28.1.10

خصوصية الموت ومأزق الصحافي



جهينة خالدية
نشرت في السفير

من يعرف كيف يصف مهمة كل صحافي «على الأرض» يوم سقوط الطائرة؟ كنا ننظر في وجوه بعضنا البعض، نبحث عن الفضول الذي ينتابنا أمام كل قصة، لنفاجأ بوجوم يطغى على معظمنا، ونحن نردد محرجين: «صعب السؤال».
أكثر ما كان يخنقنا تدريجاً، هو تماسنا المباشر مع أسى ما نسمع، وما نرى في وجوه الناس.
في مستشفى رفيق الحريري الجامعي، كانت القصص تلتف من حولنا. كيفما التفتنا صادفنا عائلة متكاتفة حول مصابها... وتنتظر.
هي قصة كل أم تهرع باتجاه مدخل الطوارئ. خائفة هي، لكن تُبقي في عينيها بريقا ما، يشعله أمل أن تجد ابنها ولو جريحاً. كان صوت الرفض داخلها، يتضخم.. «أكيد ابني عايش».
أمام مشاهد كهذه راحت تتكرر طوال النهار، كنا نرتبك، نتردد في الإقدام على السؤال، نختار أن نُطرق السمع فقط، ونتحين الفرصة لإيجاد مكان لنا في هذه الحالة المأسوية.
كما في كل حدث، نعرف تماماً أن وجودنا ودورنا يكونان صلة وصل بين الحدث والقارئ أو المشاهد خارج هذه البقعة. وندرك أننا أمام مهمة ترتكز بالدرجة الأولى على الحصول على الخبر.
والأخبار هنا كانت متعددة، فنحن أمام تسعين قصة نستطيع أن نغرف منها الكثير. لكن مبادراتنا إلى مواساة العائلة، ثم محاولة استنباط بعض المعلومات، ليست بالبديهية التي يتوقعها البعض. فهنا، كان كل شيء معلقاً، وآخر ما كان يهم الأهالي في تلك اللحظة، كان دورنا. إذ ما كان لدى هؤلاء في هذه الحالة، أي اهتمام بنقل صوتهم عبرنا. صوتهم لمن؟ صوتهم عن ماذا؟ هم أمام مصير مجهول لأبنائهم (مدرك ضمنيا، إنما غير معترف به)، وأمام إسعافات تنقل جثثاً تختفي داخل المشرحة.
في النهار الأول، مرّت دقائق طويلة، ما كنا نسمع فيها أكثر من همس خفيف. كان ينتاب الجموع نوع من الصمت الجماعي، وكنا نرى إشارات مصابين راجين ألا نقترب منهم، كأنهم يرددون «بعدين، بعدين..».
هنا، ما كانت اليدان لتجرؤا على حمل ورقة وقلم لاستجواب الناس. الورقة والقلم وحدهما كانا كفيلين بكسر حاجز التعاطف مع الأهالي، فهؤلاء كانوا يظنوننا منهم، ننتظر أحباءنا كما ينتظرون.
هذه تجربة تصلح مع الصحافة المكتوبة، إذ كان بإمكاننا حفظ المشاهد في الرأس، ونقلها بوصفنا الخاص عند المساء. كنا نحتاج إلى القصص والأرقام أيضاً، لكن هامش الوقت لدينا كان أوسع، وبالتالي ما كان أمامنا إلا الصبر، واستراق السمع وقراءة التعابير.
الوضع مختلف مع زملاء في الإعلام المرئي وحتى المسموع. هؤلاء يقعون تحت أمر واقع: الحصول على الخبر، بالصوت والصورة (في حال المرئي). كان الفرق واضحاً بين اندفاعهم ودقة مهمتهم وتريثنا. كثير من الناس، كانوا يشيحون بنظرهم أو يبدون اندهاشهم من سؤال كهذا «شو حاسس؟ شو شعورك؟». قد تكون هذه واحدة من الطرائق التي يلجأ إليها الصحافي «لاستخراج» نبض الناس، لكنها لم تلق التجاوب من الأهالي من جهة. وأظهرت نوعا من الافتقار إلى «الخطة باء» للتعامل مع الناس في حالة الأزمات. العرض هذا، لا يهدف إلى الحكم على عمل الزملاء، إنما الإضاءة على صعوبة ما يواجه هؤلاء من ضغوطات مرتبطة بطبيعة عملهم، والمادة المطلوبة للنشر.
الصعوبة هذه، التي ربما لم تؤخذ بعين الاعتبار في كثير من المؤسسات الإعلامية، بحيث تحاول إيجاد مخارج لكل هذا الحرج، أو تدريب على صياغة أسئلة ومفردات «مؤنسنة» في أحداث إنسانية شبه بحتة، كفاجعة الطائرة، التي كان البعد الإنساني هو وجهها الأساس، وشبه الأوحد. وهو ما يختلف عن حال الحروب، حيث يتوزع الاهتمام بين حال الناس والوضع العسكري والسياسة.
في جميع الأحوال، «المواجهة» مع الناس، كانت تضع مشاعرنا وتفاعلنا ودقة مهمتنا على المحك. كنا بحاجة لأكبر قدر من ضبط النفس، واستعادة رباطة جأشنا. لكن أكثر ما كنا نحتاج اليه هو اختيار دقيق لكل كلمة نحشرها في السؤال، وهذا ما سهاغ عنه البعض، وهم يخترقون خصوصية اللحظة، وينصبون الميكرفون أمام الأفواه، والعدسات أمام الوجوه، سعياً وراء نواح، أو دمعة، أو حتى انهيار... أو أولئك الذين سألوا المختصين على الهواء مباشرة «يعني ما هي الأشلاء التي تصلكم؟».
الوجه الآخر لعملنا، كان في الغرفة المؤدية إلى المشرحة، حيث كنا بالدرجة الأولى نواجه أنفسنا، ونحن نعد الجثة تلو الأخرى، ونحاول أن نتبين من حجمها إن كانت تعود لرجل أو امرأة أو طفل.. عدنا لنتنبه الى أن هذه أشبه بمهمة مستحيلة، ونحن نرى الجثث تصل بأكياس سميكة إنما غير سوية تماماً، وكنا أمام فرضية العظام المحطمة.
عند المساء، وبعد أن «أفرغنا» ما في رؤوسنا من مشاهدات، كانت المراجعة الشخصية مع يوم حزين وبائس كهذا. في «جردة» للأحداث التي قمنا بتغطيتها على امتداد سنوات العمل.. تصدر هذا اليوم لائحة «المهمات الصعبة».. ربما تخطى رعب وثقل الحرب. ففي الأيام الثلاثة والثلاثين من العام 2006، لم يسألني أحد «دخيلك إذا شفتيلي ابني أو شوي منه بالبراد.. خبريني.. دخيلك يا ابنتي».

26.1.10

نُشر في جريدة السفير
26-1-2010
جهينة خالدية
لا صوت، لا هواء، لا مطر، ولا دمع يخرق ثقل الصمت في باحة مستشفى رفيق الحريري الحكومي.
الأجساد المتلاصقة تتزاحم لتسرق نظرة من قسم الثلاجات.. ترتجف، وتهتز ولا يساندها إلا الصف التالي من المنتظرين.
الرجفة تنتقل بالتواتر بين أهال ينتظرون خبرا،ً لا يريدونه أن يأتي. وعندما بدأت الجثامين بالوصول قرابة الواحدة ظهراًُ، اختار الكل سكونه الخاص، وتمنى لو ينقل حفنة من الحياة إلى حبيب ينام الآن في كيس. وتمنى قبل ذلك لو يعرف إن كان حبيبه نائم إلى الأبد.
الهواء البارد الموبوء بالموت، جمد عيون ذوي المفقودين. وبات كل زوج من العيون، يتحرك آلياً وكأنه لا يرى. العيون هنا، إما حمراء، لفرط ما لونها البكاء، أو شفافة وكأنها ما عادت تحتاج إلى لون. وكأنها ما عادت تحتاج إلى وظيفتها، فتجدها تشيح بنظرها عن السماء كلما حلقت فيها طائرة.
الموت هنا، في كل زاوية من باحة الطوارئ في المستشفى، يتسلل سريعاً إلى نفوس، لكن من يصدق؟ من يجرؤ على الاستسلام لحتمية فكرة أن هذا الأب أو الأخ أو الصديق الذي غمرهم منذ ساعات قليلة، بات ملك الرحيل الأخير.
منذ التاسعة من صباح أمس، كانت وفود الأهالي تتكاثر في القاعة الداخلية للطوارئ، وخارجها، آتين من قراهم أو من المطار أو المستشفيات الأخرى التي قيل أن الجثامين يتوزعون عليها، قبل أن يتأكدوا أن كل الضحايا سينقلون إلى المستشفى الحكومي.
حتى الواحدة والنصف ظهراً، كان الحشد الحزين يختار صفة «مفقودين» عند السؤال عن أبنائهم. يسألون عن الاسم، فيأتيهم الجواب «لم تصل أي معلومات أو ضحية حتى اللحظة».
بعد ذلك بقليل، تصل سيارة الإسعاف الأولى التابعة للمستشفى العسكري إلى مستشفى بيروت الحكومي. يقول الأهل إن الحقيقة اقتربت، فعليهم بمواجهتها. يتدافع الكل إلى المدخل، حاملين قلوبهم في أكفهم، وصراخهم يقطع صفير الهواء «هيدا ابني؟ هيدي جثة مين؟ صغير؟ ختيار؟ دخيلكم مين.. يا الله مين؟». ومن يجرؤ على الاجابة؟
هنا ممرض بوجه مصدوم ينقل خبراً بهذا الثقل: «كيف بدكم تعرفوا، الزلمي بلا رأس».
بعد هذا الخبر، يصبح السؤال مكبوتاً، هرباً من جواب مخيف. وبعد هذا السؤال، يلبس الكل وجوه الحداد النهائي، ويغيرون الصفة من «مفقودين» إلى «جثامين» و«ضحايا».
الآن، الكل أمام فرضية ترجح تشوه كثير من الجثث، ويكون السبيل في معرفة هويتها في إجراء فحص الحمض النووي للأهالي لمطابقتها مع الضحايا. هكذا يُفرز الأقارب إلى صالون ثان للانتظار لإجراء الفحوصات. هنا تبدو الورقة البيضاء التي تعلن «قاعة الانتظار» سخيفة جداً، أمام وجه جميلة الشاحب. المرأة التي تجر بيسراها طفلاً في عامه الثاني يحمل وجه القمر اسمه فضل، تحضن بكفها الأيمن طفلاً آخر ينمو في أحشائها، في شهره الثامن وتنادي والدهما: عباس جابر. وعباس حتى اللحظة لا يجيب، فهو حتى مساء الأمس كان يتجه إلى الغابون، أما الآن، أين هو؟
في القاعة تجلس جميلة، لكنها لا تعرف ماذا تنتظر.. خبر الموت؟ أم ذلك الأمل الذي لا يدل شيء على وجوده؟
في القاعة أيضاً، تجلس سلافة زوجة فؤاد جابر الأخ الثاني، وولداها عباس (16 عاماً) و كاترين (18 عاماً). الأم تهدأ لثوان وكأنها تتعمد الهرب من الواقعة، وعندما تفشل تجدها تطلق أنيناً مؤلما مصحوبا بموجة من النحيب.. «مصيبة، هيدي مصيبة يا حبيبي»، «وينك يا حبيبي، وينك؟». عباس وكاترين في زي المدرسة، ويبدوان كمن لا يعي ما يحصل.. وعيونهما لا تعرف لغة تصدق كل هذا الرثاء المحيط. كيف تُسأل الابنة عن رحيل الأب؟ وكيف تسمع منها «بابا؟ عم تسألوا عن بابا؟ بابا كان بالنبطية هلق بالغابون!».
في الخارج، الصراخ يأتي عالياً. الفتاة الأثيوبية تجادل قوى الأمن، تسعى للدخول إلى غرفة الطوارئ.. لا تعلن الفتاة اسمها، لكنها تقول إن «بنت خالتي جوا، أنا بدي شوفو، من وين بدي جيب «دي أن أي» عشان تعرفوا أنا بقربوا؟ ومن وين بدي جيب باسبور؟ أنا باسبور مع مدام».
الرعب في السماء
دقائق طويلة جداً تمر، قبل وصول الدفعة الثانية من الضحايا، وتشمل سبعة جثامين، قيل أن خمسة منها تعود لأثيوبيين، وطفلين لبنانيين. ثم تلا ذلك دفعة ثالثة، صحبتها موجات متصاعدة من التوتر، والرعب، والتعب، ووجوه الانهيار كيفما التفت.
عند الخامسة مساء، يكون عدد الجثث في المستشفى قد وصل إلى أربع عشرة. الأهالي يفقدون قدرتهم على التحمل. رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ووزير الصحة محمد جواد خليفة ووزير الداخلية والبلديات زياد بارود ومسؤولون يجولون عليهم سريعاً. يقولون لهم كلاماً معزياً، يؤكدون على السعي لإنقاذ من يمكن إنقاذه وإيجاد كل الضحايا. ولا شيء يعزيهم إلا أن يعرفوا مصير أبنائهم.
بعد دقائق، يخرج إليهم عنصر من قوى الأمن يطلب منهم تحديد فرد مقرب عن كل ضحية ليتعرف على الجثة، عند وصولها. هنا يتحول الخوف الى الرعب، رعب يقضي على أي إمكانية للعثورعلى ناجين، أو حتى من إمكانية العثور على كل الضـحايا، أو جزء من أشلائهم ليدفنوها..
بين دقيقة وأخرى، تسمع صراخ أم، أو زوجة، أو أب وسلسلة من جمل ترثي حبيبا يتمنون لو أنهم منعوه من السفر، «يا ويلي، يمي.. يا ويلي يا حبيبي.. رحت وتركتنا، ليش يمي هيك» تكرر سيدة ترجو رجل الأمن أن يسمح لها بالدخول إلى الثلاجة، «أنا بعرف ابني، لو كان مشوه، أنا بعرف ريحته، دخيلكم خليني شوفوا».
كيف لهذه المرأة أن تعرف، ومصادر من الصليب الأحمر اللبناني تقول إن «الجثث الموجودة حتى اللحظة، محطمة بشكل يصعب التعرف عليها، والعظام مهشمة، من دون حروق».
يبقى أن من الجثامين الخمسة عشر في مستشفى بيروت الحكومي عُرف الطفل محمد حسن كريك ابن الأربع سنوات، فيما بقي والده حسن كريك في عداد المفقودين، بحسب أخيه حسين كريك الذي تعرف على جثة ابنة أخيه. حسين يقول «إن أخاه المتزوج من سيدة إفريقية (من كنشاسا)، ووالد لطفلة وطفل (محمد) كان يخطط للعودة نهائياً للاستقرار في لبنان بعد أسبوعين فقط، لكن ليس بعد الآن».
أما الجثمان الثاني الذي قيل أنه عُرف وجزمت مصادر في الصليب الأحمر اللبناني لـ«السفير»، أنه يعود لحسن تاج الدين، فكان يحمل رخصة سوق أنغولية».
في مكان آخر من باحة المستشفى كانت تسمع أخبار جازمة على التعرف على جثة الطفلة جوليا محمد الحاج، ابنة السنتين التي كانت على متن الطائرة مع والدتها رنا الحركة ووالدها محمد الحاج. الخبر يقول إن الأهل مفقودون حتى اللحظة، أما جوليا.. فعُرفت من القرطين الزرقاوين في أذنيها !».
أما من لم يصله أي خبر، فبقي حتى ساعة متأخرة ينتظر أن يسقط عليه خبر يقين، أي خبر يلامس الأحرف الثلاثة لهذه الصفة «ناج».. كهذه السيدة الغائبة عن الوعي التي بقيت تردد «انا بعرفه، يسبح منيح، يسبح كتير منيح، انشاء الله راجع».
اليوم، قيل القليل عن مأساة الفجر. غداً يحمل لأبنائه مزيدا من القصص، تشبه تلك التي ظلت تدور في فلك المستشفى. قصص لا تشبه شيئا، عن أربع وخمسين عائلة في لبنان لن تعرف الدفء في العيون، ونحو ثلاثين قصة من أثيوبية لن تعرف كيف تلامس خبرها.. حتى ذلك البائس

يوم سقوط الطائرة الإثيوبية.. الهواء مثقل بالموت في المستشفى الحكومي



جهينة خالدية
نشرت في السفير


لا صوت، لا هواء، لا مطر، ولا دمع يخرق ثقل الصمت في باحة مستشفى رفيق الحريري الحكومي.
الأجساد المتلاصقة تتزاحم لتسرق نظرة من قسم الثلاجات.. ترتجف، وتهتز ولا يساندها إلا الصف التالي من المنتظرين.
الرجفة تنتقل بالتواتر بين أهال ينتظرون خبرا،ً لا يريدونه أن يأتي. وعندما بدأت الجثامين بالوصول قرابة الواحدة ظهراًُ، اختار الكل سكونه الخاص، وتمنى لو ينقل حفنة من الحياة إلى حبيب ينام الآن في كيس. وتمنى قبل ذلك لو يعرف إن كان حبيبه نائم إلى الأبد.
الهواء البارد الموبوء بالموت، جمد عيون ذوي المفقودين. وبات كل زوج من العيون، يتحرك آلياً وكأنه لا يرى. العيون هنا، إما حمراء، لفرط ما لونها البكاء، أو شفافة وكأنها ما عادت تحتاج إلى لون. وكأنها ما عادت تحتاج إلى وظيفتها، فتجدها تشيح بنظرها عن السماء كلما حلقت فيها طائرة.
الموت هنا، في كل زاوية من باحة الطوارئ في المستشفى، يتسلل سريعاً إلى نفوس، لكن من يصدق؟ من يجرؤ على الاستسلام لحتمية فكرة أن هذا الأب أو الأخ أو الصديق الذي غمرهم منذ ساعات قليلة، بات ملك الرحيل الأخير.
منذ التاسعة من صباح أمس، كانت وفود الأهالي تتكاثر في القاعة الداخلية للطوارئ، وخارجها، آتين من قراهم أو من المطار أو المستشفيات الأخرى التي قيل أن الجثامين يتوزعون عليها، قبل أن يتأكدوا أن كل الضحايا سينقلون إلى المستشفى الحكومي.
حتى الواحدة والنصف ظهراً، كان الحشد الحزين يختار صفة «مفقودين» عند السؤال عن أبنائهم. يسألون عن الاسم، فيأتيهم الجواب «لم تصل أي معلومات أو ضحية حتى اللحظة».
بعد ذلك بقليل، تصل سيارة الإسعاف الأولى التابعة للمستشفى العسكري إلى مستشفى بيروت الحكومي. يقول الأهل إن الحقيقة اقتربت، فعليهم بمواجهتها. يتدافع الكل إلى المدخل، حاملين قلوبهم في أكفهم، وصراخهم يقطع صفير الهواء «هيدا ابني؟ هيدي جثة مين؟ صغير؟ ختيار؟ دخيلكم مين.. يا الله مين؟». ومن يجرؤ على الاجابة؟
هنا ممرض بوجه مصدوم ينقل خبراً بهذا الثقل: «كيف بدكم تعرفوا، الزلمي بلا رأس».
بعد هذا الخبر، يصبح السؤال مكبوتاً، هرباً من جواب مخيف. وبعد هذا السؤال، يلبس الكل وجوه الحداد النهائي، ويغيرون الصفة من «مفقودين» إلى «جثامين» و«ضحايا».
الآن، الكل أمام فرضية ترجح تشوه كثير من الجثث، ويكون السبيل في معرفة هويتها في إجراء فحص الحمض النووي للأهالي لمطابقتها مع الضحايا. هكذا يُفرز الأقارب إلى صالون ثان للانتظار لإجراء الفحوصات. هنا تبدو الورقة البيضاء التي تعلن «قاعة الانتظار» سخيفة جداً، أمام وجه جميلة الشاحب. المرأة التي تجر بيسراها طفلاً في عامه الثاني يحمل وجه القمر اسمه فضل، تحضن بكفها الأيمن طفلاً آخر ينمو في أحشائها، في شهره الثامن وتنادي والدهما: عباس جابر. وعباس حتى اللحظة لا يجيب، فهو حتى مساء الأمس كان يتجه إلى الغابون، أما الآن، أين هو؟
في القاعة تجلس جميلة، لكنها لا تعرف ماذا تنتظر.. خبر الموت؟ أم ذلك الأمل الذي لا يدل شيء على وجوده؟
في القاعة أيضاً، تجلس سلافة زوجة فؤاد جابر الأخ الثاني، وولداها عباس (16 عاماً) و كاترين (18 عاماً). الأم تهدأ لثوان وكأنها تتعمد الهرب من الواقعة، وعندما تفشل تجدها تطلق أنيناً مؤلما مصحوبا بموجة من النحيب.. «مصيبة، هيدي مصيبة يا حبيبي»، «وينك يا حبيبي، وينك؟». عباس وكاترين في زي المدرسة، ويبدوان كمن لا يعي ما يحصل.. وعيونهما لا تعرف لغة تصدق كل هذا الرثاء المحيط. كيف تُسأل الابنة عن رحيل الأب؟ وكيف تسمع منها «بابا؟ عم تسألوا عن بابا؟ بابا كان بالنبطية هلق بالغابون!».
في الخارج، الصراخ يأتي عالياً. الفتاة الأثيوبية تجادل قوى الأمن، تسعى للدخول إلى غرفة الطوارئ.. لا تعلن الفتاة اسمها، لكنها تقول إن «بنت خالتي جوا، أنا بدي شوفو، من وين بدي جيب «دي أن أي» عشان تعرفوا أنا بقربوا؟ ومن وين بدي جيب باسبور؟ أنا باسبور مع مدام».
الرعب في السماء
دقائق طويلة جداً تمر، قبل وصول الدفعة الثانية من الضحايا، وتشمل سبعة جثامين، قيل أن خمسة منها تعود لأثيوبيين، وطفلين لبنانيين. ثم تلا ذلك دفعة ثالثة، صحبتها موجات متصاعدة من التوتر، والرعب، والتعب، ووجوه الانهيار كيفما التفت.
عند الخامسة مساء، يكون عدد الجثث في المستشفى قد وصل إلى أربع عشرة. الأهالي يفقدون قدرتهم على التحمل. رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ووزير الصحة محمد جواد خليفة ووزير الداخلية والبلديات زياد بارود ومسؤولون يجولون عليهم سريعاً. يقولون لهم كلاماً معزياً، يؤكدون على السعي لإنقاذ من يمكن إنقاذه وإيجاد كل الضحايا. ولا شيء يعزيهم إلا أن يعرفوا مصير أبنائهم.
بعد دقائق، يخرج إليهم عنصر من قوى الأمن يطلب منهم تحديد فرد مقرب عن كل ضحية ليتعرف على الجثة، عند وصولها. هنا يتحول الخوف الى الرعب، رعب يقضي على أي إمكانية للعثورعلى ناجين، أو حتى من إمكانية العثور على كل الضـحايا، أو جزء من أشلائهم ليدفنوها..
بين دقيقة وأخرى، تسمع صراخ أم، أو زوجة، أو أب وسلسلة من جمل ترثي حبيبا يتمنون لو أنهم منعوه من السفر، «يا ويلي، يمي.. يا ويلي يا حبيبي.. رحت وتركتنا، ليش يمي هيك» تكرر سيدة ترجو رجل الأمن أن يسمح لها بالدخول إلى الثلاجة، «أنا بعرف ابني، لو كان مشوه، أنا بعرف ريحته، دخيلكم خليني شوفوا».
كيف لهذه المرأة أن تعرف، ومصادر من الصليب الأحمر اللبناني تقول إن «الجثث الموجودة حتى اللحظة، محطمة بشكل يصعب التعرف عليها، والعظام مهشمة، من دون حروق».
يبقى أن من الجثامين الخمسة عشر في مستشفى بيروت الحكومي عُرف الطفل محمد حسن كريك ابن الأربع سنوات، فيما بقي والده حسن كريك في عداد المفقودين، بحسب أخيه حسين كريك الذي تعرف على جثة ابنة أخيه. حسين يقول «إن أخاه المتزوج من سيدة إفريقية (من كنشاسا)، ووالد لطفلة وطفل (محمد) كان يخطط للعودة نهائياً للاستقرار في لبنان بعد أسبوعين فقط، لكن ليس بعد الآن».
أما الجثمان الثاني الذي قيل أنه عُرف وجزمت مصادر في الصليب الأحمر اللبناني لـ«السفير»، أنه يعود لحسن تاج الدين، فكان يحمل رخصة سوق أنغولية».
في مكان آخر من باحة المستشفى كانت تسمع أخبار جازمة على التعرف على جثة الطفلة جوليا محمد الحاج، ابنة السنتين التي كانت على متن الطائرة مع والدتها رنا الحركة ووالدها محمد الحاج. الخبر يقول إن الأهل مفقودون حتى اللحظة، أما جوليا.. فعُرفت من القرطين الزرقاوين في أذنيها !».
أما من لم يصله أي خبر، فبقي حتى ساعة متأخرة ينتظر أن يسقط عليه خبر يقين، أي خبر يلامس الأحرف الثلاثة لهذه الصفة «ناج».. كهذه السيدة الغائبة عن الوعي التي بقيت تردد «انا بعرفه، يسبح منيح، يسبح كتير منيح، انشاء الله راجع».
اليوم، قيل القليل عن مأساة الفجر. غداً يحمل لأبنائه مزيدا من القصص، تشبه تلك التي ظلت تدور في فلك المستشفى. قصص لا تشبه شيئا، عن أربع وخمسين عائلة في لبنان لن تعرف الدفء في العيون، ونحو ثلاثين قصة من أثيوبية لن تعرف كيف تلامس خبرها.. حتى ذلك البائس

16.1.10

أنت تكون ابنة زواج سني شيعي

,1978 الصورة تحوي جسدين. الابتسامة تزيّن وجهيهما وتطفو على الشفتين، فتصنع المناسبة. الابتسامة تنتقل كعدوى الى الحشد المتجمع خلف الاثنين. هو عرس إذاً.. لم أكن موجودة، ولكن أحب أن أنسجه بخيالي على هذه الطريقة، لا سيما أنني نتيجة ثالثة ومباشرة لزفاف جمع فرحة شيعية بفرحة سنية. هو زفاف أمي وأبي.. كما يقول «كارت» الدعوة بين يدي. أرجح أن والدة أمي كانت تبذل مجهوداً في انتقاء «رديّاتها» التي تعود لترفقها بزغاريد لا تنتهي. ووالدة أبي تسعى جاهدة للرقص أمام أهل ضيعة العروس.. فهو عرس الابن البكر. الأول والأخير في العائلة الذي يتزوج من خارج مذهبه، (لم تخرق هذه القاعدة إلا مؤخراً). أما أمي فخرقت بزواجها من أبي قاعدة الارتباط بفرد من خارج العائلة أولا ومن خارج المذهب أيضاً.
ركبت مشهد العرس هذا لسنوات طويلة في ذاكرتي.. على الرغم من أن الصورة الفوتوغرافية تعكس هامتي عروس وعريس أمام ملصق ضخم فيه رسم حديقة، على حائط استديو تصوير.
قصة قبول جدي بأبي عريساً لابنته لم تكن مألوفة جداً. لكن القبول لم يكن مستحيلاً. كانت العائلة المتشددة دينياً، تعيش الفرق الطبيعي بين المذهب السني وذلك الشيعي.. والموافقة لم تحصل إلا بعد مسيرة طويلة من الزيارات والاستشارات وصلاة الاستخارة و«الخيرة»، التي أجراها والد العروس.
كيف انتقى كل منهما الآخر؟ في الدرجة الأولى، كان حب النظرة الأولى. هي رأت فيه شاباً جذاباً، بعينين ملونتين واسعتين. وهو رأى فيها صبية سمراء بشعر أسود طويل يتسلل من تحت حجابها الصغير الذي يُثنى الى منتصف الرأس، إفساحاً أمام بعض الشعر بأن يرى «خلقة ربه». وفي العرس، ومن المؤكد قبله أيضاً، طار غطاء الرأس تماماً، ليحل محله شعر مصفف على شكل وردة مضمومة الى الداخل، تزيّنه ورود بيضاء بلاستيكية. أن تنزع العروس حجابها يوم عرسها، لمرة، كان أمراً طبيعياً جداً في ذلك الحين. أذكر جيداً زفاف عمتي في التسعينيات، يوم جاء أبي وقبّلنا أنا وأختي، وكنا لم نتخط الخامسة عشرة من عمرنا، وقال: «العروس (عمتي) بس بتشيل عن رأسها، أنتو لأ بابا».
بطبيعة الحال، كان لأمي الحق بأن تحمل معها كل ما تريد من معتقدات عائلتها الأولى.
لاحقاً.. بعد سنوات طويلة وبعدما تقدم خطوات في التزامه، علّم أولاده الخمسة الصيام، وناداهم للصلاة. أجلسهم في حلقات دينية لتلاوة وتجويد القرآن الذي أمسى رفيقه الدائم، والذي لم يقرأه يوماً بسرعة ولا بصوت منخفض. ولاحقاً أيضاً، قرر تغيير ديكور منزله، ففرغت الخزانة الرئيسية الضخمة في غرفة الجلوس من التحف ودزينات فناجين القهوة والشاي المميزة التي تُحفظ للضيوف المميزين فقط. الدرف كلها امتلأت بالكتب الدينية، والتفاسير ونسخ من القرآن، بأحجام مختلفة. ولاحقاً، صمم أبي طاولة خاصة تتســع لقــرآن كبير يصل طوله الى ستين سنتيمتراً وعرضه ثلاثين سنتيمتراً. ولم تكتف الكتب برواية سيرة محمد، ولا أصحابه ولا آل بيته، بل وصلت لتقارن بين المذهب الشيعي وذلك السني. ماذا قال هؤلاء في الفريق الثاني، والعكس.. وهنا بدأت القصة تحمل أوجهاً حماسية، لا تتميز كلها بكونها لذيذة.
إذاً، بعد أكثر من 16 سنة على ذاك الزفاف، كنت أنا قد بلغت العاشرة من عمري، وأحاط إدراكي بأني أتيت من زواج مختلط مذهبياً. ولكن، حتى وقتها، لم أكن أعرف الفرق بينهما.. أبداً. كنت أنتبه الى أن الطريقة التي تصلي فيها جدتي لأبي مختلفة عن تلك التي تعتمدها جدتي لأمي. وطريقة لف غطاء الرأس في قريتهما تختلف تماماً أيضاً. منها ما يسدل سريعاً ومنها ما يشبك بمجموعة دبابيس.
لم تعد جدتاي تريان بعضهما كثيرا. بت أحمل قبلات تيتا نعمات لتيتا ثريا: «بوسيلي ستك كتير.. وما تنسي إيه؟». أهز برأسي، وأدلف إلى السيارة. أصل إلى العائلة الثانية، تقبلني جدتي، أطبع قبلتين اضافيتين، كما تقول الوصية، وأحمل منها عند المغادرة وصية قبلتين أيضاً. أحببت هذا الدور وما زلت أحبه.
لم أسال أبي يومها عن معنى أن أكون مختلفة عن أولاد وبنات خالاتي وأخوالي. كنت أجد الأجوبة في أسئلة الأقارب من طرفي العائلة، وهم لم يفوتوا فرصة للتعليق حول أصول أمي وأبي المختلفين. من الأسئلة ما كان يبدو عادياً ويطاق، ومنه ما كان جارحاً جداً. السؤال هو: كيف تصلين؟ مثل أمك أو مثل أبيك؟ والسؤال التالي: مع من تفطرين؟ مع الشمس أم من دونها؟
قليلاً ما كنا أضحك، وبداية كان جوابي: ما الفرق.. لاحقاً، تعلمت أن أكون «شريرة»، فأمسى الجواب «أصلي يداً لفوق وأخرى لتحت». أما عن إفطار رمضان فكنت أحب أن أرى الابتسامة الصفراء على وجه المتسائل، كي أجيب: «أفطر مع القمر، وعلى شمعتين كمان».
لكن أسئلتي التي أوجهها لنفسي لم تتوقف. لماذا خلقت في هذا الجانب من الحياة؟ لماذا لم أخلق مسيحية مثلاً؟ ومن قال إننا على صواب؟ ومن قال إنهم على خطأ؟ لم أجرؤ على سؤال والدي عندها، إذ ما كنت أحب أن أسمع منه شرحاً فائضاً عن كوننا على هدى. كنت أحب أن أسمع منه شيئاً من نوع: «غير مهم كيف وأي طائفة تحملين، المهم أن تعرفي ماذا تريدين ومع من». حسناً.. أعرف أن هذا الجواب يكاد يكون أفلاطونياً.
حان موعد المكتبة، موعد البحث في المكتبة. غرقت في كتاب: «ثم اهتديت»، لمحمد التيجاني السماوي. قرأت وقرأت لرجل سني يعتبر نفسه اهتدى عندما تشيّع. بعدها، غرقت في: «بل ضللت»، لخالد العسقلاني الذي رد على التيجاني. وبعدها، والحمد لله، عدت إلى أغنياتي الرائعة، وعادت الموسيقى الجميلة إلى سمعي.
لم يكن أبي متشدداً في البداية، تحول لاحقاً إلى ملتزم. ابتعدت الموسيقى على أنواعها عن راديو السيارة، وأصبحت رحلة بيروت وبعلبك مملة جداً. كنا سابقاً نقضي أولها بالاستمتاع بالنقرشات وسندويشات أمي من الحمص والهندبة واللبنة على أنغام شريط ماجدة الرومي أو فيروز، أو حتى علاء الزلزلي وأنا أهز رأسي على «هدوني هدوني».. وقبل أن نصل إلى بيت أقاربنا، تبدأ اجراءات أمي: تُخرج عدتها من الكولونيا، ومنديل لتمسح وجوهنا.. وطبعاً، لا بد من لمسة تجديدية على تسريحاتنا.
تغير كل شيء: ألغيت الموسيقى وأصبحت إبرة الراديو لا تزيح عن «إذاعة القرآن الكريم من بيروت»، وتوزعت الشرائط الموسيقية في السيارة، ونحن تحجبنا. جنان أولاً وهي في التاسعة، أنا ثانياً بعمر السابعة، فجنى وجودي عندما بلغا الثامنة والتاسعة. أما أخي، محمد جميل، فـ«زمط»!
جنان كانت الوحيدة التي تحجبت رغماً عنها. يوم لفت رأسها بالغطاء لشدة البرد، كانت مزحة: «مبروك.. بيلبقلك، خليه على راسك». ولاحقاً، أمست المزحة حقيقة، والحجاب سكن رأسها لأكثر من 17 سنة. وما زال طبعاً.. لكنها تقول إنها اقتنعت.
أما أمي، وقد تحجبت في التاسعة أصلاً، فحسنت من حجابها. تحولت الخصل السوداء الطويلة الى «كعكة»، وتقدم النصف الأول من الحجاب الى مستوى الجبين. واستبدل العقد أسفل الرقبة بدبوس، ليسدل أطراف الحجاب على العنق ويغطيه تماماً. وطولت التنورة الى الكاحل، وتوقفت على ثني أكمامها عند تعزيل البيت. فيُغطى الحجاب جسدها كله، من رأسها الى أخمص قدميها.
الابتسامات العائلية التي رسمت في الزفاف، بدأت تبهت. كما بهتت الزيارات بين أهل العروس والعريس. وبقي العروس والعريس وأولادهما الرابط بين العائلتين. والعيد يعني زيارة القسم الأول من العائلة قبل الظهر والقسم الآخر بعد الظهر. هذا في حال احتفل المذهبان بالعيد في اليوم نفسه. العيد عيدان، والعائلة الكبيرة التي من المفترض أنها اجتمعت على زواج لتصبح واحدة، هي عائلتان. وأنا بين الطرفين أجد أن مشروعاً إيرانياً، وآخراً أميركياً، وثالثاً مريخياً، سيطيّرون حلمي لعشرات السنوات المقبلة. لكن، على الأقل، قناعتي تجاه عائلتي الصغيرة لا تتغير. لن يسرق السنة والشيعة وحدة مسار ومصير وقومية وعروبة بيتي.. طالما لم يخرج الفرع السني منها للبحث عن وجه صدم حسين في وجه القمر، كما فعل بعض أهالي الطائفة، وطالما لم يخرج الفرع الشيعي من العائلة للزغردة بعد شنــق الرئيس المخلوع.
27 سنة هو مجموع سنوات زواج أمي بأبي. زواجٌ لم يعكر صفوه، برأيي، إلا المذهبان نفسهما. لا الثروة ولا المجوهــرات. يمكــن للهــدوء الخــارجي أن يستمــر، اذا ما استمــر الاتفــاق الذي عقدناه مع والدي. عندما نزور العائلتين، لا نتحــدث في السـياسة. يمكن للزيارة أن تنقضي من دون الســياسة. لكــن، هــذا بالنسبة لأبي وجدي يعتبر قمع ألـذ متعهمــا. أنظـــر في وجهيهما فأجدهما يتحينان اللحظة التي سينطلق فيها الحديث عن 8 و14 آذار («عليهما اللعنة»، كما تردد أختي الصغيرة).
أتذكر اليوم صديقة قديمة لي تعاني من مشكلة في مخارج الحروف وفي لفظها. كانت دائماً تحاول أن تلفظ اسم المذهبين صحيحا، فلا أفهم منها إن كانت «شنية»، أو «سيعية». وأنا لا أفهم اليوم هذين اللفظين، حتى مع مخارج حروفي الصحيحة. لكني، للأسف، أفهم تماماً أني أحمل وأخواتي العقدة ذاتها: عقدة لا يكون حلّها إلا بتجنب الزواج من خارج المذهب.