24.9.10

412 مواطناً حرروا أوراقهم الرسمية من المذهب، فأُجبر بعضهم على «العودة»


جهينة خالدية
نشرت في جريدة السفير
24-9-2010
هم قلة، وعددهم لا يتعدى أربعمئة واثني عشر شخصاً، إلا أنهم لم يخافوا خلع قبعات الطوائف عن رؤوسهم، ليحتموا بشمس الخانة الفارغة على سجلات الأحوال الشخصية. استفاد هؤلاء من تعميم وزير الداخلية والبلديات زياد بارود الذي أكد فيه، منذ سنة ونصف السنة، «حق كل مواطن في عدم التصريح عن القيد الطائفي في سجلات الأحوال الشخصية أو شطب هذا القيد».

شطبوه، ليقولوا ان الطائفة لم تعد تقوى على تصنيفهم، ولا على توظيفهم، فلن يقاتلوا باسمها ولن تقاتل باسمهم.

كان يمكن لمناهضي الطائفية أن يسجلوا رقماً أكبر، لو أزيلت مخاوف الراغبين بالشطب تماماً. لكن حملة الشطب تعرقلت مرات عدة، وواجه «الشاطبون» مشاكل مختلفة عند تقدمهم لوظائف معينة، وتحديداً على مستوى الانخراط في صفوف القــوى الأمنــية، ولم تقبل طلباتهم إلا بعدما أرفقوها باخراجات قيد عائلية تثبت طوائفــهم. في المقابل، تؤكد «الداخلية» أن التعميم ساري المفعول، وبابها مفتوح لأي مراجعة تستند إلى حق. في أرض الواقع، حلّت مشاكل عدد من هذه الحالات، بمبادرات فردية. لكن، بقيت حالات أخرى عالقة، ما دفع بأصحابها إلى العودة عن قرار الشطب، فإعلان الطائفة. ويبدو أن هذه الخطوة أيضاً احتاجت إلى تدخل مرجعيات دينية، إذ كان جواب المعنيين: «إعادة الطائفة إلى إخراج القيد ليست بسهولة شطبها، عليكم العودة إلى مرجعياتكم الدينيــة وأخذ الموافقة منها»! ما أثار استهجان عدد كبير من مناصري حملة الشطب، فعبّروا عن تململهم من تراخي وزير الداخلية والبلديات زياد بــارود في تطبيق التعميم الصادر عنه على كل الأراضي اللبنانية، الذي أدى إلــى اتاحة المجال أمام عدد من مأموري النفوس والدوائر الرسمية بتشـويه التعميم أو حتى تجاهله.

كما أثارت هذه العراقيل علامات استفهام في أوساط «اتحاد الشباب الديموقراطي» الذي ناصر الحملة وتابع الحالات الفردية وسعى لحلها. ويشير رئيس الاتحاد عربي العندراي إلى أنه «لا يجب أن ينحصر تطبيق التعميم بمتابعة الحالات الفردية، ولا يمكن أن نقبل بأن يعود أي مواطن إلى المرجعيات الدينية لإعادة ذكر طائفته. ويشكل طلب تدخل المرجعيات مخالفةً جوهرية لحق المواطن بالإعلان عن طائفته أو شطبها متى شاء، لا سيما أنه لم يخرج من الطائفة ولم يتخل عنها، إنما اختار أن يشطبها فقط، وبالتالي لا حاجة للعودة إلى مرجعيته لتدرس ملفه وتقرر قبوله بالطائفة مجدداً أو عدمه». ويوضح عندراي: «كانت تلك واحدة من الإشارات التي أثارت ريبتنا، لأننا بالدرجة الأولى نرفض أن يواجه أي مواطن مشاكل في تطبيق حق يكفله القانون. وبالدرجة الثانية، نخشى أن تتكرس فكرة تدخل المرجعيات الدينية كلما مارس المواطن اللبناني حق شطب أو ذكر الطائفة». دفعت المشاكل والعراقيل بالاتحاد، بحسب العنداري، إلى «فرملة» الحملة الداعية لشطب الطائفة عن القيد، «لأننا نود أن ندقق في خلفيات هذه المشاكل ومدى تأثيرها على مستقبل كل مواطن يتخذ هذا الخيار. ولهذا الغرض، ما زلنا ننتظر تحديد موعد مع وزير الداخلية زياد بارود للحصول على أجوبة أساسية حول عدد من النقاط المبهمة، ومعرفة إذا كانت هناك حاجة لتعميم جديد يؤكد عدم الحاجة للمرور عبر أي من المؤسسات الدينية لأي غرض يتعلق بهذا الحق، بالإضافة إلى تعميم ثان يوجه إلى كافة المديريات يذكرها بأنها لا تحتاج إلى مراجعة طلب مواطن بشطب طائفته عن القيد، بحيث تعتبر الأوراق الثبوتية لهذا المواطن قانونية ومكتملة». بدوره، لفت رئيس «الحزب الشيوعي اللبناني» خالد حدادة إلى أن الحزب «تلقى شكاوى من مواطنين واجهوا مشاكل لدى تقدمهم لوظائف رسمية، ولم تحل مشكلة أحد المواطنين إلا بعد الضجة الاعلامية التي أثرناها وبعد مراجعة الوزير بارود». كما تلفت نائبة رئيس الحزب ماري الدبس إلى أن «العرقلة تأتي من المنزعجين من هذا التعميم الذين يحبون أن يبقى اللبناني أسير طائفته ومحسوباً عليها في كل خطوة يتقدم بها في حياته».

«الداخلية»: إنه حقكم

حملت «السفير» مجمل هذه الأسئلة إلى وزارة الداخلية، التي أرسلت ردّاً عليها أفاد بأن «التدبير الذي كرّسه تعميم وزير الداخلية لا يلغي الانتماء إلى الطائفة، اذا شاء صاحب العلاقة ذلك، وانما يعطيه حق عدم التصريح عن هذا الانتماء». أما العراقيل التي واجهها الأفراد على مستوى الانخراط في الوظيفة فهي، برأي الوزارة، «غير مبررة بحجة قانونية، وذلك استناداً إلى المبدأ المقرر في المادة 7 من الدستور» الذي كفل أن «كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دون فرق بينها». وتضيف الوزارة إلى ذلك، «المبدأ المقرر في المادة 12 من الدستور الذي كفل لكل لبناني الحق في تولي الوظائف العامة لا ميزة لأحد على الآخر إلا من حيث الاستحقاق والجدارة بحسب الشروط التي ينص عليها القانون». وطلبت الوزارة من «المتضررين من أي تدبير جائر، وغير مبرر قانوناً يتعلق برفض طلبات انخراطهم في الوظائف العامة، أن يلجأوا إلى الوسائل القانونية المتاحة لهم للمطالبة بحقوقهم». هل هناك حاجة لتعميم جديد من وزارة الداخلية والبلديات يثبّت تطبيق التعميم الأول، من دون تأخير في أي ظرف كان؟ تفيد الوزارة بأن «وحدات المديرية العامة للأحوال الشخصية تتقيد بدقة بتنفيذ طلبات شطب الطائفة التي تقدم إليها من أصحاب العلاقة، وذلك تطبيقاً لأحكام المادة 11 من القرار الرقم 60/ل الصادر بتاريخ 13/3/1936 وعملاً بالتعميم الرقم 14/1 الصادر بتاريخ 6/2/2009 عن وزير الداخلية والبلديات زياد بارود بهذا الخصوص». وعليه، تجزم الوزارة بأنه «لا حاجة إطلاقاً لإصدار تعميم جديد بهذا الخصوص، وثمة استعداد للمعالجة الفورية لأي شكوى يمكن أن تقدم إلى الوزارة في حال وقوع أي عرقلة». وتعتبر الوزارة أن «إضافة الطائفة للأشخاص الذين تمّ شطب قيد طائفتهم عن سجلات الأحوال الشخصية، يبقى خاضعاً لأحكام المادة 21 من المرسوم الرقم 8837 تاريخ 15/1/1932 التي توجب مراجعة القضاء المدني المختص للحصول على القرار اللازم بالتصحيح». وحول سبب التأخير في تحديد موعد للقاء الوزير بارود مع ممثلي المنظمات والأحزاب الداعمة لشطب الطائفة عن القيد، يقول رد الوزارة ان «أبوابها مفتوحة دائماً لهم، للاستماع إلى تقويمهم والأخذ باقتراحاتهم. وقد حصل أكثر من ثلاثة اجتماعات حتى الآن. كما أن الوزارة مصممة على إعطاء جميع اللبنانيين حقوقهم، ومنها حقهم في شطب قيدهم الطائفي، وسبق لها أن بادرت إلى ذلك، وهي مستعدة حالياً لتأمين الظروف القانونية المطلوبة لضمان حسن تطبيق هذا الشطب، وهي على تواصل دائم مع الجمعيات المعنية بهذا الملف».

يذكر أن عدد الأشخاص الذين شطبوا مذهبهم عن السجلات، وفق المحافظات اللبنانية، بحسب الجدول الذي أمّنته وزارة الداخلية لـ«السفير»، يتوزّع على الشكل التالي: 45 في محافظة بيروت، 17 في محافظة الشمال، 90 في محافظة البقاع، 78 في محافظة الجنوب، 30 في محافظة النبطية، 182 في محافظة جبل لبنان، ما مجموعه 412 مواطناً شطبوا الطائفة عن سجلات القيد.

23.9.10

مشروع إزالة الملعب البلدي في الطريق الجديدة وبناء بديل له في سباق الخيل







جهينة خالدية


نشر في جريدة السفير

23-9-2010

خزانٌ حفظ ذاكرة المدينة منذ الثلاثينيات: من صلاة الاجتياح إلى فلسطين... وكرة بوشكاش

كثبان الرمل التي كانت تغطي جنوب بيروت، اختفت. ومعها، راحت أشجار الصبير الممتدة من حرج بيروت إلى البحر.
شقت الطرقات بين الرمل، وقسمت المناطق وولدت منطقة سميّت بـ«الطريق الجديدة»، لتتوالد بعدها البيوت والمباني، سريعاً.
أصبحت المنطقة اليوم من أكثر المناطق كثافة سكانية في بيروت الكبرى. مليئة بكل شيء: المساكن، المحال التجارية، الجامعات والمدارس وعشرات الآلاف من البشر.
تختنق المدينة بعشرات الآلاف من السيارات والمركبات الآلية. لا تكفيها المرائب المتوافرة تحت المباني ولا في محيطها ولا حتى تلك التي تبعد عنها لمئات الكيلومترات.
لحل هذه الأزمة، يبدو أن اختيار القيمين وقع على صرح رياضي تنام فيه ذاكرة المدينة: الملعب البلدي لبيروت. هو مشروع تطلقه بلدية بيروت، ويقضي بإزالة الملعب البلدي في الطريق الجديدة المخصص لمباريات المحترفين، واستبداله بمشروع «إنمائي، بيئي، مدني، رياضي»، يتضمن مرأباً، على أن يُبنى الملعب الجديد على أرض ميدان سباق الخيل. ي
قدّر الكثير من فعاليات المنطقة المعنية، مشروع رئيس بلدية بيروت بلال حمد الإنمائي، إلا أن أنهم يعجزون عن تقبل بتر حياة أهم معلم في المنطقة وخزان ذاكرتها، وحاضن ذكرياتها وأحداثها السياسية والرياضية والاجتماعية. محطات كثيرة ارتبطت باسمه: المهرجانات الحاشدة منذ العام 1948 دفاعاً عن القضية الفلسطينية واستقلال الجزائر ومصر عبد الناصر، حفل تسليم قائد الجيش اللبناني الأول، اللواء فؤاد شهاب زمام أمر الجيش اللبناني منذ تأسيسه، احتفالات جلاء القوات الأجنبية عن لبنان في العام 1946، والاحتفالات السنوية لجمعية المقاصد الإسلامية في بيروت... ومن ينسى الصلاة الجامعة في عيد الفطر وبعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت في العام 1982، التي جمعت الشيخ الشهيد حسن خالد والشيخ المرحوم محمد مهدي شمس الدين والشيخ الشهيد حليم تقي الدين!

مشروعان في واحد
تسرّب الخبر لأهالي الطريق الجديدة منذ نحو الشهرين، فثارت ثورتهم: كيف يُزال الملعب الذي حضن أمجاد لعبة كرة القدم في لبنان؟ الملعب الذي أقيمت فيه أهم المهرجانات السياسية والاجتماعية والاحتفالات العربية والمحلية؟ وفي الأيام التالية، وبعد التدقيق في المشروع المنوي إقامته على أرض ملعبهم، أنصتوا قليلاً للمخطط. منهم من «قاس» فائدة المشروع الجديد وأعلن الموافقة، وتوجس قسم آخر بانتظار ضمان تقديم ملعب بلدي بديل. وبقي الموقف الرافض الأكثر حدة من «الاتحاد اللبناني لكرة القدم»، الذي رأى فيه «مشروع عدائي للرياضة وكرة القدم بالذات، ويستفزّ مشاعر مئات الآلاف من المواطنين»، وطلب التدخل العاجل «للحؤول دون تنفيذ الجريمة المعدّ لارتكابها في حق الرياضة والصرح التاريخي لكرة القدم في لبنان». أما حمد فيتحدث عن مشروعين في آن: هدم الملعب الحالي في الطريق الجديدة، وإنشاء بديل في الوقت نفسه على أرض ميدان سباق الخيل. ويستغرق الهدم والبناء مدة زمنية تقدر بثلاث سنوات، بحسب حمد. يقول حمد إنه لا يغفل تاريخ المكان، إلا أن «الملعب الرياضي لم يعد بذات النفعية في منطقة مكتظة سكانيا، ولا تتوافر له البنية التحتية اللازمة للمتفرجين واللاعبين، بالإضافة إلى تأثير الأوضاع الأمنية في البلاد في أي مباراة تعقد هنا»، يقول لـ«السفير»، مشترطاً «عدم الانطلاق بأي من المشروعين إذا لم ننل موافقة أهل المنطقة وفعالياتها». في هذا السياق، كان لقاءه بالأمس مع الفعاليات والأندية الرياضية في لبنان. واعتبر حمد أن «الهدف الوحيد من هذا المشروع هو إرضاء أهل بيروت، والطريق الجديدة ليست كل بيروت، لكنها جزء أساسي منها»، علماً أن المكان ذاكرة للبلد، بكل سكانه. يجزم أن «المشروع الجديد ليس مرأبا للسيارات فقط كما يشاع، وكما يتكرر دوماً، إن استبدال الملعب بمرآب جريمة بحق الرياضة، بل نحن في صدد إنشاء ثمانية ملاعب لألعاب رياضية مختلفة يستفيد منها الشباب، ومجمع تجاري، وصالات للمهرجانات والاحتفالات، ومسرح شعبي، ومكتبة عامة وصالة للكومبيوتر لنعلّم نساء الطريق الجديدة على هذه التقنية، بالإضافة إلى مرأب مؤلف من أربع طبقات تحت الأرض يتسع لنحو ألفي سيارة، وله أربع مداخل لجهة ساحة الملعب البلدي، شارع البستاني، ساحة أبو شاكر والاطفائية». ووعد بأن تكون تكلفة هذا المرأب مناسبة للمستوى المعيشي لأهل المنطقة... يقول إنه «في السنوات العشر الأخيرة، تدنى عدد المباريات على أرض هذه الملاعب، إلى رقم مخجل، وربما لم يتعد عددها الثلاث في العام الماضي. أما المشروع الجديد المنوي إنشاؤه على أرض ميدان سباق الخيل الذي تبلغ مساحته 210 ألف متر فسيتضمن ملعباً أولمبياً بمعايير عالمية، وميدان سبق حديث، واسطبلات ومساحات لتدريب الأحصنة، بالإضافة إلى مرأب يتسع لنحو ألف سيارة». هذه المعطيات التي من المنتظر أن يتوسع فيها حمد خلال مؤتمر صحافي يعقده بحلول الشهر الحالي، أقنعت معظم الفعاليات الرياضية التي شاركت في اجتماع الأمس معه في بلدية بيروت، إنما لم يخف أي منهم خوفه من حرمان كرة القدم من ملعب في بيروت، خلال المدة المستغرقة لبناء الملعب الجديد على ارض سبق الخيل.
وكان السؤال الأساس: أين نلعب وأين نتدرب في الوقت الذي تهدمون فيه ملعبنا البلدي؟ والجواب كان: «يمكن استخدام المدينة الرياضية، في حال حلت المشاكل التي تمنع استخدامها». ومن المعروف أن أبواب المدينة الرياضية مغلقة في وجه الاتحاد اللبناني لكرة القدم ووجه كل مبارياته لخلافات مع مجلس إدارة المدينة الرياضية! ب

انتظار الموافقة الجماعية للمعنيين بالملعب البلدي، بقي الاتحاد اللبناني لكرة القدم، رافضاً لهدم المبنى البلدي، وناشد في بيان له أمس «الاتحادين الدولي والأسيوي للعبة التدخل، كما طلب تحديد مواعيد عاجلة مع الرؤساء الثلاثة للتدخل للعمل على إنقاذ الملعب والحؤول دون تنفيذ المشروع المعادي للرياضة والشباب».
وطلب الاتحاد «تحديد مواعيد عاجلة للقاء كل من رئيس الجمهورية ميشال سليمان، رئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، ووزير الشباب والرياضة علي عبد الله». وكرر رئيس الاتحاد اللبناني هاشم حيدر «رفضه لهدم الملعب لأنه حاجة رياضية، أما في حال قررت البلدية السير به، فسنواصل سعينا لإيقافه ونرفع الصوت دوليا ومحليا لثني المجلس البلدي عن تنفيذه».


قصص هذا المكان التاريخية
حتى اللحظة، لم يحدد رئيس البلدية الوقت الذي «سيدفن» فيه هذا المعلم إلى الأبد. لكن، حتى ولو اختفى عن خارطة بيروت و«بُعث» من جديد على أرض أخرى، سيبقى «ملعب بيروت البلدي» الأول في هذه العاصمة، والحاضن الأكبر لأهم مبارياتها ومهرجاناتها الرياضية والسياسية والاجتماعية. وهو بحسب الكاتب أسامة العارف «بنيّ أيام الفرنسيين في العام 1936، ولكن بأموال بلدية بيروت. ودفع محافظ بلدية بيروت سليم تقلا مقابل الأرض التي بُني عليه مبلغ أربعين ألف ليرة لهنري فرعون». ويروى أن ساحة المعلب القديم، قبل أن يعيد الرئيس الشهيد رفيق الحريري بناؤه في العام 1996، كانت تتزين بنافورة صغيرة شهيرة. لاقى إنشاء الملعب في حينه، رهجة كبيرة استمرت حتى بناء المدينة الرياضية في العام 1959، التي سرقت بعضاً من بريقه. ويذكر العارف أنه «كان العامل الأكبر الذي أسس ليوميات مفعمة بالحياة في هذه المنطقة المغمورة بالرمال، لاسيما أن كل الفرق اللبنانية التي كانت مرتبطة بالطوائف وممثلة لها بشكل رسمي، كانت تقصده.
وكان، كلما لعب فريق رافقه جمهوره، ما أدى إلى جعل المنطقة مفتوحة على الجميع وملتقى لكل الطوائف اللبنانية». هي المنطقة نفسها التي تحولت مع السنوات إلى مجمع للأحلام القومية، والتحركات الطلابية، ومقصداً لتجمع الرياضيين ومحبي تلك الساحة المستديرة... ويمكن القول إن المعلب البلدي يمتلك الفضل في خلق حركة مختلفة في المنطقة، ذلك طبعاً إلى جانب دور «جامعة بيروت العربية» التي أنشأت في الستينيات، وحيوات اللاجئين الفلسطينيين الذين تقاطروا في الأربعينيات إلى مساحة قريبة من هنا، تحولت تدريجياً إلى مخيم شاتيلا.
في السنوات التي سادت خلالها الرمال المنطقة، كان كل من يفكر بالسكن فيها يلقى، بحسب المدرب الوطني عدنان الشرقي، جواباً مستغرباً: «تقعدوا بالمنطقة المهجورة؟ أو تعيشوا في ظلمة الكلاب؟ وقيل ذلك، لأن المَعلم الأبرز وربما الوحيد في تلك المنطقة كان سجن الرمل (جنوبي الملعب البلدي الحالي ـ وتحديداً مكان ملعب كرة القدم لجامعة بيروت العربية)، الذي جعل الوحشة هي سمة المنطقة الأبرز. كذلك، لم تكن المواصلات متوافرة لقاصدها، الذي كان يُجبر على السير لمئات الأمتار، إذ كان سير القطار يتوقف عند سينما سلوى في البربير، وتحديداً أمام ثانوية المقاصد ـ الحرج، ليصل إليها». ويروي الشرقي أنه «في الأربعينيات من القرن العشرين، وربما قبل ذلك، كان القاطن في الطريق الجديدة يرى البحر يمتد أمامه متصلاً بالرمال البيضاء. وتدريجياً، راح المنظر يختفي مع ازدياد عدد المباني السكنية في المنطقة». اختلفت هذه الحال بحسب المؤرخ الدكتور حسان حلاق، «بعدما امتدت الطرقات بالإسفلت إلى المنطقة، وذلك في عهدي الانتداب الفرنسي ومن ثم الاستقلال، وشقت الشوارع المسماة اليوم شارع البستاني وشارع عمر فروخ والشارع الممتد من المستشفى الإسلامي «مستشفى المقاصد» باتجاه منطقة السبيل وسواها».
وجاء بناء الملعب البلدي لبيروت هنا، «ليكرسه الصرح الرياضي الأهم في كل لبنان وعامل الجذب الأكبر للمواطنين من كل المناطق والطوائف. ما خلق تفاعلا وتمازجاً سكانياً فريداً لغاية العام 1975، عند اندلاع الحرب الأهلية». كان الملعب البلدي الأب الروحي لمناسبات لا تمحى من تاريخ هذا البلد، بينها حفل تسليم قائد الجيش اللبناني الأول، اللواء فؤاد شهاب زمام أمر الجيش اللبنانية منذ تأسيسه. كما شهد الملعب البلدي احتفالات جلاء القوات الأجنبية عن لبنان في العام 1946 . أضف إلى ذلك «الاحتفالات السنوية لجمعية المقاصد الخيرية الاسلامية في بيروت، وبينها تلك التي أقيمت في عهد الرؤساء عمر بيك الداعوق، محمد سلام، صائب سلام، تمام سلام وأمين الداعوق». ويشير حلاق إلى أن «جميع البيروتيين يذكرون دينامو هذه الاحتفالات، رجل التربية البدينة والرياضة في لبنان، المربي عارف الحبال». هذا الصرح، بحسب حلاق، «أصبح رمزاً من رموز الوحدة الوطنية والاسلامية والقومية، فقد شهد مهرجانات حاشدة منذ عام 1948 دفاعاً عن القضية الفلسطينية واستقلال الجزائر ومصر عبد الناصر ودفاعاً عن سيادة وحرية الشعوب العربية والافريقية والاسلامية». التواريخ التي تروي سيرة الملعب البلدي، تستذكر دوماً تلك الصلاة الجامعة في عيد الفطر التي أمها الشيخ الشهيد حسن خالد على ارض الملعب بعد الاجتياح الاسرائيلي لبيروت في العام 1982، والتي جمعت خالد إلى جانب الشيخ المرحوم محمد مهدي شمس الدين، الشيخ الشهيد حليم تقي الدين: «فغطى خلالها المصلون مساحة أرض الملعب كلها. وعبرت عن الرفض للاجتياح الاسرائيلي لبيروت وللبنان، ولمجازر صبرا وشاتيلا، ولتعاون بعض القوى اللبنانية مع العدو الصهيوني». ويذكر عدنان الشرقي أن لولادة هذا الصرح الرياضي «أهمية رياضية جمعت كل محبي هذه الرياضية فيه، إذ يعتبر الملعب الرسمي الأول في لبنان، وكان يتسع لنحو 600 متفرج قبل أن يعاد بناؤه في التسعينيات على يد الرئيس الشهيد رفيق الحريري». ويذكر الشرقي أن «عشب هذا الملعب استضاف مباريات لأهم الفرق في حينه من فريق النهضة، فريق الجامعة الأميركية، فريق سكة الحديد، فريق حلمي سبور، وطبعاً لكل فرق لبنان في كرة القدم من الهومنتمن، الهومنمن، الراسينغ الأنصار، النجمة، الشبيبة المزرعة. وغيرهم». ولا ينسى أسماء لاعبين «حققوا أهدافاً لا تنسى هنا، من أبو مراد، أبو طالب، مارديك، سميح شاتيلا، عبد الرحمن شبارو، والوزير السابق خالد قباني الذي سجل هدف صعود الأنصار إلى الدرجة الأولى مقابل الهومنتمن برج حمود في العام 1969».
شهرة الملعب البلدي لم تكن محلية فقط. إذ لعبت على أرضه معظم فرق أوروبا الشرقية وحتى الوسطى، وأشهرها مباراة منتخب المجر مع لبنان في العام 1956 (انتهت بخسارة لبنان 1ـ4) بمشاركة اللاعب الشهير بوشكاش، بالإضافة إلى استضافة الملعب لفريق النمسا في الخمسينيات، وكان الفريق الأقوى أوروبياً في حينه، من دون أن ينال ألقاباً رسمية، «لهذا كان يلقب ببطل العالم غير المتوج». المجد الرياضي هذا، وكل المناسبات التي صنعت على أرض الملعب البلدي لبيروت، تشكل جزءا من الذاكرة التاريخية للمدينة، وهذه، كما يصفها حلاق «جزء أساسي من ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا».
بعيداً عن التجاذب حول مشروع الملعب البلدي، تكون منطقة الطريق الجديدة في الأشهر المقبلة، وفي حال تقرر تنفيذ المشروع، على موعد رسمي مع ورشة هدم واعمار تمتد لسنوات ثلاث، وتكون مليئة بكوابيس الازدحام المروري، والضجيج، والتلوث التي تحول نهار المنطقة إلى جهنم... قد يقود إلى جنة الحدائق ونعيم المرأب.

21.9.10

بيـروت: أطفـال يبكـون «فـراق» الأهـل وشبـاب يشكـون الصيـف المبتـور




نشرت في جريدة السفير


الثلاثاء 21-9-2010


عند السادسة من صباح أمس، أضيئت أنوار الكثير من بيوت بيروت ولبنان.


لم تكن الشمس قد أشرقت تماماً، لكن الأمهات نهضن ليحضرن ليوم طويل ينتظر أطفالهن وأبناءهن.


يوم مختلف يأتي بعد صيف حار: اليوم الأول في العام الدراسي الذي انطلق أمس في كل المدارس الرسمية في لبنان وفي بعض الخاصة منها. واليوم الذي يمثل نقلة بين موسم الراحة والعودة الى الدراسة يتطلّب اللجوء الى مغريات كثيرة، منها شخصيات الرسوم المتحركة ملصقة ومطبوعة فوق الحقائب المدرسية، وزينة الشعر، وأقلام الرصاص والدفاتر الملونة المبهجة، على أمل أن تخفف من غربة اليوم الأول، أو غرابته. لكنه بقي يوم أول، مختلف بكل شيء، بمواعيده التي تؤثر مباشرة على الساعة البيولوجية لكل طفل، ومختلف ببرنامجه وبهمومه وبفرحته للقاء أصدقاء الدراسة مجددا.


يوم أول طال الجميع: الأهل الذين يعدّون أبناءهم للانطلاقة المبكرة للعام المدرسي، والتلاميذ الذين امتعضوا من «اختلاس» أيام المسك من عطلتهم الصيفية، من دون أن يخفوا فرحة اختبارهم لتجربة جديدة تتمثل بالانتقال الى الصفوف الأعلى، والأساتذة الذين يتحضرون لنقل معارفهم للأجيال الصاعدة على أمل أن تقدّر جهودهم وتحسّن ظروف مهنتهم المقدسة.


اختلف كل شيء في صباح نحو 350 ألف تلميذ في التعليم الرسمي في لبنان، علماً أن مدارس بيروت التي جالت عليها «السفير» في كل من الطريق الجديدة، وساقية الجنزير، والأشرفية، ووطى المصيطبة، وحارة حريك، ورأس النبع، سجلت نسب حضور تراوحت بين ستين وثمانين في المئة من إجمالي عدد الطلاب


جمال يود أن يطير إلى صفه


انطلق الأطفال إلى مدارسهم، و«سبايدرمان» بزيه الأحمر المخطط، المرسوم على الحقيبة المدرسية، لا يسعف جمال على الطيران. يمشي الطفل، ببطء، وبثقل من يحمل عبئا ثقيلا فوق ظهره، ويحلم بأن تؤجل الصفوف ساعة واحدة فقط، ليعود إلى نومه الهانئ، أو ليعيش كسله الطفولي الطبيعي في هذه الساعة من الصباح. بعد قليل سينسى كل ذلك ليستمتع بصفه الجديد، وسيحاول التأقلم مع كرسيه الخشبي المتواضع. في الخارج، الوالدة سمر تضحك طويلاً لنعاس ابنها العلني، تقول لزوجها «لو أن جمال تخطى الخامسة بسنوات قليلة، لأحضرت له «ترمسا» ضخما من القهوة قبل الدخول إلى العام الدراسي». المزاح الذي تقوى عليه سمر، لا يجد طريقه لمها، التي تخوض «حوارا» عاطفياً مع ابنتها لُبنى أمام مدرسة عمر الزعني في الطريق الجديدة. الطفلة تمزج صراخها بدموع غزيرة، وتطلق توسلات لا تنتهي، راجية الأم أن تعيدها معها إلى المنزل. تقول الوالدة «إن المدرسة حلوة، فيها تلوين وحلوى وألعاب»، ولبنى تبكي أكثر. وتبقى يداها البيضاوان الصغيرتان متمسكتين بيد أمها، وكأنها تخشى من «احتجازها» في البيت الجديد الذي يُسميه الكبار: مدرسة. المشهد عينه يتكرر في زوايا مختلفة عند مدخل المدرسة وفي باحتها، حيث تردد الأمهات هنا وهناك «تقربيني يا ماما..» ويعدن ليهمسن «والله قطعتلي قلبي!». يقلن ذلك، ومعظمهن لا يفارقن أولادهن وبناتهن في اليوم الأول، وإن فعلن تلقى المهمة على مربية حنونة عايشت أسبوع البكاء الأول في حياة تلاميذ الحضانة. هؤلاء يخترعن ألعاب للأطفال ومغرياتهم.. وعادة ما تؤدي إلى نتائج إيجابية.. إلا أن كل ذلك يختفي مع دخول طفل جديد لصف الحضانة، يبكي ويبكي معه كل الصف من جديد!


60 ألفاً في ذمة المدارس


عند الثامنة وبعد أن تدق الأجراس في المدارس، يُترك الأهل وحدهم خارج الأحرام. هؤلاء يجدونها فرصة للتعارف على الأهالي الجدد أو إلقاء التحية على معارف قديمة، وبينهم تكون الأحاديث حول الغلاء المعيشي وكلفة التسجيل والفاتورة المدرسية هي الأكثر شيوعاً. يعلن الكثير منهم أنهم قد دفعوا 130 ألف ليرة مقابل تسجيل أولادهم، وذلك قبل أن يصدر قرار مجلس الوزراء إعفاء الأهل من هذه الرسوم، وبذلك يكون لهم ستون ألف ليرة في ذمة صناديق المدارس، وتبقى الآلاف السبعون المستحقة لصندوق المدرسة. ولا ينسى الأهل أن يستعرضوا الغلاء غير المحتمل الطارئ على أسعار الكتب المدرسية التي لا يمكن الاستعانة بنسخات مستعملة منها، لكونها كتباً ودفاتر تطبيقية، أو على أسعار القرطاسية والمواد الأولية الضرورية للأشغال اليدوية والمواد الاجرائية والتطبيقية. زي العيد دقت المدرسة أبوابها باكراً، وجاءت بدون أن تحمل خريفها معها. ولا يمكن حرّ أيلول أن يحتمل الزي المدرسي. هذا يوم أول يمكن التلاميذ أن «يتمردوا» فيه على قوانين المدرسة واستقبالها بأزيائهم المبهرجة، كتلك التي استقبلوا فيها العيد مثلاً، فتجد الطفلات بفساتينهن الزهرية والخضراء والبيضاء كدمى بضفائر طويلة متنقلة في باحات الملعب، أما الأكبر سناً فلا ينسين تبرجهن وخطوط الكحل الأسود فوق العيون وعند حدودها ولا يتوانين عن الاعتناء الفائق بشعورهن المسرحة فوق أكتفاهن، كذلك الشبان لا يقصرون بتسريحاتهم العصرية جدا وسراويلهم الجينز الممزقة وحتى الملونة، وبأساور جلدية تلتف حول معاصمهم. جزء من هؤلاء التلاميذ يستمتع بثيابه «المدنية» تعبيراً عن تحرره من النظام ليوم واحد، وجزء آخر يعكس «خنقة» مادية منعت العائلة من توفير «مريلة» هذا العام، لا سيما إن ألزمتها العائلة بتصميم جديد، أو إن ضاق مقاسها على أطفالهم.


مدارس تخنق العاصمة


لم يطل اليوم الدراسي الأول على العاصمة بيروت وحتى على بعض المناطق بلا أن يخنقها بزحمة سير جنونية.. جعلت الكثيرين يتأخرون عن مواعيد عملهم، من دون أن تكون الزحمة، عند الصباح أو عند انتهاء الدوام المدرسي، هي الأقوى، إذ يُنتظر أن تصل إلى ذروتها مع انطلاق الدراسة في كل المدارس الخاصة في الأيام المقبلة. لكن في مطلق الأحوال، أعاد مشهد طوابير السيارات في أحياء وشوارع بيروت المختلفة التذكير بأزمات سير لم تفتقدها العاصمة أصلاً، انما المختلف مع الموسم الدراسي هو انتظامها وبلوغها ذروتها في أوقات محددة من النهار عند بداية اليوم الدراسي، ثم انطلاقها من الواحدة بعد الظهر عند انتهاء الدوام المدرسي تدريجياً ووفقاً للصفوف التعليمية. ويستمر هذا الازدحام «المدرسي» حتى ساعات المساء بعد تداخله مع زحمة الخامسة عصراً عند انتهاء دوامات العمل في معظم المؤسسات.


وتبقى الأزمات المرورية واحدة فقط مما يحمله معه هذا العام من هموم، الكثير منها تربوي - معيشي يتعلق بالانطلاقة المتعثرة للعام الدراسي وتكاليف التعليم وارتفاع الأقساط وتكاليف الكتب والقرطاسية والزي المدرسي.. هموم يتشاركها معظم عائلات أبناء المدارس الرسمية في لبنان الذين يرتفع عددهم سنويا، لأسباب عدة، ومعلومة.

13.9.10

ثلاثة أيام وليال من البهجة على طول «الشارع» وعرضه: الحمرا يفتح ذراعيه لملاقاة ناسه .. يعكس صورهم في «مرايا 2010»




جهينة خالدية


نشر في جريدة السفير


13-9-2010


مهرجان الحمرا يملأ الشارع بنهاره وليله بالفرح كل ذلك الفرح، صُنع على الملأ، بحرية تامة متخففة من الهموم اليومية، في شارع بيروتي، يحب أهله أن يمجدوه، فيجزمون: عندما نقول شارعاً، لا نقصد غير الحمرا. ثلاثة أيام «من كل شيء» قدمها مهرجان الحمرا – «مرايا» 2010، فصنع ابتسامات جماعية لعشرات الآلاف من الرواد الذين تنقلوا في نعيم صنعته الموسيقى، وألعاب الخفة، ومعارض الصور، وعروض السينما، والمسرحيات، والأغاني التي صدحت بها مسارح في الهواء الطلق.


وتحول الشارع إلى ما يشبه مدينة الملاهي الضخمة التي تختلف ألعابها وطرق التسلية فيها، من دون أن تختلف الضحكات التي تُسمع من أطفال هنا، وصبايا أتقن تبرجهن وأزياءهن، وعاشقين يساعدهما الازدحام مشكوراً على الالتصاق بعضهما ببعض، أكثر فأكثر. على مدى ثلاثة أيام، خرجت الهموم المعتادة والتفاصيل اليومية المتعبة من حياة رواد المهرجان، ولم يبق لديهم إلا القليل من الوقت ليريحوا أقدامهم التي حفظت أعداد حجارة الشارع لكثرة ما قطعته طولاً وعرضاً. وكانوا كلما جلسوا لدقائق، عادوا سريعاً لجولات جديدة تحاول أن تواكب برنامجا احتفاليا طويلا، يزدحم بمعروضات واستعراضات كثيرة. كان مهرجانا سيتذكره الناس جيداً، وسيتذكرون أن الحمرا فتحت شارعها كله لهم، وخرجت إليهم تلاقيهم، تحت وطأة درجات حرارة ورطوبة قياسية. في مهرجان الحمرا نصبت عشرات منصات العرض التي لم تبخل على الرواد بأي طلب، فهنا وجدوا المشغولات اليدوية، والمطرزات، والحليّ، والأزياء بلمسات شبابية معاصرة، والألعاب، والمنتجات الغذائية، و«المونة». وغير بعيد عنها منصات لجمعيات أهلية هادفة، ومؤسسات مجتمع مدني حملت قضاياها إلى الحمراء الذي اعتاد على احتضانها ونشاطاتها. وهنا صور مسابقة وكتاب «لكم حمراؤكم ولي حمرائي»، التي يقف الزوار أمامها وهم يبحثون عن الخط الفاصل بين واقعية (آنية) اللحظات التي يعيشونها في هذا الشارع، وتلك المجمدة في صور في المكان نفسه وهم يستذكرون «ذاك المبنى الأزرق»، و«هذا الشرطي الشهير»، و«هذا الوجه الحمراوي المألوف»، و«هذه أضواء الشارع الحاضن لناسه».. وفي الشارع أيضاً، «بيت» صغير جمع الشباب حوله، ليحثهم على أن يحكوا عن أنفسهم، ويكتبوا عن أخبارهم وأحوالهم وفرحتهم وهمومهم. هذا بيت ملحق وموقع «شباب السفير» الذي نشر أخباراً وبرنامجاً وصوراً مباشرة من المهرجان لحظة بلحظة. في ركن آخر، كانت عيون عشرات من الأطفال تتحرك بكل الاتجاهات، وهي تحاول أن تلاحق بهلوانيين لم تهدأ حركتهم إلا قليلاً وهم يقدمون ألعاب الخفة الماهرة في «السيرك اللبناني»، ويقفزون من عليّ أو يرمون الطابات الكثيرة في الهواء.. ومَن لم يشبع مِن كل هؤلاء المهرجين بوجوههم المرحة وابتساماتهم الحمراء العريضة، يعُد ليلتقي بهم في أنحاء مختلفة من الشارع.. «يكزدرون» طوال النهار فوق أقدامهم الخشبية الاصطناعية القياسية الطول.. التي تجعل كل الناس يرفعون رؤوسهم إلى الأعلى، بحثاً عن هذا وجه «العملاق» اللطيف في الأعالي.. في أيام المهرجان ولياليه، كان الرواد يتغيرون تدريجياً مع تقدم ساعات النهار، لتغلب الفئة الشبابية عند انطلاق الحفلات الموسيقية في المسارح الثلاثة التي توزعت عند بداية الشارع، ووسطه ونهايته وسعت لتقدم عروضا موسيقية لأذواقهم مختلفة.


هنا العشرات يهتفون عالياً للفنان شربل روحانا يدعوهم للعودة إلى عربيتهم «عبر عن فرحك بالعربي عبر عن حزنك بالعربي غنّ عن حبك بالعربي صرخ عن غضبك بالعربي اشكي عن تعبك عن ضجرك ...أكتب عن أملك عن ألمك»، وبين هؤلاء جمع كبير من الأوروبين والأميركيين يصفقون بحماسة لأغنية يقدرون جماهيريتها ونجاحها.. من دون أن يبدوا حاجة فعلية لأي ترجمة للمعنى.. الليل الموسيقي يكمل أمسياته مع زياد سحاب الذي غنى الناس «لا تسألني عن عنواني» و«الأرض بتتكلم عربي».


السهرات الموسيقية التي قدمت نحو أربعين فناناً وفرقة «أعادت للحمرا كثيرا من شهرتها بفتح المسارح لأنماط موسيقية جديدة، أو ربما غير تقليدية، ولأسماء تخرج إلى الجماهير حديثاً وطبعا أخرى شقت طريق نجاحها في سنوات قليلة»، بحسب مديرة الانتاج الموسيقي للمهرجان أسيل عياش. للسهرات تلك أسماء كثيرة مثل «بند جزائي»، «فريق الأطرش»، «بند عودة» المميزة، منير خولي، فلاديمير كورميليان، غازي عبد الباقي والموزعين الموسيقين روي مالكيان، شيك داون وغيرهم.. التنوع والبرنامج المكثف وما قدمه كل ذلك من مرح للناس هو «الاثبات الأول والأخير على نجاح المهرجان»، بحسب أحد منظميه فادي غزاوي، الذي يفكر منذ اللحظة بمهرجان العام المقبل، وما يمكن أن يتجنبه من أخطاء تقنية تجعل من المهرجان عالميا بحق، بالإضافة إلى نشاطات ثقافية فنية تنظم خصيصاً للمهرجان ولا تجمع انتاجات سابقة فقط. عاد مهرجان الحمرا إلى الشارع، وهو يحمل في ذكرياته صور التسعينيات عن المهرجان نفسه الذي شغل الناس بنشاطات ملأت أرصفته كلها.. صور الماضي الراسخة، لم تمنع وجود تغيرات على النسخة الجديدة من مهرجان الحمرا، منها تغيرات إيجابية تظهر في جمعه ناساً من اهتمامات وطبقات وطوائف ومشارب مختلفة، ومنه سلبي يحكي عن طغيان التسوق والصناعات على حساب الثقافة ومنتجاتها التي تشكل عصب هذا الشارع وميزته.. فتسمع تعليقاً لاذعاً من حمراوي عتيق «جزء من هذا المهرجان يذكرني بشارعي ومدينتي، وجزء منه يذكرني بسوق تجاري شعبي، وجزء ثالث بسوق للمونة والتسالي.. وقليل ما يذكرني بثقافة هذا الشارع». هذا لا ينفي أن الحمرا لم تستطع النوم في الأيام الماضية وهي تحضر لمهرجانها أو تحييه.




والمؤكد أن مساء أمس، عند اختتام المهرجان، ما كان الشارع - المدينة يشبه إلا نفسه، بجنون وفوضى خلاقة يرتكبها أهله يومياً. لا تنام الحمرا فعلاً، فهي صاحية دوماً لتقول بطريقة أو بأخرى إنها عاصمة ثقافية، فنية، اجتماعية لبيروت.. ولا يمكن هذه الأخيرة أن تكون نفسها من دون شارعها: الحمراء.