3.2.10

أهالي الكرنتينا ـ المسلخ يعلنون اليوم: لا تُطوى صفحة الماضي إلا بالعودة




جهينة خالدية
نشرت في السفير
كم من سبت أسود في الحرب اللبنانية؟ كم من مجزرة مقابل أخرى، نزفت في ملاحم يومية. في حرب

خزنت في بطنها جثثاً، أرواحاً، وكراهية برائحة نتنة.
«مجزرة الكرنتينا».. بلعت سكون الأرض. خرجت بكلام قليل، كأنها لم تنل الصدى الإعلامي الذي لقيته مجازر أخرى، كصبرا وشاتيلا وغيرها، لكن الصور فضحت كل شيء. الأرشيف لا يعرف سبيلاً أوضح مما تقوله تلك الصورة الشهيرة عن مقاتلين «البي جين» يحتفلون فوق جثث ضحايا المجزرة.
كلمات قاسية مقززة، تأتي من سيرة جوزيف سعادة، في كتاب «أنا الضحية والجلاد أنا» (دار الجديد).
«ليلة التاسع عشر من كانون الثاني 1976، لم ينم البي جين». كانت همساتهم تتردد في أرجاء المنزل: الهجوم على الكرنتينا يوشك أن يبدأ. عند الرابعة فجراً بدأت مدفعيتنا التمهيد للهجوم بصب حممها على الهدف. أفاقت بيروت ذلك الصباح على دوي القصف. وأيقن الجميع أن اليوم يوم الكرنتينا.. هناك من لم تكتب لهم النجاة. نزفوا حتى الموت. فتلونت الأزقة بأحمر دمائهم. كانت مجزرة بكل ما للكلمة من معنى. خلفنا بدأت جرافات تجمع الجثث. جثث إلى ما لا نهاية، ولا إحصاء.. لأول مرة منذ بداية الحرب، نجح المسيحيون في احتلال أرض عدوة... كان مقاتلونا من الفرح والسذاجة أن استقبلوا المصوريين الصحافيين بالترحاب، وذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك. بصلبانهم المضرجة بدماء أعدائهم فتحوا زجاجات الشامبانيا فوق أكوام الجثث. أخذتهم نشوة القوة. عزفوا على الآلات الموسيقية وأرجلهم تطأ رقاب الموتى... ذلك اليوم، لم يبقَ منا من لم يطق لديه شرش الحياء».
الكرنتينا بدمها هذا، تخرج على ألسنة أبنائها في مثل هذه الأيام. هؤلاء لا يعرفون سبيلاً لينسوا ماضياً، كأنه لم يمض.. لكن جزءاً من هؤلاء يحكون عن الغفران. ويحكون أيضاً عن «العودة»، لأملاك تهجروا منها إبان 1976، على وقع عشرات الضحايا.
ثلاثون ألف نسمة من أبناء الكرنتينا، كانوا يشغلون عقارات وبيوتاً تحميهم، باتوا اليوم تحت رحمة خيم من التنك والخشب عند الجناح، السان سيمون، سان ميشال، الناعمة وغيرها. كل شيء في حيواتهم أصبح بين ليلة وضحاها يلبس ثوباً مزرياً: الفقدان، الخسارة، لقمة عيش لم تستطع سنوات طويلة أن تعيدها إليهم.. والأهم من هذا كله: عقارات على مرأى منهم، لكنهم لا يمسونها، لا يدخلونها ولا يستعيدونها، ولا يحق لهم ترميمها.
عقدتان أساسيتان شائكتان تمنعان الأهالي من العودة، أولاً وجود ثكنة عسكرية للجيش ومنعه الدخول إلى مساحة معينة من المنطقة، وعدم تجاوبه مع قرارين صدرا في العامين 1993 و1996 لإخلاء المنطقة. وثانياً، المرسوم 322 الذي يقضي بـ«إعادة المهجرين إلى مناطقهم في القرى والبلدات وإعفائهم من الرسوم وإعادة بناء ما كان»، ومعضلة هذا المرسوم أنه لا يطبق على مهجري المدن، ولم تنجح المطالبات بتعديله.
الماضي خلفنا.. والحاضر؟
كثير من أهالي الكرنتينا يدفعون باتجاه قلب صفحة الماضي، يتجنبون الخوض في كل التفاصيل التي حكت عن «اجتياح القوات اليمينية للكرنتينا وقتلها العشرات»، وهو ما وصفته وكالة الصحافة الفرنسية يومها بـ«انتصار الكتائب والأحرار، واحتلال الكرنتينا عسكرياً الذي لا يمثل مشلكلة صعبة بالنسبة للكتائبيين، وهذا الحي الذي تحيط به من جميع النواحي مواقع كتائبية يشكل جيباً داخل المنطقة المسيحية.. («السفير»-20-1-1976)». هذا كلام من الماضي يقول أحد المواطنين الذي فقد عشرين فرداً من عائلته إثر المجزرة.. «اليوم نريد العودة».
أهالي المنطقة يقولون إن المجزرة خلفت جثثاً كثيرة منها ما طمر مع الردم، وأخفي بعد تفجير الكتائبيين مساحة تمتد على نحو ثلاثة كيلومترات مربعة وتضم نحو 250 عقارا. فوق جزء من هذه المساحة ركز الكتائبيون ثكنات عسكرية.. وبعد انتهاء الحرب شغلها الجيش اللبناني حماية للأمن. الحماية هذه لم تنته حتى اليوم، حتى بعد صدور قرار رسمي في العام 1993 بإخلاء المنطقة وعودة الأهالي إليها. بعد هذا العام، استطاع بعض الأهالي تحقيق عودة مجتزأة، وبحسب رئيس لجنة مهجري المدور ـ الكرنتينا المحامي حسن مطر «عشرة في المئة من السكان استطاعوا ترميم ممتلكاهم والعودة إلى المنطقة». ويوضح عضو اللجنة حسين الخطيب أن «نحو سبعين عقاراً أعيدت إلى الأهالي، فيما يمنع الجيش من الوصول إلى نحو مئة وثلاثين عقاراً، حتى بعد صدور قرار ثان في آب العام 1996 يقضي بإخلاء المنطقة من أي وجود قائم».
الوجود ما زال قائماً، وكل تحركات الأهالي باتجاه الجيش والمسؤولين لم تعد لهم أرضهم.. وبحسب المحامي مطر، «الرد الجدي الأول الذي جاءنا مؤخراً (4 تموز 2009) من قائد الجيش العماد جان قهوجي يعدنا باتخاذ الإجراءات اللازمة بإقامة ثكنة جديدة وإخلاء الثكنة في الكرنتينا». لكن الجواب هذا لم يحدد مدة زمنية، في حين أن اللجنة استطاعت الحصول على وعد شفهي بالإخلاء خلال مدة زمنية تتراوح بين السنة والأربع سنوات. ولعل الأهالي الذين يعيشون في ظروف مزرية ما عادوا يحتملون الانتظار كل هذه المدة.
أما في ما يتعلق بالمرسوم 322، وبحسب الخطيب، «فلم يكن بإمكاننا التحرك قيد أنملة، ما لم يسمح لنا بالترميم، وبعد دعم وضغط من وزير المهجرين آنذاك وليد جنبلاط، استطاع من عاد في العام 1993 «تمرير» الترميم، أما الباقي فلم نستلمه ولم نمسه حتى، وبما أن القانون لا يطبق لنعفى من الرسـوم على ممتلكاتنا، فنحن لا نستطيع تحـمل نفقاتها.. والقرار لم يُعدل رسمياً».
ويعود الخطيب ليلفت إلى أنه «الحق يقال، لقد حصلنا على تعويضات بمعدل ستين مليون ليرة عن كل وحدتين سكنيتين. لكن التعويض هذا أو ما يسمى «تحرير الأموال»، مسألة معقدة لدرجة أن هذا التعويض عن 34 سنة لا تقدم ولا تؤخر إذ ان المبلغ ذاته يتوزع على أجيال ويدخل في مسألة شائكة بعد حصر الإرث من جيل لآخر».
وعلى جوانب القرارات والمراسيم وثكنة الجيش، يبقى أن للمسألة أوجهاً حساسة جداً، يقول أهالي المنطقة انهم يريدون التعامل معها بدقة وهدوء.. لا سيما في ظل الشائعات التي ما غابت منذ الحرب الأهلية إلى الآن، كما يقول أحد المهجرين محمد دياب، خصوصاً «كوننا غير لبنانيين، ولا نملك الهوية اللبنانية، وسمينا بـ«عرب المسلخ» ونحن فعلاً كنا نحافظ على الطابع العشائري منذ دخل أجدادنا إلى لبنان قبل أن يكون لبنان منقسماً حتى عن بلاد الشام... ثم قالوا إننا لا نملك صكوك ملكية وأن البيوت غير شرعية! أما الحجة الثالثة فكانت ضد بنائنا بيوتاً تشوه المدخل الشمالي لبيروت عشوائيا. ونحن نقول لهم، قولوا لنا ماذا تريدون ونتقيد به. تريدون أن نبني وفق ومخطط توجيهي، فليكن.. لكن أين المخطط؟».
يذكر أن لجنة مهجري الكرنتينا ـ المسلخ ستعقد مؤتمراً صحافياً، عند الثانية عـــشرة من ظهر اليوم، في مقر نقابة الصـــحافة، لإحياء الذكرى وتســـليط الضــوء على معاناة ما زالت بلا حل.

ليست هناك تعليقات: