6.7.10

عندما تأتي أبتسم، نبتسم، ويبتسم العالم كله


نشرت في جريدة السفير
جهينة خالدية
2007

عندما صمــتا، كــانت تنــظر إلى عينيه، وتحاول أن تجد شيــئاً ما. أي شيء يمــكن أن يقودها إليه. أو أن يقــودها بعيــداً عنه. قالت إن عينيه سوداوتان، وهي تحبهما عسليتين. وقالت إن شعره بنيّ وهي تحبه أسود، وبشرته بيضاء وليست حنطية.


عندما صمتا، كان يــردد أنها كــثيرة الــكلام، كثيرة الحركة، كثيرة النظام، شعــرها مجــعد، قامــتها قصـيرة، عيونـها سوداء وهو يـحبها عسلية.


كان هذا لقاءً أول. انتهى بجملة من نوع: "أنا أحترم صداقتنا كثيرا".


"الصداقة" التقت مرة ثانية، لتتبلور. اختلفا بين الفتوش والتبــولة، النسـكافيه والقهوة، ميلان كونديرا وخوسيه ساراماغو، عبد الحليم حافظ وأم كلثوم، ريما خشيش ولينا شماميان، أنجيلينا جولي وشارون ستون، مايكل شوماخر ورايكونون.


في اللقاء الثالث، بعد أسبوعين سألها: - قهوة؟ - سادة، أجابت. - الشِعر؟ - العاميّ، أجابت. قالت، وقال هو في وقت واحد: طلال حيدر. وجدت ما تبحث عنه. في اللقاء العاشر أو الحادي عشر، اتفقا على التالي: أم كلثوم، ريما خشيش، أنجيلينا جولي، المطر، التبولة، القهوة، ومؤكد ساراماغو. وبقي كل ما تبقى.. عالقاً. في اللقاء الثاني عشر، شربا القهوة. مشيا على طول شاطئ صور، وقرآ ما يحفظان من الشعر. انتهت السهرة عند أذان الصبح. وبقي طلال حيدر يحرك يده وحيداً على الرمل، وكأن بعلبك كلها تلوح في أفق كفه.. وبقي ينمنم: مشتاق../ إيديّي غـمر مفــتوح متل النون/ معجّل.. متل جملة ما فيها سكون/ ولا بنهدى/ والوقت ما عنده وقت ينطر حدا/ يمكن أنا مجنون/ هيّ/ متل شي خط بريشة قصب/ وهوّ / متل حرف العرب..


مضى على اللقاء الأول أشهر ثلاثة. عادت فيها مراراً إلى دفتر يومياتها، وكتبت: »يغير قناعتي، وكأنه يعيد كتابتي. يجدد ما ظننت أني حذفته من نفسي. أحب العيون السود، لا بأس بالبشرة البيضاء، أحب عندما يبالغ بقص أظافره، أحب عندما يناديني »بسينة« (قطة)، أظن أني..«.


كانت تريد أن تأخذ وقتها في التعرف إليه. كانت تريد أن تتململ به. كانت تريد ان تعطي نفسها فرصة أخيرة لئلا تحبه. لئلا تنهض في صباح كل يوم وهي تشعر أنها تختنق به.. ثم يعجبها الاختناق به. كانت تحب فكرة أن تستطيع الهرب منه. كانت تحب ألا تنهض وسط الحلم لتقول له همساً، وعبر المنامات إنها له. وإنها لا تغفو إلا عندما تتخيل نفسها فوق غيمة على شكل حضنه. ما كانت تكــترث لأي شــيء، كــانت قد تغيرت منذ مدة. كانت تسأل نفسها أسئلة مملــة ومتعبة مثل »كيف نتغير فلا يعود الانتــظار مشـكلة. ولا الملل مشكلة. ولا الرهــبة مشــكلة ولا الكــآبة الناتجــة عن كل هؤلاء مشــكلة؟ كيف نتغير كما نغير عطرنا فلا يعود للعــطر رائحـــة. يمر بجابنا ولا يلتصق بنا. يلامـس البشـرة ولا تمتصه ولا تتشربه. يتغير جلدنـا فلا يعود يعرفنا ولا يتعرف على عطورنا. تصبح الرائحة ترشح منا لا تدخل إلينا«.


كان يحب ألا يكون مرتــبطاً أبداً. كان يحب أن يشاهد فيلماً رومانسياً، ويركــز على بطــلته المثيرة.. ولا يفكر بحبيبة رسمية. كان يحب أن يكون حراً. كان يحب أن ينظف أسنانه بهدوء، يقرأ رواية بهدوء، يكمل مشروعه بهدوء.. بلا أن تقفز هي أمام كل شيء، بين الدقيقة والأخرى. بلا أن تغتال انفراده. بلا أن تسرق خصوصيته. بلا أن يشعر فجأة برغبة بضمها. بلا أي كلام.. لا كثير ولا قليل. الكثير منه لا ينفع. فقط يريد أن يضمها. وكلما شدّ أكثر.. قال لها بهذا إنه يحبها أكثر. قبل أن يتدخل طلال حيدر في علاقتهما، كان يتجنب أن يلامس المدينة، ويفضل أن يتخفى في ثوب مظلل، يبعده عن صخبها ونسائها وفتياتها. كان يحب أن يهرب منهن.. ولا يخرج ليتأملهن، إلا وقت تتعبه الروايات. كان يخجل.


اختلفا. الحب، الغيرة، العلاقات السابقة. اختلفا مرة ثانية: العمل، المال، الهجرة.. لبنان نسيا الشعر. ارتبكا. ارتفع صوتهما. عاد وغمرها. ضحكت واستكانت. اختلفا مرة ثالثة: الأهل، الفوارق الاجتماعية، العقيدة.. انفصلا. أشهر ثلاثة مرت. العلاقة انتهت. ثم التقته مرة في أحد مسارح العاصمة. قالت له إنها بخير. أوحى لها أيضا أن »كله تمام«. عند صباح اليوم التالي عالجته برسالة قصيرة: »عريس في بيتنا اليوم«. اتصل : سألها »تتجوزيني؟« أجابته: »سأسأل أمي«. قالت لها: »هو أحن رجل على وجه الأرض«. قالت الأم »لا«. قالت له: »أمي تقول لا«. رسمت كرزتين صغيرتين لا إراديتين فوق وجنتيها.. ذبلت برومشها القصيرة.. وقالت له »بشوفك بكرا«.


**


عادا


**


حاول أن يشرح شيئاً من هذا لصديقه. ففشل في قول غير التالي: »تعلمني كيف أرسم رجلين لفكرة رائعة ولكن عرجاء. تعلمني كيف اصطاد فكرة حقيقية من بحيرة اصطناعية. تعلمني كيف أنتظرها وأنتظرها وأنتظرها. وعندما تأتي، تعلمني أنها عندما تبتسم ابتسم.. وبعدها العالم كله.. يبتسم«. وقال لنفسه همساً: »لأنها ابنة مناماتي، أريد ان أنام ولا أصحو. أريد أن أعيش بلا صوت. أريد ذاك الجنون. أريده.. هو المجنون. أريد ان أهرب من كل مرجانة تلاحقني. علني بهذه الطريقة أعيش في البين والبين. أو أنام بين أغنيات ودندنات ومووايل. علي ان أستلقي في بيت خيالي، في بيت أفكاري، في بيت البحيرة الذي أحفظه من فيلم قديم«.


هو حبيبي. عندما كررت هذه الجملة بصوت مرتفع، قالت »اللعنة.. والله بحبه«.. سأقول له. [[[ هو، قال لصديقه: صرت أقف عند محلات الفضة، أبحث عن سوار برفع خيط.. يرسم خطاً على يدها، ولا يسرق من جمالها شيء. ابحث عن سوار بحبتي خرز، تحميانها من كل عين. صرت أقف عند واجهات محلات الأحذية، أبحث لها عن »سكربينة« زهرية ناعمة، تشبه تلك التي تلبسها »بالورينا«. وجدت واحدة، بوردة صغيرة عند الكاحل، فاشتريتها لحبيبتي الصغيرة. في اليوم الذي بعده.. بحث لها عن قصيدة. وجدها: فوتي على خيالي/ تا سكّر عليك/ قاعد بالمرايه/ اتنوقص علــيك/ وجّك/ سفر العسكر/ متل الخنجر/ متل القدس وعم تتــسكّر/ قوليلهن إني انا خيالن/ رح اسكن بــها النوم/ واتخايل قبالن.

ليست هناك تعليقات: