4.6.10

المحقق الإسرائيلي لهاني سليمان: أنت ثانية؟ ستدفع الثمن غالياً!

نُشر في جريدة السفير 04-06-2010
عند الرابعة والنصف من فجر الاثنين الماضي، كان رجال من عشرات الجنسيات العربية والعالمية يرفعون أعناقهم إلى الأعلى، تحت سماء غزة ويكررون «الله وأكبر ولله الحمد»। الرجال يصلون، يغمضون أجفانهم، ويتجاهلون أن خطراً قد يبتليهم عما قليل. أتراك، أذريون، سوريون، كويتيون، لبنانيون، فلسطينيون، مصريون، أردنيون، ماليزيون، باكستانيون॥ يصطفون خلف إمام بلدة القدس الشيخ رائد صلاح، وبينهم مطران القدس في المنفى هيلاريون كبوجي.. كلهم في صلاة واحدة في إيمان واحد: الحق. وسط ذلك السكون، وبين ابتهالات ودعوات تخرج من أفواه خاشعة دوت أصوات أخرى، لا تشبه هدوء هذه الأدعية بشيء.. هذا صوت الرصاص المطاطي ينهمر على سفينة «مرمرة» التركية القابعة في المياه الإقليمية على بعد مئات الأمتار من غزة.. بترت الصلاة، وبعدها ستبتر حيوات شهداء وسيسقطون خلال دقائق تحت وطأة الهجوم الإسرائيلي على «أسطول الحرية». «بين الرابعة والنصف والخامسة صباحاً وقعت المجزرة، بعدما تحول الرصاص المطاطي إلى آخر حقيقي، وأُنزل عشرات من الجنود الإسرائيليين على متن الباخرة.. واعتدوا علينا، وكل ما حاولنا فعله هو الدفاع عن النفس». للحادثة تفاصيل كثيرة، تشبه فيلماً سينمائياً قاسياً، لكنها كانت حقيقة لا تنسى، وهي تروى الآن على لسان هذا الرجل المستلقي في الطبقة التاسعة من مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت. هو رئيس البعثة اللبنانية الدكتور هاني سليمان، الذي لولا الضمادات التي تغطي رجليه.. لما دلت نبرة صوته القوية على أنه مريض. يحكي لزوار كثر قصصاً أليمة.. متناسياً ألماً خاصاً، ومكرراً «لو قدر لي.. أعود مرة ومثنى وثلاث للأرض الحبيبة».. والزوجة جيهان ترفع الرأس إلى الأعلى وكأنها تتمنى ألا تعيش ذاك القلق من جديد، لكنها تُسر لـ«السفير»، «أدرك في قرارة نفسي أني لا أستطيع منعه من العودة، فأنا أيضاً مؤمنة بما يؤمن به». أما هو فيعلن في وقت لاحق «سألت نفسي كثيراً عن قدرة هذه المرأة على تحمل وزر التزامي السياسي، وفي كل مرة تفاجئني برباطة جأشها». يستلقي الرجل، من دون أن يعبر عن ألم جسدي سببه رصاصتان اخترقتا رجليه اليمنى واليسرى، ويتجاهل تضرر عصب القدم اليمنى بشكل قد يعيق تحريك أسفل قدمه في المستقبل.. وكأن سليمان لا يجد الوقت ليعود إلى الحاضر، فما زالت الأيام الثلاثة الماضية بأحداثها ونتائجها تشغل باله وحديثه، ويقول لـ«السفير»، «بعد الرصاص المطاطي، وقع الإنزال، وانهمر علينا رصاص من الذخيرة الحية. سعينا للدفاع عن أنفسنا من دون أن نقاتل فعلياً، وعندما تناثر الضحايا، استسلمنا بعدما اتخذ قرار على السفينة بعدم خسارة المزيد من الأرواح واعتبرنا أننا كسبنا المعركة بمجرد أن نقل الإعلام كيف اعتدوا علينا، وعندها خشينا من وقوع مجزرة يروح ضحيتها المئات يقتلون بدم بارد، لا سيما أن بعض الناشطين كانوا على أتم استعداد ليفدوا فلسطين بأجسادهم، وعدنا لنكرر أن كل هدفنا إثبات أن رحلتنا سلمية وهدفنا الأول والأخير كسر الحصار وإيصال الأدوية إلى غزة. بعدها استطاع عشرات الجنود إحكام السيطرة على الأسطول، كبلوا أيادي الكل، ونُقل الجرحى إلى أربعة مستشفيات في بئر السبع وأسدود، أما أنا فنقلت من الباخرة إلى الهليكوبتر إلى مطار تل أبيب..». أما في ما يتعلق بالتحقيقات يقول إنه «لم يكن هناك تحقيقات مفصلة وبالمعنى الفعلي للكلمة، ونحن نعرف أن إسرائيل عند الهزيمة لا تحقق كثيراً لئلا تكشف هزيمتها، هكذا كانت التحقيقات شكلية والمحامي إن وجد، فكنا نرفض التواصل معه على اعتبار أنه من الجهة المغتصبة والقراصنة الذي هجموا على أسطولنا، في حين تواصلنا مع محامٍ من جمعية «عدالة» الذي يعزم على مقاضاة إسرائيل وأوكلته بالتقدم بالدعوى عني أيضاً». ويعود ليذّكر أن «المحقق ذا الشعر الأحمر الذي استجوبني في العام الماضي في رحلة الحرية الأولى، حقق معي هذه المرة أيضاً، مكرراً «أنت هنا مرة ثانية؟ ستدفع الثمن غالياً». أما سليمان فيشرح أن «إسرائيل هي فعلياً من يدفع هذا الثمن، إذ نجح الأسطول في وضعها تحت المجهر، ورفع الاهتمام الدولي والأوروبي وفتح الأعين على ما يرتكبه هذا العدو.. علماً بأنه يجب أن نذّكر أن الجهد الأساسي هو للأوروبيين، ونحن لم نكن إلا داعمين، ولا ندعي أننا كنا في هذه الحادثة.. في الواجهة». بين مقطع وآخر من الرواية، يحظى الرجل بثوان قليلة ليلتقط أنفاسه، ويلقي تحية سريعة على أخ وصل وعائلته من ألمانيا ليطمئنوا عليه، ثم يتلقى مزحة من قريب «يا ابن عمي، أخذت رجلك على غزة؟». ويلي ذلك سلسلة طويلة من الاتصالات الهاتفية، هذا رئيس الجمهورية ميشال سليمان يهنئ سليمان بسلامته عبر الهاتف، والأخير يرد بجمل طويلة شاكرة «الوحدة بوحدتكم جميعاً، لنصل إلى بر الأمان.. وتشكر لتصريحك الداعم، الذي كان له الصدى الكبير في نفوسنا». واتصال آخر من وزير الداخلية والبلديات زياد بارود والنائبة بهية الحريري، والرئيس نبيه بري، الذي مازح سليمان بالقول «يا دكتور هاني، بشارة مرهج يبدي خوفه عليك من الإسرائيليين.. وأنا أجبته: عليك أن تخاف على الإسرائيليين من هاني». أما الزوار فلم تكل حركتهم منذ التاسعة صباحاً حتى ساعات المساء وهؤلاء تُكتب أسماؤهم على صفحات كثيرة تنتظر عند باب الغرفة، وبينهم وزير الصحة محمد جواد خليفة الذي عاين إصابات سليمان، وموفدون من رئيس الحكومة سعد الحريري وفعاليات. إضافة إلى باقات من الزهور، إحداها من رئيس الجامعة الأميركية في بيروت بيتر دورمان. هكذا وقد عاد الأب بخير إلى العائلة، هل يتركه الابن البكر أدهم (24 سنة) يعيد المحاولة بالدخول إلى غزة؟ ويجيب «أنا فخور به نعم، لكن خلص هذه المرة الأخيرة، لا أعتقد أن أحتمل تجربة أخرى بهذا الثقل». وأخيراً وإن سئل الدكتور هاني سليمان ما الذي لا يُنسى من الأيام الأخيرة؟ فيطلب ثوانيَ ليسترجع مشاهد مكثفة في الرأس.. «كيف أنسى هدير الحناجر وهي تصدح بذلك الاسم «من قحوف رجليهم».. فلسطين، فلسطين». يقول سليمان مستخدماً لكنة بقاعية واضحة. ويكرر «لا أنسى».

ليست هناك تعليقات: