10.7.10

تعليق من 140 حرفاً على «تويتر» ضرب مصداقيتها بنظر المحطة بعد ٢٠ عاماً من العمل فيها






نشر في جريدة السفير


جهينة خالدية


10-07-2010




لم تقف الإعلامية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط في محطة التلفزيون الأميركية «سي أن أن» أوكتافيا نصر أمام الكاميرا لتعبر بصراحة للعديد من المشاهدين، عن حزنها لرحيل السيد محـمد حسين فضل الله. كل ما فعلته الإعلامية الأميركية (الفلسطينية الأصل والمولـودة في لبنان من أم لبنانية)، إنها دونت رسالة جديدة في هاتفها الخلوي، وكتبت جــملة من مئة وأربعين حرفاً تقول فيها: «أنا حزينة لتبلغي نبأ وفاة آية الله محمد حسين فضل الله، أحد عمالقة رجال «حزب الله»، فأنا كنت أحترمه جداً». هذه العبارة، التي كتبتها صباح الأحد الماضي خلال إجازة تقضيها في بيروت، نشرتها على صفحتها الخاصة على موقع «تويتر» الإلكتروني للتواصل الاجتماعي. لم تكن نصر داخل استديوهات ومطابخ التحرير، كانت خارج مهامها، تعبر عن رأي خاص وفردي، المفترض أنه حق مكفول. وهو الحق الذي اختزلته المحطة العالمية، بأقل من ثماني وأربعين ساعة، حيث أجبرت نصر على الاستقالة، سالبة إياها حق التعبير عن رأيها، كإنسانة، وإعلامية عربية عاصرت المرجع الراحل. فضلت نصر، في اتصال مع «السفير»، عدم التعليق على الإقالة، أو على العبارة التي تحولت إلى «خطيئة»، على الرغم من اعتذارها عن تعليقها - زقزقتها (ترجمة لمعنى تويت على هذا الموقع الإلكتروني). بلا مقدمات، او تفاوض، ومن دون تقدير لجهدها في القناة على مدى عشرين عاماً، أقيلت نصر، وأصبحت فجأة خارج المؤسسة التي احتلت فيها احد الصفوف الأمامية. منذ اللحظة التي نشر فيها التعليق، انفجر الحقد الإسرائيلي، واندفعت صحف إسرائيلية ومؤسسات مثل «مركز سايمون وايزنثال» (أضخم منظمة يهودية لحقوق الإنسان)، للمطالبة بمعاقبة نصر «لاحترامها لمن يعتبر الراعي الدولي للإرهاب». وسرعان ما توالت ردود الفعل الأميركية والتقارير التلفزيونية المناهضة لنصر، مُدينة إياها «لدفاعها عن الإمام الإرهابي»، و«الشخصية التي أدرجتها الولايات المتحدة على لائحة الإرهابيين الدوليين». ولم يقتصر موقف القناة على إقالة موظفتــها، بل كـانت طلبت منها الاعتذار، ما دفعها الى الاعتذار عبر مدونتها في الموقع، وهو لا يتضمن بالضرورة تراجعاً عن رأيها بالراحل خصوصاً في قضية المرأة. وقد تضمن الآتي: « «نشر التعليق كان خطأ من قبلي، لكني كنت اقدر موقــف فضل اللــه المتميز بين رجــال الدين الشيعة حول حقوق المرأة». وعادت لتوضح «لا يعني أني كنت أؤيد كل مقولاته». وبالرغم من هذا الاستدراك، لم تشــف «سي أن أن» غليلها، إذ أعلنت على موقـعها الإلكتروني أن «رأي نصــر آثار موجــة عارمة من الانتـقادات، وكان سوء تقدير منها أن تنــشر هذا التــعليق بهذه البساطة». واعتذرت القناة عن «أي إهانة سببــها هذا التعليق، الذي لا يتلاقى مع معاييرها في التحرير. وهي مسألة جدية وسيتم البت فيها». ولم ينته الأمر عند هذا الحد، بل اعلنت نائبة رئيس «سي أن أن انترناشونال» باريسا خوسرافي أمس الاول، اننا «بحثنا المسألة مع نصر وقررنا أن تغادر المحطة، معتبرة «أن مصداقيتها كصحافية متخصصة فى شؤون الشرق الأوسط قد تأثرت». هكذا بات اسم أوكتافيا نصر متداولاً عبر عشرات الآلاف من المقالات والتعليقات على الإنترنت، التي عبر كثير منها عن انحياز فاضح ومعيب للقناة الأميركية. وهو انحياز كانت طاولت مفاعليه عميدة المراسلين في البيت الأبيض هيلين توماس التي أحيلت منذ شهر إلى التقاعد بعدما قالت لحاخام يهودي: «قل لهم (للإسرائيليين) أن يغادروا فلسطين، وتذكر أن هذا الشعب (الفلسطيني) خاضع للاحتلال، وهي أرضه، يجب أن يعودوا إلى ديارهم إلى بولندا، ألمانيا والولايات المتحدة». كتوماس تماماً، دفعت نصر الثمن، لأن «الحريات» الأميركية لم تتسع لتعليق حول شخصية مشهود لها باعتدالها. ولم تستطع احترام حق التعبير، وهو الحق الذي استخدمته السفيرة البريطانية في بيروت فرانسيس غاي عبر نشرها علانية مقالة رصينة على مدونتها، مودعة فيها السيد فضل الله. وعبرت فيها عن إعجابها بالمرجع الراحل، فكتبت «عند زيارته يمكنك أن تكون متأكداً من حصول نقاش حقيقي مع جدال محترم وكنت تعلم أنك سوف تتركه مع شعور بأنك أصبحت شخصاً أفضل. هذا بالنسبة لي هو الأثر الفعلي لرجل الدين الحقيقي الذي يترك أثراً على جميع من يلتقيهم بغض النظر عن دينهم». اطاح تعليق شخصي بحت بجهد صحافية بــرزت في برامــج مثل «سي ان ان وورلــد ريبــورت» و«سـي ان ان انترناشونالز وورلد نيوز» وتغـطية الحــروب والنزاعات (العدوان الإسرائيلي على لبنان 2006، تداعيات 11 أيلول، حرب البوسنة). كما أدارت فريقاً ضم 15 شخصاً خلال تغطية الحرب على العراق. وقبل أن تنتقل متخرجة الإعلام والتمثيل من «كلية بيروت الجامعية» إلى أميركا، عملت منذ عام 1985 في «المؤسسة اللبنانية للإرسال». من جديد تحاصر الحرية الفردية للصــحافيين، ويفتح النقاش حول قمع المؤسسات الإعلامية للآراء الشخصية لموظفيها. نقاش ينطلق من أسئلة أساســية: أين تبدأ حرية الــرأي وأين تنتهي؟ أين تُعلن وأين تُستر، في ظل تداخل الشبكات الإلكترونية الاجتماعية مع يومياتهم؟ لا أحد يدري إذا ما طرحت نصر هذه الأسئلة على نفسها عندما أودعت ذلك التعليق- العاطفي أكثر منه السياسي- في حضن الشبكة. ربما كانت تمارس حقاً ليس من المشروع أن يسلبها إياه أحد. لم تخسر نصر، على الأغلب خسرت الحريات الإعلامية.

ليست هناك تعليقات: