28.1.10

خصوصية الموت ومأزق الصحافي



جهينة خالدية
نشرت في السفير

من يعرف كيف يصف مهمة كل صحافي «على الأرض» يوم سقوط الطائرة؟ كنا ننظر في وجوه بعضنا البعض، نبحث عن الفضول الذي ينتابنا أمام كل قصة، لنفاجأ بوجوم يطغى على معظمنا، ونحن نردد محرجين: «صعب السؤال».
أكثر ما كان يخنقنا تدريجاً، هو تماسنا المباشر مع أسى ما نسمع، وما نرى في وجوه الناس.
في مستشفى رفيق الحريري الجامعي، كانت القصص تلتف من حولنا. كيفما التفتنا صادفنا عائلة متكاتفة حول مصابها... وتنتظر.
هي قصة كل أم تهرع باتجاه مدخل الطوارئ. خائفة هي، لكن تُبقي في عينيها بريقا ما، يشعله أمل أن تجد ابنها ولو جريحاً. كان صوت الرفض داخلها، يتضخم.. «أكيد ابني عايش».
أمام مشاهد كهذه راحت تتكرر طوال النهار، كنا نرتبك، نتردد في الإقدام على السؤال، نختار أن نُطرق السمع فقط، ونتحين الفرصة لإيجاد مكان لنا في هذه الحالة المأسوية.
كما في كل حدث، نعرف تماماً أن وجودنا ودورنا يكونان صلة وصل بين الحدث والقارئ أو المشاهد خارج هذه البقعة. وندرك أننا أمام مهمة ترتكز بالدرجة الأولى على الحصول على الخبر.
والأخبار هنا كانت متعددة، فنحن أمام تسعين قصة نستطيع أن نغرف منها الكثير. لكن مبادراتنا إلى مواساة العائلة، ثم محاولة استنباط بعض المعلومات، ليست بالبديهية التي يتوقعها البعض. فهنا، كان كل شيء معلقاً، وآخر ما كان يهم الأهالي في تلك اللحظة، كان دورنا. إذ ما كان لدى هؤلاء في هذه الحالة، أي اهتمام بنقل صوتهم عبرنا. صوتهم لمن؟ صوتهم عن ماذا؟ هم أمام مصير مجهول لأبنائهم (مدرك ضمنيا، إنما غير معترف به)، وأمام إسعافات تنقل جثثاً تختفي داخل المشرحة.
في النهار الأول، مرّت دقائق طويلة، ما كنا نسمع فيها أكثر من همس خفيف. كان ينتاب الجموع نوع من الصمت الجماعي، وكنا نرى إشارات مصابين راجين ألا نقترب منهم، كأنهم يرددون «بعدين، بعدين..».
هنا، ما كانت اليدان لتجرؤا على حمل ورقة وقلم لاستجواب الناس. الورقة والقلم وحدهما كانا كفيلين بكسر حاجز التعاطف مع الأهالي، فهؤلاء كانوا يظنوننا منهم، ننتظر أحباءنا كما ينتظرون.
هذه تجربة تصلح مع الصحافة المكتوبة، إذ كان بإمكاننا حفظ المشاهد في الرأس، ونقلها بوصفنا الخاص عند المساء. كنا نحتاج إلى القصص والأرقام أيضاً، لكن هامش الوقت لدينا كان أوسع، وبالتالي ما كان أمامنا إلا الصبر، واستراق السمع وقراءة التعابير.
الوضع مختلف مع زملاء في الإعلام المرئي وحتى المسموع. هؤلاء يقعون تحت أمر واقع: الحصول على الخبر، بالصوت والصورة (في حال المرئي). كان الفرق واضحاً بين اندفاعهم ودقة مهمتهم وتريثنا. كثير من الناس، كانوا يشيحون بنظرهم أو يبدون اندهاشهم من سؤال كهذا «شو حاسس؟ شو شعورك؟». قد تكون هذه واحدة من الطرائق التي يلجأ إليها الصحافي «لاستخراج» نبض الناس، لكنها لم تلق التجاوب من الأهالي من جهة. وأظهرت نوعا من الافتقار إلى «الخطة باء» للتعامل مع الناس في حالة الأزمات. العرض هذا، لا يهدف إلى الحكم على عمل الزملاء، إنما الإضاءة على صعوبة ما يواجه هؤلاء من ضغوطات مرتبطة بطبيعة عملهم، والمادة المطلوبة للنشر.
الصعوبة هذه، التي ربما لم تؤخذ بعين الاعتبار في كثير من المؤسسات الإعلامية، بحيث تحاول إيجاد مخارج لكل هذا الحرج، أو تدريب على صياغة أسئلة ومفردات «مؤنسنة» في أحداث إنسانية شبه بحتة، كفاجعة الطائرة، التي كان البعد الإنساني هو وجهها الأساس، وشبه الأوحد. وهو ما يختلف عن حال الحروب، حيث يتوزع الاهتمام بين حال الناس والوضع العسكري والسياسة.
في جميع الأحوال، «المواجهة» مع الناس، كانت تضع مشاعرنا وتفاعلنا ودقة مهمتنا على المحك. كنا بحاجة لأكبر قدر من ضبط النفس، واستعادة رباطة جأشنا. لكن أكثر ما كنا نحتاج اليه هو اختيار دقيق لكل كلمة نحشرها في السؤال، وهذا ما سهاغ عنه البعض، وهم يخترقون خصوصية اللحظة، وينصبون الميكرفون أمام الأفواه، والعدسات أمام الوجوه، سعياً وراء نواح، أو دمعة، أو حتى انهيار... أو أولئك الذين سألوا المختصين على الهواء مباشرة «يعني ما هي الأشلاء التي تصلكم؟».
الوجه الآخر لعملنا، كان في الغرفة المؤدية إلى المشرحة، حيث كنا بالدرجة الأولى نواجه أنفسنا، ونحن نعد الجثة تلو الأخرى، ونحاول أن نتبين من حجمها إن كانت تعود لرجل أو امرأة أو طفل.. عدنا لنتنبه الى أن هذه أشبه بمهمة مستحيلة، ونحن نرى الجثث تصل بأكياس سميكة إنما غير سوية تماماً، وكنا أمام فرضية العظام المحطمة.
عند المساء، وبعد أن «أفرغنا» ما في رؤوسنا من مشاهدات، كانت المراجعة الشخصية مع يوم حزين وبائس كهذا. في «جردة» للأحداث التي قمنا بتغطيتها على امتداد سنوات العمل.. تصدر هذا اليوم لائحة «المهمات الصعبة».. ربما تخطى رعب وثقل الحرب. ففي الأيام الثلاثة والثلاثين من العام 2006، لم يسألني أحد «دخيلك إذا شفتيلي ابني أو شوي منه بالبراد.. خبريني.. دخيلك يا ابنتي».

ليست هناك تعليقات: