24.9.10

412 مواطناً حرروا أوراقهم الرسمية من المذهب، فأُجبر بعضهم على «العودة»


جهينة خالدية
نشرت في جريدة السفير
24-9-2010
هم قلة، وعددهم لا يتعدى أربعمئة واثني عشر شخصاً، إلا أنهم لم يخافوا خلع قبعات الطوائف عن رؤوسهم، ليحتموا بشمس الخانة الفارغة على سجلات الأحوال الشخصية. استفاد هؤلاء من تعميم وزير الداخلية والبلديات زياد بارود الذي أكد فيه، منذ سنة ونصف السنة، «حق كل مواطن في عدم التصريح عن القيد الطائفي في سجلات الأحوال الشخصية أو شطب هذا القيد».

شطبوه، ليقولوا ان الطائفة لم تعد تقوى على تصنيفهم، ولا على توظيفهم، فلن يقاتلوا باسمها ولن تقاتل باسمهم.

كان يمكن لمناهضي الطائفية أن يسجلوا رقماً أكبر، لو أزيلت مخاوف الراغبين بالشطب تماماً. لكن حملة الشطب تعرقلت مرات عدة، وواجه «الشاطبون» مشاكل مختلفة عند تقدمهم لوظائف معينة، وتحديداً على مستوى الانخراط في صفوف القــوى الأمنــية، ولم تقبل طلباتهم إلا بعدما أرفقوها باخراجات قيد عائلية تثبت طوائفــهم. في المقابل، تؤكد «الداخلية» أن التعميم ساري المفعول، وبابها مفتوح لأي مراجعة تستند إلى حق. في أرض الواقع، حلّت مشاكل عدد من هذه الحالات، بمبادرات فردية. لكن، بقيت حالات أخرى عالقة، ما دفع بأصحابها إلى العودة عن قرار الشطب، فإعلان الطائفة. ويبدو أن هذه الخطوة أيضاً احتاجت إلى تدخل مرجعيات دينية، إذ كان جواب المعنيين: «إعادة الطائفة إلى إخراج القيد ليست بسهولة شطبها، عليكم العودة إلى مرجعياتكم الدينيــة وأخذ الموافقة منها»! ما أثار استهجان عدد كبير من مناصري حملة الشطب، فعبّروا عن تململهم من تراخي وزير الداخلية والبلديات زياد بــارود في تطبيق التعميم الصادر عنه على كل الأراضي اللبنانية، الذي أدى إلــى اتاحة المجال أمام عدد من مأموري النفوس والدوائر الرسمية بتشـويه التعميم أو حتى تجاهله.

كما أثارت هذه العراقيل علامات استفهام في أوساط «اتحاد الشباب الديموقراطي» الذي ناصر الحملة وتابع الحالات الفردية وسعى لحلها. ويشير رئيس الاتحاد عربي العندراي إلى أنه «لا يجب أن ينحصر تطبيق التعميم بمتابعة الحالات الفردية، ولا يمكن أن نقبل بأن يعود أي مواطن إلى المرجعيات الدينية لإعادة ذكر طائفته. ويشكل طلب تدخل المرجعيات مخالفةً جوهرية لحق المواطن بالإعلان عن طائفته أو شطبها متى شاء، لا سيما أنه لم يخرج من الطائفة ولم يتخل عنها، إنما اختار أن يشطبها فقط، وبالتالي لا حاجة للعودة إلى مرجعيته لتدرس ملفه وتقرر قبوله بالطائفة مجدداً أو عدمه». ويوضح عندراي: «كانت تلك واحدة من الإشارات التي أثارت ريبتنا، لأننا بالدرجة الأولى نرفض أن يواجه أي مواطن مشاكل في تطبيق حق يكفله القانون. وبالدرجة الثانية، نخشى أن تتكرس فكرة تدخل المرجعيات الدينية كلما مارس المواطن اللبناني حق شطب أو ذكر الطائفة». دفعت المشاكل والعراقيل بالاتحاد، بحسب العنداري، إلى «فرملة» الحملة الداعية لشطب الطائفة عن القيد، «لأننا نود أن ندقق في خلفيات هذه المشاكل ومدى تأثيرها على مستقبل كل مواطن يتخذ هذا الخيار. ولهذا الغرض، ما زلنا ننتظر تحديد موعد مع وزير الداخلية زياد بارود للحصول على أجوبة أساسية حول عدد من النقاط المبهمة، ومعرفة إذا كانت هناك حاجة لتعميم جديد يؤكد عدم الحاجة للمرور عبر أي من المؤسسات الدينية لأي غرض يتعلق بهذا الحق، بالإضافة إلى تعميم ثان يوجه إلى كافة المديريات يذكرها بأنها لا تحتاج إلى مراجعة طلب مواطن بشطب طائفته عن القيد، بحيث تعتبر الأوراق الثبوتية لهذا المواطن قانونية ومكتملة». بدوره، لفت رئيس «الحزب الشيوعي اللبناني» خالد حدادة إلى أن الحزب «تلقى شكاوى من مواطنين واجهوا مشاكل لدى تقدمهم لوظائف رسمية، ولم تحل مشكلة أحد المواطنين إلا بعد الضجة الاعلامية التي أثرناها وبعد مراجعة الوزير بارود». كما تلفت نائبة رئيس الحزب ماري الدبس إلى أن «العرقلة تأتي من المنزعجين من هذا التعميم الذين يحبون أن يبقى اللبناني أسير طائفته ومحسوباً عليها في كل خطوة يتقدم بها في حياته».

«الداخلية»: إنه حقكم

حملت «السفير» مجمل هذه الأسئلة إلى وزارة الداخلية، التي أرسلت ردّاً عليها أفاد بأن «التدبير الذي كرّسه تعميم وزير الداخلية لا يلغي الانتماء إلى الطائفة، اذا شاء صاحب العلاقة ذلك، وانما يعطيه حق عدم التصريح عن هذا الانتماء». أما العراقيل التي واجهها الأفراد على مستوى الانخراط في الوظيفة فهي، برأي الوزارة، «غير مبررة بحجة قانونية، وذلك استناداً إلى المبدأ المقرر في المادة 7 من الدستور» الذي كفل أن «كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دون فرق بينها». وتضيف الوزارة إلى ذلك، «المبدأ المقرر في المادة 12 من الدستور الذي كفل لكل لبناني الحق في تولي الوظائف العامة لا ميزة لأحد على الآخر إلا من حيث الاستحقاق والجدارة بحسب الشروط التي ينص عليها القانون». وطلبت الوزارة من «المتضررين من أي تدبير جائر، وغير مبرر قانوناً يتعلق برفض طلبات انخراطهم في الوظائف العامة، أن يلجأوا إلى الوسائل القانونية المتاحة لهم للمطالبة بحقوقهم». هل هناك حاجة لتعميم جديد من وزارة الداخلية والبلديات يثبّت تطبيق التعميم الأول، من دون تأخير في أي ظرف كان؟ تفيد الوزارة بأن «وحدات المديرية العامة للأحوال الشخصية تتقيد بدقة بتنفيذ طلبات شطب الطائفة التي تقدم إليها من أصحاب العلاقة، وذلك تطبيقاً لأحكام المادة 11 من القرار الرقم 60/ل الصادر بتاريخ 13/3/1936 وعملاً بالتعميم الرقم 14/1 الصادر بتاريخ 6/2/2009 عن وزير الداخلية والبلديات زياد بارود بهذا الخصوص». وعليه، تجزم الوزارة بأنه «لا حاجة إطلاقاً لإصدار تعميم جديد بهذا الخصوص، وثمة استعداد للمعالجة الفورية لأي شكوى يمكن أن تقدم إلى الوزارة في حال وقوع أي عرقلة». وتعتبر الوزارة أن «إضافة الطائفة للأشخاص الذين تمّ شطب قيد طائفتهم عن سجلات الأحوال الشخصية، يبقى خاضعاً لأحكام المادة 21 من المرسوم الرقم 8837 تاريخ 15/1/1932 التي توجب مراجعة القضاء المدني المختص للحصول على القرار اللازم بالتصحيح». وحول سبب التأخير في تحديد موعد للقاء الوزير بارود مع ممثلي المنظمات والأحزاب الداعمة لشطب الطائفة عن القيد، يقول رد الوزارة ان «أبوابها مفتوحة دائماً لهم، للاستماع إلى تقويمهم والأخذ باقتراحاتهم. وقد حصل أكثر من ثلاثة اجتماعات حتى الآن. كما أن الوزارة مصممة على إعطاء جميع اللبنانيين حقوقهم، ومنها حقهم في شطب قيدهم الطائفي، وسبق لها أن بادرت إلى ذلك، وهي مستعدة حالياً لتأمين الظروف القانونية المطلوبة لضمان حسن تطبيق هذا الشطب، وهي على تواصل دائم مع الجمعيات المعنية بهذا الملف».

يذكر أن عدد الأشخاص الذين شطبوا مذهبهم عن السجلات، وفق المحافظات اللبنانية، بحسب الجدول الذي أمّنته وزارة الداخلية لـ«السفير»، يتوزّع على الشكل التالي: 45 في محافظة بيروت، 17 في محافظة الشمال، 90 في محافظة البقاع، 78 في محافظة الجنوب، 30 في محافظة النبطية، 182 في محافظة جبل لبنان، ما مجموعه 412 مواطناً شطبوا الطائفة عن سجلات القيد.

ليست هناك تعليقات: