26.1.10

نُشر في جريدة السفير
26-1-2010
جهينة خالدية
لا صوت، لا هواء، لا مطر، ولا دمع يخرق ثقل الصمت في باحة مستشفى رفيق الحريري الحكومي.
الأجساد المتلاصقة تتزاحم لتسرق نظرة من قسم الثلاجات.. ترتجف، وتهتز ولا يساندها إلا الصف التالي من المنتظرين.
الرجفة تنتقل بالتواتر بين أهال ينتظرون خبرا،ً لا يريدونه أن يأتي. وعندما بدأت الجثامين بالوصول قرابة الواحدة ظهراًُ، اختار الكل سكونه الخاص، وتمنى لو ينقل حفنة من الحياة إلى حبيب ينام الآن في كيس. وتمنى قبل ذلك لو يعرف إن كان حبيبه نائم إلى الأبد.
الهواء البارد الموبوء بالموت، جمد عيون ذوي المفقودين. وبات كل زوج من العيون، يتحرك آلياً وكأنه لا يرى. العيون هنا، إما حمراء، لفرط ما لونها البكاء، أو شفافة وكأنها ما عادت تحتاج إلى لون. وكأنها ما عادت تحتاج إلى وظيفتها، فتجدها تشيح بنظرها عن السماء كلما حلقت فيها طائرة.
الموت هنا، في كل زاوية من باحة الطوارئ في المستشفى، يتسلل سريعاً إلى نفوس، لكن من يصدق؟ من يجرؤ على الاستسلام لحتمية فكرة أن هذا الأب أو الأخ أو الصديق الذي غمرهم منذ ساعات قليلة، بات ملك الرحيل الأخير.
منذ التاسعة من صباح أمس، كانت وفود الأهالي تتكاثر في القاعة الداخلية للطوارئ، وخارجها، آتين من قراهم أو من المطار أو المستشفيات الأخرى التي قيل أن الجثامين يتوزعون عليها، قبل أن يتأكدوا أن كل الضحايا سينقلون إلى المستشفى الحكومي.
حتى الواحدة والنصف ظهراً، كان الحشد الحزين يختار صفة «مفقودين» عند السؤال عن أبنائهم. يسألون عن الاسم، فيأتيهم الجواب «لم تصل أي معلومات أو ضحية حتى اللحظة».
بعد ذلك بقليل، تصل سيارة الإسعاف الأولى التابعة للمستشفى العسكري إلى مستشفى بيروت الحكومي. يقول الأهل إن الحقيقة اقتربت، فعليهم بمواجهتها. يتدافع الكل إلى المدخل، حاملين قلوبهم في أكفهم، وصراخهم يقطع صفير الهواء «هيدا ابني؟ هيدي جثة مين؟ صغير؟ ختيار؟ دخيلكم مين.. يا الله مين؟». ومن يجرؤ على الاجابة؟
هنا ممرض بوجه مصدوم ينقل خبراً بهذا الثقل: «كيف بدكم تعرفوا، الزلمي بلا رأس».
بعد هذا الخبر، يصبح السؤال مكبوتاً، هرباً من جواب مخيف. وبعد هذا السؤال، يلبس الكل وجوه الحداد النهائي، ويغيرون الصفة من «مفقودين» إلى «جثامين» و«ضحايا».
الآن، الكل أمام فرضية ترجح تشوه كثير من الجثث، ويكون السبيل في معرفة هويتها في إجراء فحص الحمض النووي للأهالي لمطابقتها مع الضحايا. هكذا يُفرز الأقارب إلى صالون ثان للانتظار لإجراء الفحوصات. هنا تبدو الورقة البيضاء التي تعلن «قاعة الانتظار» سخيفة جداً، أمام وجه جميلة الشاحب. المرأة التي تجر بيسراها طفلاً في عامه الثاني يحمل وجه القمر اسمه فضل، تحضن بكفها الأيمن طفلاً آخر ينمو في أحشائها، في شهره الثامن وتنادي والدهما: عباس جابر. وعباس حتى اللحظة لا يجيب، فهو حتى مساء الأمس كان يتجه إلى الغابون، أما الآن، أين هو؟
في القاعة تجلس جميلة، لكنها لا تعرف ماذا تنتظر.. خبر الموت؟ أم ذلك الأمل الذي لا يدل شيء على وجوده؟
في القاعة أيضاً، تجلس سلافة زوجة فؤاد جابر الأخ الثاني، وولداها عباس (16 عاماً) و كاترين (18 عاماً). الأم تهدأ لثوان وكأنها تتعمد الهرب من الواقعة، وعندما تفشل تجدها تطلق أنيناً مؤلما مصحوبا بموجة من النحيب.. «مصيبة، هيدي مصيبة يا حبيبي»، «وينك يا حبيبي، وينك؟». عباس وكاترين في زي المدرسة، ويبدوان كمن لا يعي ما يحصل.. وعيونهما لا تعرف لغة تصدق كل هذا الرثاء المحيط. كيف تُسأل الابنة عن رحيل الأب؟ وكيف تسمع منها «بابا؟ عم تسألوا عن بابا؟ بابا كان بالنبطية هلق بالغابون!».
في الخارج، الصراخ يأتي عالياً. الفتاة الأثيوبية تجادل قوى الأمن، تسعى للدخول إلى غرفة الطوارئ.. لا تعلن الفتاة اسمها، لكنها تقول إن «بنت خالتي جوا، أنا بدي شوفو، من وين بدي جيب «دي أن أي» عشان تعرفوا أنا بقربوا؟ ومن وين بدي جيب باسبور؟ أنا باسبور مع مدام».
الرعب في السماء
دقائق طويلة جداً تمر، قبل وصول الدفعة الثانية من الضحايا، وتشمل سبعة جثامين، قيل أن خمسة منها تعود لأثيوبيين، وطفلين لبنانيين. ثم تلا ذلك دفعة ثالثة، صحبتها موجات متصاعدة من التوتر، والرعب، والتعب، ووجوه الانهيار كيفما التفت.
عند الخامسة مساء، يكون عدد الجثث في المستشفى قد وصل إلى أربع عشرة. الأهالي يفقدون قدرتهم على التحمل. رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ووزير الصحة محمد جواد خليفة ووزير الداخلية والبلديات زياد بارود ومسؤولون يجولون عليهم سريعاً. يقولون لهم كلاماً معزياً، يؤكدون على السعي لإنقاذ من يمكن إنقاذه وإيجاد كل الضحايا. ولا شيء يعزيهم إلا أن يعرفوا مصير أبنائهم.
بعد دقائق، يخرج إليهم عنصر من قوى الأمن يطلب منهم تحديد فرد مقرب عن كل ضحية ليتعرف على الجثة، عند وصولها. هنا يتحول الخوف الى الرعب، رعب يقضي على أي إمكانية للعثورعلى ناجين، أو حتى من إمكانية العثور على كل الضـحايا، أو جزء من أشلائهم ليدفنوها..
بين دقيقة وأخرى، تسمع صراخ أم، أو زوجة، أو أب وسلسلة من جمل ترثي حبيبا يتمنون لو أنهم منعوه من السفر، «يا ويلي، يمي.. يا ويلي يا حبيبي.. رحت وتركتنا، ليش يمي هيك» تكرر سيدة ترجو رجل الأمن أن يسمح لها بالدخول إلى الثلاجة، «أنا بعرف ابني، لو كان مشوه، أنا بعرف ريحته، دخيلكم خليني شوفوا».
كيف لهذه المرأة أن تعرف، ومصادر من الصليب الأحمر اللبناني تقول إن «الجثث الموجودة حتى اللحظة، محطمة بشكل يصعب التعرف عليها، والعظام مهشمة، من دون حروق».
يبقى أن من الجثامين الخمسة عشر في مستشفى بيروت الحكومي عُرف الطفل محمد حسن كريك ابن الأربع سنوات، فيما بقي والده حسن كريك في عداد المفقودين، بحسب أخيه حسين كريك الذي تعرف على جثة ابنة أخيه. حسين يقول «إن أخاه المتزوج من سيدة إفريقية (من كنشاسا)، ووالد لطفلة وطفل (محمد) كان يخطط للعودة نهائياً للاستقرار في لبنان بعد أسبوعين فقط، لكن ليس بعد الآن».
أما الجثمان الثاني الذي قيل أنه عُرف وجزمت مصادر في الصليب الأحمر اللبناني لـ«السفير»، أنه يعود لحسن تاج الدين، فكان يحمل رخصة سوق أنغولية».
في مكان آخر من باحة المستشفى كانت تسمع أخبار جازمة على التعرف على جثة الطفلة جوليا محمد الحاج، ابنة السنتين التي كانت على متن الطائرة مع والدتها رنا الحركة ووالدها محمد الحاج. الخبر يقول إن الأهل مفقودون حتى اللحظة، أما جوليا.. فعُرفت من القرطين الزرقاوين في أذنيها !».
أما من لم يصله أي خبر، فبقي حتى ساعة متأخرة ينتظر أن يسقط عليه خبر يقين، أي خبر يلامس الأحرف الثلاثة لهذه الصفة «ناج».. كهذه السيدة الغائبة عن الوعي التي بقيت تردد «انا بعرفه، يسبح منيح، يسبح كتير منيح، انشاء الله راجع».
اليوم، قيل القليل عن مأساة الفجر. غداً يحمل لأبنائه مزيدا من القصص، تشبه تلك التي ظلت تدور في فلك المستشفى. قصص لا تشبه شيئا، عن أربع وخمسين عائلة في لبنان لن تعرف الدفء في العيون، ونحو ثلاثين قصة من أثيوبية لن تعرف كيف تلامس خبرها.. حتى ذلك البائس

ليست هناك تعليقات: