12.6.10

"الفنار ـ Home" وثائقي يضيء على بعض من عالم شبه مجهول... في هذا المستشفى منسيون لا يشبهون الذين حكمنا عليهم "بالجنون"!


نشر في جريدة السفير


جهينة خالدية


12-06-2010


يقولون إنهم يقتلون الوقت وكثير منهم يدرك أن الوقت يقتلهم. لكنهم هنا يركبون جملاًَ مفهومة أحياناً، يبتسمون لعدسة تنقل واقعهم، يضحكون.. ثم يبكون. نراهم عن كثب، وندخل إلى عالم يخشاه كثر. عالم ممنوع، وموسوم «بالجنون». ونطل مع المخرج فيليب بجالي داخل أسوار ما كان يعرف بـ«جبل المجانين» - مستشفى «الفنار للأمراض العقلية والنفسية والعصبية» في المصيلح في الجنوب، ندخل إلى حكايات سكان الداخل وهم ينتظرون أن يأتيهم أحبة من الخارج ولا يعرفون أنه لم يعد لهم «خارج» بعد الآن. ثلاثون دقيقة معهم وعنهم، هم الذين يتوحّدون تحت مأساة واحدة: إدراكهم أنهم وحيدون، وأنه في لحظة من حياتهم اجتمع من كانوا أفراد عائلاتهم، على نبذهم والتخلي عنهم. ثلاثون دقيقة هي مدة فيلم بجالي «الفنار»- Home، الذي عرض في قصر الأونيسكو أمس الأول، نتعرف خلالها أيضاً على قصة أجيال ثلاثة من نساء عائلة اللبان اللواتي حضنّ المرضى بكل ما لهذا الفعل من معنى. وفي حين يسجل على الفيلم طغيان الجانب التوثيقي والدعائي لمشروع إعادة تأهيل ودعم المستشفى، بتمويل من مكتب التعاون في السفارة الإيطالية في بيروت، وفي إطار برنامج الطوارئ ROSS، (وهي الجهة التي أنتجت مع شركة «نيوز بروديكشن» الفيلم)، إلا أنه ينجح في أجزاء أخرى في التعريف أكثر على عوالم رواد هذا المستشفى والتركيز أولاً وأخيراً على إنسانيتهم، بغض النظر عن مرضهم. التركيز هذا، يترجمه بجالي عندما يقرر أن يقول كل شيء: «اقتربت منهم، صوّرت تفاصيل حياتهم ووضعهم المزري (لا سيما قبل تأهيل المستشفى)، عكست فقدانهم وجملهم المتقطعة وحنقهم على المجتمع - العائلة، والأهم أني رفضت إخفاء وجوههم أو أسماءهم، ففي هذا مساواة بأي إنسان آخر لديه ما يقوله، ويحق له بالتعبير عنه». ويعود بجالي ليلفت: «أحاكي في كل هذا مجتمعاً قاسياً، وأنانياً، وأسعى بالدرجة الأولى إلى حثه لتغيير نظرته اتجاه هؤلاء الناس». كما يوضح أن «الجهة الممولة لترميم المستشفى طلبت فيلماً لتوثيق عملها، وفضلت أنا تصوير الجوانب الإنسانية لمن يعيش داخل هذه الجدران ومن خلالها نرى التغيير والترميم». ولا ينسى مخرج أفلام «المقايضة الكبرى» (المعتقلون في السجون الإسرائيلية وقضية الطيار الإسرائيلي رون آراد) و«ذاكرة حيّة» (الحرب الإسرائيلية على لبنان -2006)، أن يذكّر «بحصوله على إذن من المرضى لتصويرهم، مما يسمح بعرض الفيلم بشكل غير تجاري وفي لقاءات هادفة فقط، إنما يمكن له أن يشارك في مهرجانات خارج لبنان». ولا يرد في فيلم بجالي كثير من «التنظير» عن ظلم المجتمع، لكننا بكلمات الشخصيات وعائلة اللبان نلمس قسوة مجتمع لا استعداد لديه ليقترب من هؤلاء الناس وقدرته بسهولة على ازدرائهم وينزع عنهم إنسانيتهم، ليعيش «هناءه» و«سلامه». هذا شاب أربعيني لا ينسى «إبعاده» (الأبدي ربما) عن العائلة: «قالت لي أمي لازم نجي لهون نصف ساعة وبس. من ثماني سنين قالت نص ساعة. تركتني هون وهيدا وج الضيف». وهذا رجل خمسيني لا يصدق بعد أنه يسكن هذا المستشفى منذ سنوات، ويكرر «كل يوم بفكر كيف بدي إطلع قبل ما يطردوني من شغلي. لازم إطلع». أما الكلام التوثيقي حول إنشاء «الفنار» على يد الدكتور الراحل عبد الرحمن اللبان واستمراريته بجهود أرملته «المجاهدة»، عادلة اللبان وابنتها الدكتورة سمر وحفيدتها ساندرا ملحم. وعلى الرغم من هذا يحمل الفيلم كماً هائلاً من العواطف والمشاعر المخزنة في وجوه المرضى، ونظراتهم الباهتة أحياناً وهنا تقول الدكتور سمر اللبان لـ«السفير»: «أردناه فيلماً يحرك إحساس الناس، ولم نسع إلى وثائقي عن هذه الامراض وكيفية تقييمها. وندرك حاجتنا الكبيرة لنشر هذه القضية بشكل موسع جداً، لنحقق تغييراً وخرقاً في التفكير السائد عن هؤلاء المرضى». وهو ما يؤكد عليه السفير الإيطالي غبرييلي كيكيا لـ«السفير» مشيراً إلى أن «دعم مشاريع تحفظ كرامة الناس وتلبي حاجاتها هو جزء أساسي من عملنا هنا». من جهة ثانية، يشعر من يسمع عادلة اللبان (وهي متخصصة في الأمراض النفسية والتعليم في الجامعة اللبنانية الأميركية) تتحدث عن المستشفى - الحلم، أن الفيلم أغفل شيئاً من نبض هذه السيدة التي عملت منذ العام 1976 مع زوجها الدكتور اللبان وأطباء آخرين منذ العام على تأسيس «الفنار». وتقول لـ«السفير» ما لم يرد في الفيلم عن حياتها وحياة داخل جدران المستشفى إنها «تركت مؤخراً منزلها في بيروت وتقيم بشكل دائم في غرفة خاصة في المستشفى، «هكذا أكون قريبة من المرضى، وأهتم بهم بشكل يومي ومنتظم». هل تتعب هذه المرأة السبعينية؟ تجيب بحماسة بالغة «أتعب؟ ممن؟ مماذا؟ أنا أحبّ المرضى، هم جزء من حياتي، لا شعور أرقى من حفظ كرامة الناس وتأمين ملاذ لهم». وتعود لتردف «عشنا أوقاتاً صعبة وواجهنا تحديات يومية، لدينا 230 مريضاً و50 مريضة علينا أن نداويهم، ونطعمهم، ونأويهم، منهم من يخرج لحياة سابقة ومنهم من لم تعد له حياة خارج هذا البيت الكبير». لا نرى في «الفنار» الصور النمطية عن مرضى يعانون اضطرابات نفسية، من صراخ وانهيارات عصبية وعنف وتعنيف، وإن وجدوا فيبدو أن الغاية من الفيلم سعت للتركيز على حق هؤلاء بالاهتمام، وبالحياة غير الأحكام والقوالب الصارمة. لكن هذا ليس الجانب الوحيد الذي لا نراه في فيلم من ثلاثين دقيقة، الذي يبدو أنه واجه بعض المسائل التي تمنع خروجه بشكل صارخ وقصصي ودرامي أكثر بكثير مما قُدم، أبرزها الجانب الدعائي وثانيها أننا أمام موضوع لطالما اعتبر من التابوهات وقد كُشف عنه دفعة واحدة.. بهذا نكون أمام دفق درامي وتدفق قصص تفيض عن فيلم واحد ولا شك في أنها تستحق أكثر من وثائقي، وأكثر من تحقيق إستقصائي للتقليل مما نجهله عن هذا العالم. حسب الفيلم أنه أضاء على حيوات تستحق قليلاً من الحب.. ولها علينا الحق بالموت في أحضان عائلة فعلية، لا في محيط مستشفى، اضطر القيمون عليه إلى دفن ستة عشر مريضاً منذ إنشائه.. المجتمع يعرف كيف يفرّق في الموت أيضاً.

11.6.10

أبو ناجي: الأب الروحي لشارع "بلس" ينقل دكانه



نُشر في جريدة السفير


جهينة خالدية


11-6-2010


خاو. لكنه يحمل بين جدرانه روائح الذكرى. منذ الثالثة من بعد ظهر الاثنين الفائت، أصبح متجر «أبو ناجي» الشهير في شارع «بلس» (خط الجامعة الأميركية في رأس بيروت) مجرد مساحة خالية، ستتحول قريباً جداً إلى كومة أحجار مهدمة. هكذا، طويت صفحة ماضية الطويل الممتد على ثلاث وعشرين سنة، ملأتها اليوميات والأحاديث السريعة والصداقات.أخلي المتجر الذي يستأجره عبد الله المير، قريب «أبو ناجي»، ويشغله الأخير. وفي الأيام المقبلة، سيتم إخلاء المتاجر الأخرى التي تشغل المبنى نفسه، ومن بينها «مكتبة مالك» و«المركز الأميركي للغات»، تمهيداً لهدم المبنى الذي يعود تاريخ بنائه إلى العام 1925 تقريباً.المبنى الحجري البسيط، لم يُدرج على لائحة الجرد العام للأبنية المصنفة تراثية، على الرغم من سعي المستأجرين فيه مراراً لدفع وزارة الثقافة إلى تصنيفه، منعاً لهدمه. مساعيهم باءت بالفشل، فقد ارتأى المعنيون أن المبنى لا يحمل علامات «أثرية» أو «تراثية» قيّمة تستحق المحافظة عليها. وهكذا، تضع معايير التصنيف وجه البلد، مرة جديدة، أمام بتر لعلاقة مبنى بجواره ومحيطه.على المستوى القانوني، انتقلت ملكية هذا المبنى في التسعينيات من آل شويري إلى شركة «الوهاد»، لمالكها تحسين خياط. وتلفت محامية خياط مايا حبلي «السفير» إلى أن «المالك دفع تعويضات للمستأجرين القدامى، وصلت إلى مئات آلاف الدولارات، ونحن ملزمون بإخراج المستأجرين في مدة أقصاها ثلاثة أشهر من تاريخ دفع التعويضات (أيلول 2009). ولقد منح المالك الجديد المستأجرين مهلة إضافية للإخلاء». أما عن سبب الهدم فتشرح أنه «لا يمكن المالك استرداد المبنى من المستأجر القديم إلا لسببين، إما للضرورة العائلية أو الهدم». وتضيف: «نحن ملزمون بالهدم خلال سنة من تاريخ صدور الأحكام، وإلا أجبرنا على دفع مبلغ إضافي للمستأجر القديم، تصل نسبته إلى نصف التعويضات التي دفعت لهم».ما يحصل في «بلس» تشهده في كل دقيقة نواحي المدينة كلها. وهنا، نحن أمام حالة عاطفية تتمحور حول علاقة آلاف الطلاب بالمكان وبمن يحمل اسمه، الذي نقل متجره إلى موقع جديد، بعيد نسبياً عن مدخل الجامعة.يمشي أبو ناجي في «بلس»، ويرى الابتسامات والتحيات التي يتلقاها من الجميع بلا استثناء. السائر معه يفهم أن الرجل يشبه الأب لهذا الشارع. يقبلونه، يربتون على ظهره تضامناً مع غصته. والرجل يجيب: «الله كريم، والله الرزاق وين ما بكون.. بس أنا حرقتي على العِشرة، وعلى كل السنين اللي قضيتها مع الطلاب مقابل المدخل الرئيسي للجامعة».بينما يلفظ جملته الأخيرة، يتكاثر عدد الطلاب الواقفين أمام متجره المغلق. هذا أيمن يشرح له: «بعرف إنك سكرت، بس معود أنا ورفقاتي نلتقي عندك.. أو منضيع!». ويردف: «عمو، ما لحقنا نلتقط صورة تذكارية معك بالمحل القديم!».تضحكه هذه الجملة وتفرحه في آن. يدرك جيداً العلاقة الوثيقة التي تجمعه بأغلب طلاب الجامعة: «كنا أنا وأم ناجي نعرف أخبارهم الخاصة، تقدمهم في الدراسة، مواعيد تخرجهم، ثم عملهم، ولاحقاً زواجهم.. وفرحتنا الكبرى تكون عندما نلتقي بهم بعد سنوات مع أطفالهم ويكررون: بكرا لما تكبروا بتجوا كمان عنده عمو أبو ناجي». وامتلأت الصفحة الخاصة بالمتجر، التي أسسها طلاب منذ زمن على موقع «فايسبوك»، بالشهادات والذكريات.فلا تنسى رانيا، الطالبة في «الأميركية»، تذكر «أم ناجي»: «تصبّحنا كبناتها، وتحيينا مكررة أهلا يا حلوة، كيفك يا أمورة، شو ما في شي هيك هيك، شو معميين هالشباب!».يقول «أبو ناجي»، المتقاعد من الأمن الداخلي: «هنا، عشت الحرب والسلم، وشهدت على الطلاب يخاطرون بحياتهم لأجل الدراسة، ويصطفون طوابير طويلة للاتصال بعائلاتهم من المتجر. آنذاك، كنت وحيداً أنا والطلاب وبعض القطط الشاردة في الشارع. وفي السنوات الماضية أيضاً، عايشت تفجير «الكولدج هول» في الحرب.. وشعرت بالخسارة الشخصية في بيتي».علاقة هذا الرجل الستيني بالجامعة تقتصر على خارجها فقط. ومن المرات القليلة التي دخل إليها، كان يناقش المساعدات الاجتماعية التي يمكن أن تحسم من قسط ابنته ديما الدراسي. يومها، لم تصدق الإدارة أن «أبو ناجي» يحتاج إلى دعم مادي: «لم يصدقوا أني لا أملك المحل، بل أديره فقط.. الغنى لم يكن يوماً هدفاً أسعى إليه».من هو «أبو ناجي» إذاً؟ هو السؤال الذي لا يمكن أن تسمعه في «بلس» أو بين عشرات آلاف من طلاب «الأميركية» ومتخرّجيها، لكنه السؤال الذي وضع يوماً في مسابقة «رالي بايبر» طلابية.. والجواب هو: اسمه الحقيقي محمود المير، وتجدونه دوماً في «بلس» يحكي عن ذاكرة جماعية للمكان.

4.6.10

المحقق الإسرائيلي لهاني سليمان: أنت ثانية؟ ستدفع الثمن غالياً!

نُشر في جريدة السفير 04-06-2010
عند الرابعة والنصف من فجر الاثنين الماضي، كان رجال من عشرات الجنسيات العربية والعالمية يرفعون أعناقهم إلى الأعلى، تحت سماء غزة ويكررون «الله وأكبر ولله الحمد»। الرجال يصلون، يغمضون أجفانهم، ويتجاهلون أن خطراً قد يبتليهم عما قليل. أتراك، أذريون، سوريون، كويتيون، لبنانيون، فلسطينيون، مصريون، أردنيون، ماليزيون، باكستانيون॥ يصطفون خلف إمام بلدة القدس الشيخ رائد صلاح، وبينهم مطران القدس في المنفى هيلاريون كبوجي.. كلهم في صلاة واحدة في إيمان واحد: الحق. وسط ذلك السكون، وبين ابتهالات ودعوات تخرج من أفواه خاشعة دوت أصوات أخرى، لا تشبه هدوء هذه الأدعية بشيء.. هذا صوت الرصاص المطاطي ينهمر على سفينة «مرمرة» التركية القابعة في المياه الإقليمية على بعد مئات الأمتار من غزة.. بترت الصلاة، وبعدها ستبتر حيوات شهداء وسيسقطون خلال دقائق تحت وطأة الهجوم الإسرائيلي على «أسطول الحرية». «بين الرابعة والنصف والخامسة صباحاً وقعت المجزرة، بعدما تحول الرصاص المطاطي إلى آخر حقيقي، وأُنزل عشرات من الجنود الإسرائيليين على متن الباخرة.. واعتدوا علينا، وكل ما حاولنا فعله هو الدفاع عن النفس». للحادثة تفاصيل كثيرة، تشبه فيلماً سينمائياً قاسياً، لكنها كانت حقيقة لا تنسى، وهي تروى الآن على لسان هذا الرجل المستلقي في الطبقة التاسعة من مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت. هو رئيس البعثة اللبنانية الدكتور هاني سليمان، الذي لولا الضمادات التي تغطي رجليه.. لما دلت نبرة صوته القوية على أنه مريض. يحكي لزوار كثر قصصاً أليمة.. متناسياً ألماً خاصاً، ومكرراً «لو قدر لي.. أعود مرة ومثنى وثلاث للأرض الحبيبة».. والزوجة جيهان ترفع الرأس إلى الأعلى وكأنها تتمنى ألا تعيش ذاك القلق من جديد، لكنها تُسر لـ«السفير»، «أدرك في قرارة نفسي أني لا أستطيع منعه من العودة، فأنا أيضاً مؤمنة بما يؤمن به». أما هو فيعلن في وقت لاحق «سألت نفسي كثيراً عن قدرة هذه المرأة على تحمل وزر التزامي السياسي، وفي كل مرة تفاجئني برباطة جأشها». يستلقي الرجل، من دون أن يعبر عن ألم جسدي سببه رصاصتان اخترقتا رجليه اليمنى واليسرى، ويتجاهل تضرر عصب القدم اليمنى بشكل قد يعيق تحريك أسفل قدمه في المستقبل.. وكأن سليمان لا يجد الوقت ليعود إلى الحاضر، فما زالت الأيام الثلاثة الماضية بأحداثها ونتائجها تشغل باله وحديثه، ويقول لـ«السفير»، «بعد الرصاص المطاطي، وقع الإنزال، وانهمر علينا رصاص من الذخيرة الحية. سعينا للدفاع عن أنفسنا من دون أن نقاتل فعلياً، وعندما تناثر الضحايا، استسلمنا بعدما اتخذ قرار على السفينة بعدم خسارة المزيد من الأرواح واعتبرنا أننا كسبنا المعركة بمجرد أن نقل الإعلام كيف اعتدوا علينا، وعندها خشينا من وقوع مجزرة يروح ضحيتها المئات يقتلون بدم بارد، لا سيما أن بعض الناشطين كانوا على أتم استعداد ليفدوا فلسطين بأجسادهم، وعدنا لنكرر أن كل هدفنا إثبات أن رحلتنا سلمية وهدفنا الأول والأخير كسر الحصار وإيصال الأدوية إلى غزة. بعدها استطاع عشرات الجنود إحكام السيطرة على الأسطول، كبلوا أيادي الكل، ونُقل الجرحى إلى أربعة مستشفيات في بئر السبع وأسدود، أما أنا فنقلت من الباخرة إلى الهليكوبتر إلى مطار تل أبيب..». أما في ما يتعلق بالتحقيقات يقول إنه «لم يكن هناك تحقيقات مفصلة وبالمعنى الفعلي للكلمة، ونحن نعرف أن إسرائيل عند الهزيمة لا تحقق كثيراً لئلا تكشف هزيمتها، هكذا كانت التحقيقات شكلية والمحامي إن وجد، فكنا نرفض التواصل معه على اعتبار أنه من الجهة المغتصبة والقراصنة الذي هجموا على أسطولنا، في حين تواصلنا مع محامٍ من جمعية «عدالة» الذي يعزم على مقاضاة إسرائيل وأوكلته بالتقدم بالدعوى عني أيضاً». ويعود ليذّكر أن «المحقق ذا الشعر الأحمر الذي استجوبني في العام الماضي في رحلة الحرية الأولى، حقق معي هذه المرة أيضاً، مكرراً «أنت هنا مرة ثانية؟ ستدفع الثمن غالياً». أما سليمان فيشرح أن «إسرائيل هي فعلياً من يدفع هذا الثمن، إذ نجح الأسطول في وضعها تحت المجهر، ورفع الاهتمام الدولي والأوروبي وفتح الأعين على ما يرتكبه هذا العدو.. علماً بأنه يجب أن نذّكر أن الجهد الأساسي هو للأوروبيين، ونحن لم نكن إلا داعمين، ولا ندعي أننا كنا في هذه الحادثة.. في الواجهة». بين مقطع وآخر من الرواية، يحظى الرجل بثوان قليلة ليلتقط أنفاسه، ويلقي تحية سريعة على أخ وصل وعائلته من ألمانيا ليطمئنوا عليه، ثم يتلقى مزحة من قريب «يا ابن عمي، أخذت رجلك على غزة؟». ويلي ذلك سلسلة طويلة من الاتصالات الهاتفية، هذا رئيس الجمهورية ميشال سليمان يهنئ سليمان بسلامته عبر الهاتف، والأخير يرد بجمل طويلة شاكرة «الوحدة بوحدتكم جميعاً، لنصل إلى بر الأمان.. وتشكر لتصريحك الداعم، الذي كان له الصدى الكبير في نفوسنا». واتصال آخر من وزير الداخلية والبلديات زياد بارود والنائبة بهية الحريري، والرئيس نبيه بري، الذي مازح سليمان بالقول «يا دكتور هاني، بشارة مرهج يبدي خوفه عليك من الإسرائيليين.. وأنا أجبته: عليك أن تخاف على الإسرائيليين من هاني». أما الزوار فلم تكل حركتهم منذ التاسعة صباحاً حتى ساعات المساء وهؤلاء تُكتب أسماؤهم على صفحات كثيرة تنتظر عند باب الغرفة، وبينهم وزير الصحة محمد جواد خليفة الذي عاين إصابات سليمان، وموفدون من رئيس الحكومة سعد الحريري وفعاليات. إضافة إلى باقات من الزهور، إحداها من رئيس الجامعة الأميركية في بيروت بيتر دورمان. هكذا وقد عاد الأب بخير إلى العائلة، هل يتركه الابن البكر أدهم (24 سنة) يعيد المحاولة بالدخول إلى غزة؟ ويجيب «أنا فخور به نعم، لكن خلص هذه المرة الأخيرة، لا أعتقد أن أحتمل تجربة أخرى بهذا الثقل». وأخيراً وإن سئل الدكتور هاني سليمان ما الذي لا يُنسى من الأيام الأخيرة؟ فيطلب ثوانيَ ليسترجع مشاهد مكثفة في الرأس.. «كيف أنسى هدير الحناجر وهي تصدح بذلك الاسم «من قحوف رجليهم».. فلسطين، فلسطين». يقول سليمان مستخدماً لكنة بقاعية واضحة. ويكرر «لا أنسى».