24.3.10

"إنسان" عشر سنوات لحماية أبناء اللاجئين والمهمشين

24/3/2010
جهينة خالدية
بيضاء وصغيرة. لا تحفظ في الذاكرة كلمات كثيرة. عند باب الصف تقف باكية، ومحاولة صياغة «رعبها» في كلمات مفهومة، عل أحدهم ينقذها من «كل الأولاد السود جوا، خايفة صير مثلهم!». الطفلة من أصل عربي، وتحمل بشرة بيضاء، «تميّزها» عن «المميزين» في الداخل. الشعور هذا، ما ورثته إلا من عائلة ومحيط نقل إليها، (ربما) بغير وعي، جينات التمييز العنصري. هكذا لا تستطيع الفتاة إلا أن تشعر بأنها «مختلفة»: فهي بيضاء وهم سود. هي إنسانة «طبيعية»، وهم كلهم من «سريلانكا»!. «التهمة» - الصفة الأخيرة هذه، هي الأكثر استخداماً لوصف إنسان من العرق الأسود، في مجتمع معظمه لا يعترف بأبناء هذا العرق إلا بصفتهم «خدما» في المنازل، أو من العمال. وهي الصفة التي يلجأ إليها الأطفال هنا، في أيامهم الأولى في مدرسة «إنسان» التي تعنى بتعليم ودمج أطفال العمال الأجانب في لبنان الذين لديهم حالات خاصة وظروف معيشية صعبة. لكن كل شيء يختلف مع تقدم العام الدراسي، والأطفال الذين يتعارفون مع بعضهم تحت تسميات مثل: «إنت شوكولا»، و»إنت بتوسخني»، و»إنت أحوَل» (للأطفال من الجنسيات الآسيوية).. تجدهم يتأبطون أذرعة بعضهم، يهرلون في ملعب صغير ويتركون أشعة الشمس الواحدة تنطلي على بشراتهم بألوانها المختلفة.. ويجتمعون حول مائدة الطعام، يتناولون الباستا ثم يتحلون بالشوكولاتة، بلا أن يتذكر أي منهم، أن الحلوى هذه، هي أكثر مزحة عنصرية يعتمدها اللبنانيون وأبناء البشرة البيضاء عامة. محو العنصرية من الجذور، لا يحصل في يوم وليلة، ولا ينفذ بمجرد تركيب قريــة كونيــة صغيرة في قاعة، نحكي عن جهود تبذل منذ عشر ســنوات وتندرج في إطار برامج «مؤسسة إنسان» التي تنضوي تحتها المدرسة. المؤسسة التي أنشأها ناشطون في مجال حقوق الإنسان، وأعضاء منظمة العفو الدولية وناشطون في حقوق الإنسان هدفت بالدرجة الأولى إلى لملمة ما يمكن من حقوق لاجئين ومكتومي قيد ومهمشين في لبنان، لدى كل منهم معاناة خاصة.. جداً، تبدأ بكونهم لا يحملون أوراقا ثبوتية، مجهولي الأب أو الوالدين، طالبي لجوء (غير معترف بهم كلاجئين بعد، من قبل الأمم المتحدة).. ولا تنتهي بكونهم لا ينتمون إلى أحد أو إلى بيت أو بلد لم يختاروه، وميزتهم الوحيدة أنهم... بشر، من دون أن تشكل هذه الصفة خلاصهم. تطوير العمل، وتكثيف الجهود، أديا إلى أن تلد هذه المؤسسة مدرسة منتظمة، تجمع تحت سقفها أطفالا من عمر الثلاث سنوات حتى الخامسة عشرة، من أكثر من عشر جنسيات من الهندية، السودانية، الفليبنية، البنغلادشية، الإثيوبية، المصرية، العراقية، السريلانكية. في المدرسة الصغيرة المؤلفة من طبقتين في النبعة، خمسون طفلاً وطفلة، ينسون «الغرباء» عند باب المدرسة الآتين ليتعرفوا اليهم.. فهؤلاء ما عادوا يجدون أحداً غريباً، وهم الذين يشكلون عائلة واحدة من جنسيات عالمية. هؤلاء غرباء في بلد غريب، ينضمون إلى لائحة طويلة من اللاجئين المحرومين من كثير من حقوق الإنسان. هم أمر واقع، إلا أنه يتم التعامل معهم كأنهم غير موجودين، يحرمون من أبسط ظروف العيش، فيعزلون ويشاح عنهم النظر. هذا ما لم تستطع «إنسان» أن تسكت عنه: «كان لا بد من أن يكترث أحد ما لأمر حالات خاصة في المجتمع اللبناني، إذ لا وزارة ولا جهة رسمية لبنانية تهتم بأي من حقوقهم، لا من حيث التعليم أو القوت او الملجأ.. والسبب الأساسي، كونهم غير لبنانيين»، يقول مدير المدرسة شارل نصر الله لـ «السفير». هكذا كانت البداية مع نشاطات في مدرسة «الفرير أوني» (الأخوة المتحدون) في الدكوانة، حيث نظمت مجموعة متطوعين نوعاً من المدرسة الصيفية لعدد من الأطفال من جنسيات غير لبنانية. ولم يكن هناك لا التمويل ولا التنظيم الكافيان لافتتاح مدرسة خاصة بهم. والخطوة التالية كانت محاولة دمجهم مع الطلاب اللبنانيين في المدرسة. وهنا يعترف نصر الله بأن التجربة كانت لها سلبياتها، «إذ ما كان الأطفال الأجانب مجهزين لتحمل التمييز ضدهم وما كان الطلاب اللبنانيون معتادين على فكرة وجود أعراق أخرى في الملعب والصف ذاتيهما. في تلك التجربة اكتشفنا عنصرية متجذرة وغريبة عند الأطفال اللبنانيين عُبر عنها بالبصق بوجه الطفل الأجنبي، واتهامه بأنه غيــر نظيــف وخادم وغيرهما من الصفات. والعنصرية الجارحــة هذه ما هــي إلا تشرب من عائلة وثقافة سائدة. وتأكــدت لنا الحاجة لتأهيل وتثقيف مختلف الأطراف في هــذه التجــربة، بمن فيهم الأهل حيث كنا نسمع أهــلاً يكــررون «ما بدي ابني بصف السريلانكية». وطبــعاً تبــين الفــرق الشاسع من حيث المستوى التعليمي بين الأجــانب واللبنانيين. الخطوة التالية كانت في العام الدراسي 2004-2005 بافتتاح مدرسة خاصة بالأطفال الأجانب والمهمشين، «تشكل نوعاً من المعبر لهم ما بين الشارع والتهميش والمدرسة العادية ويخضعون فيها لبرنامج تعليمي تربوي مكثف لثلاث سنوات، ويعتمد على المنهج اللبناني مع إضافات وفق الحاجة، ما يساعد الأطفال على الالتحاق بالمدارس العادية لاحقاً. ومن جهة ثانية لدينا مسكن مؤمن لبعض الأطفال يمكن أن يستقبل نحو تسعة أطفال، نؤمن لهم اهتماما كاملا». ويوضح نصر الله أن التعليم العادي يتم مع مدرسة «الفرير أوني» حيث تستقبلهم بكل سرور، وتدعم تجربتنا، مع العلم بأننا نتابع كل حالة، ونحاول التواصل مع الأهل في حال وجدوا». ولا تكتفي «إنسان» بتعليم أطفالها، بل تركز أيضاً على الدعم النفسي ومعالجة السلوكيات النفسية والتواصلية للأطفال، وهو الشق الأصعب من عملها. وهذا الدعم ينطلق بالدرجة الأولى من إعادة الثقة لأطفال يشعرون بعقدة النقص، وبالدونية، وسببهما الأول معاملة المحيط، إضافة إلى البنية الهرمية المدمرة لعائلاتهم. وفي هذا الإطار تدخل في منهج المدرسة التعليمي، دروس عن بلدان المنشأ لكل طفل، وميزاتها، وثقافتها. هذا إضافة إلى تعريفهم إلى لغة البلد المقيمين فيه، وثقافته ومحاولة تصحيح صورة المحيط. وتشير المسؤولة عن حماية الأطفال في المدرسة والمتخصصة في التربية التقويمية سهى سكري لـ «السفير» إلى أن «الهم الأساس يكون بعدم التعدي على حقوق هؤلاء الأطفال، ومتابعة كل حالة على حدة، حيث تجتمع لجنة خاصة لتدرس ملف كل منهم ثم تتابعه مساعدة اجتماعية أو نفسية. ويخضع لنوع من البرنامج الخاص نتناول فيه حقوق الطفل والمبادئ العامة للإنسان. وطبعا ترافق الشروحات أشغال يدوية ورسومات ونصوص وأمثلة ونشاطات لاصفية وألعاب.». وترى سكري أنه إجمالاً لدى كل من هؤلاء الأطفال اضطرابات سلوكية معينة، سببها ظروفهم المعيشية وربما تعنيفهم، أو انزواؤهم، أو ضعفهم». أما في ما يتعلق بالطريق للوصول إلى هؤلاء الأطفال، وطريقهم للوصول إلى هذه المؤسسة والمدرسة، فيشير نصر الله إلى أن لـ «إنسان» شركاء أساسيين وهم كاريتاس التي تساعد في إرشاد المدرسة إلى أطفال بحاجة إلى الدعم، وتكفلت أيضاً بتأمين القسم الأكبر من موزانة المدرسة. كما نظمت «إنسان» برامج دعم نفس اجتماعي مع جمعية «أرض البشر» والاتحاد الأوروبي ومنظمة العفو الدولية ومنظمة «كوسفي» الايطالية. ويشير نصر الله إلى أن «أطفال المؤسسة يتوافدون من مختلف المناطق، من النبعة، الدكوانة، سن الفيل، الضاحية الجنوبية، وغيرها». «إنسان»، المؤسسة الصغيرة التي تحتاج إلى دعم كبير، وتحاول أن تحل مشاكل من المفترض أن تقوم بها جهة رسمية، تؤمن بأن التأهيل الذي يطال الأهل والأطفال يؤدي إلى نتيجة، وتكون قاعدتها الأساسية «إسقاط العنصرية بالاختلاط». الطريق طويلة جداً لإسقاطها عن مجتمع يستلذ بالترفع على الآخر وممارسة أشكال العنصرية كافة ليخلق اكتفاء ذاتياً ويشبع وجوده. الطريق طويلة، وهدفها الأساس ليس معالجة العنصرية، ولا حتى التعليم بقدر ما هو حماية إنسان يتم التعامل معه كنكرة، ولا يُعترف به.. ويكون طريقه الأسهل تلك المليئة بطرق الانحراف بأنواعه المختلفة، من التعاطي، إلى الإتجار بالجسد وغيرهما. «إنسان» تحميهم، وإن كانت تعرف جيداً أنها في مهمة صعبة، في محيط أصعب يعبر عن استنكاره هذا الاهتمام بعبارة تصاغ على الشكل التالي: «نسيتوا فقراء بلبنان لتهتموا فيهم.. وما شفتوا إلا السود!».

ليست هناك تعليقات: