13.9.10

ثلاثة أيام وليال من البهجة على طول «الشارع» وعرضه: الحمرا يفتح ذراعيه لملاقاة ناسه .. يعكس صورهم في «مرايا 2010»




جهينة خالدية


نشر في جريدة السفير


13-9-2010


مهرجان الحمرا يملأ الشارع بنهاره وليله بالفرح كل ذلك الفرح، صُنع على الملأ، بحرية تامة متخففة من الهموم اليومية، في شارع بيروتي، يحب أهله أن يمجدوه، فيجزمون: عندما نقول شارعاً، لا نقصد غير الحمرا. ثلاثة أيام «من كل شيء» قدمها مهرجان الحمرا – «مرايا» 2010، فصنع ابتسامات جماعية لعشرات الآلاف من الرواد الذين تنقلوا في نعيم صنعته الموسيقى، وألعاب الخفة، ومعارض الصور، وعروض السينما، والمسرحيات، والأغاني التي صدحت بها مسارح في الهواء الطلق.


وتحول الشارع إلى ما يشبه مدينة الملاهي الضخمة التي تختلف ألعابها وطرق التسلية فيها، من دون أن تختلف الضحكات التي تُسمع من أطفال هنا، وصبايا أتقن تبرجهن وأزياءهن، وعاشقين يساعدهما الازدحام مشكوراً على الالتصاق بعضهما ببعض، أكثر فأكثر. على مدى ثلاثة أيام، خرجت الهموم المعتادة والتفاصيل اليومية المتعبة من حياة رواد المهرجان، ولم يبق لديهم إلا القليل من الوقت ليريحوا أقدامهم التي حفظت أعداد حجارة الشارع لكثرة ما قطعته طولاً وعرضاً. وكانوا كلما جلسوا لدقائق، عادوا سريعاً لجولات جديدة تحاول أن تواكب برنامجا احتفاليا طويلا، يزدحم بمعروضات واستعراضات كثيرة. كان مهرجانا سيتذكره الناس جيداً، وسيتذكرون أن الحمرا فتحت شارعها كله لهم، وخرجت إليهم تلاقيهم، تحت وطأة درجات حرارة ورطوبة قياسية. في مهرجان الحمرا نصبت عشرات منصات العرض التي لم تبخل على الرواد بأي طلب، فهنا وجدوا المشغولات اليدوية، والمطرزات، والحليّ، والأزياء بلمسات شبابية معاصرة، والألعاب، والمنتجات الغذائية، و«المونة». وغير بعيد عنها منصات لجمعيات أهلية هادفة، ومؤسسات مجتمع مدني حملت قضاياها إلى الحمراء الذي اعتاد على احتضانها ونشاطاتها. وهنا صور مسابقة وكتاب «لكم حمراؤكم ولي حمرائي»، التي يقف الزوار أمامها وهم يبحثون عن الخط الفاصل بين واقعية (آنية) اللحظات التي يعيشونها في هذا الشارع، وتلك المجمدة في صور في المكان نفسه وهم يستذكرون «ذاك المبنى الأزرق»، و«هذا الشرطي الشهير»، و«هذا الوجه الحمراوي المألوف»، و«هذه أضواء الشارع الحاضن لناسه».. وفي الشارع أيضاً، «بيت» صغير جمع الشباب حوله، ليحثهم على أن يحكوا عن أنفسهم، ويكتبوا عن أخبارهم وأحوالهم وفرحتهم وهمومهم. هذا بيت ملحق وموقع «شباب السفير» الذي نشر أخباراً وبرنامجاً وصوراً مباشرة من المهرجان لحظة بلحظة. في ركن آخر، كانت عيون عشرات من الأطفال تتحرك بكل الاتجاهات، وهي تحاول أن تلاحق بهلوانيين لم تهدأ حركتهم إلا قليلاً وهم يقدمون ألعاب الخفة الماهرة في «السيرك اللبناني»، ويقفزون من عليّ أو يرمون الطابات الكثيرة في الهواء.. ومَن لم يشبع مِن كل هؤلاء المهرجين بوجوههم المرحة وابتساماتهم الحمراء العريضة، يعُد ليلتقي بهم في أنحاء مختلفة من الشارع.. «يكزدرون» طوال النهار فوق أقدامهم الخشبية الاصطناعية القياسية الطول.. التي تجعل كل الناس يرفعون رؤوسهم إلى الأعلى، بحثاً عن هذا وجه «العملاق» اللطيف في الأعالي.. في أيام المهرجان ولياليه، كان الرواد يتغيرون تدريجياً مع تقدم ساعات النهار، لتغلب الفئة الشبابية عند انطلاق الحفلات الموسيقية في المسارح الثلاثة التي توزعت عند بداية الشارع، ووسطه ونهايته وسعت لتقدم عروضا موسيقية لأذواقهم مختلفة.


هنا العشرات يهتفون عالياً للفنان شربل روحانا يدعوهم للعودة إلى عربيتهم «عبر عن فرحك بالعربي عبر عن حزنك بالعربي غنّ عن حبك بالعربي صرخ عن غضبك بالعربي اشكي عن تعبك عن ضجرك ...أكتب عن أملك عن ألمك»، وبين هؤلاء جمع كبير من الأوروبين والأميركيين يصفقون بحماسة لأغنية يقدرون جماهيريتها ونجاحها.. من دون أن يبدوا حاجة فعلية لأي ترجمة للمعنى.. الليل الموسيقي يكمل أمسياته مع زياد سحاب الذي غنى الناس «لا تسألني عن عنواني» و«الأرض بتتكلم عربي».


السهرات الموسيقية التي قدمت نحو أربعين فناناً وفرقة «أعادت للحمرا كثيرا من شهرتها بفتح المسارح لأنماط موسيقية جديدة، أو ربما غير تقليدية، ولأسماء تخرج إلى الجماهير حديثاً وطبعا أخرى شقت طريق نجاحها في سنوات قليلة»، بحسب مديرة الانتاج الموسيقي للمهرجان أسيل عياش. للسهرات تلك أسماء كثيرة مثل «بند جزائي»، «فريق الأطرش»، «بند عودة» المميزة، منير خولي، فلاديمير كورميليان، غازي عبد الباقي والموزعين الموسيقين روي مالكيان، شيك داون وغيرهم.. التنوع والبرنامج المكثف وما قدمه كل ذلك من مرح للناس هو «الاثبات الأول والأخير على نجاح المهرجان»، بحسب أحد منظميه فادي غزاوي، الذي يفكر منذ اللحظة بمهرجان العام المقبل، وما يمكن أن يتجنبه من أخطاء تقنية تجعل من المهرجان عالميا بحق، بالإضافة إلى نشاطات ثقافية فنية تنظم خصيصاً للمهرجان ولا تجمع انتاجات سابقة فقط. عاد مهرجان الحمرا إلى الشارع، وهو يحمل في ذكرياته صور التسعينيات عن المهرجان نفسه الذي شغل الناس بنشاطات ملأت أرصفته كلها.. صور الماضي الراسخة، لم تمنع وجود تغيرات على النسخة الجديدة من مهرجان الحمرا، منها تغيرات إيجابية تظهر في جمعه ناساً من اهتمامات وطبقات وطوائف ومشارب مختلفة، ومنه سلبي يحكي عن طغيان التسوق والصناعات على حساب الثقافة ومنتجاتها التي تشكل عصب هذا الشارع وميزته.. فتسمع تعليقاً لاذعاً من حمراوي عتيق «جزء من هذا المهرجان يذكرني بشارعي ومدينتي، وجزء منه يذكرني بسوق تجاري شعبي، وجزء ثالث بسوق للمونة والتسالي.. وقليل ما يذكرني بثقافة هذا الشارع». هذا لا ينفي أن الحمرا لم تستطع النوم في الأيام الماضية وهي تحضر لمهرجانها أو تحييه.




والمؤكد أن مساء أمس، عند اختتام المهرجان، ما كان الشارع - المدينة يشبه إلا نفسه، بجنون وفوضى خلاقة يرتكبها أهله يومياً. لا تنام الحمرا فعلاً، فهي صاحية دوماً لتقول بطريقة أو بأخرى إنها عاصمة ثقافية، فنية، اجتماعية لبيروت.. ولا يمكن هذه الأخيرة أن تكون نفسها من دون شارعها: الحمراء.

ليست هناك تعليقات: