانات خارج لبنان». ولا يرد في فيلم بجالي كثير من «التنظير» عن ظلم المجتمع، لكننا بكلمات الشخصيات وعائلة اللبان نلمس قسوة مجتمع لا استعداد لديه ليقترب من هؤلاء الناس وقدرته بسهولة على ازدرائهم وينزع عنهم إنسانيتهم، ليعيش «هناءه» و«سلامه». هذا شاب أربعيني لا ينسى «إبعاده» (الأبدي ربما) عن العائلة: «قالت لي أمي لازم نجي لهون نصف ساعة وبس. من ثماني سنين قالت نص ساعة. تركتني هون وهيدا وج الضيف». وهذا رجل خمسيني لا يصدق بعد أنه يسكن هذا المستشفى منذ سنوات، ويكرر «كل يوم بفكر كيف بدي إطلع قبل ما يطردوني من شغلي. لازم إطلع». أما الكلام التوثيقي حول إنشاء «الفنار» على يد الدكتور الراحل عبد الرحمن اللبان واستمراريته بجهود أرملته «المجاهدة»، عادلة اللبان وابنتها الدكتورة سمر وحفيدتها ساندرا ملحم. وعلى الرغم من هذا يحمل الفيلم كماً هائلاً من العواطف والمشاعر المخزنة في وجوه المرضى، ونظراتهم الباهتة أحياناً وهنا تقول الدكتور سمر اللبان لـ«السفير»: «أردناه فيلماً يحرك إحساس الناس، ولم نسع إلى وثائقي عن هذه الامراض وكيفية تقييمها. وندرك حاجتنا الكبيرة لنشر هذه القضية بشكل موسع جداً، لنحقق تغييراً وخرقاً في التفكير السائد عن هؤلاء المرضى». وهو ما يؤكد عليه السفير الإيطالي غبرييلي كيكيا لـ«السفير» مشيراً إلى أن «دعم مشاريع تحفظ كرامة الناس وتلبي حاجاتها هو جزء أساسي من عملنا هنا». من جهة ثانية، يشعر من يسمع عادلة اللبان (وهي متخصصة في الأمراض النفسية والتعليم في الجامعة اللبنانية الأميركية) تتحدث عن المستشفى - الحلم، أن الفيلم أغفل شيئاً من نبض هذه السيدة التي عملت منذ العام 1976 مع زوجها الدكتور اللبان وأطباء آخرين منذ العام على تأسيس «الفنار». وتقول لـ«السفير» ما لم يرد في الفيلم عن حياتها وحياة داخل جدران المستشفى إنها «تركت مؤخراً منزلها في بيروت وتقيم بشكل دائم في غرفة خاصة في المستشفى، «هكذا أكون قريبة من المرضى، وأهتم بهم بشكل يومي ومنتظم». هل تتعب هذه المرأة السبعينية؟ تجيب بحماسة بالغة «أتعب؟ ممن؟ مماذا؟ أنا أحبّ المرضى، هم جزء من حياتي، لا شعور أرقى من حفظ كرامة الناس وتأمين ملاذ لهم». وتعود لتردف «عشنا أوقاتاً صعبة وواجهنا تحديات يومية، لدينا 230 مريضاً و50 مريضة علينا أن نداويهم، ونطعمهم، ونأويهم، منهم من يخرج لحياة سابقة ومنهم من لم تعد له حياة خارج هذا البيت الكبير». لا نرى في «الفنار» الصور النمطية عن مرضى يعانون اضطرابات نفسية، من صراخ وانهيارات عصبية وعنف وتعنيف، وإن وجدوا فيبدو أن الغاية من الفيلم سعت للتركيز على حق هؤلاء بالاهتمام، وبالحياة غير الأحكام والقوالب الصارمة. لكن هذا ليس الجانب الوحيد الذي لا نراه في فيلم من ثلاثين دقيقة، الذي يبدو أنه واجه بعض المسائل التي تمنع خروجه بشكل صارخ وقصصي ودرامي أكثر بكثير مما قُدم، أبرزها الجانب الدعائي وثانيها أننا أمام موضوع لطالما اعتبر من التابوهات وقد كُشف عنه دفعة واحدة.. بهذا نكون أمام دفق درامي وتدفق قصص تفيض عن فيلم واحد ولا شك في أنها تستحق أكثر من وثائقي، وأكثر من تحقيق إستقصائي للتقليل مما نجهله عن هذا العالم. حسب الفيلم أنه أضاء على حيوات تستحق قليلاً من الحب.. ولها علينا الحق بالموت في أحضان عائلة فعلية، لا في محيط مستشفى، اضطر القيمون عليه إلى دفن ستة عشر مريضاً منذ إنشائه.. المجتمع يعرف كيف يفرّق في الموت أيضاً.

11.6.10

أبو ناجي: الأب الروحي لشارع "بلس" ينقل دكانه



نُشر في جريدة السفير


جهينة خالدية


11-6-2010


خاو. لكنه يحمل بين جدرانه روائح الذكرى. منذ الثالثة من بعد ظهر الاثنين الفائت، أصبح متجر «أبو ناجي» الشهير في شارع «بلس» (خط الجامعة الأميركية في رأس بيروت) مجرد مساحة خالية، ستتحول قريباً جداً إلى كومة أحجار مهدمة. هكذا، طويت صفحة ماضية الطويل الممتد على ثلاث وعشرين سنة، ملأتها اليوميات والأحاديث السريعة والصداقات.أخلي المتجر الذي يستأجره عبد الله المير، قريب «أبو ناجي»، ويشغله الأخير. وفي الأيام المقبلة، سيتم إخلاء المتاجر الأخرى التي تشغل المبنى نفسه، ومن بينها «مكتبة مالك» و«المركز الأميركي للغات»، تمهيداً لهدم المبنى الذي يعود تاريخ بنائه إلى العام 1925 تقريباً.المبنى الحجري البسيط، لم يُدرج على لائحة الجرد العام للأبنية المصنفة تراثية، على الرغم من سعي المستأجرين فيه مراراً لدفع وزارة الثقافة إلى تصنيفه، منعاً لهدمه. مساعيهم باءت بالفشل، فقد ارتأى المعنيون أن المبنى لا يحمل علامات «أثرية» أو «تراثية» قيّمة تستحق المحافظة عليها. وهكذا، تضع معايير التصنيف وجه البلد، مرة جديدة، أمام بتر لعلاقة مبنى بجواره ومحيطه.على المستوى القانوني، انتقلت ملكية هذا المبنى في التسعينيات من آل شويري إلى شركة «الوهاد»، لمالكها تحسين خياط. وتلفت محامية خياط مايا حبلي «السفير» إلى أن «المالك دفع تعويضات للمستأجرين القدامى، وصلت إلى مئات آلاف الدولارات، ونحن ملزمون بإخراج المستأجرين في مدة أقصاها ثلاثة أشهر من تاريخ دفع التعويضات (أيلول 2009). ولقد منح المالك الجديد المستأجرين مهلة إضافية للإخلاء». أما عن سبب الهدم فتشرح أنه «لا يمكن المالك استرداد المبنى من المستأجر القديم إلا لسببين، إما للضرورة العائلية أو الهدم». وتضيف: «نحن ملزمون بالهدم خلال سنة من تاريخ صدور الأحكام، وإلا أجبرنا على دفع مبلغ إضافي للمستأجر القديم، تصل نسبته إلى نصف التعويضات التي دفعت لهم».ما يحصل في «بلس» تشهده في كل دقيقة نواحي المدينة كلها. وهنا، نحن أمام حالة عاطفية تتمحور حول علاقة آلاف الطلاب بالمكان وبمن يحمل اسمه، الذي نقل متجره إلى موقع جديد، بعيد نسبياً عن مدخل الجامعة.يمشي أبو ناجي في «بلس»، ويرى الابتسامات والتحيات التي يتلقاها من الجميع بلا استثناء. السائر معه يفهم أن الرجل يشبه الأب لهذا الشارع. يقبلونه، يربتون على ظهره تضامناً مع غصته. والرجل يجيب: «الله كريم، والله الرزاق وين ما بكون.. بس أنا حرقتي على العِشرة، وعلى كل السنين اللي قضيتها مع الطلاب مقابل المدخل الرئيسي للجامعة».بينما يلفظ جملته الأخيرة، يتكاثر عدد الطلاب الواقفين أمام متجره المغلق. هذا أيمن يشرح له: «بعرف إنك سكرت، بس معود أنا ورفقاتي نلتقي عندك.. أو منضيع!». ويردف: «عمو، ما لحقنا نلتقط صورة تذكارية معك بالمحل القديم!».تضحكه هذه الجملة وتفرحه في آن. يدرك جيداً العلاقة الوثيقة التي تجمعه بأغلب طلاب الجامعة: «كنا أنا وأم ناجي نعرف أخبارهم الخاصة، تقدمهم في الدراسة، مواعيد تخرجهم، ثم عملهم، ولاحقاً زواجهم.. وفرحتنا الكبرى تكون عندما نلتقي بهم بعد سنوات مع أطفالهم ويكررون: بكرا لما تكبروا بتجوا كمان عنده عمو أبو ناجي». وامتلأت الصفحة الخاصة بالمتجر، التي أسسها طلاب منذ زمن على موقع «فايسبوك»، بالشهادات والذكريات.فلا تنسى رانيا، الطالبة في «الأميركية»، تذكر «أم ناجي»: «تصبّحنا كبناتها، وتحيينا مكررة أهلا يا حلوة، كيفك يا أمورة، شو ما في شي هيك هيك، شو معميين هالشباب!».يقول «أبو ناجي»، المتقاعد من الأمن الداخلي: «هنا، عشت الحرب والسلم، وشهدت على الطلاب يخاطرون بحياتهم لأجل الدراسة، ويصطفون طوابير طويلة للاتصال بعائلاتهم من المتجر. آنذاك، كنت وحيداً أنا والطلاب وبعض القطط الشاردة في الشارع. وفي السنوات الماضية أيضاً، عايشت تفجير «الكولدج هول» في الحرب.. وشعرت بالخسارة الشخصية في بيتي».علاقة هذا الرجل الستيني بالجامعة تقتصر على خارجها فقط. ومن المرات القليلة التي دخل إليها، كان يناقش المساعدات الاجتماعية التي يمكن أن تحسم من قسط ابنته ديما الدراسي. يومها، لم تصدق الإدارة أن «أبو ناجي» يحتاج إلى دعم مادي: «لم يصدقوا أني لا أملك المحل، بل أديره فقط.. الغنى لم يكن يوماً هدفاً أسعى إليه».من هو «أبو ناجي» إذاً؟ هو السؤال الذي لا يمكن أن تسمعه في «بلس» أو بين عشرات آلاف من طلاب «الأميركية» ومتخرّجيها، لكنه السؤال الذي وضع يوماً في مسابقة «رالي بايبر» طلابية.. والجواب هو: اسمه الحقيقي محمود المير، وتجدونه دوماً في «بلس» يحكي عن ذاكرة جماعية للمكان.

4.6.10

المحقق الإسرائيلي لهاني سليمان: أنت ثانية؟ ستدفع الثمن غالياً!

نُشر في جريدة السفير 04-06-2010
عند الرابعة والنصف من فجر الاثنين الماضي، كان رجال من عشرات الجنسيات العربية والعالمية يرفعون أعناقهم إلى الأعلى، تحت سماء غزة ويكررون «الله وأكبر ولله الحمد»। الرجال يصلون، يغمضون أجفانهم، ويتجاهلون أن خطراً قد يبتليهم عما قليل. أتراك، أذريون، سوريون، كويتيون، لبنانيون، فلسطينيون، مصريون، أردنيون، ماليزيون، باكستانيون॥ يصطفون خلف إمام بلدة القدس الشيخ رائد صلاح، وبينهم مطران القدس في المنفى هيلاريون كبوجي.. كلهم في صلاة واحدة في إيمان واحد: الحق. وسط ذلك السكون، وبين ابتهالات ودعوات تخرج من أفواه خاشعة دوت أصوات أخرى، لا تشبه هدوء هذه الأدعية بشيء.. هذا صوت الرصاص المطاطي ينهمر على سفينة «مرمرة» التركية القابعة في المياه الإقليمية على بعد مئات الأمتار من غزة.. بترت الصلاة، وبعدها ستبتر حيوات شهداء وسيسقطون خلال دقائق تحت وطأة الهجوم الإسرائيلي على «أسطول الحرية». «بين الرابعة والنصف والخامسة صباحاً وقعت المجزرة، بعدما تحول الرصاص المطاطي إلى آخر حقيقي، وأُنزل عشرات من الجنود الإسرائيليين على متن الباخرة.. واعتدوا علينا، وكل ما حاولنا فعله هو الدفاع عن النفس». للحادثة تفاصيل كثيرة، تشبه فيلماً سينمائياً قاسياً، لكنها كانت حقيقة لا تنسى، وهي تروى الآن على لسان هذا الرجل المستلقي في الطبقة التاسعة من مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت. هو رئيس البعثة اللبنانية الدكتور هاني سليمان، الذي لولا الضمادات التي تغطي رجليه.. لما دلت نبرة صوته القوية على أنه مريض. يحكي لزوار كثر قصصاً أليمة.. متناسياً ألماً خاصاً، ومكرراً «لو قدر لي.. أعود مرة ومثنى وثلاث للأرض الحبيبة».. والزوجة جيهان ترفع الرأس إلى الأعلى وكأنها تتمنى ألا تعيش ذاك القلق من جديد، لكنها تُسر لـ«السفير»، «أدرك في قرارة نفسي أني لا أستطيع منعه من العودة، فأنا أيضاً مؤمنة بما يؤمن به». أما هو فيعلن في وقت لاحق «سألت نفسي كثيراً عن قدرة هذه المرأة على تحمل وزر التزامي السياسي، وفي كل مرة تفاجئني برباطة جأشها». يستلقي الرجل، من دون أن يعبر عن ألم جسدي سببه رصاصتان اخترقتا رجليه اليمنى واليسرى، ويتجاهل تضرر عصب القدم اليمنى بشكل قد يعيق تحريك أسفل قدمه في المستقبل.. وكأن سليمان لا يجد الوقت ليعود إلى الحاضر، فما زالت الأيام الثلاثة الماضية بأحداثها ونتائجها تشغل باله وحديثه، ويقول لـ«السفير»، «بعد الرصاص المطاطي، وقع الإنزال، وانهمر علينا رصاص من الذخيرة الحية. سعينا للدفاع عن أنفسنا من دون أن نقاتل فعلياً، وعندما تناثر الضحايا، استسلمنا بعدما اتخذ قرار على السفينة بعدم خسارة المزيد من الأرواح واعتبرنا أننا كسبنا المعركة بمجرد أن نقل الإعلام كيف اعتدوا علينا، وعندها خشينا من وقوع مجزرة يروح ضحيتها المئات يقتلون بدم بارد، لا سيما أن بعض الناشطين كانوا على أتم استعداد ليفدوا فلسطين بأجسادهم، وعدنا لنكرر أن كل هدفنا إثبات أن رحلتنا سلمية وهدفنا الأول والأخير كسر الحصار وإيصال الأدوية إلى غزة. بعدها استطاع عشرات الجنود إحكام السيطرة على الأسطول، كبلوا أيادي الكل، ونُقل الجرحى إلى أربعة مستشفيات في بئر السبع وأسدود، أما أنا فنقلت من الباخرة إلى الهليكوبتر إلى مطار تل أبيب..». أما في ما يتعلق بالتحقيقات يقول إنه «لم يكن هناك تحقيقات مفصلة وبالمعنى الفعلي للكلمة، ونحن نعرف أن إسرائيل عند الهزيمة لا تحقق كثيراً لئلا تكشف هزيمتها، هكذا كانت التحقيقات شكلية والمحامي إن وجد، فكنا نرفض التواصل معه على اعتبار أنه من الجهة المغتصبة والقراصنة الذي هجموا على أسطولنا، في حين تواصلنا مع محامٍ من جمعية «عدالة» الذي يعزم على مقاضاة إسرائيل وأوكلته بالتقدم بالدعوى عني أيضاً». ويعود ليذّكر أن «المحقق ذا الشعر الأحمر الذي استجوبني في العام الماضي في رحلة الحرية الأولى، حقق معي هذه المرة أيضاً، مكرراً «أنت هنا مرة ثانية؟ ستدفع الثمن غالياً». أما سليمان فيشرح أن «إسرائيل هي فعلياً من يدفع هذا الثمن، إذ نجح الأسطول في وضعها تحت المجهر، ورفع الاهتمام الدولي والأوروبي وفتح الأعين على ما يرتكبه هذا العدو.. علماً بأنه يجب أن نذّكر أن الجهد الأساسي هو للأوروبيين، ونحن لم نكن إلا داعمين، ولا ندعي أننا كنا في هذه الحادثة.. في الواجهة». بين مقطع وآخر من الرواية، يحظى الرجل بثوان قليلة ليلتقط أنفاسه، ويلقي تحية سريعة على أخ وصل وعائلته من ألمانيا ليطمئنوا عليه، ثم يتلقى مزحة من قريب «يا ابن عمي، أخذت رجلك على غزة؟». ويلي ذلك سلسلة طويلة من الاتصالات الهاتفية، هذا رئيس الجمهورية ميشال سليمان يهنئ سليمان بسلامته عبر الهاتف، والأخير يرد بجمل طويلة شاكرة «الوحدة بوحدتكم جميعاً، لنصل إلى بر الأمان.. وتشكر لتصريحك الداعم، الذي كان له الصدى الكبير في نفوسنا». واتصال آخر من وزير الداخلية والبلديات زياد بارود والنائبة بهية الحريري، والرئيس نبيه بري، الذي مازح سليمان بالقول «يا دكتور هاني، بشارة مرهج يبدي خوفه عليك من الإسرائيليين.. وأنا أجبته: عليك أن تخاف على الإسرائيليين من هاني». أما الزوار فلم تكل حركتهم منذ التاسعة صباحاً حتى ساعات المساء وهؤلاء تُكتب أسماؤهم على صفحات كثيرة تنتظر عند باب الغرفة، وبينهم وزير الصحة محمد جواد خليفة الذي عاين إصابات سليمان، وموفدون من رئيس الحكومة سعد الحريري وفعاليات. إضافة إلى باقات من الزهور، إحداها من رئيس الجامعة الأميركية في بيروت بيتر دورمان. هكذا وقد عاد الأب بخير إلى العائلة، هل يتركه الابن البكر أدهم (24 سنة) يعيد المحاولة بالدخول إلى غزة؟ ويجيب «أنا فخور به نعم، لكن خلص هذه المرة الأخيرة، لا أعتقد أن أحتمل تجربة أخرى بهذا الثقل». وأخيراً وإن سئل الدكتور هاني سليمان ما الذي لا يُنسى من الأيام الأخيرة؟ فيطلب ثوانيَ ليسترجع مشاهد مكثفة في الرأس.. «كيف أنسى هدير الحناجر وهي تصدح بذلك الاسم «من قحوف رجليهم».. فلسطين، فلسطين». يقول سليمان مستخدماً لكنة بقاعية واضحة. ويكرر «لا أنسى».

9.4.10

الزميلة جهينة خالدية من أسرة "السفير" تفوز بجائزة الصحافة "للحد من مخاطر إستخدام المخدرات





فازت الزميلة جهينة خالدية، من أسرة «السفير»، بجائزة الصحافة المعنية بالحد من مخاطر استخدام المخدرات، والتي تقدمها شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للحد من مخاطر إستخدام المخدرات- "المنارة"، للمرة الأولى، تقديراً "للإعلامي/(الإعلامية) واحد يساهم في رفع مستوى الوعي حول المخدرات". والجائزة عبارة عن دعوة شاملة إلى المؤتمر الدولي للشبكة العالمية لتخفيض المخاطر (IHRA) والذي ينعقد في ليفربول ـ المملكة المتحدة في نيسان 2010. وتسلمت خالدية الجائزة مساء أمس من مدير شبكة "المنارة" إيلي الأعرج، ممثل وزير الداخلية والبلديات قائد الشرطة القضائية العميد أنور يحيى، وعضو اللجنة التنفيذية في "المنارة" البروفسور جلال توفيق في إختتام المؤتمر المؤتمر الإقليمي الأول حول تخفيض مخاطر إستخدام المخدرات والذي عقد على مدى الأيام الثلاثة الماضية في فندق متروبوليتان بمشاركة أكثر من 300 خبير إقليمي من جمعيات دولية ومنظمات حكومية وغير حكومية تعمل على الحد من مخاطر إستخدام المخدرات، بينهم مدراء تنفذيون وإقليميون وعامون من:
منظمة الصحة العالمية WHO- مدير المكتب الإقليمي لشرق لامتوسط حسين جزايري
مديرة برنامج الأمم المتحدة المشتركة حول الإيدز UNAIDS- السيدة هند الخطيب
مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة UNODC- الدكتور إيهاب صلاح
الجمعية العالمية للحد من المخاطر(المملكة المتحدة)- المدير التنفيذي جيري ستيمسون
مؤسسة دورسوس DROSOS السويسرية وبمشاركة ممثلين لأكثر من 25 دولة من لبنان، الأردن، مصر، فلسطين، باكستان، إيران، أفغانستان، المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، البحرين، سويسرا، سوريا، هولندا، دانمارك، فرنسا، جزيرة موريتوس، إنكلترا، ماليزيا، قبرص، سلطنة عمان، والإمارات العربية المتحدة.

24.3.10

"إنسان" عشر سنوات لحماية أبناء اللاجئين والمهمشين

24/3/2010
جهينة خالدية
بيضاء وصغيرة. لا تحفظ في الذاكرة كلمات كثيرة. عند باب الصف تقف باكية، ومحاولة صياغة «رعبها» في كلمات مفهومة، عل أحدهم ينقذها من «كل الأولاد السود جوا، خايفة صير مثلهم!». الطفلة من أصل عربي، وتحمل بشرة بيضاء، «تميّزها» عن «المميزين» في الداخل. الشعور هذا، ما ورثته إلا من عائلة ومحيط نقل إليها، (ربما) بغير وعي، جينات التمييز العنصري. هكذا لا تستطيع الفتاة إلا أن تشعر بأنها «مختلفة»: فهي بيضاء وهم سود. هي إنسانة «طبيعية»، وهم كلهم من «سريلانكا»!. «التهمة» - الصفة الأخيرة هذه، هي الأكثر استخداماً لوصف إنسان من العرق الأسود، في مجتمع معظمه لا يعترف بأبناء هذا العرق إلا بصفتهم «خدما» في المنازل، أو من العمال. وهي الصفة التي يلجأ إليها الأطفال هنا، في أيامهم الأولى في مدرسة «إنسان» التي تعنى بتعليم ودمج أطفال العمال الأجانب في لبنان الذين لديهم حالات خاصة وظروف معيشية صعبة. لكن كل شيء يختلف مع تقدم العام الدراسي، والأطفال الذين يتعارفون مع بعضهم تحت تسميات مثل: «إنت شوكولا»، و»إنت بتوسخني»، و»إنت أحوَل» (للأطفال من الجنسيات الآسيوية).. تجدهم يتأبطون أذرعة بعضهم، يهرلون في ملعب صغير ويتركون أشعة الشمس الواحدة تنطلي على بشراتهم بألوانها المختلفة.. ويجتمعون حول مائدة الطعام، يتناولون الباستا ثم يتحلون بالشوكولاتة، بلا أن يتذكر أي منهم، أن الحلوى هذه، هي أكثر مزحة عنصرية يعتمدها اللبنانيون وأبناء البشرة البيضاء عامة. محو العنصرية من الجذور، لا يحصل في يوم وليلة، ولا ينفذ بمجرد تركيب قريــة كونيــة صغيرة في قاعة، نحكي عن جهود تبذل منذ عشر ســنوات وتندرج في إطار برامج «مؤسسة إنسان» التي تنضوي تحتها المدرسة. المؤسسة التي أنشأها ناشطون في مجال حقوق الإنسان، وأعضاء منظمة العفو الدولية وناشطون في حقوق الإنسان هدفت بالدرجة الأولى إلى لملمة ما يمكن من حقوق لاجئين ومكتومي قيد ومهمشين في لبنان، لدى كل منهم معاناة خاصة.. جداً، تبدأ بكونهم لا يحملون أوراقا ثبوتية، مجهولي الأب أو الوالدين، طالبي لجوء (غير معترف بهم كلاجئين بعد، من قبل الأمم المتحدة).. ولا تنتهي بكونهم لا ينتمون إلى أحد أو إلى بيت أو بلد لم يختاروه، وميزتهم الوحيدة أنهم... بشر، من دون أن تشكل هذه الصفة خلاصهم. تطوير العمل، وتكثيف الجهود، أديا إلى أن تلد هذه المؤسسة مدرسة منتظمة، تجمع تحت سقفها أطفالا من عمر الثلاث سنوات حتى الخامسة عشرة، من أكثر من عشر جنسيات من الهندية، السودانية، الفليبنية، البنغلادشية، الإثيوبية، المصرية، العراقية، السريلانكية. في المدرسة الصغيرة المؤلفة من طبقتين في النبعة، خمسون طفلاً وطفلة، ينسون «الغرباء» عند باب المدرسة الآتين ليتعرفوا اليهم.. فهؤلاء ما عادوا يجدون أحداً غريباً، وهم الذين يشكلون عائلة واحدة من جنسيات عالمية. هؤلاء غرباء في بلد غريب، ينضمون إلى لائحة طويلة من اللاجئين المحرومين من كثير من حقوق الإنسان. هم أمر واقع، إلا أنه يتم التعامل معهم كأنهم غير موجودين، يحرمون من أبسط ظروف العيش، فيعزلون ويشاح عنهم النظر. هذا ما لم تستطع «إنسان» أن تسكت عنه: «كان لا بد من أن يكترث أحد ما لأمر حالات خاصة في المجتمع اللبناني، إذ لا وزارة ولا جهة رسمية لبنانية تهتم بأي من حقوقهم، لا من حيث التعليم أو القوت او الملجأ.. والسبب الأساسي، كونهم غير لبنانيين»، يقول مدير المدرسة شارل نصر الله لـ «السفير». هكذا كانت البداية مع نشاطات في مدرسة «الفرير أوني» (الأخوة المتحدون) في الدكوانة، حيث نظمت مجموعة متطوعين نوعاً من المدرسة الصيفية لعدد من الأطفال من جنسيات غير لبنانية. ولم يكن هناك لا التمويل ولا التنظيم الكافيان لافتتاح مدرسة خاصة بهم. والخطوة التالية كانت محاولة دمجهم مع الطلاب اللبنانيين في المدرسة. وهنا يعترف نصر الله بأن التجربة كانت لها سلبياتها، «إذ ما كان الأطفال الأجانب مجهزين لتحمل التمييز ضدهم وما كان الطلاب اللبنانيون معتادين على فكرة وجود أعراق أخرى في الملعب والصف ذاتيهما. في تلك التجربة اكتشفنا عنصرية متجذرة وغريبة عند الأطفال اللبنانيين عُبر عنها بالبصق بوجه الطفل الأجنبي، واتهامه بأنه غيــر نظيــف وخادم وغيرهما من الصفات. والعنصرية الجارحــة هذه ما هــي إلا تشرب من عائلة وثقافة سائدة. وتأكــدت لنا الحاجة لتأهيل وتثقيف مختلف الأطراف في هــذه التجــربة، بمن فيهم الأهل حيث كنا نسمع أهــلاً يكــررون «ما بدي ابني بصف السريلانكية». وطبــعاً تبــين الفــرق الشاسع من حيث المستوى التعليمي بين الأجــانب واللبنانيين. الخطوة التالية كانت في العام الدراسي 2004-2005 بافتتاح مدرسة خاصة بالأطفال الأجانب والمهمشين، «تشكل نوعاً من المعبر لهم ما بين الشارع والتهميش والمدرسة العادية ويخضعون فيها لبرنامج تعليمي تربوي مكثف لثلاث سنوات، ويعتمد على المنهج اللبناني مع إضافات وفق الحاجة، ما يساعد الأطفال على الالتحاق بالمدارس العادية لاحقاً. ومن جهة ثانية لدينا مسكن مؤمن لبعض الأطفال يمكن أن يستقبل نحو تسعة أطفال، نؤمن لهم اهتماما كاملا». ويوضح نصر الله أن التعليم العادي يتم مع مدرسة «الفرير أوني» حيث تستقبلهم بكل سرور، وتدعم تجربتنا، مع العلم بأننا نتابع كل حالة، ونحاول التواصل مع الأهل في حال وجدوا». ولا تكتفي «إنسان» بتعليم أطفالها، بل تركز أيضاً على الدعم النفسي ومعالجة السلوكيات النفسية والتواصلية للأطفال، وهو الشق الأصعب من عملها. وهذا الدعم ينطلق بالدرجة الأولى من إعادة الثقة لأطفال يشعرون بعقدة النقص، وبالدونية، وسببهما الأول معاملة المحيط، إضافة إلى البنية الهرمية المدمرة لعائلاتهم. وفي هذا الإطار تدخل في منهج المدرسة التعليمي، دروس عن بلدان المنشأ لكل طفل، وميزاتها، وثقافتها. هذا إضافة إلى تعريفهم إلى لغة البلد المقيمين فيه، وثقافته ومحاولة تصحيح صورة المحيط. وتشير المسؤولة عن حماية الأطفال في المدرسة والمتخصصة في التربية التقويمية سهى سكري لـ «السفير» إلى أن «الهم الأساس يكون بعدم التعدي على حقوق هؤلاء الأطفال، ومتابعة كل حالة على حدة، حيث تجتمع لجنة خاصة لتدرس ملف كل منهم ثم تتابعه مساعدة اجتماعية أو نفسية. ويخضع لنوع من البرنامج الخاص نتناول فيه حقوق الطفل والمبادئ العامة للإنسان. وطبعا ترافق الشروحات أشغال يدوية ورسومات ونصوص وأمثلة ونشاطات لاصفية وألعاب.». وترى سكري أنه إجمالاً لدى كل من هؤلاء الأطفال اضطرابات سلوكية معينة، سببها ظروفهم المعيشية وربما تعنيفهم، أو انزواؤهم، أو ضعفهم». أما في ما يتعلق بالطريق للوصول إلى هؤلاء الأطفال، وطريقهم للوصول إلى هذه المؤسسة والمدرسة، فيشير نصر الله إلى أن لـ «إنسان» شركاء أساسيين وهم كاريتاس التي تساعد في إرشاد المدرسة إلى أطفال بحاجة إلى الدعم، وتكفلت أيضاً بتأمين القسم الأكبر من موزانة المدرسة. كما نظمت «إنسان» برامج دعم نفس اجتماعي مع جمعية «أرض البشر» والاتحاد الأوروبي ومنظمة العفو الدولية ومنظمة «كوسفي» الايطالية. ويشير نصر الله إلى أن «أطفال المؤسسة يتوافدون من مختلف المناطق، من النبعة، الدكوانة، سن الفيل، الضاحية الجنوبية، وغيرها». «إنسان»، المؤسسة الصغيرة التي تحتاج إلى دعم كبير، وتحاول أن تحل مشاكل من المفترض أن تقوم بها جهة رسمية، تؤمن بأن التأهيل الذي يطال الأهل والأطفال يؤدي إلى نتيجة، وتكون قاعدتها الأساسية «إسقاط العنصرية بالاختلاط». الطريق طويلة جداً لإسقاطها عن مجتمع يستلذ بالترفع على الآخر وممارسة أشكال العنصرية كافة ليخلق اكتفاء ذاتياً ويشبع وجوده. الطريق طويلة، وهدفها الأساس ليس معالجة العنصرية، ولا حتى التعليم بقدر ما هو حماية إنسان يتم التعامل معه كنكرة، ولا يُعترف به.. ويكون طريقه الأسهل تلك المليئة بطرق الانحراف بأنواعه المختلفة، من التعاطي، إلى الإتجار بالجسد وغيرهما. «إنسان» تحميهم، وإن كانت تعرف جيداً أنها في مهمة صعبة، في محيط أصعب يعبر عن استنكاره هذا الاهتمام بعبارة تصاغ على الشكل التالي: «نسيتوا فقراء بلبنان لتهتموا فيهم.. وما شفتوا إلا السود!».

16.2.10

خيالات البرتقال

لن أنتظر ليلك لأحبو كطفلة على رصيفك
منذ قلت إسمي كاملاً وأنا أخلع عن وجهي غيث الحب
ألبس الضباب كضمة وألفه كوشاح
أقول للمجهول أنا مجهولك
أبلع جوف الخوف
أركب فرسا خشبيا
أسبح تحت زورق صدئ
أتنكر في جسد خيالات البرتقال في أضرحة السماء
أهرب إلى الأمام.. ليعود إسمي من أربعة.. وينام في غيم فاهك
الهروب.. ليس إلا إليكَ....
جهينة

11.2.10

«بورصة» المباني المصنفة في هبوط مستمر من 1016 مبنى إلى 520 إلى 469 إلى 209 مبانٍ... والمسح الأخير يؤكد هدم 141 مبنى!


نشر في جريدة السفير
جهينة خالدية
تصدع»: هذا الوصف وما يلحقه من مشتقات من «متصدع..
تصدعات» وأوصاف مثل «غير صالح للسكن»، هي كلمات السر التي تجعلنا اليوم نتأمل بيروت من الأعلى ونشيح عنها النظر.
بيروت 2010، لا تشبه تلك في 2009، ولا في الأعوام التي خلت. المدينة تخلع عنها كل يوم طبقة من جلدها. الطبقة هذه، هي بيوتها وأحياؤها التراثية القديمة التي نجدها تختفي بسحر ساحر مع فجر كل يوم.
وجلدها هو نسيجها المديني المعماري وطابعها التراثي الفريد بأوجهه الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية.
هكذا بات مرورنا أمام منزل تراثي، عاش معنا ومع ذاكرتنا، أمراً نادراً. أما «العادي» والمتوقع اليوم، فهو أن نجد بيوتاً كهذه تلبس أوشحة وأغطية خضراء، مسجونة خلف قضبان السقالات، وتتحضر للإعدام. لا يعذبنا المستثمرون (وأحياناً المالكون) كثيراً، فما هي إلا أيام قليلة جداً، حتى «يريحونا» من هذا المنظر الحزين. بعدها نخرج إلى الشارع، لتستقبلنا «بؤرة» ضخمة وأتربة حمراء، تليها تباشير الجرافات والأعمدة الإسمنتية المخيفة. وقبل كل هذا، نجد اللافتة التي تعلن لنا بكل ثقة: بناء برج «الأحلام».
هذه هي بيروت اليوم، لا تعرف كيف «تحلم» إلا على ارتفاع عشرات الأمتار وعلى علو الطبقة العشرين. ولا يعرف ساكنو هذه الأبراج إلا الحياة «المكبوسة» في بناء بمواصفات تجارية، وسقف بالكاد يرتفع عن المترين وثمانين سنتمتراً... وبواجهات زجاجية عريضة.
مشهد المدينة، لم يعد مشهداً. لا تناسق ولا تجانس فيه لنتصوره في مشهد واحد. المشكلة الأساس إذاً، ليست بهدم بيت تراثي هنا، والحفاظ على آخر هناك. المشكلة بالنسيج الاجتماعي، العمراني، الثقافي في كل منطقة وحي. نحكي عن الانصهار والتجانس الذي يولد صورة متآلفة مع كل عناصرها، أي العلاقات المتماسكة بين البناء والبناء المجاور، وبينه وبين الناس والدكاكين والمتاجر.. هذا كله يصنع التراث. وأحد أهم ركائزه هو الأبنية التراثية والحفاظ عليها، أو لنقل على ما تبقى منها. لكن كيف نحميها، ونحن حتى اللحظة لا نملك قانوناً خاصاً بها، يحمي ما تبقى من أصل 1016 عقاراً كانت جمعية «أبساد» لتشجيع المواقع الطبيعية والأبنية القديمة في لبنان قد أحصتها في 1995 بتكليف من وزير الثقافة والتعليم العالي ميشال إده؟ وفي العام 1997 كلف رئيس مجلس الوزراء الراحل رفيق الحريري لجنة بإجراء الدراسة الأولية لمشروع حماية المباني التراثية. الدراسة هذه أوصت بحماية 520 عقاراً في أربع مناطق تتميز بمجموعات أبنية تراثية متجانسة ضمن نسيج مدني متماسك يجعلها ذات قيمة معمارية تاريخية على نطاق المجموعة، وتتعدى القيمة الفردية للمباني.
نكون حالمين إذا كنا لا نزال نقف عند الرقم 520! فهذا الرقم خضع لتنزيلات عدة، ووصل بعد «الحسم» و«السولد» إلى 209 مبانٍ، مقابل 250 مبنى تقرر (وفق معايير ملتبسة) أنها «لا تتسم بالطابع التراثي».
ماذا تبقى من هذا العدد الأخير؟ مسح جديد أجراه مرصد «مجال» وخلص إلى نتائجه منذ أسبوع فقط، يشير إلى أن «بيروت خسرت 141 مبنى تراثياً، كانت مدرجة على لائحتي التصنيف الذي أجرته «أبساد» في العام 1995 وتلك التي وضعها مكتب «خطيب وعلمي» في العام 1998.
إذاً، نحن في حالة طوارئ، أخطر ما فيها أربعة أمور: أولاً الخلط ما بين الحفاظ على التراث والحدّ من الاستثمار، وكأن الخروج بتخطيط مديني يحافظ على نسيج متكامل في أحياء معينة، يعني منعاً تاماً لبناء الأبراج، أو المباني الحديثة! في حين أن المطلوب هو تحديد مكان ومعايير بناء هذه الأخيرة، لا حجبها تماماً. وبالتالي نصل إلى ثانياً، وهي الحاجة الملحة جداً لقانون يحمي هذه الأبنية. إذ، وبحسب المهندسة المعمارية منى الحلاق، وهي عضو في جمعية أبساد، «لا يوجد في لبنان قانون خاص بالمباني التراثية، بل قانون خاص بالآثار يعود إلى العام 1933، ومشروع القانون الذي أحيل في عهد وزير الثقافة طارق متري في العام 2007 إلى مجلس النواب، ويقترح آلية للعمل وتحديد دور كل جهة مرتبطة بالموضوع، يقبع الآن في أدراج اللجان النيابية». وقد يكون أخطر ما يتهدده هو تفريغه من مضمونه.
وثالثاً، هناك حاجة لخلق حوافز وتسهيلات للمالكين (لا سيما الفقراء منهم) وللمستثمرين، تساهم في الإبقاء على هذه البيوت، بدءاً من فرض «الضريبة الشرفية» على الجوار المطل على هذه العقارات، وتعديل في قانون الإيجارات الذي ما زال لا يحول دون تأجير بيت تراثي بسعر بخس.. فلا يكون أمام المالك إلا الهدم لإخراج المستأجرين، وتخفيض ضرائب الإرث ورسم الانتقال عن العقارات التراثية، ونقل عامل الاستثمار، وهو، بحسب المهندس سيرج اليازجي، «حلّ للإبقاء على هذه الأبنية التراثية. كما يمكن أن ينقل عامل الاستثمار في المنطقة الموجود فيها المبنى إلى منطقة أخرى ليقوم مالك المبنى بالبناء فيه، وذلك وفق مخطط تنظيم مدني شامل».
ورابعاً، والأهم، إعادة المشكلة الفادحة إلى النقاش العام، وهذا ما يجب أن يتم بذكاء، لئلا يثير، مجدداً، ذعر المالكين، ويدفعهم بالتالي إلى التوجه سريعاً إلى الهدم، بالإضافة إلى تشكيل مجموعات ضغط من المجتمع المدني، الذي يشكل في هذه القضية بالذات، مفتاح الحل الأول الذي يستطيع وقف سفك هذه البيوت التي يُضحى بها في طوفان السياسة ومشاكل الحكم، ويضحّى بتاريخنا، وبالتراث والسياحة التراثية وما يمكن أن يعود بفوائد على الاقتصاد ووجه البلد والتنمية المستدامة.. وروح المدينة.
جزء من هذا النقاش وهذه المعضلة، كان حاضراً في طاولة مستديرة في «مركز سمير قصير» تحت عنوان «مصير الأبنية التراثية في لبنان». لكن امتدادات هذه المشكلة تتوسع لتطال اقتراحات ومسوحات جديدة، يمكن أن تساهم في حد المخاطر. وإذ تسعى «السفير» إلى الدفع بهذا النقاش للوصول إلى نقطة انطلاق جديدة، أو إعادته إلى العلن، فإنها تعود إلى بدايات «المجازر» بحق المباني التراثية في بيروت، والتداخل بين القرارات والسلطات والسياسيين والمصالح التي جعلتنا الآن نقف مشدوهين ونحن نتأمل البيوت تندثر كأننا أمام مسلسل «عشرة عبيد صغار». لا نسأل «من أخطأ؟» لأن قلة من المسؤولين تحملوا مسؤولياتهم وساندوا هذه القضية، لا سيما أن كل صاحب عقار وكل مستثمر يسند ظهره إلى سياسي «نافذ» (إن لم يكن هو نفسه السياسي) ينجح في فك تجميد بيوت ممنوع هدمها.
إذاً كم عدد الذين أخطأوا؟ ما الذي يجري منذ العام 1995 حتى اليوم؟ كيف بتنا نرفع أعناقنا إلى الحد الأقصى ونحن نسعى لنلامس بالنظر أبراجاً تخيف السماء وأحياء المدينة، فتخرق انسجامها مع ذاتها، ومعنا.
***
في زقاق البلاط، بيت قديم يشكل تجربة نموذجية للحفاظ على البيوت التراثية.. قيمته ليست فقط في قدمه، بل في نسيجه ومحيطه وسكانه. هناك عاشت نهاد وديع حداد، فهذا بيت الخالدة فيروز. فيه عاشت سنوات الطفولة، تربت، تمرنت على غناء يسحرنا كل يوم. البيت هذا، «ختيار» الآن، شبه مهدم على يد مخربة تتسلل إليه، ويحتاج بإلحاح إلى دعم للحفاظ عليه. وهذا ما تسعى إليه بلدية بيروت اليوم، إذ تعد معاملات الاستملاك لهذا البيت، ولقصر آخر لتاجر يحمل اسم بشارة خوري (شخصية غير الشاعر وغير الرئيس) ويتميز بهندسة معمارية إيطالية نادرة. منذ أشهر تعمل البلدية على تحويلهما إلى معلمين ثقافيين، لكن في الوقت الذي يتم العمل على المعاملات، يتحول بيت فيروز إلى «متصدع» ويسمح بهدمه! إذاً، بانتظار الأوراق، الحل بيد البلدية.. لكن، كم منزلاً تستطيع هذه الأخيرة أن تستملك؟ وكم منزلاً تستطيع إنقاذه في غياب أي قانون يحمي الأبنية، أو يوقف هدمها؟ الجواب يأتي من عضو المجلس البلدي رالف عيد، الذي يقول لـ«السفير» إن «البلدية على استعداد تام لاستملاك أكبر قدر ممكن من المنازل، لكن بما تحتمله ميزانيتها، والقضية لا تحل بإنقاذ منزل هنا، وآخر هناك، بل نحن بحاجة إلى ثلاثة حلول في وقت واحد: أولاً، تخطيط شامل وتقسيم لبيروت وتحديد ماذا نبني/ أين (zoning). وثانياً، قانون يحمي المباني التراثية (نقل عامل الاستثمار، وإعطاء كل صاحب ملك حقه) ويتضمن آلية الحماية. وثالثاً، أداة رادعة لتطبيق القانون كالغرامات، والسجن»... علماً بأن عقوبة هدم غير مرخصة تصل في حدها الأقصى إلى ستة أشهر سجناً! وقد تكون عقوبة «بسيطة» لمستثمر سيربح ملايين الدولارات بمجرد الهدم والمباشرة بالبناء.
ويعود عيد ليذكر بالدور الأبرز للمجتمع المدني والأهالي، «فهؤلاء هم الذي اعتصموا أمام «مبنى بركات»، في منطقة السوديكو، وضغطوا باتجاه منع هدمه، وهم من شكلوا أداة ضغط لتستملكه البلدية أخيراً. وانتهت معاملاته في العام 2006، وبعد أقل من شهر وبدعم تقني من فريق فرنسي، تقررت هوية متحف بيروت الذي نقيمه هناك، والذي يحكي قصة هذه المدينة، ليصبح المكان أشبه بمساحة دائمة للنقاش حول بيروت، وتراثها وماضيها ومستقبلها.
من جهة ثانية يستغرب عيد محاولات التخريب في المنازل التراثية التي تعمل البلدية على استملاكها (منها قصر الخوري ومنزل فيروز)، «إذ لا داعي لأن يخشى صاحب الملك على عقاره، لا سيما أن البلدية تدفع له قيمته الفعلية عند استملاكه».. لكن من جهة أخرى يبدو أن المالكين، وفي ظل الارتفاع الخيالي في أسعار العقارات يطمحون لأرباح صاروخية».
لكن قبل الانطلاق في المطالبة بالقانون ودعم الاستملاك ومحاولات الاستملاك، ألا يجب أن نعود إلى الأولوية الأساس الآن، أي وقف الهدم؟ علماً بأن هذا الأمر يتداخل فيه أكثر من قرار وأكثر من مشكلة، بما فيها الرغبة بالربح والاستثمار عن طريق تشييد أبنية وأبراج مربحة، إضافة إلى انتقال المبنى التراثي وملكيته إلى عدد كبير من الورثة، ما يجعل الهدم حلاً لتقاسم هذه التركة، وأحياناً نكون أمام بيوت تحتاج صيانتها الدورية إلى تكلفة عالية لا تستطيع عائلة متدنية الدخل تحملها. ومجدداً، يكون الحل بالهدم، لا سيما إذا ما تنبه هؤلاء إلا أنهم «يجلسون على بئر ماء وهم عطشى».
في مطلق الأحوال، كيف يحصل المالك على إذن بالهدم، لبيوت «مجمدة» وفق لائحة الجرد العام؟ وماذا عن الحجة الأهم، أي أن «المنزل يهدد السلامة العامة»؟ وهل فعلاً يمكن هدم البيوت المصنفة بإذن من بلدية بيروت؟
يلفت عيد، بداية، إلى أن بلدية بيروت تنقسم إلى شقين: المجلس البلدي الذي يأخذ المبادرة والتمويل، ومحافظة بيروت التي تتولى التنفيذ. وضمن هذه الأخيرة تأتي دائرة الهندسة في بلدية بيروت، وهي التي تصدر توصية إن كان المنزل «يهدد السلامة العامة» فعلاً، وإن كان يجب هدمه. لكن، بحسب عيد، فإن «المسؤولية لا تقع على دائرة الهندسة، بل على الجهة التي تطلب الإذن بالهدم، والتي نشك بأنها تكون سبق أن خربت في المنزل، وكسرت نوافذه وسقفه وأعمدته بما يسمح بتسرب الأمطار والمياه وتصدع الجدران.. لدرجة يصبح معها فعلاً غير صالح للسكن، وعندها يحصل على إفادة بالهدم». ويجزم عيد: «نحن لسنا القانون، القانون هو ما يمنع الهدم، وليس البلدية».
من 1016 إلى 209!
القانون؟ أين هو؟ وما هو المسار الطويل والشائك الذي يجعله حتى اللحظة ملك الأدراج؟ هذا سؤال جوهري لقضية معقدة تعود، بحسب المهندسة المعمارية والمناضلة في مجال الدفاع على التراث منى الحلاق، إلى العام 1995، عندما كلف وزير الثقافة ميشال إده جمعية تشجيع المواقع الطبيعية والأبنية القديمة في لبنان «أبساد» بإحصاء المباني التراثية في محيط وسط بيروت، وبلغ عددها بحسب الإحصاء 1016 عقاراً. ويومها، أصدر إده الكتاب الرقم 1876 ووجهه إلى محافظ مدينة بيروت المهندس نقولا سابا، لتجميد هدمها. والكتاب هذا، بحسب الحلاق، «أثار الخوف في نفــوس مالكــيها، ظــناً منهم أن تجميدها يعني استمــلاكها، فانطــلق الهدم!».
وتلفت الحلاق إلى أنه، «في العام 1997، وبعد سنتين من كتاب إده، صدر عن الرئيس الحريري، وبناء على اقتراحي وزيري الثقافة والتعليم العالي فوزي حبيش، والأشغال العامة علي حراجلي، القرار الرقم 12/97 الذي شكل لجنة إعادة النظر في وضع المباني المجمد هدمها ضمن إطارين: أولاً تحديد المواقع التي تضم مجموعات أبنية تاريخية ويتوجب وضعها تحت الدرس لتحديد نظام وشروط بناء تراعي المحافظة عليها وإبراز تميزها، وثانياً تحديد الأبنية المنفردة التي تتمتع بمواصفات معمارية فنية وتاريخية». إعادة الدراسة هذه خرجت بخمسمئة وعشرين عقاراً، موزعة على أربع مناطق وهي: أولاً عين المريسة، ميناء الحصن، القنطاري، سبيرز، الظريف. ثانياً زقاق البلاط، الباشورة، البسطة التحتا. ثالثاً الأشــرفية، اليســوعية، عبد الوهاب الإنكليزي، فرن الحايك، مار نقولا (جنوباً). ورابعاً مار مارون، الجميزة، ومار نقولا (سرسق).
لكن هل هذا التقسيم كفيل بحماية هذه المناطق؟ يبدو أن التقليص الدائم للأبنية كان إلى تزايد سنة تلو الأخرى، وحتى نهاية العام 1997 كانت قد وصلت إلى 469 مبنى. أما الأمر اللافت، بحسب الحلاق، فهو أنه «في شباط 1998 قرر مجلس الوزراء تكليف مجلس الإنماء والإعمار إعادة دراسة المباني للمرة الثانية! وفي ذلك تجاهل لمشروع الحماية الذي سبق أن أقره المجلس الأعلى للتنظيم المدني بالإجماع قبل شهر من هذا التاريخ!».
هكذا كلف مجلس الإنماء والإعمار، المكتب الاستشاري - شركة الاتحاد الهندسي (خطيب وعلمي) إعداد دراسة قُدّمت في تموز 1998، وصنّفت الأبنية في فئات خمس، وهو ما تصفه الحلاق بـ«نسف مبدأ المجموعات التراثية وتكريس تصنيف الأبنية المنفردة الذي لا يتناسب مع أصول التنظيم المدني الحديث».
وجاءت الفئات على الشكل التالي: الفئة A وتشمل المباني المرتبطة بأحداث تاريخية، أو بسيرة أشخاص تاريخين، وتتمتع بعناصر معمارية مميزة وبقيمة فنية عالية. الفئة B وتشمل المباني غير المرتبطة بأحداث تاريخية إلا أنها تتمتع بقيمة معمارية عالية وتعكس فترة زمنية أو طريقة بناء معينة. الفئة C تشمل المباني المشابهة للفئة B لكن لحقت بها أضرار مهمة، والفئة D التي تشمل مباني لا تتمتع بقيمة معمارية عالية بل تتضمن بعض الميزات. والفئة E لا تتمتع بقيمة تاريخية أو معمارية. هنا توضح الحلاق أن «المباني من الفئتين الأخيرتين، والتي تم تحريرها بعد سنة من الدراسة، بالقرار الرقم 32 الصادر في 3/3/1999 من مجلس الوزراء تضم 250 مبنى! أما الفئات الأولى الثلاث فتشمل 209 مبان فقط، وهذه تشكل أقل من عدد المباني التي أوصت سوليدير بحمايتها في وسط بيروت!». هنا وقعت كارثتان: أولى تتعلق بإمكانية هدم أي بناء من فئتين D وE، بمجرد الحصول على إفادة وترخيص، وثانية تؤكد أن لا خطة مدينية تحدد ما الذي يجب بناؤه مكان المبنى المهدم.

مبان تختفي
فأين أصبحت دراسة خطيب وعلمي، والتقسيم الأخير الذي خرجت به؟ وكيف يمكن التقدم بالقانون، وبتعاون متكامل بين وزارة الثقافة ومديرية التنظيم المدني وبلدية بيروت ومحافظة بيروت، للحد من هذه المأساة، والانطلاق في تنظيم معمعة التنظيم المديني لبيروت؟
هنا يأتي جهد مقدر لـ«مجال»، وهو مرصد جامعي ضمن معهد التنظيم المدني في الألبا - جامعة البلمند، إذ أجرى مؤخراً إعادة مسح للبيوت التي قسمتها دراسة خطيب وعلمي إلى فئات خمس. هنا نتيجة المسح، كما يلخصه مؤسس ورئيس المرصد المهندس سيرج اليازجي لـ«السفير»:
في الفئة A دُمر بيت من أصل 34 بيتاً، في الفئة B دمرت أربعة بيوت من أصل 127 بيتاً، في الفئة C دمرت ثمانية بيوت من أصل 49 بيتاً، في الفئة D دُمر 31 بيتاً من أصل 164 بيتاً، وفي الفئة E دُمر 27 بيتاً من أصل 88 بيتاً». وبهذا يكون مجموع الأبنية المدمرة من ضمن لائحة «خطيب وعلمي» هو 71 مبنى، يضاف إليها سبعون مبنى مدمراً من الأبنية الواردة في مسح «أبساد» الذي أجري في العام 1995. وبذلك، يقول يازجي، فإن «مجموع البيوت أو المباني التراثية المدمرة يصل إلى 141 مبنى موصى بحمايتها!».
إذاً وسط كل هذه القرارات والتداخل في الدراسات، هل تبقى المسؤولية الأساسية والمبادرة الأولى للحل هي وزارة الثقافة؟ وماذا عن دور بلدية بيروت في ظل ازدواجية القرار بينها وبين المحافظة؟
يبقى الدور الأساس، برأي يازجي، «هو دور وزارة الثقافة، لكن هذه لا تستطيع وحدها القيام بالمهمة الشاملة، أي الحد من المخاطر والهدم، إضافة إلى ضرورة وضع خطة تنظيم مدني للحفاظ على التراث والنسيج متكاملاً، هذه مهمة أكبر من قدرات وزارة الثقافة، وتحتاج إلى مشاركة فاعلة من بلدية بيروت ومديرية التنظيم المدني، على صعيد الدراسات والنظرة العامة التي تنتج ديناميكية عمل تحقق هدفها». وهنا يعود يازجي إلى واحدة من أهم المشاكل التي تعترض الحفاظ على الأبنية التراثية، وهي عامل الاستثمار الثابت، الذي لا يتغير وفق أي شروط، والذي يجعل مناطق مثل الجميزة ذات عامل استثمار عالياً، وبالتالي تصبح جاذبة للبناء والارتفاع في أبنيتها عالياً، وهو ما يجب أن يتغير من خلال وضع خطة تنظيم مدني. ويوضح يازجي أن «عامل الاستثمار وضع في العام 1954، محدداً قيمته الأعلى في وسط بيروت، ليتدنى تدريجيا ودائرياً كلما ابتعدنا عن الوسط، وهذا لا يأخذ بعين الاعتبار أن محيط وسط بيروت فيه مناطق وأحياء تراثية يجب أن ترضخ لتدخل من قبل الدولة في عامل الاستثمار، وفق خطة معينة، وهنا لب المشكلة».
المشكلة هذه، يمكن أن تحل من خلال القانون الذي ينام في الأدراج. لكن من الآن وحتى تتنفس تلك الأوراق الهواء.. هل يملك المهتمون و«أهل البيوت الفقيدة» وتلك التي تسير في خطوات ثابتة للاندثار إلا الصلاة؟ لا نصلي ليتوقف الهدم، بل يجب العمل على ذلك، لكن الصلاة لتمنح بــيروت العمر.. والوقت قبل ألا نعــود نعــرفها، حتــى لو أمعنا النظر.



من البندقية إلى زقـاق البـــلاط


بيتا فيروز وبشارة الخوري اللذان تسعى بلدية بيروت لاستملاكهما، سلّط عليهما الضوء في إطار «مشروع الأبجدية الفينيقية إلى النهضة: مسيرات ووجوه بارزة» ضمن «بيروت عاصمة عالمية للكتاب»، ونتيجة توصيات مشروع «أرخميدس» الذي قادته مدينة البندقية وشاركت في تمويله المفوضية الأوروبية في إطار برنامج «ميدباكت». علماً أنه من تنظيم جامعة القديس يوسف، الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة ـ جامعة البلمند، مرصد «مجال»، مؤسسة «ليبان سينما»، وPromOrient وبرعاية وزارة الثقافة. ويهدف المشروع إلى إعادة إحياء المراكز التاريخية في منطقة المتوسط، وتعزيز أمثلة التنمية المستدامة من خلال ترميم الأحياء القديمة وتجديدها. وتم اختيار منطقة زقاق البلاط كمنطقة نموذجية للحفاظ فيها على النسيج المعماري القديم، من خلال التركيز على الدور الثقافي والرابط الاجتماعي فيه، وسعى إلى إعادة اكتشاف المنطقة من خلال الشخصيات التي سكنتها ونشطت فيها المنطقة.
واحدة من نشاطات المشروع، كانت باختيار مجموعة واسعة من المباني، (أكثر من 28 مبنى) ذات مواصفات هندسية أو تاريخية أو ثقافية، وصيغت في كتيب تضمن وصفاً ملخصاً لكل منها وصوراً لها، وذلك بالتعاون مع المعهد الألماني للأبحاث الشرقية. ومن المفترض أن يتم تركيب لوحات شرح نقالة أمام كل من المباني المختارة لتشكل مرجعاً للزائرين وترشدهم وتزودهم بالمعلومات.





«ضحيـــة» في شـارع مي زيادة
الشارع الذي يقع في منطقة رأس بيروت (كليمنصو تحديداً)، سمي باسم الأديبة مي زيادة، وكان من أبرز الشوارع التي تحافظ على نسيج تراثي متماسك، بفضل أكثر من سبعة أبنية تراثية أساسية. لأحد هذه المباني قصة لافتة، إذ وفق الدراسة الثانية، التي قام بها المكتب الهندسي الاستشاري لشركة خطيب وعلمي، صُنف هذا المبنى على أنه تراثي، في حين أن المبنى التوأم له، والذي يلاصقه، سقط من الدراسة والتصنيف! هكذا هدم المبنى غير المصنف. أما المصنف، فيصار الآن إلى هدمه. في حين سعت بعض المؤسسات، مثل جامعة «هايكازيان»، إلى استملاك مبنى تراثي حفاظاً عليه. لكن بشكل عام، ما عاد الشارع يشبه ما كان عليه بعد سقوط أكثر من مبنى تراثي، لترتفع مكانها المباني المعاصرة والأبراج. هذا نموذج شارع يفقد حلته. والأمثلة كثيرة في الأشرفية وزقاق البلاط وقريطم والحمراء... وتكر السبحة

«الإرث الثقافــي والتنمية المدينية»


يختلف الوضع نسبياً في المناطق، عن بيروت، إذ أظهر مشروع «الإرث الثقافي والتنمية المدينية» أن السياسات والاستراتجيات توصل إلى نتائج. والمشروع الذي تقوم به الدولة اللبنانية بمبادرة من مجلس الإنماء والإعمار وتمويل جهات عدة، استطاع التوصل إلى القوانين الخاصة بالمدن القديمة. المشروع الذي يعمل في مدن خمس هي بعلبك، صور، صيدا، جبيل، وطرابلس، خرج بقانون يعمل على المحافظة على النسيج العمراني في الأحياء والأسواق القديمة في هذه المدن. ويلفت استشاري المشروع المهندس نبيل عيتاني، إلى أن «الإرث الثقافي والتنمية المدينية» الذي انطلق في العام 2000 ركز على القيام بمقاربة شاملة لهذه المدن، يتضمن الحفاظ على الإرث، وتحسين أدائه، وربطه بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية».
المشروع ينقسم إلى ثلاثة مكونات، المديني (البيوت، البنى التحتية)، الأثري (تجهيزها وربطها عضوياً بالمدينة، وتحضير المدينة وتنشيطها لتكون وجها سياحيا)، الدعم الإداري (ينتج منه أرصفة وطرق، ومنشآت مثل متاحف). ووُضعت أربعة قوانين لأربع مدن قديمة (باستثناء صيدا، التي كان لها قانون منذ العام 1995).
لماذا يصعب الوصول إلى النتيجة ذاتها في بيروت، بالتعاون مع البلدية والمديرية العامة للآثار والمديرية العامة للتنظيم المدني؟ يشير عيتاني إلى أنه «تاريخياً تدفع العواصم الثمن الأغلى، ويصعب إعادة ترميم كل شيء، في ظل تداخل المصالح، والفورة العمرانية التي تأتي بعد كل حرب