12.7.08

عازفا البيانو فالديس ولوغران في مهرجانات بيبلوس: أصابع من ماء


نُشر في جريدة السفير

جهينة خالدية

12-07-2008

أراد الليل أن يتوقف هناك، فقط ليسمع أصوات كل هذا الماء الآتي من الأصابع. كانت نسمات الهواء وبعض الغيوم التائهة وحدها التي تتحرك، عدا ذلك، كل شيء آخر توقف في «مواجهة» عازف البيانو الكوبي الحاصل على ثلاث جوائز »غرامي» تشوشو فالديس، والمؤلف الفرنسي والعازف الحاصل على ثلاث جوائز أوسكار وخمس «غرامي» ميشال لوغران.. في أمسية مؤنسة ضمن مهرجان بيبلوس أمس الأول.
الأصابع العشرون التي لم تهدأ طوال ساعتين، أحيت قسمي الأمسية. قسم غمره فالديس ومنفرداً بالجاز اللاتيني ـ الافريقي ـ الكوبي والجاز التجريبي، وقسم كان فيه وجهاً لوجه مع لوغران، أمام جمهور صامت مسحور.
لوغران يدخل في القسم الثاني، بمزج الكلاسيكي بالجاز، في عزف هادئ. يحيّي الجمهور، ويحاكي فالديس عبر مفاتيحه السوداء والبيضاء.. يتوقف لثانية ليردد كلمات قليلة «السعادة العارمة تغمرني وأنا في إحدى أقدم المدن وأحد أقدم المرافئ في العالم». ويعود الاثنان ليغيبا عن كل المشهد الهوائي وينفردا بآلتيهما وتبادل الجمل الموسيقية.
أما الجمهور الذي تلقف كل ذلك، فلم ينتبه إلى عُزلته التي غرق فيها، كل واحد غلّفته النوتات الساحرة، فانفرد بلحظات نادرة حجبته عن كل تفصيل آخر. لعب الإثنان واستعرضا مهارتيهما، حتى خرجا عن البنى الكلاسيكية لعزف البيانو. نسمع همساً من شاب ثلاثيني يقول «نسينا العالم، نسينا كل شيء آخر في الحياة». بقليل جدا من الكلام، وكثير من الزهو والاحتراف يأتي لوغران مع كل هذه الموسيقى، هو الفيّاض في إنتاجه (أكثر من ٢٠٠ مقطوعة ولحن)، وقد نشرت أعماله في كثير من الأفلام الفرنسية مع جان لوك غودار، أجني فاردا، وجاك ديمي وغيرهم. أمس الاول عزف لوغران من مؤلفاته «أمبريلا أوف شيربول»، ومن فيلم «ذا توماس كراون أفير» عزف «ويند ميلز أوف يور مايند»، و«يو ماست بيليف إن سبرينغ». يملي لوغران علاماته الموسيقية منتجا اهتزاز ثلاثة أوتار تشد على نفس التردد. ويشبك فالديس يديه الكبيرتين، متحايلاً على مفاتيح قد لا تصلها أصابع عازف سواه، في حين يقول الصوت الذي يخرج: «أنا أدرك ما تفعل.. لهذا أنت عميد الجاز اللاتيني». عندها يبتسم الرجل، منهمكا بعمله اللذيذ، كأنه يعزف أو يسمع «كرافان» أو «فاتن دول» للمرة الأولى، أو كأنه يسمع أخته ماريا تغني لنا «بيسا مي موتشو»الليلة فقط. في العزف مقاطع كثيرة تقول لك.. قم وارقص. قام الناس، لكن قلة هم الذين رقصوا. آخرون استغلوا المساحات الخاوية من المدرج واستلقوا هناك، كأنهم في نزهة ربيع. افترشوا الأرض، وغرقوا في صمت تلك الموسيقى. لم يغمضوا عيونهم، فهذا حفل يجب ان يشاهد مع النجوم في آن. هذا ما كان. هذا حفل تسمعه النجوم ولا تراه.
العزف الذي يخرج من أرواح تلك المفاتيح السوداء والبيضاء، يطيع أهواء ميشال لوغران وتشوتشو فالديس الذي يبدو وكأنه ساحر الأيدي العشر.
الجمهور يغيب ويترك العازفَين وجها لوجه، خلفهما عازف الكونترباص لازارو آلركون، وعلى الدرامز خوان كارلوس كاسترو الذي بدا كأنه لا يتعب، وعلى الإيقاع يارولدي روبلس. أما الناس الملتفة على مقاعدها او متناثرة فوق «سنسول» جبيل فتلذّذت بوحدة الأصوات الطازجة.
يفترض المرء أن هذا الكم من النوتات لا يمكن أن يتشارك فيه اثنان. هذه امرأة خمسينية بجسد رشيق، تتمايل في أعلى المدرج، كأنها معلقة فوق الماء بدرجات وتحت السماء بمساحات بسيطة. تدور، تغمر زوجها وتهمس: «مشهد كهذا، وموسيقى كهذه، وهذه الاضواء لا يمكن إلا أن تكون أفضل من الشعور الذي يمليه علينا النبيذ».. قالت هذا بالانكليزية.. ورقصت.

ليست هناك تعليقات: