21.9.10

بيـروت: أطفـال يبكـون «فـراق» الأهـل وشبـاب يشكـون الصيـف المبتـور




نشرت في جريدة السفير


الثلاثاء 21-9-2010


عند السادسة من صباح أمس، أضيئت أنوار الكثير من بيوت بيروت ولبنان.


لم تكن الشمس قد أشرقت تماماً، لكن الأمهات نهضن ليحضرن ليوم طويل ينتظر أطفالهن وأبناءهن.


يوم مختلف يأتي بعد صيف حار: اليوم الأول في العام الدراسي الذي انطلق أمس في كل المدارس الرسمية في لبنان وفي بعض الخاصة منها. واليوم الذي يمثل نقلة بين موسم الراحة والعودة الى الدراسة يتطلّب اللجوء الى مغريات كثيرة، منها شخصيات الرسوم المتحركة ملصقة ومطبوعة فوق الحقائب المدرسية، وزينة الشعر، وأقلام الرصاص والدفاتر الملونة المبهجة، على أمل أن تخفف من غربة اليوم الأول، أو غرابته. لكنه بقي يوم أول، مختلف بكل شيء، بمواعيده التي تؤثر مباشرة على الساعة البيولوجية لكل طفل، ومختلف ببرنامجه وبهمومه وبفرحته للقاء أصدقاء الدراسة مجددا.


يوم أول طال الجميع: الأهل الذين يعدّون أبناءهم للانطلاقة المبكرة للعام المدرسي، والتلاميذ الذين امتعضوا من «اختلاس» أيام المسك من عطلتهم الصيفية، من دون أن يخفوا فرحة اختبارهم لتجربة جديدة تتمثل بالانتقال الى الصفوف الأعلى، والأساتذة الذين يتحضرون لنقل معارفهم للأجيال الصاعدة على أمل أن تقدّر جهودهم وتحسّن ظروف مهنتهم المقدسة.


اختلف كل شيء في صباح نحو 350 ألف تلميذ في التعليم الرسمي في لبنان، علماً أن مدارس بيروت التي جالت عليها «السفير» في كل من الطريق الجديدة، وساقية الجنزير، والأشرفية، ووطى المصيطبة، وحارة حريك، ورأس النبع، سجلت نسب حضور تراوحت بين ستين وثمانين في المئة من إجمالي عدد الطلاب


جمال يود أن يطير إلى صفه


انطلق الأطفال إلى مدارسهم، و«سبايدرمان» بزيه الأحمر المخطط، المرسوم على الحقيبة المدرسية، لا يسعف جمال على الطيران. يمشي الطفل، ببطء، وبثقل من يحمل عبئا ثقيلا فوق ظهره، ويحلم بأن تؤجل الصفوف ساعة واحدة فقط، ليعود إلى نومه الهانئ، أو ليعيش كسله الطفولي الطبيعي في هذه الساعة من الصباح. بعد قليل سينسى كل ذلك ليستمتع بصفه الجديد، وسيحاول التأقلم مع كرسيه الخشبي المتواضع. في الخارج، الوالدة سمر تضحك طويلاً لنعاس ابنها العلني، تقول لزوجها «لو أن جمال تخطى الخامسة بسنوات قليلة، لأحضرت له «ترمسا» ضخما من القهوة قبل الدخول إلى العام الدراسي». المزاح الذي تقوى عليه سمر، لا يجد طريقه لمها، التي تخوض «حوارا» عاطفياً مع ابنتها لُبنى أمام مدرسة عمر الزعني في الطريق الجديدة. الطفلة تمزج صراخها بدموع غزيرة، وتطلق توسلات لا تنتهي، راجية الأم أن تعيدها معها إلى المنزل. تقول الوالدة «إن المدرسة حلوة، فيها تلوين وحلوى وألعاب»، ولبنى تبكي أكثر. وتبقى يداها البيضاوان الصغيرتان متمسكتين بيد أمها، وكأنها تخشى من «احتجازها» في البيت الجديد الذي يُسميه الكبار: مدرسة. المشهد عينه يتكرر في زوايا مختلفة عند مدخل المدرسة وفي باحتها، حيث تردد الأمهات هنا وهناك «تقربيني يا ماما..» ويعدن ليهمسن «والله قطعتلي قلبي!». يقلن ذلك، ومعظمهن لا يفارقن أولادهن وبناتهن في اليوم الأول، وإن فعلن تلقى المهمة على مربية حنونة عايشت أسبوع البكاء الأول في حياة تلاميذ الحضانة. هؤلاء يخترعن ألعاب للأطفال ومغرياتهم.. وعادة ما تؤدي إلى نتائج إيجابية.. إلا أن كل ذلك يختفي مع دخول طفل جديد لصف الحضانة، يبكي ويبكي معه كل الصف من جديد!


60 ألفاً في ذمة المدارس


عند الثامنة وبعد أن تدق الأجراس في المدارس، يُترك الأهل وحدهم خارج الأحرام. هؤلاء يجدونها فرصة للتعارف على الأهالي الجدد أو إلقاء التحية على معارف قديمة، وبينهم تكون الأحاديث حول الغلاء المعيشي وكلفة التسجيل والفاتورة المدرسية هي الأكثر شيوعاً. يعلن الكثير منهم أنهم قد دفعوا 130 ألف ليرة مقابل تسجيل أولادهم، وذلك قبل أن يصدر قرار مجلس الوزراء إعفاء الأهل من هذه الرسوم، وبذلك يكون لهم ستون ألف ليرة في ذمة صناديق المدارس، وتبقى الآلاف السبعون المستحقة لصندوق المدرسة. ولا ينسى الأهل أن يستعرضوا الغلاء غير المحتمل الطارئ على أسعار الكتب المدرسية التي لا يمكن الاستعانة بنسخات مستعملة منها، لكونها كتباً ودفاتر تطبيقية، أو على أسعار القرطاسية والمواد الأولية الضرورية للأشغال اليدوية والمواد الاجرائية والتطبيقية. زي العيد دقت المدرسة أبوابها باكراً، وجاءت بدون أن تحمل خريفها معها. ولا يمكن حرّ أيلول أن يحتمل الزي المدرسي. هذا يوم أول يمكن التلاميذ أن «يتمردوا» فيه على قوانين المدرسة واستقبالها بأزيائهم المبهرجة، كتلك التي استقبلوا فيها العيد مثلاً، فتجد الطفلات بفساتينهن الزهرية والخضراء والبيضاء كدمى بضفائر طويلة متنقلة في باحات الملعب، أما الأكبر سناً فلا ينسين تبرجهن وخطوط الكحل الأسود فوق العيون وعند حدودها ولا يتوانين عن الاعتناء الفائق بشعورهن المسرحة فوق أكتفاهن، كذلك الشبان لا يقصرون بتسريحاتهم العصرية جدا وسراويلهم الجينز الممزقة وحتى الملونة، وبأساور جلدية تلتف حول معاصمهم. جزء من هؤلاء التلاميذ يستمتع بثيابه «المدنية» تعبيراً عن تحرره من النظام ليوم واحد، وجزء آخر يعكس «خنقة» مادية منعت العائلة من توفير «مريلة» هذا العام، لا سيما إن ألزمتها العائلة بتصميم جديد، أو إن ضاق مقاسها على أطفالهم.


مدارس تخنق العاصمة


لم يطل اليوم الدراسي الأول على العاصمة بيروت وحتى على بعض المناطق بلا أن يخنقها بزحمة سير جنونية.. جعلت الكثيرين يتأخرون عن مواعيد عملهم، من دون أن تكون الزحمة، عند الصباح أو عند انتهاء الدوام المدرسي، هي الأقوى، إذ يُنتظر أن تصل إلى ذروتها مع انطلاق الدراسة في كل المدارس الخاصة في الأيام المقبلة. لكن في مطلق الأحوال، أعاد مشهد طوابير السيارات في أحياء وشوارع بيروت المختلفة التذكير بأزمات سير لم تفتقدها العاصمة أصلاً، انما المختلف مع الموسم الدراسي هو انتظامها وبلوغها ذروتها في أوقات محددة من النهار عند بداية اليوم الدراسي، ثم انطلاقها من الواحدة بعد الظهر عند انتهاء الدوام المدرسي تدريجياً ووفقاً للصفوف التعليمية. ويستمر هذا الازدحام «المدرسي» حتى ساعات المساء بعد تداخله مع زحمة الخامسة عصراً عند انتهاء دوامات العمل في معظم المؤسسات.


وتبقى الأزمات المرورية واحدة فقط مما يحمله معه هذا العام من هموم، الكثير منها تربوي - معيشي يتعلق بالانطلاقة المتعثرة للعام الدراسي وتكاليف التعليم وارتفاع الأقساط وتكاليف الكتب والقرطاسية والزي المدرسي.. هموم يتشاركها معظم عائلات أبناء المدارس الرسمية في لبنان الذين يرتفع عددهم سنويا، لأسباب عدة، ومعلومة.

ليست هناك تعليقات: