29.7.10

حالة هلع تذكر بأزمة «الألفية» الالكترونية.. عناوين "IP" التي تصلنا بالانترنت.. تنفذ خلال سنة



نُشر في جريدة السفير

الخميس 29-7-2010

جهينة خالدية


الشبكة الالكترونية تصاب بالتخمة. يوماً تلو الآخر يتزايد استخدامها عبر أجهزة الكترونية مختلفة. بات يلج المستخدم الواحد إلى الشبكة عشرات المرات في اليوم. وفي كل مرة عبر جهاز مختلف: كومبيوتر العمل، الكومبيوتر المحمول، كومبيوتر في المنزل، الهاتف الخلوي الذي أحياناً نملكه أيضاً إلى جانب جهاز «البلاك بيري»... وبهذا يكرّس المصطلح الذي يصف مستخدمي تكنولوجيا هذا العصر بـ«كائنات متصلة»، التي يستحيل عليها العيش، التفاعل، التواصل، تلقي المعرفة، والإنتاج من دون الاتصال بالشبكة. تحتاج عملية الاتصال بين أجهزتنا والشبكة إلى رمز أو عنوان خاص لتعريف كل جهاز ووصله بالانترنت. ويسمى الرمز «IP address» وهو اختصار لمصطلح «Internet protocol address». ولقد أصيبت الشبكة بالتخمة بهذه العناوين، بحيث استهلك العالم نحو تسعين في المئة من عددها المتوفر، الذي يصل إلى أربعة مليارات ومئتي مليون عنوان. منذ أيام قليلة، دُق ناقوس الخطر. انتشر الخبر عبر مواقع «تويتر»، Read write web وCNN..، ليبدأ العدّ العكسي لأزمة نفاد العناوين، خلال أقل من سنة واحدة. حتى أن بعض الخبراء ذكروا أن نفاد العناوين يحل بعد 338 يوما تحديداً. ويكون لدى العالم نحو مئتي وثلاثين مليون عنوان فقط لاستهلاكها خلال هذه المدة. وهو رقم قليل مقارنة مع نحو مليار وثمانمئة مليون مستخدم للشبكة عالمياًً. والأهم أن تدني هذا العدد، يطلق مخاوف جدية من انتشار «السوق السوداء» لتوزيع العناوين المتبقية، كما يضع الكل أمام أزمة ما بعد هذه السنة. ما هو IP Address؟ ولماذا هو على طريق النفاد؟ وما هي الحلول المطروحة؟ يلفت المتخصص في البرمجة الالكترونية وجدي كنعان إلى أن «ما سنشهد نفاده بعد فترة وجيزة هو العناوين التي تتبع نظام IPV4 (أي النسخة الرابعة من النظام الرقمي المشغل لنقل المحتوى بين الجهاز والانترنت). ويستخدم هذا النظام منذ العام 1980، يوم كانت الأجهزة الالكترونية التي تتصل بالانترنت، لا تتعدى أجهزة الكومبيوتر PC، ولم تكن فورة الأجهزة الخلوية قد انفجرت. هذا ما يستدعي نظاماً جديدا، يوفر عددا أكبر من العناوين أو الرموز، تماماً كما حصل في الثمانينيات والتسعينيات، خلال أزمة عدم توفر أرقام للهاتف، ما دفع المعنيين لاعتماد نظام جديد يزيد عدد الخانات الخاصة بها. وهذا ما يمكن تطبيقه تماماً لحل أزمة عناوين الانترنت، عبر محاولة إطلاق نظام IPV6 (النسخة السادسة) التي يمكن أن توفر لكل مستخدم نحو أربعة مليارات عنوان». لكن المسألة لا تبدو بهذه البساطة، فالفرق شاسع بين «سهولة» تقنية زيادة عدد الخانات للهاتف، وتطبيق نظام جديد على مليارات الأجهزة الموصولة بالانترنت، وما يترتب عن ذلك من تعقيدات (على الصعيد التقني والكلفة)، لنقل المحتوى بين النظامين. ولعلّ العقدة الأولى تتمثل بصعوبة تحديد نقطة بداية الشبكة أو نهايتها، حيث يبحر المستخدم من خلال أرقام «بليونية» للمواقع الالكترونية والنوافذ الرقمية، لا سيما أنه عصر الحياة الافتراضية عبر الشبكة، التي تحوّلت إلى واقعية ففيها يتواصل المبحر، ويتفاعل، ويتلقى البيانات، ويرسلها، ويشتري، ويبيع، ويعرض، ويحب، ويتثقف، ويتعلم، ويجري تحويلات مصرفية... حتى أنه في بعض الأحيان تتم من خلالها إدارة الدول، والتواصل بين الحكومات والشعوب. هل يمكن لكل هذا أن يتوقف؟ على الرغم من الانتشار البطيء للنظام الجديد بنسخته السادسة، الذي استهلّ تطويره منذ عشر سنوات، يبدي كثيرون تفاؤلهم لإيجاد كل الحلول اللازمة له. وهو ما بدأت شركات عدة بالعمل عليه مثل «غوغل»، «فايس بوك»، كما أُعلن في المؤتمر المخصص لهذا النظام في حزيران الفائت. وعلى الرغم من انتشار تحذيرات مما ستُقبل عليه الشبكة بعد هذه الأزمة، يحاول بعض الخبراء المتفائلين التخفيف من حالة الهلع المتفجرة، التي تشبّه أزمة IPV4 بما سُمي بمشكلة «بقة الألفية» أو Y2K التي كان يُظن أنها ستؤدي إلى تعطيل نظام الاتصالات العالمي، عندما تنتقل أجهزة الكمبيوتر المبرمجة من الرقم 99 (1999) إلى الرقم 00 (2000). وهي المشكلة التي وجد لها حل في نهاية المطاف. لا يعني هذا أن الانتقال من النسخة الرابعة إلى السادسة، سيكون بتلك السهولة، فعلى الرغم مما قدمته التكنولوجيا من خدمات وتسهيلات للعالم، يشهد كل تطور تقني سلسلة من التعقيدات. الشبكة لا تعرف الأمان. جهينة خالدية

10.7.10

تعليق من 140 حرفاً على «تويتر» ضرب مصداقيتها بنظر المحطة بعد ٢٠ عاماً من العمل فيها






نشر في جريدة السفير


جهينة خالدية


10-07-2010




لم تقف الإعلامية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط في محطة التلفزيون الأميركية «سي أن أن» أوكتافيا نصر أمام الكاميرا لتعبر بصراحة للعديد من المشاهدين، عن حزنها لرحيل السيد محـمد حسين فضل الله. كل ما فعلته الإعلامية الأميركية (الفلسطينية الأصل والمولـودة في لبنان من أم لبنانية)، إنها دونت رسالة جديدة في هاتفها الخلوي، وكتبت جــملة من مئة وأربعين حرفاً تقول فيها: «أنا حزينة لتبلغي نبأ وفاة آية الله محمد حسين فضل الله، أحد عمالقة رجال «حزب الله»، فأنا كنت أحترمه جداً». هذه العبارة، التي كتبتها صباح الأحد الماضي خلال إجازة تقضيها في بيروت، نشرتها على صفحتها الخاصة على موقع «تويتر» الإلكتروني للتواصل الاجتماعي. لم تكن نصر داخل استديوهات ومطابخ التحرير، كانت خارج مهامها، تعبر عن رأي خاص وفردي، المفترض أنه حق مكفول. وهو الحق الذي اختزلته المحطة العالمية، بأقل من ثماني وأربعين ساعة، حيث أجبرت نصر على الاستقالة، سالبة إياها حق التعبير عن رأيها، كإنسانة، وإعلامية عربية عاصرت المرجع الراحل. فضلت نصر، في اتصال مع «السفير»، عدم التعليق على الإقالة، أو على العبارة التي تحولت إلى «خطيئة»، على الرغم من اعتذارها عن تعليقها - زقزقتها (ترجمة لمعنى تويت على هذا الموقع الإلكتروني). بلا مقدمات، او تفاوض، ومن دون تقدير لجهدها في القناة على مدى عشرين عاماً، أقيلت نصر، وأصبحت فجأة خارج المؤسسة التي احتلت فيها احد الصفوف الأمامية. منذ اللحظة التي نشر فيها التعليق، انفجر الحقد الإسرائيلي، واندفعت صحف إسرائيلية ومؤسسات مثل «مركز سايمون وايزنثال» (أضخم منظمة يهودية لحقوق الإنسان)، للمطالبة بمعاقبة نصر «لاحترامها لمن يعتبر الراعي الدولي للإرهاب». وسرعان ما توالت ردود الفعل الأميركية والتقارير التلفزيونية المناهضة لنصر، مُدينة إياها «لدفاعها عن الإمام الإرهابي»، و«الشخصية التي أدرجتها الولايات المتحدة على لائحة الإرهابيين الدوليين». ولم يقتصر موقف القناة على إقالة موظفتــها، بل كـانت طلبت منها الاعتذار، ما دفعها الى الاعتذار عبر مدونتها في الموقع، وهو لا يتضمن بالضرورة تراجعاً عن رأيها بالراحل خصوصاً في قضية المرأة. وقد تضمن الآتي: « «نشر التعليق كان خطأ من قبلي، لكني كنت اقدر موقــف فضل اللــه المتميز بين رجــال الدين الشيعة حول حقوق المرأة». وعادت لتوضح «لا يعني أني كنت أؤيد كل مقولاته». وبالرغم من هذا الاستدراك، لم تشــف «سي أن أن» غليلها، إذ أعلنت على موقـعها الإلكتروني أن «رأي نصــر آثار موجــة عارمة من الانتـقادات، وكان سوء تقدير منها أن تنــشر هذا التــعليق بهذه البساطة». واعتذرت القناة عن «أي إهانة سببــها هذا التعليق، الذي لا يتلاقى مع معاييرها في التحرير. وهي مسألة جدية وسيتم البت فيها». ولم ينته الأمر عند هذا الحد، بل اعلنت نائبة رئيس «سي أن أن انترناشونال» باريسا خوسرافي أمس الاول، اننا «بحثنا المسألة مع نصر وقررنا أن تغادر المحطة، معتبرة «أن مصداقيتها كصحافية متخصصة فى شؤون الشرق الأوسط قد تأثرت». هكذا بات اسم أوكتافيا نصر متداولاً عبر عشرات الآلاف من المقالات والتعليقات على الإنترنت، التي عبر كثير منها عن انحياز فاضح ومعيب للقناة الأميركية. وهو انحياز كانت طاولت مفاعليه عميدة المراسلين في البيت الأبيض هيلين توماس التي أحيلت منذ شهر إلى التقاعد بعدما قالت لحاخام يهودي: «قل لهم (للإسرائيليين) أن يغادروا فلسطين، وتذكر أن هذا الشعب (الفلسطيني) خاضع للاحتلال، وهي أرضه، يجب أن يعودوا إلى ديارهم إلى بولندا، ألمانيا والولايات المتحدة». كتوماس تماماً، دفعت نصر الثمن، لأن «الحريات» الأميركية لم تتسع لتعليق حول شخصية مشهود لها باعتدالها. ولم تستطع احترام حق التعبير، وهو الحق الذي استخدمته السفيرة البريطانية في بيروت فرانسيس غاي عبر نشرها علانية مقالة رصينة على مدونتها، مودعة فيها السيد فضل الله. وعبرت فيها عن إعجابها بالمرجع الراحل، فكتبت «عند زيارته يمكنك أن تكون متأكداً من حصول نقاش حقيقي مع جدال محترم وكنت تعلم أنك سوف تتركه مع شعور بأنك أصبحت شخصاً أفضل. هذا بالنسبة لي هو الأثر الفعلي لرجل الدين الحقيقي الذي يترك أثراً على جميع من يلتقيهم بغض النظر عن دينهم». اطاح تعليق شخصي بحت بجهد صحافية بــرزت في برامــج مثل «سي ان ان وورلــد ريبــورت» و«سـي ان ان انترناشونالز وورلد نيوز» وتغـطية الحــروب والنزاعات (العدوان الإسرائيلي على لبنان 2006، تداعيات 11 أيلول، حرب البوسنة). كما أدارت فريقاً ضم 15 شخصاً خلال تغطية الحرب على العراق. وقبل أن تنتقل متخرجة الإعلام والتمثيل من «كلية بيروت الجامعية» إلى أميركا، عملت منذ عام 1985 في «المؤسسة اللبنانية للإرسال». من جديد تحاصر الحرية الفردية للصــحافيين، ويفتح النقاش حول قمع المؤسسات الإعلامية للآراء الشخصية لموظفيها. نقاش ينطلق من أسئلة أساســية: أين تبدأ حرية الــرأي وأين تنتهي؟ أين تُعلن وأين تُستر، في ظل تداخل الشبكات الإلكترونية الاجتماعية مع يومياتهم؟ لا أحد يدري إذا ما طرحت نصر هذه الأسئلة على نفسها عندما أودعت ذلك التعليق- العاطفي أكثر منه السياسي- في حضن الشبكة. ربما كانت تمارس حقاً ليس من المشروع أن يسلبها إياه أحد. لم تخسر نصر، على الأغلب خسرت الحريات الإعلامية.

6.7.10

عندما تأتي أبتسم، نبتسم، ويبتسم العالم كله


نشرت في جريدة السفير
جهينة خالدية
2007

عندما صمــتا، كــانت تنــظر إلى عينيه، وتحاول أن تجد شيــئاً ما. أي شيء يمــكن أن يقودها إليه. أو أن يقــودها بعيــداً عنه. قالت إن عينيه سوداوتان، وهي تحبهما عسليتين. وقالت إن شعره بنيّ وهي تحبه أسود، وبشرته بيضاء وليست حنطية.


عندما صمتا، كان يــردد أنها كــثيرة الــكلام، كثيرة الحركة، كثيرة النظام، شعــرها مجــعد، قامــتها قصـيرة، عيونـها سوداء وهو يـحبها عسلية.


كان هذا لقاءً أول. انتهى بجملة من نوع: "أنا أحترم صداقتنا كثيرا".


"الصداقة" التقت مرة ثانية، لتتبلور. اختلفا بين الفتوش والتبــولة، النسـكافيه والقهوة، ميلان كونديرا وخوسيه ساراماغو، عبد الحليم حافظ وأم كلثوم، ريما خشيش ولينا شماميان، أنجيلينا جولي وشارون ستون، مايكل شوماخر ورايكونون.


في اللقاء الثالث، بعد أسبوعين سألها: - قهوة؟ - سادة، أجابت. - الشِعر؟ - العاميّ، أجابت. قالت، وقال هو في وقت واحد: طلال حيدر. وجدت ما تبحث عنه. في اللقاء العاشر أو الحادي عشر، اتفقا على التالي: أم كلثوم، ريما خشيش، أنجيلينا جولي، المطر، التبولة، القهوة، ومؤكد ساراماغو. وبقي كل ما تبقى.. عالقاً. في اللقاء الثاني عشر، شربا القهوة. مشيا على طول شاطئ صور، وقرآ ما يحفظان من الشعر. انتهت السهرة عند أذان الصبح. وبقي طلال حيدر يحرك يده وحيداً على الرمل، وكأن بعلبك كلها تلوح في أفق كفه.. وبقي ينمنم: مشتاق../ إيديّي غـمر مفــتوح متل النون/ معجّل.. متل جملة ما فيها سكون/ ولا بنهدى/ والوقت ما عنده وقت ينطر حدا/ يمكن أنا مجنون/ هيّ/ متل شي خط بريشة قصب/ وهوّ / متل حرف العرب..


مضى على اللقاء الأول أشهر ثلاثة. عادت فيها مراراً إلى دفتر يومياتها، وكتبت: »يغير قناعتي، وكأنه يعيد كتابتي. يجدد ما ظننت أني حذفته من نفسي. أحب العيون السود، لا بأس بالبشرة البيضاء، أحب عندما يبالغ بقص أظافره، أحب عندما يناديني »بسينة« (قطة)، أظن أني..«.


كانت تريد أن تأخذ وقتها في التعرف إليه. كانت تريد أن تتململ به. كانت تريد ان تعطي نفسها فرصة أخيرة لئلا تحبه. لئلا تنهض في صباح كل يوم وهي تشعر أنها تختنق به.. ثم يعجبها الاختناق به. كانت تحب فكرة أن تستطيع الهرب منه. كانت تحب ألا تنهض وسط الحلم لتقول له همساً، وعبر المنامات إنها له. وإنها لا تغفو إلا عندما تتخيل نفسها فوق غيمة على شكل حضنه. ما كانت تكــترث لأي شــيء، كــانت قد تغيرت منذ مدة. كانت تسأل نفسها أسئلة مملــة ومتعبة مثل »كيف نتغير فلا يعود الانتــظار مشـكلة. ولا الملل مشكلة. ولا الرهــبة مشــكلة ولا الكــآبة الناتجــة عن كل هؤلاء مشــكلة؟ كيف نتغير كما نغير عطرنا فلا يعود للعــطر رائحـــة. يمر بجابنا ولا يلتصق بنا. يلامـس البشـرة ولا تمتصه ولا تتشربه. يتغير جلدنـا فلا يعود يعرفنا ولا يتعرف على عطورنا. تصبح الرائحة ترشح منا لا تدخل إلينا«.


كان يحب ألا يكون مرتــبطاً أبداً. كان يحب أن يشاهد فيلماً رومانسياً، ويركــز على بطــلته المثيرة.. ولا يفكر بحبيبة رسمية. كان يحب أن يكون حراً. كان يحب أن ينظف أسنانه بهدوء، يقرأ رواية بهدوء، يكمل مشروعه بهدوء.. بلا أن تقفز هي أمام كل شيء، بين الدقيقة والأخرى. بلا أن تغتال انفراده. بلا أن تسرق خصوصيته. بلا أن يشعر فجأة برغبة بضمها. بلا أي كلام.. لا كثير ولا قليل. الكثير منه لا ينفع. فقط يريد أن يضمها. وكلما شدّ أكثر.. قال لها بهذا إنه يحبها أكثر. قبل أن يتدخل طلال حيدر في علاقتهما، كان يتجنب أن يلامس المدينة، ويفضل أن يتخفى في ثوب مظلل، يبعده عن صخبها ونسائها وفتياتها. كان يحب أن يهرب منهن.. ولا يخرج ليتأملهن، إلا وقت تتعبه الروايات. كان يخجل.


اختلفا. الحب، الغيرة، العلاقات السابقة. اختلفا مرة ثانية: العمل، المال، الهجرة.. لبنان نسيا الشعر. ارتبكا. ارتفع صوتهما. عاد وغمرها. ضحكت واستكانت. اختلفا مرة ثالثة: الأهل، الفوارق الاجتماعية، العقيدة.. انفصلا. أشهر ثلاثة مرت. العلاقة انتهت. ثم التقته مرة في أحد مسارح العاصمة. قالت له إنها بخير. أوحى لها أيضا أن »كله تمام«. عند صباح اليوم التالي عالجته برسالة قصيرة: »عريس في بيتنا اليوم«. اتصل : سألها »تتجوزيني؟« أجابته: »سأسأل أمي«. قالت لها: »هو أحن رجل على وجه الأرض«. قالت الأم »لا«. قالت له: »أمي تقول لا«. رسمت كرزتين صغيرتين لا إراديتين فوق وجنتيها.. ذبلت برومشها القصيرة.. وقالت له »بشوفك بكرا«.


**


عادا


**


حاول أن يشرح شيئاً من هذا لصديقه. ففشل في قول غير التالي: »تعلمني كيف أرسم رجلين لفكرة رائعة ولكن عرجاء. تعلمني كيف اصطاد فكرة حقيقية من بحيرة اصطناعية. تعلمني كيف أنتظرها وأنتظرها وأنتظرها. وعندما تأتي، تعلمني أنها عندما تبتسم ابتسم.. وبعدها العالم كله.. يبتسم«. وقال لنفسه همساً: »لأنها ابنة مناماتي، أريد ان أنام ولا أصحو. أريد أن أعيش بلا صوت. أريد ذاك الجنون. أريده.. هو المجنون. أريد ان أهرب من كل مرجانة تلاحقني. علني بهذه الطريقة أعيش في البين والبين. أو أنام بين أغنيات ودندنات ومووايل. علي ان أستلقي في بيت خيالي، في بيت أفكاري، في بيت البحيرة الذي أحفظه من فيلم قديم«.


هو حبيبي. عندما كررت هذه الجملة بصوت مرتفع، قالت »اللعنة.. والله بحبه«.. سأقول له. [[[ هو، قال لصديقه: صرت أقف عند محلات الفضة، أبحث عن سوار برفع خيط.. يرسم خطاً على يدها، ولا يسرق من جمالها شيء. ابحث عن سوار بحبتي خرز، تحميانها من كل عين. صرت أقف عند واجهات محلات الأحذية، أبحث لها عن »سكربينة« زهرية ناعمة، تشبه تلك التي تلبسها »بالورينا«. وجدت واحدة، بوردة صغيرة عند الكاحل، فاشتريتها لحبيبتي الصغيرة. في اليوم الذي بعده.. بحث لها عن قصيدة. وجدها: فوتي على خيالي/ تا سكّر عليك/ قاعد بالمرايه/ اتنوقص علــيك/ وجّك/ سفر العسكر/ متل الخنجر/ متل القدس وعم تتــسكّر/ قوليلهن إني انا خيالن/ رح اسكن بــها النوم/ واتخايل قبالن.

3.7.10

أذهب إلى السماء الآن

جهينة خالدية

أموت الآن
سأموت الآن
أشهر أنام في ورق الرمان
أدور حول حولي في زرقة بلا لون
أتوحد وأنت فتتوحد وهي
ألعق الإبتسام وأزرع نثرات الزجاج في الوجه
النثرات هي أنت
الدمع هو أنا

على غفلة بت بلا ظل
أنام في سجن النساء وأختار لنفسي حماية من قضبان
الظل هنا ينقصه الضوء والضوء أكلته الكوابيس
أحتاج إلى ماء أو أسبح في التراب
التراب أنت
وأنت مسمم

في سجني القلب يكون حبات كرز ثمانينية
يتفتت، يجف، يجن، يقف فوق أجساد النساء
يضرب رأسه في حيطان مشبعة برائحة البول
يقضم الحنجرة مرات: "أينك يا مطر؟" "أينك يا مطر" أينك يا مطر"
المطر أنت
وأنت في السماء
والسماء بعيدة
أذهب إليها بعد يوم
بعد يومين
الآن

2.7.10

حملة إعلامية وإعلانية دعماً لمشروع قانون حماية البيوت التراثية



نشر في جريدة السفير

جهينة خالدية

02-07-2010

عشرات القبور تحمل في أعلاها صور موتاها. هذا ببشرة حمراء، آخر بـ«طربوش قرميدي»، ثالث بأوراق خضراء تتسلق الجدران، رابع بقناطر مزدوجة.. لا يرقد الموتى بسلام، يتقلبون ولا ينتفضون، فهم ركام تتكسر أضلاعه تحت أساسات ناطحات سحاب تبنى فوقهم وبينهم. القبور لموتى ليسوا إلا بيوت لبنان وبيروت التراثية التي تسقط وتهدم أمام موجة البناء العصري المتفشي في العاصمة من دون قانون يمنع ذلك أو ينظمه. هذا هو فحوى الفيلم الذي عُرض في المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير الثقافة سليم وردة في قصر الأونيسكو أمس، لإطلاق الحملة الإعلامية من أجل دعم إقرار مشروع قانون حماية الأبنية التراثية والمواقع التراثية، وذلك بالتعاون مع المؤسسة الوطنية للتراث، حزب الخضر اللبناني وجمعيات أبساد، «save Beirut heritage» و«stop destroying our heritage». الفيلم عرض صور بيوت لم تعد في مرمى النظر، هُدمت ولم تخلف وراءها إلا أبنية مقيتة عصرنتها، وممل تصميمها الذي يأتي بلا تاريخ، ولا ذاكرة ولا خاصية تذكر. بيوت يقول وردة إن «مسؤولية الحفاظ عليها تقع على جميع اللبنانيين. إذ لا مستقبل من دون جذور وعندما نهدم منزلا تراثيا إنما نهدم جزءا من هويتنا اللبنانية، والحل الوحيد هو إقرار القانون للحفاظ على ما تبقى من الأبنية التراثية». إقرار مشروع القانون الذي بات أمام اللجان النيابية المشتركة تمهيدا لإقراره في الهيئة العامة لمجلس النواب هو الهدف الأول والأساس الذي بتحقيقه يتوقف النزيف جراء هدر دم هذه البيوت. لكن إقراره سيدخل في مخاض وصراعات طويلة، بعدما تململ وجمد لسنوات في مجلس النواب لأسباب بعضها تتعلق بالظروف السياسية وبعضها الآخر بمصالح رجال أعمال وشخصيات رسمية تخشى على مشاريعها العقارية التي تدر عليها الملايين. كل هذا يجري في ظل عدم وجود قوانين تمنعهم من هدم البيوت غير المدرجة على لائحة الجرد العام. وفي واقع الأمر لا يحتاج هؤلاء إلى لائحة لتمنعهم، فهم برشى ووساطات من هنا وهناك ينجحون حتى في تحرير بيوت ممنوعة من الهدم بسحر ساحر. هكذا يقول وردة «المعركة مستمرة وأنا أضع الجميع أمام مسؤولياته» والمعركة هذه تبدأ فعلياً عند الانطلاق بتنفيذ القانون وتنفيذ القرار الذي استصدره وردة لتأليف لجنة لاستكمال عملية الجرد في مدينة بيروت من مجلس الوزراء يترأسها بنفسه وبعضوية المدير العام للآثار المدير العام التنظيم المدني، نقيب المهندسين، ورئيس بلدية المحلة بيروت أو غيرها. عندها نكون أمام ضغوطات هائلة وأموال ستلوث العاصمة في محاولة لتهريب بيت من هنا أو قصر من هناك. هنا يقول وردة رداً على سؤال لـ«السفير»، «الضغوطات دائمة من شرائح واسعة.. لكن حماية هذه البيوت الآن هو أولوية الوزارة وأولوية الحكومة بحسب ما جاء في بيانها الوزاري». ويعود وردة ليهدئ من روع أصحاب العقارات الذين يهلعون كلما سمعوا بلائحة جرد تجمد الهدم أو التصرف بالعقار، مشيراً إلى أن «لمشروع القانون حلولاً كثيرة، إذ نحن لسنا بصدد سلب أصحاب المنازل حقوقهم المحفوظة أصلا، بل سنقدم لهم الحلول التي تساهم في الحفاظ على التراث». من جهة ثانية أعلن وردة عن «تجاوب وزير الداخلية والبلديات زياد بارود لجهة تمرير جميع رخص الهدم في بيروت عبر لجنة خاصة ستقر بالموافقة أو عدمها وذلك بعد دراسة طابعها التراثي»، داعياً الناس إلى التبليغ عن أي عملية هدم لمبنى يظنون أنه تراثي على الخط الساخن الخاص 01612299، للتحرك الفوري». وكانت ريما شحادة من المؤسسة الوطنية للتراث تمنت أن يلقى مشروع القانون الدعم اللازم من كل المسؤولين. بدوره اعتبر رئيس حزب الخضر فيليب سكاف أن في لبنان عدواً داخلياً أكبر من العدو الخارجي وهذا العدو هو الذي يتحول إلى حفار قبور من خلال هدم المنازل التراثية. بعد صراع طويل، قد يرى قانون حماية الأبنية التراثية النور، حتى ذلك الوقت تسعى وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار إلى ملاحقة بيت يموت هنا وآخر تعلق له المشانق هناك، وكأنها ضابطة عدلية «تراثية». هذا جهد جبار قد يؤخر من محو وجه العاصمة بالكامل، لكنه لا يعيد رسم ما مُسح، وذلك أمام مخطط توجيهي مدني يشجع على الهدم وعلى البناء العصري تحت حجة النمو الاقتصادي، وأمام نظرة مموهة من الدولة وحتى الأفراد لشكل المدينة في الحاضر والمستقبل. الجهد التالي الذي يجب أن ينفذ إذا هو توعية شاملة لكل الناس حول تراثهم وأسباب الحفاظ عليه. بعد ذلك قد نجرؤ على الدعوة لتحرك سلمي يناصر بيوتنا التراثية. إجــراءات متدرجــة للحمايــة
يشدد مشروع القانون الذي أحيل إلى اللجان النيابية المشتركة تمهيداً لإقراره في الهيئة العامة لمجلس النواب على استحداث وسائل حماية وقائمتين إضافيتين، مقترحاً إجراءات متدرّجة على ثلاث مراحل من أجل حماية العقارات المعنية: المرحلة الأولى: قرار تدبير الحماية الذي يصدره وزير الثقافة لأي عقار مبني أو غير مبني وذلك بناء على اقتراح المدير العام للآثار أو بناء على طلب تقدِّمه إحدى الإدارات أو المؤسسات العامة أو البلديات المختصَّة أو أصحاب الحقوق في العقارات المعنية أو إحدى نقابتي المهندسين. مفاعيل هذا القرار ستة أشهر من تاريخ صدوره، وتسقط حكماً إذا انقضت المدة ولم يصدر القرار المؤقَّت في حينه. المرحلة الثانية: القرار المؤقَّت الذي يصدره أيضاً وزير الثقافة بعد استطلاع رأي لجنة فنية استشارية وموافقة المجلس الأعلى للتنظيم المدني ويحدِّد فيه النطاق الجغرافي المُزمع حمايته والعقارات التي يتضمَّنها والتدابير المؤقتة التي تخضع لها. مفاعيل هذا القرار سنتان من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، قابلة للتجديد مرة واحدة وهي تسقط حكماً إذا لم يصدر مرسوم الترتيب النهائي في حينه. المرحلة الثالثة: مرسوم الترتيب النهائي الذي يُتَّخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزيري الثقافة والأشغال العامة والنقل، وبعد استطلاع رأي اللجنة الفنية الاستشارية وموافقة المجلس الأعلى للتنظيم المدني. ويُحدَّد في هذا المرسوم النظام الخاص بالعقارات المُزمع حمايتها بشكل نهائي. وفي إطار الوسائل المتَّخذة أعلاه، تُُمسَك لدى وزارة الثقافة قائمتان: «قائمة التحديد المؤقت للعقارت التراثية المحمية» وفيها تُقيَّد أرقام ومواصفات العقارات المحدَّدة مؤقتاً والمزمع حمايتها وسائر المعلومات الخاصة بها. و«قائمة العقارات التراثية المحمية» وفيها تُقيَّد أرقام ومواصفات العقارات التي جرى ترتيبها نهائياً بمرسوم وسائر المعلومات الخاصة بها. كما يقدم قانون حماية الأبنية التراثية جملة من الحلول لمالكي العقارات المحمية أو التي سيتم حمايتها بينها حوافز من شأنها تشجيعهم على المحافظة على مبانيهم وترميمها، بينها «إمكانية المالك من الاستفادة من التعويض برصيد يوازي 75٪ حدّاً أقصى من المساحات التي حُرم من بنائها على العقار الواقع ضمن المنطقة المحمية، على أن يتمّ هذا التعويض من خلال الترخيص بإضافة بناء في عقارات أخرى تُحدَّد بمرسوم يُتَّخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزيري الثقافة والأشغال العامة والنقل بعد موافقة المجلس الأعلى للتنظيم المدني. والإعفاء من ضريبة الأملاك المبنية، والرسوم البلدية على القيمة التأجيرية عن إيرادات عقاره لفترة تتراوح بين سنة واحدة وعشر سنوات، كما من الرسوم المتوجِّبة عند الترخيص بالبناء أو التعديل أو الترميم. والإعفاء من نسبة خمسين في المئة من قيمة رسم الانتقال عند توجُّبِه، ومن النسبة نفسها من قيمة رسوم التسجيل والفراغ العقاري عند توجُّبِها، إضافة إلى «عطاءات الصندوق المُنشأ بموجب قانون موازنة العام 2003 وذلك من أجل القيام بأعمال الترميم وغيرها طبقاً للمواصفات التي يتطلَّبها النظام الخاص لمنطقة الحماية التي تشمله. وزيادة بدلات عقود الإيجار السنوية بما يوازي نسبة 15% من قيمة المبالغ التي يكون قد تكبَّدها من حسابه الخاص من أجل ترميم البناء في إطار النظام الخاص. وإذا رفض المستأجر، يحقّ للمالِك الطلب من القضاء المختصّ الحكم بإخلاء المأجور لقاء تعويض يُحدَّد بمبلغ يوازي نصف قيمة هذا المأجور حدّاً أقصى قبل إجراء أعمال الترميم عليه. كما يلحظ مشروع القانون، ضمن تدابير الحماية «أهمية دور مالك أو شاغل أي عقار محمي في التقيُّد التام بالقوانين والأنظمة النافذة وعدم ارتكاب المخالفات والتجاوزات. فعليه أن يحافظ على عقاره بحالة جيدة كي لا يتعرَّض إلى فرض تدابير وعقوبات وغرامات بحقّه». وفي هذا الإطار، «يحقّ لكل من وزارة الثقافة - المديرية العامة للآثار ووزارة الأشغال العامة والنقل - المديرية العامة للتنظيم المدني، والبلدية المختصّة، الادعاء أمام النيابة العامة المختصَّة لملاحقة مرتكبي المخالفات والتعدّيات الواقعة على العقارات المشمولة بأحكام هذا القانون. فيُعاقب كل مَن خالفَ الإلزامات أو المحظورات بالحبس من شهر إلى سنة، أو بالغرامة من مليون إلى عشرة ملايين ليرة لبنانية، أو بإحدى هاتين العقوبتين، بالإضافة إلى التعويض الذي قد يُحكَم به عن الضرر الذي يلحق بالمصلحة العامة».