2.7.10

حملة إعلامية وإعلانية دعماً لمشروع قانون حماية البيوت التراثية



نشر في جريدة السفير

جهينة خالدية

02-07-2010

عشرات القبور تحمل في أعلاها صور موتاها. هذا ببشرة حمراء، آخر بـ«طربوش قرميدي»، ثالث بأوراق خضراء تتسلق الجدران، رابع بقناطر مزدوجة.. لا يرقد الموتى بسلام، يتقلبون ولا ينتفضون، فهم ركام تتكسر أضلاعه تحت أساسات ناطحات سحاب تبنى فوقهم وبينهم. القبور لموتى ليسوا إلا بيوت لبنان وبيروت التراثية التي تسقط وتهدم أمام موجة البناء العصري المتفشي في العاصمة من دون قانون يمنع ذلك أو ينظمه. هذا هو فحوى الفيلم الذي عُرض في المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير الثقافة سليم وردة في قصر الأونيسكو أمس، لإطلاق الحملة الإعلامية من أجل دعم إقرار مشروع قانون حماية الأبنية التراثية والمواقع التراثية، وذلك بالتعاون مع المؤسسة الوطنية للتراث، حزب الخضر اللبناني وجمعيات أبساد، «save Beirut heritage» و«stop destroying our heritage». الفيلم عرض صور بيوت لم تعد في مرمى النظر، هُدمت ولم تخلف وراءها إلا أبنية مقيتة عصرنتها، وممل تصميمها الذي يأتي بلا تاريخ، ولا ذاكرة ولا خاصية تذكر. بيوت يقول وردة إن «مسؤولية الحفاظ عليها تقع على جميع اللبنانيين. إذ لا مستقبل من دون جذور وعندما نهدم منزلا تراثيا إنما نهدم جزءا من هويتنا اللبنانية، والحل الوحيد هو إقرار القانون للحفاظ على ما تبقى من الأبنية التراثية». إقرار مشروع القانون الذي بات أمام اللجان النيابية المشتركة تمهيدا لإقراره في الهيئة العامة لمجلس النواب هو الهدف الأول والأساس الذي بتحقيقه يتوقف النزيف جراء هدر دم هذه البيوت. لكن إقراره سيدخل في مخاض وصراعات طويلة، بعدما تململ وجمد لسنوات في مجلس النواب لأسباب بعضها تتعلق بالظروف السياسية وبعضها الآخر بمصالح رجال أعمال وشخصيات رسمية تخشى على مشاريعها العقارية التي تدر عليها الملايين. كل هذا يجري في ظل عدم وجود قوانين تمنعهم من هدم البيوت غير المدرجة على لائحة الجرد العام. وفي واقع الأمر لا يحتاج هؤلاء إلى لائحة لتمنعهم، فهم برشى ووساطات من هنا وهناك ينجحون حتى في تحرير بيوت ممنوعة من الهدم بسحر ساحر. هكذا يقول وردة «المعركة مستمرة وأنا أضع الجميع أمام مسؤولياته» والمعركة هذه تبدأ فعلياً عند الانطلاق بتنفيذ القانون وتنفيذ القرار الذي استصدره وردة لتأليف لجنة لاستكمال عملية الجرد في مدينة بيروت من مجلس الوزراء يترأسها بنفسه وبعضوية المدير العام للآثار المدير العام التنظيم المدني، نقيب المهندسين، ورئيس بلدية المحلة بيروت أو غيرها. عندها نكون أمام ضغوطات هائلة وأموال ستلوث العاصمة في محاولة لتهريب بيت من هنا أو قصر من هناك. هنا يقول وردة رداً على سؤال لـ«السفير»، «الضغوطات دائمة من شرائح واسعة.. لكن حماية هذه البيوت الآن هو أولوية الوزارة وأولوية الحكومة بحسب ما جاء في بيانها الوزاري». ويعود وردة ليهدئ من روع أصحاب العقارات الذين يهلعون كلما سمعوا بلائحة جرد تجمد الهدم أو التصرف بالعقار، مشيراً إلى أن «لمشروع القانون حلولاً كثيرة، إذ نحن لسنا بصدد سلب أصحاب المنازل حقوقهم المحفوظة أصلا، بل سنقدم لهم الحلول التي تساهم في الحفاظ على التراث». من جهة ثانية أعلن وردة عن «تجاوب وزير الداخلية والبلديات زياد بارود لجهة تمرير جميع رخص الهدم في بيروت عبر لجنة خاصة ستقر بالموافقة أو عدمها وذلك بعد دراسة طابعها التراثي»، داعياً الناس إلى التبليغ عن أي عملية هدم لمبنى يظنون أنه تراثي على الخط الساخن الخاص 01612299، للتحرك الفوري». وكانت ريما شحادة من المؤسسة الوطنية للتراث تمنت أن يلقى مشروع القانون الدعم اللازم من كل المسؤولين. بدوره اعتبر رئيس حزب الخضر فيليب سكاف أن في لبنان عدواً داخلياً أكبر من العدو الخارجي وهذا العدو هو الذي يتحول إلى حفار قبور من خلال هدم المنازل التراثية. بعد صراع طويل، قد يرى قانون حماية الأبنية التراثية النور، حتى ذلك الوقت تسعى وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار إلى ملاحقة بيت يموت هنا وآخر تعلق له المشانق هناك، وكأنها ضابطة عدلية «تراثية». هذا جهد جبار قد يؤخر من محو وجه العاصمة بالكامل، لكنه لا يعيد رسم ما مُسح، وذلك أمام مخطط توجيهي مدني يشجع على الهدم وعلى البناء العصري تحت حجة النمو الاقتصادي، وأمام نظرة مموهة من الدولة وحتى الأفراد لشكل المدينة في الحاضر والمستقبل. الجهد التالي الذي يجب أن ينفذ إذا هو توعية شاملة لكل الناس حول تراثهم وأسباب الحفاظ عليه. بعد ذلك قد نجرؤ على الدعوة لتحرك سلمي يناصر بيوتنا التراثية. إجــراءات متدرجــة للحمايــة
يشدد مشروع القانون الذي أحيل إلى اللجان النيابية المشتركة تمهيداً لإقراره في الهيئة العامة لمجلس النواب على استحداث وسائل حماية وقائمتين إضافيتين، مقترحاً إجراءات متدرّجة على ثلاث مراحل من أجل حماية العقارات المعنية: المرحلة الأولى: قرار تدبير الحماية الذي يصدره وزير الثقافة لأي عقار مبني أو غير مبني وذلك بناء على اقتراح المدير العام للآثار أو بناء على طلب تقدِّمه إحدى الإدارات أو المؤسسات العامة أو البلديات المختصَّة أو أصحاب الحقوق في العقارات المعنية أو إحدى نقابتي المهندسين. مفاعيل هذا القرار ستة أشهر من تاريخ صدوره، وتسقط حكماً إذا انقضت المدة ولم يصدر القرار المؤقَّت في حينه. المرحلة الثانية: القرار المؤقَّت الذي يصدره أيضاً وزير الثقافة بعد استطلاع رأي لجنة فنية استشارية وموافقة المجلس الأعلى للتنظيم المدني ويحدِّد فيه النطاق الجغرافي المُزمع حمايته والعقارات التي يتضمَّنها والتدابير المؤقتة التي تخضع لها. مفاعيل هذا القرار سنتان من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، قابلة للتجديد مرة واحدة وهي تسقط حكماً إذا لم يصدر مرسوم الترتيب النهائي في حينه. المرحلة الثالثة: مرسوم الترتيب النهائي الذي يُتَّخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزيري الثقافة والأشغال العامة والنقل، وبعد استطلاع رأي اللجنة الفنية الاستشارية وموافقة المجلس الأعلى للتنظيم المدني. ويُحدَّد في هذا المرسوم النظام الخاص بالعقارات المُزمع حمايتها بشكل نهائي. وفي إطار الوسائل المتَّخذة أعلاه، تُُمسَك لدى وزارة الثقافة قائمتان: «قائمة التحديد المؤقت للعقارت التراثية المحمية» وفيها تُقيَّد أرقام ومواصفات العقارات المحدَّدة مؤقتاً والمزمع حمايتها وسائر المعلومات الخاصة بها. و«قائمة العقارات التراثية المحمية» وفيها تُقيَّد أرقام ومواصفات العقارات التي جرى ترتيبها نهائياً بمرسوم وسائر المعلومات الخاصة بها. كما يقدم قانون حماية الأبنية التراثية جملة من الحلول لمالكي العقارات المحمية أو التي سيتم حمايتها بينها حوافز من شأنها تشجيعهم على المحافظة على مبانيهم وترميمها، بينها «إمكانية المالك من الاستفادة من التعويض برصيد يوازي 75٪ حدّاً أقصى من المساحات التي حُرم من بنائها على العقار الواقع ضمن المنطقة المحمية، على أن يتمّ هذا التعويض من خلال الترخيص بإضافة بناء في عقارات أخرى تُحدَّد بمرسوم يُتَّخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزيري الثقافة والأشغال العامة والنقل بعد موافقة المجلس الأعلى للتنظيم المدني. والإعفاء من ضريبة الأملاك المبنية، والرسوم البلدية على القيمة التأجيرية عن إيرادات عقاره لفترة تتراوح بين سنة واحدة وعشر سنوات، كما من الرسوم المتوجِّبة عند الترخيص بالبناء أو التعديل أو الترميم. والإعفاء من نسبة خمسين في المئة من قيمة رسم الانتقال عند توجُّبِه، ومن النسبة نفسها من قيمة رسوم التسجيل والفراغ العقاري عند توجُّبِها، إضافة إلى «عطاءات الصندوق المُنشأ بموجب قانون موازنة العام 2003 وذلك من أجل القيام بأعمال الترميم وغيرها طبقاً للمواصفات التي يتطلَّبها النظام الخاص لمنطقة الحماية التي تشمله. وزيادة بدلات عقود الإيجار السنوية بما يوازي نسبة 15% من قيمة المبالغ التي يكون قد تكبَّدها من حسابه الخاص من أجل ترميم البناء في إطار النظام الخاص. وإذا رفض المستأجر، يحقّ للمالِك الطلب من القضاء المختصّ الحكم بإخلاء المأجور لقاء تعويض يُحدَّد بمبلغ يوازي نصف قيمة هذا المأجور حدّاً أقصى قبل إجراء أعمال الترميم عليه. كما يلحظ مشروع القانون، ضمن تدابير الحماية «أهمية دور مالك أو شاغل أي عقار محمي في التقيُّد التام بالقوانين والأنظمة النافذة وعدم ارتكاب المخالفات والتجاوزات. فعليه أن يحافظ على عقاره بحالة جيدة كي لا يتعرَّض إلى فرض تدابير وعقوبات وغرامات بحقّه». وفي هذا الإطار، «يحقّ لكل من وزارة الثقافة - المديرية العامة للآثار ووزارة الأشغال العامة والنقل - المديرية العامة للتنظيم المدني، والبلدية المختصّة، الادعاء أمام النيابة العامة المختصَّة لملاحقة مرتكبي المخالفات والتعدّيات الواقعة على العقارات المشمولة بأحكام هذا القانون. فيُعاقب كل مَن خالفَ الإلزامات أو المحظورات بالحبس من شهر إلى سنة، أو بالغرامة من مليون إلى عشرة ملايين ليرة لبنانية، أو بإحدى هاتين العقوبتين، بالإضافة إلى التعويض الذي قد يُحكَم به عن الضرر الذي يلحق بالمصلحة العامة».

ليست هناك تعليقات: