11.6.10

أبو ناجي: الأب الروحي لشارع "بلس" ينقل دكانه



نُشر في جريدة السفير


جهينة خالدية


11-6-2010


خاو. لكنه يحمل بين جدرانه روائح الذكرى. منذ الثالثة من بعد ظهر الاثنين الفائت، أصبح متجر «أبو ناجي» الشهير في شارع «بلس» (خط الجامعة الأميركية في رأس بيروت) مجرد مساحة خالية، ستتحول قريباً جداً إلى كومة أحجار مهدمة. هكذا، طويت صفحة ماضية الطويل الممتد على ثلاث وعشرين سنة، ملأتها اليوميات والأحاديث السريعة والصداقات.أخلي المتجر الذي يستأجره عبد الله المير، قريب «أبو ناجي»، ويشغله الأخير. وفي الأيام المقبلة، سيتم إخلاء المتاجر الأخرى التي تشغل المبنى نفسه، ومن بينها «مكتبة مالك» و«المركز الأميركي للغات»، تمهيداً لهدم المبنى الذي يعود تاريخ بنائه إلى العام 1925 تقريباً.المبنى الحجري البسيط، لم يُدرج على لائحة الجرد العام للأبنية المصنفة تراثية، على الرغم من سعي المستأجرين فيه مراراً لدفع وزارة الثقافة إلى تصنيفه، منعاً لهدمه. مساعيهم باءت بالفشل، فقد ارتأى المعنيون أن المبنى لا يحمل علامات «أثرية» أو «تراثية» قيّمة تستحق المحافظة عليها. وهكذا، تضع معايير التصنيف وجه البلد، مرة جديدة، أمام بتر لعلاقة مبنى بجواره ومحيطه.على المستوى القانوني، انتقلت ملكية هذا المبنى في التسعينيات من آل شويري إلى شركة «الوهاد»، لمالكها تحسين خياط. وتلفت محامية خياط مايا حبلي «السفير» إلى أن «المالك دفع تعويضات للمستأجرين القدامى، وصلت إلى مئات آلاف الدولارات، ونحن ملزمون بإخراج المستأجرين في مدة أقصاها ثلاثة أشهر من تاريخ دفع التعويضات (أيلول 2009). ولقد منح المالك الجديد المستأجرين مهلة إضافية للإخلاء». أما عن سبب الهدم فتشرح أنه «لا يمكن المالك استرداد المبنى من المستأجر القديم إلا لسببين، إما للضرورة العائلية أو الهدم». وتضيف: «نحن ملزمون بالهدم خلال سنة من تاريخ صدور الأحكام، وإلا أجبرنا على دفع مبلغ إضافي للمستأجر القديم، تصل نسبته إلى نصف التعويضات التي دفعت لهم».ما يحصل في «بلس» تشهده في كل دقيقة نواحي المدينة كلها. وهنا، نحن أمام حالة عاطفية تتمحور حول علاقة آلاف الطلاب بالمكان وبمن يحمل اسمه، الذي نقل متجره إلى موقع جديد، بعيد نسبياً عن مدخل الجامعة.يمشي أبو ناجي في «بلس»، ويرى الابتسامات والتحيات التي يتلقاها من الجميع بلا استثناء. السائر معه يفهم أن الرجل يشبه الأب لهذا الشارع. يقبلونه، يربتون على ظهره تضامناً مع غصته. والرجل يجيب: «الله كريم، والله الرزاق وين ما بكون.. بس أنا حرقتي على العِشرة، وعلى كل السنين اللي قضيتها مع الطلاب مقابل المدخل الرئيسي للجامعة».بينما يلفظ جملته الأخيرة، يتكاثر عدد الطلاب الواقفين أمام متجره المغلق. هذا أيمن يشرح له: «بعرف إنك سكرت، بس معود أنا ورفقاتي نلتقي عندك.. أو منضيع!». ويردف: «عمو، ما لحقنا نلتقط صورة تذكارية معك بالمحل القديم!».تضحكه هذه الجملة وتفرحه في آن. يدرك جيداً العلاقة الوثيقة التي تجمعه بأغلب طلاب الجامعة: «كنا أنا وأم ناجي نعرف أخبارهم الخاصة، تقدمهم في الدراسة، مواعيد تخرجهم، ثم عملهم، ولاحقاً زواجهم.. وفرحتنا الكبرى تكون عندما نلتقي بهم بعد سنوات مع أطفالهم ويكررون: بكرا لما تكبروا بتجوا كمان عنده عمو أبو ناجي». وامتلأت الصفحة الخاصة بالمتجر، التي أسسها طلاب منذ زمن على موقع «فايسبوك»، بالشهادات والذكريات.فلا تنسى رانيا، الطالبة في «الأميركية»، تذكر «أم ناجي»: «تصبّحنا كبناتها، وتحيينا مكررة أهلا يا حلوة، كيفك يا أمورة، شو ما في شي هيك هيك، شو معميين هالشباب!».يقول «أبو ناجي»، المتقاعد من الأمن الداخلي: «هنا، عشت الحرب والسلم، وشهدت على الطلاب يخاطرون بحياتهم لأجل الدراسة، ويصطفون طوابير طويلة للاتصال بعائلاتهم من المتجر. آنذاك، كنت وحيداً أنا والطلاب وبعض القطط الشاردة في الشارع. وفي السنوات الماضية أيضاً، عايشت تفجير «الكولدج هول» في الحرب.. وشعرت بالخسارة الشخصية في بيتي».علاقة هذا الرجل الستيني بالجامعة تقتصر على خارجها فقط. ومن المرات القليلة التي دخل إليها، كان يناقش المساعدات الاجتماعية التي يمكن أن تحسم من قسط ابنته ديما الدراسي. يومها، لم تصدق الإدارة أن «أبو ناجي» يحتاج إلى دعم مادي: «لم يصدقوا أني لا أملك المحل، بل أديره فقط.. الغنى لم يكن يوماً هدفاً أسعى إليه».من هو «أبو ناجي» إذاً؟ هو السؤال الذي لا يمكن أن تسمعه في «بلس» أو بين عشرات آلاف من طلاب «الأميركية» ومتخرّجيها، لكنه السؤال الذي وضع يوماً في مسابقة «رالي بايبر» طلابية.. والجواب هو: اسمه الحقيقي محمود المير، وتجدونه دوماً في «بلس» يحكي عن ذاكرة جماعية للمكان.

ليست هناك تعليقات: