11.2.10

«بورصة» المباني المصنفة في هبوط مستمر من 1016 مبنى إلى 520 إلى 469 إلى 209 مبانٍ... والمسح الأخير يؤكد هدم 141 مبنى!


نشر في جريدة السفير
جهينة خالدية
تصدع»: هذا الوصف وما يلحقه من مشتقات من «متصدع..
تصدعات» وأوصاف مثل «غير صالح للسكن»، هي كلمات السر التي تجعلنا اليوم نتأمل بيروت من الأعلى ونشيح عنها النظر.
بيروت 2010، لا تشبه تلك في 2009، ولا في الأعوام التي خلت. المدينة تخلع عنها كل يوم طبقة من جلدها. الطبقة هذه، هي بيوتها وأحياؤها التراثية القديمة التي نجدها تختفي بسحر ساحر مع فجر كل يوم.
وجلدها هو نسيجها المديني المعماري وطابعها التراثي الفريد بأوجهه الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية.
هكذا بات مرورنا أمام منزل تراثي، عاش معنا ومع ذاكرتنا، أمراً نادراً. أما «العادي» والمتوقع اليوم، فهو أن نجد بيوتاً كهذه تلبس أوشحة وأغطية خضراء، مسجونة خلف قضبان السقالات، وتتحضر للإعدام. لا يعذبنا المستثمرون (وأحياناً المالكون) كثيراً، فما هي إلا أيام قليلة جداً، حتى «يريحونا» من هذا المنظر الحزين. بعدها نخرج إلى الشارع، لتستقبلنا «بؤرة» ضخمة وأتربة حمراء، تليها تباشير الجرافات والأعمدة الإسمنتية المخيفة. وقبل كل هذا، نجد اللافتة التي تعلن لنا بكل ثقة: بناء برج «الأحلام».
هذه هي بيروت اليوم، لا تعرف كيف «تحلم» إلا على ارتفاع عشرات الأمتار وعلى علو الطبقة العشرين. ولا يعرف ساكنو هذه الأبراج إلا الحياة «المكبوسة» في بناء بمواصفات تجارية، وسقف بالكاد يرتفع عن المترين وثمانين سنتمتراً... وبواجهات زجاجية عريضة.
مشهد المدينة، لم يعد مشهداً. لا تناسق ولا تجانس فيه لنتصوره في مشهد واحد. المشكلة الأساس إذاً، ليست بهدم بيت تراثي هنا، والحفاظ على آخر هناك. المشكلة بالنسيج الاجتماعي، العمراني، الثقافي في كل منطقة وحي. نحكي عن الانصهار والتجانس الذي يولد صورة متآلفة مع كل عناصرها، أي العلاقات المتماسكة بين البناء والبناء المجاور، وبينه وبين الناس والدكاكين والمتاجر.. هذا كله يصنع التراث. وأحد أهم ركائزه هو الأبنية التراثية والحفاظ عليها، أو لنقل على ما تبقى منها. لكن كيف نحميها، ونحن حتى اللحظة لا نملك قانوناً خاصاً بها، يحمي ما تبقى من أصل 1016 عقاراً كانت جمعية «أبساد» لتشجيع المواقع الطبيعية والأبنية القديمة في لبنان قد أحصتها في 1995 بتكليف من وزير الثقافة والتعليم العالي ميشال إده؟ وفي العام 1997 كلف رئيس مجلس الوزراء الراحل رفيق الحريري لجنة بإجراء الدراسة الأولية لمشروع حماية المباني التراثية. الدراسة هذه أوصت بحماية 520 عقاراً في أربع مناطق تتميز بمجموعات أبنية تراثية متجانسة ضمن نسيج مدني متماسك يجعلها ذات قيمة معمارية تاريخية على نطاق المجموعة، وتتعدى القيمة الفردية للمباني.
نكون حالمين إذا كنا لا نزال نقف عند الرقم 520! فهذا الرقم خضع لتنزيلات عدة، ووصل بعد «الحسم» و«السولد» إلى 209 مبانٍ، مقابل 250 مبنى تقرر (وفق معايير ملتبسة) أنها «لا تتسم بالطابع التراثي».
ماذا تبقى من هذا العدد الأخير؟ مسح جديد أجراه مرصد «مجال» وخلص إلى نتائجه منذ أسبوع فقط، يشير إلى أن «بيروت خسرت 141 مبنى تراثياً، كانت مدرجة على لائحتي التصنيف الذي أجرته «أبساد» في العام 1995 وتلك التي وضعها مكتب «خطيب وعلمي» في العام 1998.
إذاً، نحن في حالة طوارئ، أخطر ما فيها أربعة أمور: أولاً الخلط ما بين الحفاظ على التراث والحدّ من الاستثمار، وكأن الخروج بتخطيط مديني يحافظ على نسيج متكامل في أحياء معينة، يعني منعاً تاماً لبناء الأبراج، أو المباني الحديثة! في حين أن المطلوب هو تحديد مكان ومعايير بناء هذه الأخيرة، لا حجبها تماماً. وبالتالي نصل إلى ثانياً، وهي الحاجة الملحة جداً لقانون يحمي هذه الأبنية. إذ، وبحسب المهندسة المعمارية منى الحلاق، وهي عضو في جمعية أبساد، «لا يوجد في لبنان قانون خاص بالمباني التراثية، بل قانون خاص بالآثار يعود إلى العام 1933، ومشروع القانون الذي أحيل في عهد وزير الثقافة طارق متري في العام 2007 إلى مجلس النواب، ويقترح آلية للعمل وتحديد دور كل جهة مرتبطة بالموضوع، يقبع الآن في أدراج اللجان النيابية». وقد يكون أخطر ما يتهدده هو تفريغه من مضمونه.
وثالثاً، هناك حاجة لخلق حوافز وتسهيلات للمالكين (لا سيما الفقراء منهم) وللمستثمرين، تساهم في الإبقاء على هذه البيوت، بدءاً من فرض «الضريبة الشرفية» على الجوار المطل على هذه العقارات، وتعديل في قانون الإيجارات الذي ما زال لا يحول دون تأجير بيت تراثي بسعر بخس.. فلا يكون أمام المالك إلا الهدم لإخراج المستأجرين، وتخفيض ضرائب الإرث ورسم الانتقال عن العقارات التراثية، ونقل عامل الاستثمار، وهو، بحسب المهندس سيرج اليازجي، «حلّ للإبقاء على هذه الأبنية التراثية. كما يمكن أن ينقل عامل الاستثمار في المنطقة الموجود فيها المبنى إلى منطقة أخرى ليقوم مالك المبنى بالبناء فيه، وذلك وفق مخطط تنظيم مدني شامل».
ورابعاً، والأهم، إعادة المشكلة الفادحة إلى النقاش العام، وهذا ما يجب أن يتم بذكاء، لئلا يثير، مجدداً، ذعر المالكين، ويدفعهم بالتالي إلى التوجه سريعاً إلى الهدم، بالإضافة إلى تشكيل مجموعات ضغط من المجتمع المدني، الذي يشكل في هذه القضية بالذات، مفتاح الحل الأول الذي يستطيع وقف سفك هذه البيوت التي يُضحى بها في طوفان السياسة ومشاكل الحكم، ويضحّى بتاريخنا، وبالتراث والسياحة التراثية وما يمكن أن يعود بفوائد على الاقتصاد ووجه البلد والتنمية المستدامة.. وروح المدينة.
جزء من هذا النقاش وهذه المعضلة، كان حاضراً في طاولة مستديرة في «مركز سمير قصير» تحت عنوان «مصير الأبنية التراثية في لبنان». لكن امتدادات هذه المشكلة تتوسع لتطال اقتراحات ومسوحات جديدة، يمكن أن تساهم في حد المخاطر. وإذ تسعى «السفير» إلى الدفع بهذا النقاش للوصول إلى نقطة انطلاق جديدة، أو إعادته إلى العلن، فإنها تعود إلى بدايات «المجازر» بحق المباني التراثية في بيروت، والتداخل بين القرارات والسلطات والسياسيين والمصالح التي جعلتنا الآن نقف مشدوهين ونحن نتأمل البيوت تندثر كأننا أمام مسلسل «عشرة عبيد صغار». لا نسأل «من أخطأ؟» لأن قلة من المسؤولين تحملوا مسؤولياتهم وساندوا هذه القضية، لا سيما أن كل صاحب عقار وكل مستثمر يسند ظهره إلى سياسي «نافذ» (إن لم يكن هو نفسه السياسي) ينجح في فك تجميد بيوت ممنوع هدمها.
إذاً كم عدد الذين أخطأوا؟ ما الذي يجري منذ العام 1995 حتى اليوم؟ كيف بتنا نرفع أعناقنا إلى الحد الأقصى ونحن نسعى لنلامس بالنظر أبراجاً تخيف السماء وأحياء المدينة، فتخرق انسجامها مع ذاتها، ومعنا.
***
في زقاق البلاط، بيت قديم يشكل تجربة نموذجية للحفاظ على البيوت التراثية.. قيمته ليست فقط في قدمه، بل في نسيجه ومحيطه وسكانه. هناك عاشت نهاد وديع حداد، فهذا بيت الخالدة فيروز. فيه عاشت سنوات الطفولة، تربت، تمرنت على غناء يسحرنا كل يوم. البيت هذا، «ختيار» الآن، شبه مهدم على يد مخربة تتسلل إليه، ويحتاج بإلحاح إلى دعم للحفاظ عليه. وهذا ما تسعى إليه بلدية بيروت اليوم، إذ تعد معاملات الاستملاك لهذا البيت، ولقصر آخر لتاجر يحمل اسم بشارة خوري (شخصية غير الشاعر وغير الرئيس) ويتميز بهندسة معمارية إيطالية نادرة. منذ أشهر تعمل البلدية على تحويلهما إلى معلمين ثقافيين، لكن في الوقت الذي يتم العمل على المعاملات، يتحول بيت فيروز إلى «متصدع» ويسمح بهدمه! إذاً، بانتظار الأوراق، الحل بيد البلدية.. لكن، كم منزلاً تستطيع هذه الأخيرة أن تستملك؟ وكم منزلاً تستطيع إنقاذه في غياب أي قانون يحمي الأبنية، أو يوقف هدمها؟ الجواب يأتي من عضو المجلس البلدي رالف عيد، الذي يقول لـ«السفير» إن «البلدية على استعداد تام لاستملاك أكبر قدر ممكن من المنازل، لكن بما تحتمله ميزانيتها، والقضية لا تحل بإنقاذ منزل هنا، وآخر هناك، بل نحن بحاجة إلى ثلاثة حلول في وقت واحد: أولاً، تخطيط شامل وتقسيم لبيروت وتحديد ماذا نبني/ أين (zoning). وثانياً، قانون يحمي المباني التراثية (نقل عامل الاستثمار، وإعطاء كل صاحب ملك حقه) ويتضمن آلية الحماية. وثالثاً، أداة رادعة لتطبيق القانون كالغرامات، والسجن»... علماً بأن عقوبة هدم غير مرخصة تصل في حدها الأقصى إلى ستة أشهر سجناً! وقد تكون عقوبة «بسيطة» لمستثمر سيربح ملايين الدولارات بمجرد الهدم والمباشرة بالبناء.
ويعود عيد ليذكر بالدور الأبرز للمجتمع المدني والأهالي، «فهؤلاء هم الذي اعتصموا أمام «مبنى بركات»، في منطقة السوديكو، وضغطوا باتجاه منع هدمه، وهم من شكلوا أداة ضغط لتستملكه البلدية أخيراً. وانتهت معاملاته في العام 2006، وبعد أقل من شهر وبدعم تقني من فريق فرنسي، تقررت هوية متحف بيروت الذي نقيمه هناك، والذي يحكي قصة هذه المدينة، ليصبح المكان أشبه بمساحة دائمة للنقاش حول بيروت، وتراثها وماضيها ومستقبلها.
من جهة ثانية يستغرب عيد محاولات التخريب في المنازل التراثية التي تعمل البلدية على استملاكها (منها قصر الخوري ومنزل فيروز)، «إذ لا داعي لأن يخشى صاحب الملك على عقاره، لا سيما أن البلدية تدفع له قيمته الفعلية عند استملاكه».. لكن من جهة أخرى يبدو أن المالكين، وفي ظل الارتفاع الخيالي في أسعار العقارات يطمحون لأرباح صاروخية».
لكن قبل الانطلاق في المطالبة بالقانون ودعم الاستملاك ومحاولات الاستملاك، ألا يجب أن نعود إلى الأولوية الأساس الآن، أي وقف الهدم؟ علماً بأن هذا الأمر يتداخل فيه أكثر من قرار وأكثر من مشكلة، بما فيها الرغبة بالربح والاستثمار عن طريق تشييد أبنية وأبراج مربحة، إضافة إلى انتقال المبنى التراثي وملكيته إلى عدد كبير من الورثة، ما يجعل الهدم حلاً لتقاسم هذه التركة، وأحياناً نكون أمام بيوت تحتاج صيانتها الدورية إلى تكلفة عالية لا تستطيع عائلة متدنية الدخل تحملها. ومجدداً، يكون الحل بالهدم، لا سيما إذا ما تنبه هؤلاء إلا أنهم «يجلسون على بئر ماء وهم عطشى».
في مطلق الأحوال، كيف يحصل المالك على إذن بالهدم، لبيوت «مجمدة» وفق لائحة الجرد العام؟ وماذا عن الحجة الأهم، أي أن «المنزل يهدد السلامة العامة»؟ وهل فعلاً يمكن هدم البيوت المصنفة بإذن من بلدية بيروت؟
يلفت عيد، بداية، إلى أن بلدية بيروت تنقسم إلى شقين: المجلس البلدي الذي يأخذ المبادرة والتمويل، ومحافظة بيروت التي تتولى التنفيذ. وضمن هذه الأخيرة تأتي دائرة الهندسة في بلدية بيروت، وهي التي تصدر توصية إن كان المنزل «يهدد السلامة العامة» فعلاً، وإن كان يجب هدمه. لكن، بحسب عيد، فإن «المسؤولية لا تقع على دائرة الهندسة، بل على الجهة التي تطلب الإذن بالهدم، والتي نشك بأنها تكون سبق أن خربت في المنزل، وكسرت نوافذه وسقفه وأعمدته بما يسمح بتسرب الأمطار والمياه وتصدع الجدران.. لدرجة يصبح معها فعلاً غير صالح للسكن، وعندها يحصل على إفادة بالهدم». ويجزم عيد: «نحن لسنا القانون، القانون هو ما يمنع الهدم، وليس البلدية».
من 1016 إلى 209!
القانون؟ أين هو؟ وما هو المسار الطويل والشائك الذي يجعله حتى اللحظة ملك الأدراج؟ هذا سؤال جوهري لقضية معقدة تعود، بحسب المهندسة المعمارية والمناضلة في مجال الدفاع على التراث منى الحلاق، إلى العام 1995، عندما كلف وزير الثقافة ميشال إده جمعية تشجيع المواقع الطبيعية والأبنية القديمة في لبنان «أبساد» بإحصاء المباني التراثية في محيط وسط بيروت، وبلغ عددها بحسب الإحصاء 1016 عقاراً. ويومها، أصدر إده الكتاب الرقم 1876 ووجهه إلى محافظ مدينة بيروت المهندس نقولا سابا، لتجميد هدمها. والكتاب هذا، بحسب الحلاق، «أثار الخوف في نفــوس مالكــيها، ظــناً منهم أن تجميدها يعني استمــلاكها، فانطــلق الهدم!».
وتلفت الحلاق إلى أنه، «في العام 1997، وبعد سنتين من كتاب إده، صدر عن الرئيس الحريري، وبناء على اقتراحي وزيري الثقافة والتعليم العالي فوزي حبيش، والأشغال العامة علي حراجلي، القرار الرقم 12/97 الذي شكل لجنة إعادة النظر في وضع المباني المجمد هدمها ضمن إطارين: أولاً تحديد المواقع التي تضم مجموعات أبنية تاريخية ويتوجب وضعها تحت الدرس لتحديد نظام وشروط بناء تراعي المحافظة عليها وإبراز تميزها، وثانياً تحديد الأبنية المنفردة التي تتمتع بمواصفات معمارية فنية وتاريخية». إعادة الدراسة هذه خرجت بخمسمئة وعشرين عقاراً، موزعة على أربع مناطق وهي: أولاً عين المريسة، ميناء الحصن، القنطاري، سبيرز، الظريف. ثانياً زقاق البلاط، الباشورة، البسطة التحتا. ثالثاً الأشــرفية، اليســوعية، عبد الوهاب الإنكليزي، فرن الحايك، مار نقولا (جنوباً). ورابعاً مار مارون، الجميزة، ومار نقولا (سرسق).
لكن هل هذا التقسيم كفيل بحماية هذه المناطق؟ يبدو أن التقليص الدائم للأبنية كان إلى تزايد سنة تلو الأخرى، وحتى نهاية العام 1997 كانت قد وصلت إلى 469 مبنى. أما الأمر اللافت، بحسب الحلاق، فهو أنه «في شباط 1998 قرر مجلس الوزراء تكليف مجلس الإنماء والإعمار إعادة دراسة المباني للمرة الثانية! وفي ذلك تجاهل لمشروع الحماية الذي سبق أن أقره المجلس الأعلى للتنظيم المدني بالإجماع قبل شهر من هذا التاريخ!».
هكذا كلف مجلس الإنماء والإعمار، المكتب الاستشاري - شركة الاتحاد الهندسي (خطيب وعلمي) إعداد دراسة قُدّمت في تموز 1998، وصنّفت الأبنية في فئات خمس، وهو ما تصفه الحلاق بـ«نسف مبدأ المجموعات التراثية وتكريس تصنيف الأبنية المنفردة الذي لا يتناسب مع أصول التنظيم المدني الحديث».
وجاءت الفئات على الشكل التالي: الفئة A وتشمل المباني المرتبطة بأحداث تاريخية، أو بسيرة أشخاص تاريخين، وتتمتع بعناصر معمارية مميزة وبقيمة فنية عالية. الفئة B وتشمل المباني غير المرتبطة بأحداث تاريخية إلا أنها تتمتع بقيمة معمارية عالية وتعكس فترة زمنية أو طريقة بناء معينة. الفئة C تشمل المباني المشابهة للفئة B لكن لحقت بها أضرار مهمة، والفئة D التي تشمل مباني لا تتمتع بقيمة معمارية عالية بل تتضمن بعض الميزات. والفئة E لا تتمتع بقيمة تاريخية أو معمارية. هنا توضح الحلاق أن «المباني من الفئتين الأخيرتين، والتي تم تحريرها بعد سنة من الدراسة، بالقرار الرقم 32 الصادر في 3/3/1999 من مجلس الوزراء تضم 250 مبنى! أما الفئات الأولى الثلاث فتشمل 209 مبان فقط، وهذه تشكل أقل من عدد المباني التي أوصت سوليدير بحمايتها في وسط بيروت!». هنا وقعت كارثتان: أولى تتعلق بإمكانية هدم أي بناء من فئتين D وE، بمجرد الحصول على إفادة وترخيص، وثانية تؤكد أن لا خطة مدينية تحدد ما الذي يجب بناؤه مكان المبنى المهدم.

مبان تختفي
فأين أصبحت دراسة خطيب وعلمي، والتقسيم الأخير الذي خرجت به؟ وكيف يمكن التقدم بالقانون، وبتعاون متكامل بين وزارة الثقافة ومديرية التنظيم المدني وبلدية بيروت ومحافظة بيروت، للحد من هذه المأساة، والانطلاق في تنظيم معمعة التنظيم المديني لبيروت؟
هنا يأتي جهد مقدر لـ«مجال»، وهو مرصد جامعي ضمن معهد التنظيم المدني في الألبا - جامعة البلمند، إذ أجرى مؤخراً إعادة مسح للبيوت التي قسمتها دراسة خطيب وعلمي إلى فئات خمس. هنا نتيجة المسح، كما يلخصه مؤسس ورئيس المرصد المهندس سيرج اليازجي لـ«السفير»:
في الفئة A دُمر بيت من أصل 34 بيتاً، في الفئة B دمرت أربعة بيوت من أصل 127 بيتاً، في الفئة C دمرت ثمانية بيوت من أصل 49 بيتاً، في الفئة D دُمر 31 بيتاً من أصل 164 بيتاً، وفي الفئة E دُمر 27 بيتاً من أصل 88 بيتاً». وبهذا يكون مجموع الأبنية المدمرة من ضمن لائحة «خطيب وعلمي» هو 71 مبنى، يضاف إليها سبعون مبنى مدمراً من الأبنية الواردة في مسح «أبساد» الذي أجري في العام 1995. وبذلك، يقول يازجي، فإن «مجموع البيوت أو المباني التراثية المدمرة يصل إلى 141 مبنى موصى بحمايتها!».
إذاً وسط كل هذه القرارات والتداخل في الدراسات، هل تبقى المسؤولية الأساسية والمبادرة الأولى للحل هي وزارة الثقافة؟ وماذا عن دور بلدية بيروت في ظل ازدواجية القرار بينها وبين المحافظة؟
يبقى الدور الأساس، برأي يازجي، «هو دور وزارة الثقافة، لكن هذه لا تستطيع وحدها القيام بالمهمة الشاملة، أي الحد من المخاطر والهدم، إضافة إلى ضرورة وضع خطة تنظيم مدني للحفاظ على التراث والنسيج متكاملاً، هذه مهمة أكبر من قدرات وزارة الثقافة، وتحتاج إلى مشاركة فاعلة من بلدية بيروت ومديرية التنظيم المدني، على صعيد الدراسات والنظرة العامة التي تنتج ديناميكية عمل تحقق هدفها». وهنا يعود يازجي إلى واحدة من أهم المشاكل التي تعترض الحفاظ على الأبنية التراثية، وهي عامل الاستثمار الثابت، الذي لا يتغير وفق أي شروط، والذي يجعل مناطق مثل الجميزة ذات عامل استثمار عالياً، وبالتالي تصبح جاذبة للبناء والارتفاع في أبنيتها عالياً، وهو ما يجب أن يتغير من خلال وضع خطة تنظيم مدني. ويوضح يازجي أن «عامل الاستثمار وضع في العام 1954، محدداً قيمته الأعلى في وسط بيروت، ليتدنى تدريجيا ودائرياً كلما ابتعدنا عن الوسط، وهذا لا يأخذ بعين الاعتبار أن محيط وسط بيروت فيه مناطق وأحياء تراثية يجب أن ترضخ لتدخل من قبل الدولة في عامل الاستثمار، وفق خطة معينة، وهنا لب المشكلة».
المشكلة هذه، يمكن أن تحل من خلال القانون الذي ينام في الأدراج. لكن من الآن وحتى تتنفس تلك الأوراق الهواء.. هل يملك المهتمون و«أهل البيوت الفقيدة» وتلك التي تسير في خطوات ثابتة للاندثار إلا الصلاة؟ لا نصلي ليتوقف الهدم، بل يجب العمل على ذلك، لكن الصلاة لتمنح بــيروت العمر.. والوقت قبل ألا نعــود نعــرفها، حتــى لو أمعنا النظر.



من البندقية إلى زقـاق البـــلاط


بيتا فيروز وبشارة الخوري اللذان تسعى بلدية بيروت لاستملاكهما، سلّط عليهما الضوء في إطار «مشروع الأبجدية الفينيقية إلى النهضة: مسيرات ووجوه بارزة» ضمن «بيروت عاصمة عالمية للكتاب»، ونتيجة توصيات مشروع «أرخميدس» الذي قادته مدينة البندقية وشاركت في تمويله المفوضية الأوروبية في إطار برنامج «ميدباكت». علماً أنه من تنظيم جامعة القديس يوسف، الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة ـ جامعة البلمند، مرصد «مجال»، مؤسسة «ليبان سينما»، وPromOrient وبرعاية وزارة الثقافة. ويهدف المشروع إلى إعادة إحياء المراكز التاريخية في منطقة المتوسط، وتعزيز أمثلة التنمية المستدامة من خلال ترميم الأحياء القديمة وتجديدها. وتم اختيار منطقة زقاق البلاط كمنطقة نموذجية للحفاظ فيها على النسيج المعماري القديم، من خلال التركيز على الدور الثقافي والرابط الاجتماعي فيه، وسعى إلى إعادة اكتشاف المنطقة من خلال الشخصيات التي سكنتها ونشطت فيها المنطقة.
واحدة من نشاطات المشروع، كانت باختيار مجموعة واسعة من المباني، (أكثر من 28 مبنى) ذات مواصفات هندسية أو تاريخية أو ثقافية، وصيغت في كتيب تضمن وصفاً ملخصاً لكل منها وصوراً لها، وذلك بالتعاون مع المعهد الألماني للأبحاث الشرقية. ومن المفترض أن يتم تركيب لوحات شرح نقالة أمام كل من المباني المختارة لتشكل مرجعاً للزائرين وترشدهم وتزودهم بالمعلومات.





«ضحيـــة» في شـارع مي زيادة
الشارع الذي يقع في منطقة رأس بيروت (كليمنصو تحديداً)، سمي باسم الأديبة مي زيادة، وكان من أبرز الشوارع التي تحافظ على نسيج تراثي متماسك، بفضل أكثر من سبعة أبنية تراثية أساسية. لأحد هذه المباني قصة لافتة، إذ وفق الدراسة الثانية، التي قام بها المكتب الهندسي الاستشاري لشركة خطيب وعلمي، صُنف هذا المبنى على أنه تراثي، في حين أن المبنى التوأم له، والذي يلاصقه، سقط من الدراسة والتصنيف! هكذا هدم المبنى غير المصنف. أما المصنف، فيصار الآن إلى هدمه. في حين سعت بعض المؤسسات، مثل جامعة «هايكازيان»، إلى استملاك مبنى تراثي حفاظاً عليه. لكن بشكل عام، ما عاد الشارع يشبه ما كان عليه بعد سقوط أكثر من مبنى تراثي، لترتفع مكانها المباني المعاصرة والأبراج. هذا نموذج شارع يفقد حلته. والأمثلة كثيرة في الأشرفية وزقاق البلاط وقريطم والحمراء... وتكر السبحة

«الإرث الثقافــي والتنمية المدينية»


يختلف الوضع نسبياً في المناطق، عن بيروت، إذ أظهر مشروع «الإرث الثقافي والتنمية المدينية» أن السياسات والاستراتجيات توصل إلى نتائج. والمشروع الذي تقوم به الدولة اللبنانية بمبادرة من مجلس الإنماء والإعمار وتمويل جهات عدة، استطاع التوصل إلى القوانين الخاصة بالمدن القديمة. المشروع الذي يعمل في مدن خمس هي بعلبك، صور، صيدا، جبيل، وطرابلس، خرج بقانون يعمل على المحافظة على النسيج العمراني في الأحياء والأسواق القديمة في هذه المدن. ويلفت استشاري المشروع المهندس نبيل عيتاني، إلى أن «الإرث الثقافي والتنمية المدينية» الذي انطلق في العام 2000 ركز على القيام بمقاربة شاملة لهذه المدن، يتضمن الحفاظ على الإرث، وتحسين أدائه، وربطه بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية».
المشروع ينقسم إلى ثلاثة مكونات، المديني (البيوت، البنى التحتية)، الأثري (تجهيزها وربطها عضوياً بالمدينة، وتحضير المدينة وتنشيطها لتكون وجها سياحيا)، الدعم الإداري (ينتج منه أرصفة وطرق، ومنشآت مثل متاحف). ووُضعت أربعة قوانين لأربع مدن قديمة (باستثناء صيدا، التي كان لها قانون منذ العام 1995).
لماذا يصعب الوصول إلى النتيجة ذاتها في بيروت، بالتعاون مع البلدية والمديرية العامة للآثار والمديرية العامة للتنظيم المدني؟ يشير عيتاني إلى أنه «تاريخياً تدفع العواصم الثمن الأغلى، ويصعب إعادة ترميم كل شيء، في ظل تداخل المصالح، والفورة العمرانية التي تأتي بعد كل حرب

ليست هناك تعليقات: