17.12.11

مؤتمر في "الأميركية" عرض أبحاث وتجارب: «الإعلام الاجتماعي»: وسيلة للتغير في الحياة السياسية والشخصية








نُشر في جريدة السفير



17-12-2011



جهينة خالدية





«من يتغير، من خلال الانخراط في الإعلام الاجتماعي: الناس، أو حياتهم، أم أعمالهم؟». انطلاقاً من السؤال، انبثق مؤتمر «الإعلام الاجتماعي يغيّر حياة»، الذي نظمه نادي «Online Collaborative» في «الجامعة الأميركية في بيروت»، وعقد يوم الجمعة 16 كانون الثاني في قاعة «عصام فارس» في الجامعة.





وتطرّق المؤتمر إلى دور وسائط الإعلام الاجتماعي في الحياة الأكاديمية، والسياسية، والدبلوماسية، وعالم الأعمال والمجتمع المدني، والقضايا الحقوقية. وبدا لافتاً في بداية المؤتمر، افتتاح أعماله بعبارة تقول: «يمكن إبقاء هواتفكم مشغلة»، لرفع حجم التفاعل بين الجمهور وبين المجتمع، في قاعة واحدة. شيئاً فشيئاً، تحوّل كل مشارك، من مستمع للنقاش، إلى خبر آني يُعرض على شاشة عملاقة تظهر موقع «تويتر». وهكذا، تحوّل مؤتمر «الإعلام الاجتماعي» إلى «بؤرة» تفاعلية خبرية سريعة، كان موقع «شباب السفير» جزءاً منها، عبر تغريده على «تويتر»، لكل المشاركات في المؤتمر، لحظة بلحظة.





من أحداث الربيع العربي والثورات المستمرة، ومدى تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على الواقع السياسي وحياة الناس، انطلق رئيس نادي «Online Collaborative» في الجامعة الأميركية محمد حجازي، مشيراً إلى أن «التعبير عن الآراء، عبر الإعلام الاجتماعي، أدى إلى خسارة البعض وظائفهم».





واستشهد حجازي بـ«الإعلامية أوكتافيا نصر، التي طردت من عملها في قناة «سي أن أن»، بسبب تغريدتها على موقع توتير، حول وفاة السيد محمد حسين فضل الله»، لافتاً إلى أن «عدداً آخر أيضاً استطاع، عبر الإعلام الاجتماعي، أن يحقق نجاحات كبرى في عالم الأعمال والتسويق، ومختلف المجالات».ثم سأل المتحدث الرئيسي في المؤتمر، السفير البريطاني في لبنان طوم فليتشر، «هل يغيّرنا الإعلام الاجتماعي؟»، وأجاب: «من يتذكر الحادي عشر من أيلول، من كان يمكنه أن يتوقع أن مارك زوكربيرغ (مؤسس موقع «فايسبوك»)، وستيف جوبس (صاحب شركة «أبل»)، سيغيران العالم، أكثر مما غيره جورج بوش وأسامة بن لادن!».واعتبر فليتشر أن «الأداة الأولى والأهم التي يجب استخدامها في الإعلام الاجتماعي هي التغريد عبر موقع توتير.





أما الدبلوماسية، فيمكن القول إنها، في ذروتها، يكون دورها مزيجا من تحليل العالم وتشكيله، أما الدبلوماسيين الذين يقومون بالتحليل فقط، فلا بد أن يعملوا في المجال الأكاديمي».في المقابل، وفقاً لفليتشر، فإن الدبلوماسيين «الذين يقومون بالتشكيل، فلا بد أن يعملوا في السياسة. والذين يجمعون ما بين الاثنين، فيجب أن يكونوا متصلين بموقع «تويتر». لذلك، أعبّر عن دهشتي عندما يسألني بعض الزملاء: «لماذا أنت فاعل على موقع «تويتر؟»، فيكون جوابي: بل لماذا لست أنت على موقع تويتر؟!».





يخرج كلام فليتشر من النظريات، و«ما الذي يفعله الإعلام الاجتماعي»، عند سؤاله: «كيف يغير الإعلام الاجتماعي حياتنا؟ كيف يصبح المرء جزءاً من هذا الإعلام ومشاركاً فيه؟»، ثم يقدّم عشر نصائح للسفراء المغردين، أبرزها: «اعرفوا جمهوركم المتابع لكم. كونوا حقيقيين. كونوا شفافين. كونوا مستمعين جيدين، من دون أن تحاولوا إقناع أحد».





أما الرئيس الفخري لشركة «ليو بيرنيت» فريد شهاب فعرض تجربة كتابه التفاعلي عبر الموقع الالكتروني www.pari-rihan.org، وأشار إلى أن «كل شخص يريد أن يغير لبنان للأفضل، لا بد أن يشارك في إيجاد الحلول للمشاكل الجمة في لبنان، والإعلام الاجتماعي يقدم لكل شخص الفرصة للمشاركة».





وتوقفت مستشارة الإعلام الاجتماعي في الشرق الأوسط نعيمة ظريف، عند «كيفية عمل المنظمات الحكومية والمؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع المدني، وطرق استخدامها للوسائط والمصادر المفتوحة، لتحقيق التغيير الاجتماعي، من خلال الإعلام الاجتماعي، وهو ما ركزت عليه مؤتمرات عالمية عدة».أما الجلسة الثاني في المؤتمر، فركزت على «الإعلام الاجتماعي وعالم الأعمال»، وخرج المشاركون فيها بعدد من التوصيات، التي تؤكد أن «الأعمال عبر الإعلام الاجتماعي لا تخلق زبائن، بل تخلق مجتمعا».





وركّز المؤسس والمدير التنفيذي لـ«آراب نت» عمر كريستيديس، على «دور وسائل الاتصال الحديث والإعلام الاجتماعي في ميادين عدة، بينها مجال الإعلانات، فبفضل هذه الوسائل باتت الشركات تتوجه مباشرة إلى زبائنها، لتسألهم عن رأيهم وطلباتهم بدلاً من المرور عبر الاعلانات التقليدية».وبذلك، يضيف كريستيدس، لم يعد المستهلك «متلقياً للمنتج وللإعلان فقط، بل مشاركاً فيه»، لافتاً إلى أن «وسائل الإعلام الاجتماعي نجحت في تغيير نوع العلاقة بين الأفراد والحكومات، وعبّدت الطرق بينهما، لا سيما بعد ازدياد نسبة عدم الثقة بالحكومات مؤخراً».





وعرض يوري تيروز مشروعه للتبرع بالدم «Donner Sang Computer»، الذي انطلق كفكرة عبر موقع «فايس بوك»، ثم توسّع لتنجح حملة التبرع بالدم في مساعدة 12 ألف شخص. وأشار تيروز إلى أن «السرعة والاختصار والتواجد بشكل متواصل كانت عوامل ثلاثة ساعدت في نجاح مشروعي»، معتبراً أن نجاحه يُقاس باعتبار حملته لم تنجح في تغيير حياة الأشخاص فقط، بل بمساعدة الناس وإنقاذ حياتهم. كما عرضت تجارب مختلفة، تبيّن «كيف يمكن للإعلام الاجتماعي أن يخدم المجتمع المدني وقضاياه»، من بينها تجربة جمعية «شباب الأمم المتحدة»، التي تحدثت عنها رئيستها فرح عبد الساتر، وتعنى بتنمية الوعي السياسي لدى الشباب، وتجربة حملة «One Wig Stand»، التي أسستها لورين عطوي، وتعنى بمريضات سرطان الثدي.





ولفتت عطوي إلى أن «واحدة من المشاكل التي تواجه جمعية تعنى بهذا الموضوع، هو كون الفئة المعرّضة لسرطان الثدي غير نشطة عبر الإعلام الاجتماعي، وبالتالي يصعب علينا مخاطبتها، أو التواصل معها في هذا الإطار».





وعرضت جمعية «نسوية» المعروفة بنشاطها عبر الإعلام الاجتماعي ووسائطه، تجربتها التي تحدثت عنها مؤسسة الجمعية نادين معوض، مشيرة إلى أن «عمل الجمعية يرتكز على المواقع الالكترونية، ومواقع التواصل الاجتماعي والمدونات، حيث يتم نشر المعلومة والخبر والنشاطات والأفكار».





جهينة خالدية

8.12.11

استطلاعات الرأي:أرقام مأجورة وطائفية وسياسية تكرّس مجتمع اللامعرفة «عن معرفة وإصرار»

نُشر في جريدة السفير
8-12-2011
جهينة خالدية

ندوة لإيزومار حول «وسائل الإعلام واستطلاعات الرأي في العملية الانتخابية»:أرقام مأجورة وطائفية وسياسية تكرّس مجتمع اللامعرفة «عن معرفة وإصرار»


تجمع علاقة وثيقة ما بين «وسائل الاعلام واستطلاعات الرأي في العملية الانتخابية». علاقة محورها الأساسي هو الرقم، ودلالته، ومؤشراته، ومصدره، ومدى دقته. وانطلاقاً من ذلك تحديداً، تصبح العلاقة مربكة، حساسة، وغالباً ما تكون غير مستقيمة؛ ذلك لأن الرقم في لبنان، بالمواصفات العلمية المفترضة، يكاد يكون منقرضاً، ولأن الرقم، أياً كان مصدره، مشكوك فيه كما بالغاية من إشهاره. فكيف إذا ما كان يصدر عن استطلاعات رأي متهمة أنها مسيسة، أو مسوّقة لجهات دون أخرى، وتحتاج إلى تنظيم أو «تطهير» ينقي الصورة العامة ويكرس ثقافة الرقم؟




من هنا، يمكن فتح باب النقاش واسعاً على الدور الذي يؤديه الطرفان: الإعلام واستطلاعات الرأي في العملية الانتخابية، والحاجة الملحة للاصلاح داخل مؤسسات استطلاع الرأي، وهو نقاش وجد لنفسه متنفساً في الندوة التي نظمتها «المنظمة العالمية لاستطلاعات الرأي والدراسات التسويقية - ايزومار» أمس الأول في فندق «فنيسيا»، بمشاركة وزير الداخلية والبلديات السابق زياد بارود، والمدير العام للمنظمة فين روبين، والمديرة الأميركية السابقة للدراسات الاستقصائية في شبكة «سي بي أس» كاثلين فرانكوفيتش، ومدير «شركة الدولية للمعلومات» جواد عدرا، والمستشار الاعلامي ومؤسس ومدير شركة S2C (لبنان) رمزي نجار.




ندوة لإيزومار حول «وسائل الإعلام واستطلاعات الرأي في العملية الانتخابية»:أرقام مأجورة وطائفية وسياسية تكرّس مجتمع اللامعرفة «عن معرفة وإصرار»




«أسلحة دمار شامل».. وحمام زاجل




يبدأ الكلام عن «دور الاعلام واستطلاعات الرأي في العملية الانتخابية»، بالانطلاق من تعريف دور كل من هاتين الوسيلتين في نشر المعلومة - الرقم، والطريقة التي يمكن لكل منهما التعامل مع المعلومة، والسياق الذي يجب أن تختاره لتظهيرها، وصولاً إلى قدرة تأثير كل منهما، وهو ما تطرق إليه المدير العام لشركة «آراء للبحوث والاستشارات» وممثل «إيزومار» في لبنان طارق عمار، لافتاً إلى «أهمية البعد الإضافي الذي يأخذه استطلاع الرأي عندما يتم نشره، إذ يُعتبر الاستطلاع قوة فاعلة في تغيير المجتمعات، بحيث يعطي الناس الفرصة لإسماع صوتهم، ذلك أن استطلاع الرأي يعكس آراء الناس وأولوياتها أفضل مما يفعل صندوق الاقتراع الخاضع لقوانين وممارسات إنتخابية بعيدة عن تطلعات الناخبين». وذكر أن «قياس الرأي العام بشكل دقيق والتعاون مع وسائل الاعلام لتزويد المواطنين بمفاهيم واضحة، تصل في صلب مهام «ايزومار» الى أن تحترم تقنيات البحث واعداد التقارير القواعد العامة وأخلاقيات المهنة».




واعتبر بارود أن «أهمية اللقاء تكمن في أنه علمي وبحثي وتطويري وتبادلي ويحمل المعنيين، بالشأن الانتخابي مثلاً، إلى التوقف عند إحدى أدوات التواصل المتمثلة في استطلاعات الرأي، كواحد من «أسلحة الدمار الشامل» حيث يُساء استعمالها، وكواحدة من سرب الحمام الزاجل، حيث يُحسن الركون إليها وإشهارها».ولفت بارود «السفير» إلى أن «شركات الاستطلاعات الرأي في لبنان تحتاج إلى بعض التنظيم لتكتسب مصداقية أكبر في عملها، لا سيما أن كثير منها يتميز في مهنية عالية في العمل، من هنا، يكون من مصلحة الشركات مجتمعة أن تنظم نفسها وتقفل «الدكاكين» الصغيرة في سبيل تمهين شركات استطلاع الرأي في لبنان».




وذكّر بارود بأن «الهيئة الوطنية لقانون الانتخاب (برئاسة الوزير السابق فؤاد بطرس - 2006) تنبهت لأهمية استطلاعات الرأي في الانتخابات، فسعت إلى تنظيمها، ووضعت نصا استعاده قانون الانتخاب الحالي (25/2008) في المادة 74، التي أكدت على ضرورة ذكر الجهة التي أجرت الاستطلاع، والجهة التي طلبت الاستطلاعات ودفعت كلفته، وتواريخ اجراء الاستطلاع ميدانياً، وحجم العينة المستطلع رأيها وطريقة اختيارها وتوزيعها، والتقنية المتبعة في الاستطلاع، والنص الحرفي للأسئلة المطروحة، وأخيراً، حدود تفسير النتائج ونسبة هامش الخطأ فيها عند الاقتضاء، وغيرها من الشروط التي تنظم هذا المجال، وتضمن أن تكون هذه الوسيلة علمية غير منحازة».من هنا، رأى بارود أن «هذه التجربة هي تجربة رائدة وجديدة وتحمل على الاعتقاد أن التنظيم ممكن، تشريعياً وفعلياً، من دون أي انتقاص من حرية التعبير ودور الإعلام. وهي تجربة ينبغي أن يُبنى عليها، فإذا نجحت يمكن الدخول إلى دائرة إقرار هيئة مستقلة للانتخابات». وكرر أن «هذه التجربة تفرض أيضاً الشراكة الكاملة بين الدولة ووسائل الاعلام والمرشحين والمجتمع المدني على حد سواء، من دون أن ننسى دور المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع الذي لا بد من إخراجه من حدود صفته الاستشارية إلى رحاب سلطة القرار، ودور وزارة الاعلام التي لا بد من أن تسلك درب نظيراتها في دول غلبت فيها الحالة الديموقراطية على الدور «التوجيهي» لوزارة من زمن آخر». وتوقف بارود عند «دور المجتمع المدني وهيئاته التي أدخلت على المشهد الانتخابي، منذ العام 1996 على الأقل، مفاهيم جديدة، بل حالة مطلبية أنتجت شيئا من مطالب لا تزال مستمرة»




«في اللامعرفة، استمرارية النظام»




لكن، ما مدى دقة استطلاعات الرأي في لبنان؟ وهو السؤال الذي توقف عنده عدرا، معتبرا أنه «في لبنان، لعدة أسباب، ليس لدينا عمليات استطلاع رأي حقيقة. فلا الرأي العام هو عام، ولا الاستطلاع هو استطلاع. الرأي العام مخصصّ عشائرياً وطائفياً، ومعروض في بزار الولاءات السياسية والمالية. والشركات العاملة مجبرة أو مخيرة، أصبــحت مسوّقة للزعامات والأحزاب».




ورأى عدرا «أننا قررنا في لبنان، أننا لا نريد أن نعرف عدد السكان فيه ولا عدد المهاجرين منه، ولا عدد المرضى بالسرطان، ولا عدد الذي قضوا نتيجة حوادث عمل أو أمراض ناتجة عن العمل». ويعود عدرا ليؤكد ان «هذا القرار ليس وليد الصدفة، بل جاء عن سابق تصور وتصميم، وهو ينطلق من أن معرفة خطر المعرفة على النظام السياسي الاقتصادي الاجتماعي القائم أكدت أن في عدم المعرفة استمرارية لهذا النظام، وبالتالي لا نريد أن نعرف. وبالتالي، نحن مجتمع اللامعرفة عن معرفة وإصرار».بدورها، تطرقت فرانكوفيتش إلى تجربة الانتخابات الرئاسية الأميركية وتأثير استطلاعات الرأي فيها، مؤكدة أن «شركات استطلاع الرأي في أميركا، كثيرة ومؤثرة جداً، ذلك لأنها تقدم مادة خبرية ضرورية وأساسية جداً لوسائل الاعلام والتي تحاول عبرها أن تلخص الرأي العام لتشرح البرامج الحكومية ومدى تقبل الناس لها، رأي الناس بالمرشحين للانتخابات، علماً بأنه يمكن للإعلام أن يعتمد على خبراء أيضا لشرح هذه المواضيع، انما تبقى استطلاعات الرأي مؤثرة أكثر بكثير لأنها تقدم معلومات دقيقة، وتحدد اتجاهات الجمهور، وتصبح نوع من المادة الموضوعية بين يدي الإعلام»




.«انجراف الإعلام عن الهدفية»




لكن الدقة تحديداً هي ما يبدو مفتقداً في الإعلام اللبناني، اذ رأى نجار أن «الإعلام اللبناني على الرغم من تميّزه عن الاعلام العربي، يعاني من أزمة انحراف عن الهدفية، وتجاهل الرسالة، وهتك مبدأ السلطة الرابعة، وحرمان المواطن من حقه في أن يكون المراقب والمسائل وليس مجرد المشاهد أو الضحية أو الرهينة. شركات استطلاعات الرأي الحالية ليست صحية ولا قيمة مضافة لها، بل على العكس هي مستغلة ومضللة وأحياناً مأجورة».




وتحدث نجار عن «العلاقة العضوية بين الاعلام كسلطة والسلطات الثلاث»، مشيراً إلى أن «الاعلام هو بيت القصيد وآلية لتغيير، وتأكيد المواطن لذاته ولوجوده ولانتمائه بقدر ما هي تأكيد لواجبه وأهمية صوته، إذ ان الصوت هو المواطن».ولفت نجار إلى أن «الاعلام الانتخابي هو اعلام بروباغندي، إذ لا فرق بينه وبين الإعلان التجاري «الإباحي»، ويمكن اعتبار هذا النوع من الفعل كجريمة، إذ ان تغيير مسحوق للغسيل قد يتطلب علبة واحدة، أما تغيير النائب المنتخب فثمنه أربع سنوات ويكلف الكثير من الأضرار والأذى والتشريع الخاطئ أو غياب التشريع.. والأمثلة على ذلك انتخابات 2009 في لبنان، انتخابات مصر الحالية، الانتخابات التونسية وانتخابات العراق الأخيرة».وأخيراً، تطرق فن روبن للتجربة الايرلندية، حيث «تم بناء الثقة باستطلاعات الرأي تدريجاً عبر إنشاء اتحاد لشركات الاستطلاع التي التزمت بمعايير الشفافية، وفتحت أبوابها للتدقيق الخارجي من دون المساس بسرية المعلومات الشخصية».

6.12.11

الزواج لا يجعل المرأة «ملك» الرجل!







تحت شعار «بنفس العيلة ونفس البيت، في شي بسمنة وفي شي بزيت»:
«مسرحية شارع» من صبرا إلى الحمرا.. الزواج لا يجعل المرأة «ملك» الرجل!




نُشر في جريدة السفير

الثلاثاء 6-12-2011
جهينة خالدية



يقول الصوت: «المرا متل السجادة، بتتنضف بالخبيط ومعمولة للدعوسة.. يومها، دعوسني، ودعوسني وضربني، ووجعني، وحرقني، وقتلني. كان عمري 27 سنة لما متت».


الصوت يأتي من الماضي، لإمرأة عُنّفت حتى الموت، ويطل كقصة شعبية تُروى في الحاضر، كرمز عن عنف يمارس يومياً ضد النساء، ولا قانون ينهيه.


تلك التي عُنفت هي واحدة من نساء كثيرات يتم تعنيفهن من دون أن يجدن قانوناً أو مجتمعاً أو عادات تحميهن. نساءٌ هنّ جزء من حكايات العرس الشعبي الممسرح تحت عنوان: «بنفس العيلة ونفس البيت، في شي بسمنة وفي شي بزيت»، الذي يقدمه الممثلون من جمعية «زقاق» مايا زبيب، ولمياء أبي عازار، وعمر أبي عازار، وهاشم عدنان، وجنيد سري الدين، في إطار نشاطات منظّمة «كفى عنف واستغلال»، ضمن حملة الستة عشر يوماً لمناهضة العنف ضدّ المرأة.


لا تؤدّى القصة الأليمة في فضاء ثقافي لجمهور مختار، «نخبوي». القصة تذهب إلى «عقر» الدار المحافظ، إن أمكن القول، هنا في وسط سوق صبرا، وتحديداً في سوق «اللحّامين».. وعلى بُعد أمتار قليلة من الساحة التي نفذت فيها إحدى الجمعيات اعتصاماً ضد قانون حماية النساء من العنف الأسري!


هنا، وسط السوق المزدحم، يُرفع الصوت راوياً الآلام المتواترة عبر السنوات: «كان عمري 16 سنة أول مرة ضربني لأنو نسيت اشتري بصل، كنت كل يوم إبكي وما حدا يسمعني.. كان عمري 17 سنة أول مرة طفى السيجارة بجسمي.. كان عمري 19 سنة لما اغتصبني زوجي وقالتلي خالتي اسكتي بلا فضايح».. أمام الممثلين ومن حولهم وخلفهم، يتجمهر الناس، رجالاً وشباناً ونساء، وشابات وأطفالاً، مذهولين. ثوان طويلة مرّت من دون أن ينبس أحد بكلمة.


ظل وقع الجملة الأخيرة ثقيلاً على الكل.سرعان ما ينتهي الصمت، لتعلو الأصوات الشاجبة لهذا الكم من العنف، ويأتي صوت إمرأة ستينية ليكرر: «كل هيدا صحيح، كل هيدي عم بيصير، وعم بيصير أكثر».. وتعلو أصوات أخرى منددة بجوهر النص المسرحي الذي يرفع الصوت بأسئلة ملحّة: «أليس على القانون أن يتغلّب على الثقافة الشعبية ويرتقي لحماية المضطهدين؟ لماذا لا يُجرّم كل عنف أسري؟ لماذا لا تتم حماية النساء داخل الأسرة؟ لماذا لا يلزم الكل بالتبليغ عن حوادث العنف؟ أليس إكراه الزوجة بالعنف والتهديد على الجماع جريمة؟ أليس تعذيب الاناث بأعمال شرسة جريمة؟ أليس القتل.. جريمة؟».


هنا، تتفاوت ردود أفعال الجمهور، لا سيما الذكور منهم، هازئين من المطالبة بقانون يحمي النساء، فتسمع رجل يترك بسطة الخضار خاصته ليقول رأيه ويرحل بعدها: «الدين والشرعية تحمي نساءنا، لا القانون»، ويضيف جاره: «لا يحق للقانون أن يتدخل بين رجل وزوجته، هي على «ذمته» وما يحصل داخل البيت لا يخص احداً». ويأتي الرد خجولاً من شابة ثلاثينية: «شو بس يتجوزها بيشتريها أو بيملكها؟».ينتهي العرض الصباحي في صبرا، مقدماً نموذجاً واضحاً عن عدم دراية الكثير من الناس بجدوى قانون حماية النساء من العنف، وليؤكد أن كثراً يرفضونه خوفاً من انتقاص سلطة الرجل المطلقة على المرأة، من دون مراعاة انسانيتها بالدرجة الأولى.


ومن صبرا إلى شارع الحمراء، حيث قُدم العرض مرة ثانية لجمهور مختلف نسبياً، من دون أن يكون بالضرورة أكثر اطلاعاً على القانون أو على حالات التعنيف ضد النساء. هنا، تجد شابات وشباناً يقفون مذهولين من قصص الضرب والاغتصاب واستخدام الزوجات في أعمال الدعارة والتسول وصولاً الى قتلهن.. ورد الفعل نفسه يسري بين سيدات يشاهدن العرس الشعبي، من دون أن يتماهين تماماً مع الحاجة الماسة للقانون. فتجد احداهن تهمس: «هيدي مسرحية، حقيقية، بس بالحقيقة أي مرا بتسترجي تنزل تشتكي على المخفر؟ أي مرا بتسترجي تنزل على المحكمة الشرعية؟ هيدي مسرحية بس، مسرحية».


ولكن النص الذي تستنكره السيدة لم يأت من فراغ، فمايا الشامي من «كفى» تقول إن «كل كلمة كتبها فريق «زقاق» جاءت من حالات حقيقية حصلت وتحصل في لبنان، ومن شهادات لمعنفات وضحايا العنف الأسري، وغايتنا الأساسية تعريف الجمهور المختلف على الواقع المخفي خلف الجدران، وعلى عنف ينمو ويكبر ويتستر خلف التقاليد والذهنيات المحافظة التي تعتبر المرأة ملك الرجل، مهما كانت الظروف.. تطبيقا للمثل الشائع: المرا لبيتها وجوزها وولادها».وهنا، تشير الممثلة مايا زبيب إلى أن «الرسالة الأهم التي نوصلها من العرس الشعبي هي أن نقول إن القانون لا علاقة له بالحب، القانون حاجة ماسة لئلا يجعل حلم كثيرات بالحياة، مجرد كابوس غير محتمل».


جهينة خالدية

17.11.11

الأميركيـة تطلـق دراسـة حـول «وجـه الفقـر الإنسـاني فـي لبنـان»: حلقة مفرغة يغذيّها النظام الطائفي تكرس فقر أكثر من ثلث السكّان



نُشر في جريدة السفير



17-11-2011



جهينة خالدية
يُحكى عن الفقر في لبنان، وعن كون ربع سكانه من الفقراء، من دون أن تُقدم دلائل كثيرة على أشكال ذلك الفقر، وأنماطه أو نسبه الدقيقة. لذلك، سعت دراسة «وجه الفقر الإنساني في لبنان» التي تطلقها «الجامعة الأميركية في بيروت» اليوم، إلى محاولة معرفة الفقر وفهمه، وتقديم لمحة عن الفقر في لبنان، تشمل محاولة معرفة من هم هؤلاء الفقراء وأين يعيشون، وكيف يبدون وما هو واقعهم، والبحث عن قوى محرّكة تشرح أسبابَ الفقر في لبنان، قوى تعجز المؤشرات الاقتصادية عن شرحها بسهولة. والدراسة التي تُطلق عند السادسة من مساء اليوم من قاعة «أسمبلي هول» في الجامعة، بحضور وزير الشؤون الاجتماعية وائل أبو فاعور، نفذتها «مؤسسة الرّؤية العالمية ـ لبنان» بالشراكة مع كل من «الجمعية اللبنانية للإنماء التربويّ والاجتماعي» و«دار المنهل». وهي تركزّ على ثمانية مجتمعات محلية مختلفة في لبنان، أربعة منها ريفية، وثلاثة مدينية، بالإضافة إلى مجتمع لاجئ. وفي سعيها للإجابة عن سبب عدم التوصّل إلى نتائج ملموسة في مكافحة الفقر في لبنان حتى الآن، تكشف الدراسة أن «ضمان الوصول إلى الخدمات والدّعم أو تحسين سبل العيش والدّخل لا تكفي وحدها للتصدّي للفقر» لأن «هيكلية المجتمع اللبناني الطائفية والمذهبية لا تسمح بحصول حراكٍ اجتماعيّ». وتؤكد الدراسة أن تحسين سبل العيش والوصول إلى الخدمات «تُعتبر تدخلات قيّمة، من شأنها أن تُبعدَ الفقر الشديد، غير أنها نادرًا ما تحسّن وضع الفقراء الاجتماعي والاقتصادي أو تسمح لهم بالخروج من دائرة الفقر». بالإضافة إلى ذلك، «ومع أنّ الفقراء يستطيعون الحصول على التعليم الأساسي، إلا أنهم يعجزون عن الخروج من الفقر المزمن، ويظلّون بالتالي ضعفاء». وتشير إلى أن الفقراء ينتمون إلى «مجتمعاتٍ مهمشةٍ، وهم معزولون إمّا جغرافيًا (في مناطق نائية من البلاد)، أو اجتماعيًا، في جيوب ضمن المناطق المدينية. وهكذا، يبقون ضعفاء، لا صوت لهم، لأنّ أصحاب النفوذ والسلطة يتجاهلونهم.» وعلى الرغم من ذلك، رأت الدراسة أن لبنان قدّم في الأعوام الخمسة عشر الماضية «أمثلة عن تحرّكاتٍ إجتماعية مكّنت الفقراء والمهمشين، وأدخلتهم صلب المجتمع اللبناني.» من هم الفقراء؟ تنطلق الدراسة من الرقم الذي أوردته دراسة «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» عن لبنان في العام 2008، وأظهرت أن «20.59 في المئة من السكان هم من الفقراء، بالإضافة إلى 7.79 في المئة يعيشون في فقر مدقع، بما يعني أن نسبة الفقراء الإجمالية تبلغ 28.58 في المئة من اللبنانيين». وخلصت دراسة الأمم المتحدة إلى أن «أكثر من ربع السكان يعيشون تحت خط الفقر، بينما يتجمع شديدو الفقر بعيدًا تحت خط الفقر»، علما بأن تلك الإحصاءات لم تشمل السكان الأجانب في لبنان على غرار اللاجئين الفلسطينيين والعمال المهاجرين. لذلك، فإن دراسة «وجه الفقر الإنساني» تجزم أنه «بالإضافة إلى وجود 28.54 في المئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر الوطني، فإن ثمّة «فئات ضعيفة» إضافية يقدّر عددها بحوالي مليون نسمة، لا يحمل عدد كبير منهم الجنسية اللبنانية، يشكّلون 20 في المئة إضافية من إجمالي السكان. «ومع أنّ هؤلاء السكان ليسوا جميعا من الفقراء، إلا أن معظمهم عُرضة للأذى ويعيشون على حافة الفقر بموارد ضئيلة بغية الصمود لمواجهة حالات الطـّوارئ والصدمات». حلقة مفرغة هكذا، يعيش الفقراء في لبنان في حلقة مفرغة من دون أن يمتلكوا أي قدرة لتحسين أوضاعهم، لا سيما مع تشديد الدراسة على أن «طبيعة المجتمع اللبناني المقسّمة والطائفية، تجعل من إيجاد فرص العمل أمرا في غاية الصعوبة، حتى مع وجود إجازة جامعية لأن الفقراء ليسوا مدعومين وليس لديهم أي نفوذ في الأماكن المناسبة. فينتهي الأمر بالعدد القليل منهم الحائز شهادة جامعية بالتعليم في المدارس، أو بفتح مصالح صغيرة خاصة». وتشير إلى ان «منطقتي الوزّاني والجميجمة كافحتا للتعافي من صراعاتٍ متعدّدة من دون أن تقويا على ذلك لأنّ سكانهما ما زالوا يعيشون في جزءٍ غير آمنٍ من البلاد. أما مرح وبجعة في عكار، في شمالي لبنان، فتقعان في منطقة معزولة أهملتها حكومات كثيرة وقلّت فيها الموارد والاستثمارات». «أما الجماعات البدويّة في البقاع وجماعات الدومري المنتشرة في مناطق كثيرةٍ من البلاد، فلطالما واجهت مشاكل في الحصول على الجنسية وعانت من التمييز، الأمر الذي منعها من المشاركة في حياة المجتمع اللبناني.» وتؤكّد الدراسة أن «التهميش، سواء طال جماعة إثنية أو سكان منطقة جغرافية معينة، يعدّ سببًا للفقر ونتيجةً له في الوقت نفسه. فهؤلاء الأشخاص فقراء بسبب هويتهم، ومكان إقامتهم، ويبقون فقراء للأسباب ذاتها.» وتذكر الدراسة أن «عددًا كبيرًا من فقراء المدن وضواحيها في حي الغربي وكرم الزيتون وحي التنك (في بيروت)، هم من المهاجرين الذين نزحوا من مناطق أخرى، أو أتوا من بلد آخر. وهم يعيشون في مساكن فقيرة جدًّا غالبًا ما تقعُ على أراض غير صالحة للسّكن (على غرار المستنقع الذي يقع عليه حي التنك). وكثيرًا ما يكتظون على أرض ما من دون أي ضمانة لحقّ الملكيّة. ونتيجةً لذلك، يتهدّدهم باستمرار خطر الطـرد». أما بالعوامل المختلفة التي ساهمت في انتشار الفقر عبر البلاد، فتتمثل «بانعدام أي نوع من الأمان الإجتماعي لمساعدة الفقراء على مواجهة الصدمات والحالات الطارئة. أما شبكة الأمان الاجتماعي الأكثر شيوعًا، والتي لا يحظى بها الفقراء، فهي التحويلات الخارجية التي ترسلها أسر وأقارب من الخارج. وما يزيد الأمر سوءًا هو أنّ معظم الفقراء يعملون في القطاع غير النظامي وغالبًا ما تكون سبل عيشهم غير مضمونة أو غير مستقرّة بسبب الطقس والفصول (الشتاء) والصراعات والعنف. ونظرًا إلى عدم حصولهم على وظائف نظامية، لا يحقّ لهم الاستفادة من خطط الضمان الاجتماعي الوطني». هكذا، تجتمع نقاط الضعف كافة لتنتج حلقة مفرغة تزيد من ضعف الفقراء، وتضمن بقاءهم فقراء على مرّ الأجيال. وفي ما يتعلـّق بالسكان اللاجئين، فإن لبنان لم يوقّع على اتفاقيّة حقوق اللاجئين، ولذلك، لا يحظى معظم اللاجئين إلا بحماية محدودة وبفرص متفاوتة للحصول على الخدمات الأساسية، مما يُبقي مستقبلهم غير آمن ما لم يردّوا إلى أوطانهم أو يعاد توطينهم في بلدٍ ثالث. أما الباقون فيعيشون على حافة الفقر.» لا بيانات دقيقة إنما لماذا لم تتوفر أي بيانات دقيقة حول واقع الفقر في لبنان من قبل؟ تورد الدراسة أن الوضع التنموي معقّد في لبنان، ولا يمكن فهمه بسهولةٍ لأسباب متعدّدة منها تاريخ لبنان المتقلب، وهو ما منع بدء عملية جمع البيانات الأساسية إلا قبل فترة قصيرة من نهاية الحرب الأهلية سنة 1990. لذلك، لم تتوافر غالبية البيانات الأوّلية والأساسية التي تُقارن مع البيانات الحالية قبل أواسط ونهاية العقد الأخير من القرن الماضي. ومنذ ذلك الحين، حصلت محاولاتٌ عدّة لجمع البيانات في قطاعاتٍ مختلفة، غير أنّ بضع فجوات ما زالت موجودة». وتعتبر الدراسة أن «صوت الفقراء بقي العنصر الذي افتقدت إليه البحوث السابقة، التي لم تورد الطريقة التي يفهمون بها فقرهم ويختبرونه، لهذا سعت دراسة «وجه الفقر الانساني في لبنان» إلى «فهم القوى المحرّكة للفقر وإعطاء الفئات المتأثرة فرصة الإدلاء برأيها لوصف حقيقة معيشة الفقير، فدوّنت دراسات الحالات الإفرادية بطريقة تسمح للفقراء بالتعبير عن آرائهم، وتحديد واقعهم، وتوضيح نظرتهم الخاصة إلى أنفسهم، وأظهرت المقابلات بوضوح أنّ معظم الفقراء يفهمون وضعهم جيدًا. يفهمون الإطار الذي يعيشون فيه وهم قادرون على تقديم تواريخ وأوصاف دقيقة لأوضاعهم كما وأظهروا غالبًا حرصًا على استعراض الحلول الممكنة». «فقر متعدد الأبعاد» تعود الدراسة إلى نقطة البداية في تعريف «الفقر»، باعتباره «ظاهرة متعدّدة الأبعاد إذ أنها تعكس حقيقة أكبر من عدم كفاية الدّخل. ويحاول مؤشر الفقر المتعدّد الأبعاد (Multidimensional Poverty Index) التقاط تلك الحقائق عبر تحديد مجموعة من العناصر التي يحرم منها هذا الفرد في حياته ومنزله. وتشمل مؤشرات الفقر المتعدّد الأبعاد التعليم (عدد سنوات الدّراسة والتحاق الأطفال بالمدارس) والصحة (نسبة الوفيات عند الأطفال والتغذية) ومستوى المعيشة (توفر التيار الكهربائي ونوع الصرف الصحي والنفاذ إلى مياه الشفة وطبيعة الأرضية في المنازل ونوعيتها ونوع الوقود المستعمل في الطّبخ وعدد ممتلكات العائلة). عن أسباب الفقر تشرح الدراسة أنه «بعدما تعافى لبنان من ويلات الحرب الأهليـّة التي دامت خمسة عشر عامًا، شهد وضع البلاد الديموغرافي تغيراتٍ كبيرة، منها ظهور فئاتٍ ضعيفة جديدة في صفوف السكان. وتضم هذه الفئات اليوم جماعات البدو والدومري (المعروفة أيضًا بالغجر أو النور) والعمال المهاجرين (عمال المنازل الأجانب تحديدًا) واللاجئين والأطفال (أطفال اللاجئين والسجناء والعمال المهاجرين وأطفال الشوارع، الخ). ولا تعتبر عمالة الأطفال حقيقةً في المدن فحسب، بل في المناطق الريفية أيضًا (بخاصة في مناطق زراعة التبغ)، فضلاً عن الفقراء الريفيين التقليديين الذين يعيشون في جيوب في كل من الشمال والبقاع والجنوب». ومن أسباب استمرار الظاهرة «اهمال الحكومات المتعاقبة لتلك المناطق والمجتمعات المحلية، وذلك منذ وقت طويل جدًا. ويشملُ الفقراء الريفيون، لبنانيين نزحوا من المناطق الرّيفية إلى المدن وضواحيها ويعيشون في أحياء المدن الفقيرة ، نتيجة لانعدام الفرص وارتفاع تكاليف السكن.» مظاهر الفقر يتجلى الفقر بطرقٍ مختلفة، وتعتبر الدراسة أن «فقر الـذين لا يحملون الجنسية اللبنانية يكون بعدم حصولهم على الرعاية الصحية ولا التعليم، كما أنه ليس بوسعهم الدخول إلى النظام العام وغالبًا ما لا يمكنهم تحمل تكاليف النظام الخاص»، علما بأن «معظم الفقراء هم في القطاع غير النظامي، وبالتالي لا يملكون وظيفة ثابتة، وغالبًا ما يجدون أنفسهم من دون أيِّ دخل في خلال فصل الشتاء عندما يكون الطقس سيئًا أو في فترات الحرب والعنف.» «أما الذين يعيشون على مقربة من الحدود الجنوبية، فيشعرون دائمًا بعدم إستقرار لأنهم تشرّدوا مرّات عدّة بسبب الحرب والتهجير. وهكذا يخسرون سبل عيشهم من جهة، ويتكبدون أضرارًا جسيمةً في منازلهم وفي ممتلكاتهم من جهة أخرى.» بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما يكون المستوى التعليميّ لدى الفقراء الذين يعملون في القطاع غير النظامي منخفضا جدًا. ولا تتمتـّع تلك الفئة إلا بمهاراتٍ مهنيةٍ قليلة في ظلِّ نقص فرص التدرّب لإكتساب المهارات أو غيابها. أما فقراء الرّيف، فهم لا يملكون أراض أو يملكون قطعًا صغيرة منها تكفي حاجاتهم الخاصّة، وبالكاد تدرّ عليهم أي دخل. في المقابل، فإن فقراء المدن يصادرون المنازل في أحياء المدن الفقيرة أو «يملكون» منازل فيها، على الرّغم من أنّ حيازة الأرض لا تكون مضمونة. وفي ما يتعلّق بنوعيـّة المنازل في الأرياف والمدن، فدائمًا ما تكون فقيرة ومكتظة. أما بالنسبة لتغذية الأطفال فهي رديئة، ويقدَّر أنّ نقص المغذيات الدّقيقة أكبر في صفوف الفقراء بسبب عاداتهم الغذائيّة السيئة. وقد ظهر ذلك بوضوح من خلال وقف نمو (الذي يعني نقص التغذية المزمن) الذي لوحـِظ لدى جماعات البدو والمجتمعات المحلية في الجنوب. ويشبه عددٌ كبير من المشاكل الصحية التي يواجهها الراشدون تلك التي يواجهها السكان في البلدان المتطوّرة ومنها: ارتفاع معدّلات السكري وارتفاع ضغط الدّم والأمراض القلبية الوعائية. ولكن أسباب تلك الأمراض مردّها ارتفاع مستويات الإجهاد المزمن الذي تسببه تجارب العنف والصراعات المتكرّرة والتهجير والكفاح اليومي في وجه الفقر والتهميش. العمل والتعليم تعد سبل العيش الآمنة مفتاح ضمان إيجاد الفقراء لطريقة للخروج من فقرهم، تلك هي المسلمة التي تنطلق منها الدراسة لتشير إلى أن «معظم الفقراء يعملون في القطاع غير النظامي كصيادي سمك وعمال زراعيين وباعة متجولين وعمال بناء وفي المطاعم. وسبل العيش تلك كلها في الهواء الطلق (باستثناء المطاعم) وتعتمد على الطقس. وبالتالي، يعجز أيّ واحد من هؤلاء الأفراد على العمل أو على إيجاد وظيفة في خلال أشهر الشتاء أو أثناء العواصف. أما في ما يتعلق في مستويات التعليم، فترى الدراسة أنه «لا قدرة لدى العائلات الفقيرة على تكبّد نفقات التعليم الخاص واضطرارها إلى إرسال أولادها إلى المدارس الرسمية على الرغم من ظنّها أنها ذات مستوى ضعيف. ومع أنّ معظم الأولاد يلتحقون بالمدرسة الابتدائية حتى الصف الثالث أو الخامس، تبقى نسب التسرّب المدرسي أكبر في المجتمعات الأفقر». و«يتسرّب الأولاد من مدارسهم لرعاية أشقائهم الأصغر سنًا، بينما يعمل الوالدان أو حتى الأولاد أنفسهم، في القطاعات غير النظامية. وتنهي نسبة مئوية صغيرة المرحلة المتوسّطة إلى صف المتوسط الرابع (البريفيه). ويصل عدد قليل فقط إلى الجامعة لا سيما من سكان المناطق الرّيفية أو الفئات المهمّشة كالبدو وجماعات الدومري.» المناطق المدروسة شملت الدراسة ثمانية تجمعات، بينها المجتمعات الرّيفية كل من مرح وبجعة (في عكار)، والوزّاني (في مرجعيون)، والجميجمة (في بنت جبيل) وعرب الحروك (وهو مجتمع بدوي في البقاع). أما المجتمعات المدينية فهي حيّ الغربي (في بيروت)، وحيّ التـنك ( في منطقة الميناء، خارج طرابلس، شمال لبنان) وكرم الزيتون (الأشرفية - بيروت) بالاضافة إلى مجتمع لاجئ تمثل في مخيم البص وتجمع جلّ البحر (في صور).

14.11.11

لبنانيـات موحـدات يطالبـن بالمسـاواة :متـى تحصـل الأم علـى حـق المواطنـة؟






نُشر في جريدة السفير




14-11-2011




جهينة خالدية




لا حسابات طائفية هنا، لا ولاءات سياسية، كلهن موحدات. تتباين أزياؤهن، وأهواؤهن، ولهجاتهن، ومعتقداتهن، ولا يجمعهن إلا الرابط الأكثر متانة منذ بدء الخلق: أمومتهن لأبنائهن. لكن، مع غياب الحسابات الطائفية، الولاءات السياسية، يغيب «الزعيم» الراغب بمناصرتهن، وبالعمل على إحقاق حقوقهن. يغيب التنافس بين «زعماء» جماعات هذه البلاد لمساندتهن في مناداتهن بحقهن في مواطنة كاملة. نهلة تفكّر في عيني ابنتها. تجلس بعيدا عن المشاركات والمشاركين في اعتصام حملة «لأنهم أولادي جنسيتي حق لهم» الذي نظمه «اللقاء الوطني للقضاء على التمييز ضد المرأة» أمس، وتستقر قبالة تمثال رياض الصلح في وسط بيروت. تقول ان جلّ ما تريده هو ألا تفقد ابنتها نظرها عند باب أحد المستشفيات. تؤكّد الأم المتزوجة من فلسطيني «أنا لم أعد أهتم لا لكوني لبنانية، ولا لزواجي من فلسطيني، ولا لحق العودة، ولا لقضية الأمة أصلا.. فلديّ قضية وحيدة: أنا أكون، كأم، مواطنة كاملة أمام القانون». نهلة التي تعمل وابنها البكر كحمالين للبضائع، تؤكد أنها لم تعد قادرة على التفكير بالأمس، «عندما زوجني أهلي وأنا في الخامسة عشرة من شاب فلسطيني، طلقني لاحقا بعدما أنجب مني أربعة أولاد». بالنسبة لها «اندثر الماضي. اليوم، أنا وحيدة، وابنتي تعاني من جفاف في شبكة العين وتحتاج إلى عملية مكلفة وإلا فستفقد بصرها، وأنا أم «ناقصة»، لا أستطيع معالجتها، ووزارة الصحة اللبنانية، الجهة التي تمثل دولتي في الشأن الصحي.. لا تغطي أولادي..». تختصر نهلة «قضيتها» الوطنية الوحيدة بالقول «أنا لا أنزل إلى الشارع لأني أبحث عن حقوقي السياسية والمدنية، كل ما أريده هو أن أشعر بأني أم كاملة لأولادي، وأنا لا أنجب أجانب يغرّبهم قانون دولتي عني». تعرف السيدة الأربعينية، كل الذرائع التي تستخدم لمنع الأم اللبنانية من حقها في منح جنسيتها لأولادها، لا سيما إذا كانت متزوجة من فلسطيني، وتدرك جيدا أن رجال ونساء السياسة والطوائف يلجأون دوما إلى «فزيعة» التوطين.. تقول «أعرف ذلك كله، لكني ببساطة لا أستطيع العودة في الزمن إلى الوراء لأتزوج من لبناني وأنجب لهم أطفالا لبنانيين «صافيين». قصة نهلة هي واحدة من معاناة الآلاف من اللبنانيات، اللواتي يكرر «اللقاء الوطني للتمييز ضد المرأة» حكايتهن منذ إطلاقه حملة «لأنهم أولادي، جنسيتي حق لهم» منذ أكثر من ست سنوات، وذلك في مواجهة مع القانون الصادر منذ 96 عاما، دون أن تحقق أي خطوة لمصلحة المرأة اللبنانية. الأمر الذي يدفع الدكتورة ماري ناصيف الدبس، من اللقاء الوطني، لتتساءل «هل ان شيئا قد تغيّر في لبنان المستقل؟ وهل حاولت الحكومات المتعاقبة ومعها البرلمانات التي ننتخبها أن تغيّر شيئا من واقعنا، عموما، وواقعنا كنساء على وجه الخصوص»؟ تضيف ان «المرأة اللبنانية التي أسهمت في كل المعارك الوطنية، من معركة الاستقلال إلى المقاومة الوطنية للاحتلال الصهيوني، تجد نفسها اليوم في مواجهة معارضة سياسية وطائفية شرسة. هذه المعارضة تنكر عليها الحقوق المسجلة في دستور البلاد، وفي مقدمة هذه الحقوق حقها في إعطاء جنسيتها لأولادها». أما سلوى حبلي باسم «النساء اللبنانيات المتزوجات من غير لبنانيين»، فكررت نداء «اللقاء الوطني» الذي يقول «نحن مواطنات لبنانيات موحدات، أتينا من كل المناطق والطوائف، نرفع صوتنا عاليا في وجه القيّمين على النظام في لبنان لمخالفتهم أحكام الدستور من خلال التفرقة بين المواطنين والمواطنات. من حقنا أن نعطي جنسيتنا لأولادنا. وسنفعل. من حقنا على الدولة، بل من واجب الدولة أن تطبق المادة السابعة من الدستور التي تقول بعدم التفرقة بين المواطنين. من حقنا أن نعطي جنسيتنا لأولادنا. لقد تعبنا من كل أشكال المماطلة والتسويف عندما يتعلق الأمر بحقوقنا». كما ألقت وفيقة منصور من «اللقاء الوطني» كلمة مرسلة من المناضلة سهى بشارة تقول «تكثر القضايا المعلقة التي علينا خوضها في هذا الوطن، وعلينا خوضها إلى أن نحقق معاً وطناً لجميع أبنائه، وإلى أن نبني هذا الوطن الذي علينا أن نعيش فيه على مبدأ المساواة محققين العدالة الاجتماعية». ورأت بشارة أن «السعي اليومي هو لئلا نموت على أبواب المستشفيات، لئلا نذل من أجل لقمة عيش كريمة، ولئلا نقيَّم على أساس انتماءاتنا الطائفية أو الحركية أو الحزبية بل على أساس حقنا كمواطنين على هذا الوطن وحق هذا الوطن علينا في دولة يعلو فيه القانون فوق الجميع، القانون الذي عليه أن يحكم بالعدل والعدالة بدون أي تمييز لا على أساس الجنس ولا على أساس الطائفة». وسألت «كيف يمكن لمن يعجز عن إقرار حقنا الطبيعي كأمهات انتمين إلى هذا الوطن، أن يتحمل مسؤولية تمثيل وبناء هذا الوطن؟»

12.11.11

حملة «رجال ضد العنف» ضد المرأة: لإشراك الآخر في الحل




نُشر في جريدة السفير



12-11-2011



جهينة خالدية



كيف يمكن لرجال يعيشون في القرن الحادي والعشرين، أن يدّعوا أنهم على قدر من الانسانية، وكثير منهم، ما زال يؤمن بحقه في تعنيف المرأة؟كيف يمكن للأمهات، والأخوات، والفتيات أن يخلدن إلى النوم بأمان، ويخرجن إلى نهاراتهن، وهن محاطات بأزواج وآباء وأشقاء وأبناء لا يترددون في المجاهرة بسلطتهم الجسدية عليهن؟ السؤالان بديهيان، انما يحمل كل منهما كماً لا بأس به من القسوة والايلام على نساء ما زلن يعجزن عن العيش بكرامة في ظل مجتمع تطغى موروثاته الاجتماعية المغلوطة على مبادئه الانسانية. الرجل متهم، كونه إما مشاركاً في ممارسة العنف الجسدي واللفظي والمعنوي، أو مكرِساً لهذا العنف في السلطات والقوانين الشرعية والشخصية. الرجل متهم، والمرأة نفسها شريكة أيضا، فهي التي سكتت عن حقها، وامتنعت عن رفع الصوت في اعتصامات متكررة نفذتها جمعيات المجتمع المدني، وتركت العدد المشارك خجولا. في المقابل لم تتردد سيدات أخريات في المشاركة في اعتصامات مناهضة لقانون حماية المرأة من العنف الأسري في مشهد مستفز، ومستغرب ويصور السلطة الذكورية بأبشع أشكالها. من أين تكون البداية إذاً؟ ولماذا لم تحقق تحركات ونضالات المجتمع المدني المستمرة منذ أكثر من ستين عاما تطوراً جذرياً وملموساً في القوانين في مجال مناهضة العنف ضد المرأة حتى اللحظة؟ تحاول حملة «رجال ضد العنف» التي تنظمها مؤسسة «أبعاد» أن تجيب عن هذا السؤال، إذ تقول مؤسِّسة ومديرة المؤسسة غيدا عناني، إن «جزءاً من المشكلة يكمن في تجاهل الرجل كشريك في الحل، إذ طالما وصِفت غالبية مبادرات الحقوق الإنسانية للمرأة ومناهضة العنف الموجه ضدها، الرجل مرتكباً للعنف حصراً، من دون اللجوء إلى التواصل معه ليكون جزءاً من الحل أيضا». وتوضح عناني «أن المسؤولية الأولى تقع على الرجل بطبيعة الحال، لكن التهجم عليه دوماً، أدى إلى زيادة سلوكياته التبريرية والدفاعية، وبات يجد لنفسه مخارجَ لعنفه (تبقى غير مقنعة طبعا)». وترى عناني أن «الانطلاق من جعل الرجل شريكا في الحد من العنف ضد المرأة يكون بإعادة تحديد الوظيفة الاجتماعية لكل من الرجل والمرأة، والتذكير بإنسانية كل منهما ومساواتهما أمام الانسانية». وبهذا المعنى، «لا يعود الرجل هو السلطة الطاغية، وهو من يقف في الواجهة في الأدوار الحياتية والوظيفة والمنزل، في حين تبقى المرأة محصورة بأدوار هامشية. وينطلق تغيير هذه الصورة، وتحديد هذه الوظائف، وفق عناني، من التربية والتنشئة داخل المنزل، وفي المناهج التربوية في المدرسة لاحقا». وتوضح عناني أنه «انطلاقا من هذا تعمل «أبعاد» على تعزيز المساواة بين المرأة والرجل وتفعيل مشاركة النساء من خلال تطوير السياسات، والإصلاح القانوني، وإدماج مفهوم النوع الاجتماعي، وتعزيز إشراك الرجال في هذه العملية، وإلغاء التمييز وتمكين النساء وتعزيز قدراتهن للمشاركة بفعالية في مجتمعاتهن».ولكن، كيف يمكن لهذه المبادئ أن تجد طريقها إلى التنفيذ، وكيف يمكن أن يتحول رجل معَنِف إلى آخر يؤمن بمساواته مع المرأة ويتخلى عن الصورة النمطية بحقه بتعنيفها، لمجرد أنه... رجل؟ تعمل «أبعاد» بالشراكة مع وزارة الشؤون الاجتماعية، وبالتعاون مع «الهيئة الطبية الدولية»، وعلى أكثر من مستوى، على خلق تغير نوعي في هذا المجال، ومن بينها «ورشة العمل حول صناعة الأفلام» التي خصصت لستة عشر شاباً لبنانياً وعراقياً. ويشير منسق المشروع في «أبعاد» أنطوني كعدي إلى أن «الورشة التي نفذت بالشراكة مع شركة «واندربوكس»، شكل فرصة للشباب لعكس واقع إشكالية العنف ضد المرأة الممارس في مجتمعاتهم عبر استخدام الفن». ويوضح كعدي أن «الشباب المشاركين عملوا خلال الورشة على تحديد مسؤولية كل من الرجل والمرأة لوضع حد لهذه الانتهاكات لحقوق الانسان». تحديد المسؤولية الذي يتحدث عنه كعدي، تم ايصاله إلى الشباب المشاركين في الورشة عبر مناقشتهم مفاهيم العنف ضد المرأة، والأدوار الجندرية، ومفهوم الرجولة. وسيسعى الشباب لتحويل هذه المفاهيم الى مواضيع للأفلام والتنويهات التلفزيونية التي عمل الشباب على إعدادها لتعرض لاحقا على قنوات التلفزة اللبنانية والعراقية خلال حملة الستة عشر يوما العالمية لمناهضة العنف ضد المرأة، والتي تنطلق في 25 من تشرين الثاني الجاري الذي يصادف اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، وتستمر لغاية العاشر من كانون الأول المقبل، اليوم العالمي لحقوق الانسان. وتؤكد عناني من جهتها أن «أبعاد» عملت أيضا على «تنفيذ مجموعات دعم استهدفت ثمانين رجلاً وشاباً، يصنف معظمهم كرجال معنِفين للنساء»، بالشراكة مع «هارتلاند اللاينس». وتم تقسيم العمل معهم على عشر جلسات، «حيث تم اخضاعهم لدورات ادارة الغضب، وتفريغ الضغوطات الحياتية في أشكال بديلة مختلفة بعيدا عن العنف، لنسجل لاحقا تغييرا سلوكيا». إنما هل يمكن لـ«أبعاد» أن تلحظ تغييراً ملموساً في مسار عملية مناهضة العنف ضد النساء، من خلال حملتها «رجال ضد العنف»؟ توضح عناني أن «العنف الذي تكرس على مدى سنوات وساد بسبب الموروثات الاجتماعية والثقافية المغلوطة لا يمكن أن ينتهي خلال مرحلة قصيرة، بل يحتاج إلى مسار طويل من التوعية الاجتماعية، وخلق حملات مناصرة للقضية، وإلى إشراك الشباب أنفسهم في العملية اللاعنفية لسد الفراغ الحاصل في هذا العمل التوعوي، وللوصول إلى تعميم مبادئ إنسانية تنشئ أطفالنا وتخلقهم مواطنين مؤمنين بالمساواة». جهينة خالدية

2.11.11

انتخابات اليسوعية: الطائفية في أعلى مستوياتها



نُشر في جريدة "السفير"


2-11-2011

جهينة خالدية




لن تختلف التحالفات السياسية في الانتخابات الطالبية في جامعة القديس يوسف، التي تنطلق يوم غد الخميس في كل أحرام الجامعة حيث يوجد أكثر من اثني عشر ألف طالب. ما زالت المعارك الانتخابية تخاض على الانقسام عينه: تحالفات قوى الثامن من آذار، مقابل تحالفات قوى الرابع عشر من آذار، علماً أن التسمية الحقيقية للمعركة هي: اثبات وجود بين العونين والقواتيين في الجامعة، بدعم من الطلاب المؤيدين لحزب الله، وحركة أمل للفريق الأول، وتيار المستقبل للفريق الثاني. أما طلاب منظمة الشباب التقدمي فهم ملزمون بالامتناع عن المشاركة في الانتخابات تصويتا وترشحا للسنة الثانية على التوالي (على الرغم من مشاركتهم إلى جانب 14 آذار في انتخابات 2009)، وذلك "لأننا نرى أنفسنا على مسافة واحدة من الجميع، ولا نود أن نخوض الانتخابات في ظل هذه الأجواء الحادة"، وفق ما يقوله مسؤول الجامعات الخاصة في منظمة الشباب التقدمي، باسل العود لـ"السفير". وعن مشاركة طلاب المنظمة في انتخابات طلابية في جامعات أخرى لا تقل حدة عن اليسوعية؟، يوضح العود: "لكل جامعة خصوصيتها، نحن نفضل ألا نشارك في انتخابات اليسوعية لأسباب اضافية بينها أن قوانين ادارة الجامعة باتت صارمة جدا لدرجة تضيّق الخناق على العمل السياسي للطلاب وندواتهم وشعاراتهم في الجامعة، كما أننا لا نرى أن المجلس الطلابي يقدم الكثير عند فوزه!". إذاً تشتعل فروع الجامعة اليسوعية غداً حماسة مع انطلاق الانتخابات في كل من أحرام "العلوم الطبية"، و"الانسانية" وفي الحرم الجديد "الابتكار والرياضة"، و"العلوم الاجتماعية - هوفلان" الذي يشهد أجواء حماسية ومتوترة دوما، وفي مدرسة العلوم والتكنولوجيا – مار روكز (التابع لكلية الهندسة)، وفي فروعها الثلاثة في صيدا (فازت 14 آذار بالتزكية)، وزحلة وطرابلس. وتتنافس في اليوم الانتخابي الطويل ستون لائحة انتخابية على اساس قانون النسبية المعتمد في اليسوعية. ومن المعروف أن الانتخابات الأكثر توتراً وحماسا تُسجل في حرم "هوفلان" في مونو، وتحديدا في كلية ادارة الأعمال، وفي كلية الهندسة، ومن المتوقع سخونة اجواء حرم "العلوم الطبية" هذا العام. وتعتمد "النسبية" في الجامعة للسنة الثانية على التوالي، بعد أن أُقرت العام الماضي على حساب قانون الأكثرية، الذي كان يحسم الفوز لطرف من دون آخر في الجامعة. وما زالت الجامعة فخورة بإنجازها بتطبيق قانون النسبية في انتخاباتها الطلابية، على الرغم من تحفظ كثير من الطلاب لا سيما المتحزبين منهم، الذين يودون "اكتساح" المقاعد، وحسم النتائج لصالحهم مع إلغاء وتهميش تام للطرف الآخر. وهذا تماما ما تتجنبه ادارة الجامعة، إذ يشرح مفوض رئيس الجامعة للحياة الطالبية والتزام المواطنية جوزف عتيق لـ"السفير"، أن "نظام النسبية هو نظام مثالي لمجتمع متعدد، يمنع أن يطغى فريق على فريق آخر، ويسمح بتمثيل كل الأطراف، كما يساهم في تدريب الطلاب على التعايش مع نتيجة انتخابات تجري وفق نظام النسبية، واحترام الآخر. وبهذا نكون نُخرِّجهم كمواطنين يمكنهم أن يختلطوا ويتعايشوا مع بعضهم في المجتمع اللبناني". ولا ينفي عتيق أنه "على الرغم من ايجابيات نظام النسبية إلا أنه يُلغي حق الترشح بشكل منفرد، ويلزم الطلاب أن يكونوا ضمن لائحة مجموعة أو حزب". من جهة ثانية، يشير عتيق إلى أن "الجامعة تقوم للسنة الأولى بمكننة التصويت في كلية ادارة الأعمال، وفق نظام يحفظ سرية وصدقية العملية، بحيث أنه بعد التصويت عبر الكومبيوتر يتم طباعة التصويت وإدخاله في الصندوق". ولا يتوقف وضع جامعة القديس يوسف ثقلها في قوننة وتنظيم انتخاباتها الطلابية عند اجرائها وفق نظام النسبية، بل تعمل على التدقيق في الانفاق الانتخابي، الذي سجل في الأعوام الماضية أرقاما خيالية، بعدما قامت معظم الأحزاب بتمويل الحملات الانتخابية، وكأنها تخوض انتخابات نيابية عامة. وشمل الإنفاق السهرات والحفلات والمطبوعات والتذكارات والقبعات والقمصان والفولارات... وما الى هنالك من إكسسوارات للترويج لهذا الحزب أو ذاك. ويلفت عتيق إلى أنه "من المعروف أن البذخ في انتخابات يلعب دورا ضد ديموقراطية الانتخابات، بحيث يسلط الضوء على أطراف معينة، ويحجب طلابا آخرين قد لا يملكون التمويل الكافي لمجاراة الفريق المقابل".. لهذا ناقشت الجامعة هذا العام الطلاب في قضية الإنفاق الانتخابي، واتفقت معهم وفق ميثاق شرف على مراعاة سقف مقبول للإنفاق لهذا العام، على أن تعمل الجامعة على وضع بند أساسي في قانون انتخابات الجامعة في العام المقبل، يحدد سقفا ممنوعا تخطيه في الإنفاق الانتخابي، "لأننا نريد للطلاب أن ينتخبوا على مضمون برامجهم لا على المطرب أو الحفل أو الهدايا الرمزية". ويُسجل لجامعة القديس يوسف أنها بخطواتها هذه، تظهر نية جدية في تحويل الجامعة إلى مساحة تقلب المعادلة، وتغير في أنماط التفكير لدى الطلاب، فتدفعهم إلى الالتزام بالقوانين وتصدير نوع من الديموقراطية إلى المجتمع بدلا من جمع الاحتقان من المجتمع وتفريغه في قلب الجامعة". علما أن المعادلة عينها تتوفر من وجهة نظر الجامعة، من دون أن تتحول إلى واقع ملموس في انتخابات يوم غد، بحيث ينجح الطلاب في ابتكار سبل مختلفة للترويج لأحزابهم ورغبتهم بإلغاء الآخر، وهو ما يظهر من خلال وعود وتحليل وقراءات مسؤولي الأحزاب في الجامعة. الكل سيفاجئ الكل كما في كل عام، المعارك الانتخابية تحمل عنواناً متداولا: "ع المنخار"، بحيث تشهد بعض الكليات تنافسا حاداً يحسمه الفوز بفارق بسيط جدا لأحد الأطراف. ويشير مسؤول دائرة "الجامعات الفرنكوفونية" في "القوات اللبنانية"، نديم يزبك إلى أن "تحالف قوى الرابع عشر من آذار يعمل على الحسم النهائي، بحيث لا نترك لفريق الثامن من آذار المجال لأن يتفوقوا علينا بأي شكل من الأشكال". و"يعد" يزبك منافسيه أنه لن يكون لهم أي رئيس هيئة في مجمعات بيروت الثلاثة هذا العام". ويُذكّر يزبك أن "تحالف 14 آذار فاز العام الماضي في 11 كلية في بيروت إضافة إلى كلية الطب (علما أن الفوز فيها كان في واقع الأمر لمستقل، تجزم القوات أنها دعمته). ويشدد يزبك إضافة إلى "محافظتنا على الفوز في هذه الكليات، نتجه إلى الفوز في الحرم الجديد عند طريق الشام، وهو حرم الابتكار والرياضة، وفيه أربع كليات: العلوم الاقتصادية (التي انتقلت من هوفلان)، والعلاج الفيزيائي، والعلاج الحركي وعلم النطق (انتقلت من حرم العلوم الطبية)". بدوره، ينطلق مسؤول الجامعات الخاصة في بيروت في التيار الوطني الحر جان جاك مانانيان من أن "قوى الثامن من آذار فازت العام الماضي بإحدى عشرة كلية في بيروت، ليؤكد انها ستضيف هذا العام فوزا جديدا وسنفاجئ الكل". ووفق وعود الطرفين، تعمل القوات على الفوز في كليات الهندسة والآداب والترجمة، والحفاظ على فوزها في ادارة الأعمال والاقتصاد والطب، فيما يسعى التيار الوطني الحر للمحافظ على فوزه في الهندسة والآداب والترجمة، وشد الحبال لـ"سحب البساط" من تحت أقدام القوات في كلية ادارة الأعمال تحديدا. ويعتمد كل من الطرفين على دعم ضروري من الأحزاب الأخرى، مما يفسح المجال لتبادل الاتهامات، ويرى مانانيان أن "التيار الوطني الحر لا يميز بين شيعي ومسيحي في الجامعة، وهو يعتبر أن قوى الثامن من آذار كتلة موحدة، ولا نحب أن نقسّم الطلاب حسب طوائفهم، إنما يمكن القول إن دعم طلاب حزب الله وحركة أمل لنا، تماما مثل دعم طلاب تيار المستقبل للقوات اللبنانية". بدوره يقول يزبك إنه "لا يمكن للتيار الوطني الحر الربح من دون دعم حزب الله وحركة أمل، معتبراً ان الأرقام خير مثال على ذلك، ومنها معركة كلية إدارة الأعمال، إذ لا يتعدى عدد العونيين فيها 220 ناخبا، ويستفيد هؤلاء من 370 ناخباً لحركة أمل وحزب الله، أما القوات فعددهم 410 ناخببين لوحدهم، ويضاف إليهم 170 ناخبا من تيار المستقبل".ويرغب يزبك بأن يسمي هذه المعطيات بـ"تمدد حزب الله في الجامعة"، ويستدرك ليقول "نحن لا مشكلة لدينا بتواجد طلاب لهذا الحزب في الجامعة، إن مشكلتنا بطريقة وجودهم وطريقة فرض رأيهم، وأبسط مثال على ذلك ما حصل يوم الجمعة الفائت في فرع الجامعة في صيدا، حيث تأخروا عن تقديم لوائحهم، ففازت قوى 14 آذار في الفرع، وعند رفض الادارة للوائح بعد المهلة المحددة، اعتصموا في اليوم التالي وأقفلوا الجامعة".هنا يوضح عتيق أنه "فعلا تم التأخر في تقديم اللائحة الثانية للترشح للانتخابات في حرم صيدا، مما دفع بعض الطلاب إلى الاعتصام في اليوم التالي، وقامت إدارة الجامعة بمحاورة الطلاب، وأنهت الاشكال". وهو ما يعتبره مندوب حزب الله في الجامعة محمد وهبه "اغفالا لحق الطلاب في الترشح، إذ لم يكن طلاب الثامن من آذار يعرفون أن باب الترشيح ينتهي في ذلك الوقت، لهذا اعتبروا أنفسهم مغبونين ومنعوا من الترشح لانتخابات كان فوزهم فيها مؤكدا، علما أن ما حصل في اليوم التالي هو احتجاج وليس اشكالا، أو اقفال للجامعة كما يتم الترويج له". ويوضح وهبه "أن تحالف حزب الله مع التيار الوطني الحر يأتي ضمن الثوابت الوطنية، وليس لمصالح على حصص طائفية مؤقتة، لذلك من الطبيعي أن نجيّر ثقلنا في كلية ادارة الأعمال لصالح التيار الوطني الحر". ويؤكد "ليس من المفترض لوجودنا في الجامعة أن يستفز أحداً، لا سيما أننا نتصرف مثل أي طالب يسعى لتحصيله العلمي، ولا نعيّر الآخر وفق عقائده الخاصة". جهينة خالدية




31.10.11

حرب تنتهي ولا تنتهي»: مؤتمر يشترط «الاعتراف والسماح» للخروج من الكره

نُشر في جريدة "السفير"
31-10-2011
جهينة خالدية






لم تنته الحرب، ما انتهى هو «العنف المرئي»، أما الكره فما زال حتى اللحظة هو «الهوية الدائمة للبناني». من هذه الاشكالية انطلق مؤتمر «حرب تنتهي، ولا تنتهي»، الذي عقد نهاية الأسبوع المنصرم في مستشفى جبل لبنان. ومن هذه الجملة تحديداً يبدأ النقاش، وفق ما يقول المتخصص في الطب والتحليل النفسي ورئيس قسم الطب النفسي في المستشفى الدكتور شوقي عازوري، لـ«السفير»، مشيرا إلى أن «المؤتمر المستوحى عنوانه من كتاب لفرويد «تحليل منتهٍ، تحليل غير منتهٍ»، يعمل على شرح وفهم قدرة الانسان على خوض حروب مستمرة مع أخيه الانسان».





ويلفت عازوري إلى أنه «عندما نقول: حرب تنتهي، ولا تنتهي، نكون نقصد أن الحرب انتهت من حيث الشكل، أما من حيث المضمون ومعاني الحرب وتأثيراتها، فهي مستمرة على مستويات عدة، ذلك أنه لم يشرع بتنفذ الخطوات التي تساعد على انتهائها، ومن ثم تخطيها».وتبلورت هذه النقاط أكثر خلال جلسات المؤتمر الذي استمر ثلاثة أيام، بتنظيم من «مستشفى جبل لبنان» و«الجمعية اللبنانية للتحليل النفسي»، و«الجمعية الدولية لتاريخ الطب النفسي والتحليل النفسي» وبمشاركة «ألفابسي». ويأتي المؤتمر في إطار نهج مستشفى جبل لبنان للمسؤولية الاجتماعية والتوعية حيال مختلف القضايا الراهنة، وبخاصة لتفعيل النقاش بين المثقفين والعلماء، وأعطى أبعادا نفسية وتقنية لمعنى الاعتراف والسماح وتخطي الحرب ورواسبها.





ولكن ما الذي يحتاجه شعب، أو وطن ليخرج من الحرب؟ يذكر عازوري انه «لا يمكن وضع حد للحرب من دون الاعتراف الذي يلجم الحقد والكره، ويوقف تناقلهما عبر الأجيال. فالاعتراف والاعلان يعنيان تحمل المسؤولية، ومن ثم يجب على الجاني أن يطلب السماح. ولا تنتهي العملية إلا بعد حصول السماح والمصالحة على صعيد الوطن». من هنا، يعتبر عازوري أن «الشعب اللبناني لم ينه حربه بعد، ذلك لأنه لم يحصل على الحقيقة، وقسم منه ينتظر مفقوديه، وقسم آخر لم يعرف من المسؤول عن قتل أولاده وعائلته، أو لم يشفه عدم الاعتراف علانية بهذه المسؤولية». من هنا، يمكن القول «إن هناك كثيرين ما زالوا ينتظرون، ولم يدفنوا موتاهم ولم يبكوهم ولم يحدوا».





بمعنى آخر «لا يعرفون كيف يعيشون حاضرهم وهم أسرى الماضي، ومن المعروف أن دفن الماضي ودفن الموتى هو جزء من العلاج وهو ضرورة ليتابع الناس حياتهم». لكن ما الذي يضمن عدم تكرار هذه الجرائم والحروب بعد الاعتراف بالمسؤولية؟ يرى عازوري أن «الخبرة التحليلية والجماعية والاجتماعية أثبتت أن الاعتراف وطلب الغفران، وبعدها السماح تمنع تكرار الفعل الجرمي، على الرغم من أننا نعرف أن جزءاً من إكمال الحرب ضمنيا في لبنان هو الطبقة السياسية الحاكمة التي تقتات على تجييش الناس، بمعنى أنها لا يمكن أن تستمر في حال تصالح الناس مع ماضيهم ومع حاضرهم، وطريقتها للاستمرار هي بتجييش المشاعر ضد الآخر، وإبقاء الحقيقة مدفونة وبإغراق الناس، وأهالي الضحايا في الجهل وفي منأى عن الحقيقة». وهذا النهج «مناف تماما لكل مشروع المسامحة وتصفية الحسابات».





حاجة للتحرر من التبعية والاستعباد





ويعود عازروي ليوضح أنه «لا شك بأن اللبنانيين بحاجة إلى المسامحة، وإلى الدعم النفسي ليخرجوا من ماضيهم، ومن استمرار الحرب في يومياتهم، كما انهم بحاجة أيضا إلى التحرر من التبعية والاستعباد، لساسة أو زعماء يتم تأليههم» فـ«التبعية، وفق عازوري، تسلب اللبنانيين حريتهم، وتجعلهم بحاجة دائمة إلى التماثل مع من يشبهونه من حيث الانتماء والأفكار، والانضمام معهم إلى مجموعة». وكل هذا يؤدي إلى «نسيانهم ذاتهم وأناهم والانصهار في مجموعة ضد مجموعة أخرى يكرهها». من هنا، يختصر عازوري الحال في لبنان بتعريف بسيط «قل لي من تكره، اقل لك من أنت». وفي الاطار عينه، يشرح الرئيس الفخري، والمدير الطبّي لمستشفى جبل لبنان الدكتور إيلي غاريوس، معنى الحرب التي «خلقت عند الإنسان التعطش الدائم للسلطة والثروة، منقاداً بشعور عدائي غير محدود». ويلفت غاريوس إلى أن «المؤتمر ينطلق من أهمية البحث عن حلّ جذري لبلد يتمزق بصراعاته الداخلية منذ سنين»، معتبرا أن «لبنان ليس على وشك الانهيار، بل هو قادر على العيش طويلاً، اذا تجرأ على المسامحة».





ويشير مدير المعهد الفرنسي اللبناني أوريليان لو شوفالييه إلى مسؤولية المواطنين أنفسهم حيث «إن نفي الحقيقة يؤدي الى تكرار التجربة، فلا الحرب ولا السلم هما من صنيع قادة الحرب، بل هما من صنيع المجتمع ذاته، لذا علينا العمل على تكوين الذاكرة الجماعية لنتمكن من تخطي واقع الحرب». وتوقفت رئيسة الجمعية الدولية لتاريخ الطب النفسي والتحليل النفسي، اليزابيث روديناسكو عند الحرب المستمرة وغير القاتلة، لتقول إن «الحرب في واقع الأمر لا تنتهي، وحتى يمكننا أن نوقع هدنة ونسقط الأسلحة، ولكنها تستمر بشكل آخر من دون إيقاع ضحايا»، مشيرة إلى أن «لبنان عرف الكثير من الحروب ويتهدده دائماً خطر الحرب، وهذا جزء مما يواجهه العالم والحياة البشرية من التناوب بين الحرب واللا حرب». وفي محاولة للرد على سؤال كيف يمكن للبناني تخطي الحرب وهو لم يتوافق بعد على تسميتها؟ اعتبر وزير الداخلية السابق زياد بارود، أنه «على مدى سنوات، لم ينجح اللبنانيون في التوافق على تسمية الحرب، وهذا دليل على ضياعهم»، مؤكداً انه «لكي نتخطى الذهنية الراسخة للحرب علينا وضع شعار المسامحة في أذهاننا». ورأى أن «لبنان والهيكلية الحاكمة اختاروا أن يدمّروا الذاكرة الجماعية من خلال طيّ ملامح حرب الشوارع». ورغم ان «اللبنانيين لم يتمكنوا من تكوين الذاكرة»، أوضح بارود ان «أملهم الوحيد هو في طي صفحة الحرب»، ليتساءل «لكن عن أية صفحة نتكلّم؟ هل نتحدث هنا عن حرب غير منتهية؟». وهو ما عبرت عنه رئيسة الجمعية اللبنانية للتحليل النفسي مود سيقلي التي اعتبرت أنه «مهما تعددت وجوه الحرب، لكن الحرب الخارجية تواجهنا وتضعنا مع ذاتنا العنيفة، فالحرب هي مثل شاشة عملاقة ثلاثية الأبعاد تظهر لنا طبيعة الإنسان وازدواجيتها».





أليس في بلاد العنف





بدوره، رأى الصحافي في «لوريان لو جور» ميشال حجي جورجيو في ورقته «أليس في بلاد العنف، من الوجه الآخر للمرآة»، ان الهوية أصبحت مرادفاً لعبارة «وجه التشابه»، علما أن العولمة قد ساعدت على جعل الشعوب أكثر تشابهاً، لكن في المقابل باتت تمايزاتها الصغيرة تشكل وقوداً لحروبها. ويقارب جورجيو الوسائط الحالية كالموقع الاجتماعي الالكتروني «الفايس بوك» وقدرته على التأثير في الأنظمة السياسية، لافتا إلى أن «الفايس بوك» أعاد تكريس النظام السياسي الديكتاتوري الموجود في البلد الذي ينتمي أبناؤه إلى طائفة أو إلى عرق أو اثنية واحدة من دون أن يؤدي إلى تغييرات جذرية. أما في البلدان المتعددة الاثنيات والانتماءات، فشكل «الفايس بوك» مساحة للحرية والتعبير. وبرأيه أن «مسألة البحث عن الهوية تعود إلى الواجهة ما ان تتخلص الشعوب من حكامها الديكتاتوريين، لأنه حينها يبدأ البحث عن التمايز، بين حقبة وأخرى».وفي محاولة منه للإجابة عن «كيف يتم السماح من دون طلب السماح وهل يعني ذلك عملية غير منتهية؟»، يشرح البروفسور في قسم علم النفس في جامعة كيبك في كندا، ايمانويل هابيمانا، أن «الغفران مسألة معقدة، وعندما يُطلب الغفران من الناجين، فهم ليسوا مجبرين على الغفران، وليسوا مضطرين للاستجابة للضغوطات النفسية إذا لم يكونوا مستعدين بعد». ويضيف «إن الخطوة الأولى في مسيرة الغفران تكون في الغفران للذات، وذلك يكون بمثابة رادع للشعور برغبة الانتقام». ويرى هابيمانا أن «ما يساعد على الغفران هو بداية توبة المعتدين، وظهور «بذرات» الخير لديهم، إضافة إلى التعويض المادي»، مشيراً إلى وجود عراقيل تصعِّب عملية الغفران وتمنعها، بينها قرب المسافة الجغرافية بين المعتدي والمعتدى عليه، ومن ثم خوف المعتدي من الارتهان للضحية بعد انتهاء الحرب، بمعنى أنه يتجنب طلب الغفران بشكل متكرر لئلا يصبح مرتهنا له، ولهذا السبب لم تطلب الدول الاستعمارية الغفران من الدول التي استعمرتها».

14.10.11

اللوحات الإعلانية في لبنان: غابة من الفوضى على طريق التنظيم؟









نُشر في جريدة السفير





14-10-2011





جهينة خالدية







ألوان كثيرة، جمل جاذبة، وأخرى مبتذلة، عروض لا تنتهي، عارضات أزياء، أضواء مبهرة. عالم بأكمله يرّوج لسلع استهلاكية وخدمات، على اختلافها. عالم بأكمله يعيش ويتكرر ويتغير ويتطور ويتضخم فوق لوحات إعلانية تكاد تحجب، لكثرتها، وعشوائية توزيعها، لون السماء ومعالم الطرق التي يسلكها اللبنانيون يوميا، وحتى تلك النائية في المناطق البعيدة.عشرات الآلاف من الصور الإعلانية على الجدران، فوق الجسور، عند جوانب الطرق، وأمام إشارات السير وعند التقاطعات وحتى في وسط الطرق! وإذا كانت اللوحات الإعلانية تنجح أحيانا في تسلية «أسرى» ازدحام السير الأزلي، إلا أنها في أحيان كثيرة تسرق انتباه السائقين عن القيادة والتركيز.







ويشير الكم الهائل من اللوحات إلى الفوضى العارمة التي تعم ذلك القطاع، بسبب شركات مخالفة لا تتقيد بالقوانين، وزاد عدد لوحاتها كالفطر على الطرق، بغطاء من بلديات أعطت تراخيص عشوائية مخالفة المرسوم 8861 الذي ينظم أماكن رفع اللوحات والمسافة الفاصلة بين كل منها، بما يحفظ السلامة العامة والشكل الجمالي للمدن والبلدات. ويمنع المرسوم وضع الاعلانات واللوحات الاعلانية على مباني الادارات العامة والمؤسسات العامة والبلديات والمباني الأثرية والسياحية، ودور العبادة وتوابعها، والمدافن وأسوارها، وأعمدة الانارة والكهرباء والهاتف والأشجار، وضمن شعاع مئة متر من كل منها. وقد أعلن وزير الداخلية مروان شربل في 21 أيلول الماضي التشدد في تنفيذ أحكام المرسوم 8861، عبر «نزع كل لوحة موضوعة دون ترخيص، ونزع كل لوحة مرخصة (من البلديات إنما تخالف المرسوم) فور انتهاء مهلة الترخيص لها»، (علما أن اللوحات المرخصة تنزع وفق أقدمية الترخيص). ويعترض عدد كبير من أصحاب شركات اللوحات الإعلانية على قرار وزارة الداخلية، لأسباب عدة، أولها أن بعضهم يعتبر أن المرسوم 8861، الذي يحدد قياس اللوحات الاعلانية والمسافة بينها، هو مرسوم «مجحف ولا يمكن تطبيقه مع التطور الحاصل في القطاع». أما السبب الثاني، فهو تحفّظهم على التعميم الوارد في إعلان الوزارة عن «نزع اللوحات الإعلانية من دون استثناء على جميع الأراضي اللبنانية بتاريخ أقصاه نهاية العام 2011 الجاري». إلا أن العقيد غابي خوري، الذي يتولى إدارة الملف وتنفيذ التعميم، يلفت إلى أنه ليس لدى الوزارة «للقضاء على القطاع برمته، إنما هي تهدف إلى تنظيمه وفق تعميم الوزير الذي يهدف بالدرجة الأولى إلى تطبيق المرسوم 8861 مع نسبة تساهل تتراوح بين 20 و25 في المئة».







ويشرح خوري أنه «يمكن التساهل مثلا في المسافات التي تفصل بين اللوحة الإعلانية والأخرى والمحددة وفق المرسوم بمئة متر»، مضيفا أنه «إذا تعاونت الشركات وأزالت لوحاتها المخالفة، نكون قد ساهمنا بتطبيق المرسوم وتنتفي الحاجة لإزالة كل اللوحات دون استثناء».ويشرح خوري أن «العمل على إزالة اللوحات المخالفة، لن يتم عشوائيا، بل نعمل وفق مخططات مفصلة، وخرائط وملفات مصورة لكل الطرق الرئيسية في لبنان، والتي توضح المسافة الفاصلة بين لوحة وأخرى، ومدى سلامة وشرعية وجودها في هذه البقعة دون أخرى». وعلى الرغم من تخوف بعض الشركات غير المنضمة إلى نقابة اللوحات الإعلانية الطرقية في لبنان، من ألا تنصفها المخططات التي نفذت بالتعاون مع النقابة، إلا أن خوري يجزم بأن «المخططات التي بين أيدينا دقيقة على حد كبير، وتتضمن جردة للغالبية الساحقة من اللوحات، وقد بدأت إزالة لوحات مخالفة في عدد كبير من المناطق، لا سيما في جبل لبنان حيث بلغت نسبة المخالفات المئتين في المئة!». ويشرح خوري أنه حاليا، وفقا للتعميم، وحتى العشرين من الشهر الحالي، «يقدم كل رئيس بلدية أو القائم بأعمال البلدية خريطة مفصلة لكل نطاق بلدي يتضمن عدد اللوحات الإعلانية التي يمكن تثبيتها، على أن تعتمد هذه الخريطة بعد أخذ موافقة وزارة الداخلية والبلديات عليها»، بما يسمح، بحسب خوري، بإنجاز جزء كبير من تنظيم القطاع.بعدها، تصدر رخص جديدة وتكلف المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي بمراقبة التزام الشركات بالمواصفات المحددة للوحات الإعلانية، على أن تنزع اللوحات المخالفة على نفقة أصحاب العلاقة.







شركات اللوحات الإعلانية







في المقلب الآخر، يضّم قطاع اللوحات الإعلانية أكثر من ستين شركة، 28 منها منتسبة إلى النقابة، فيما تنضوي نحو 35 منها ما يُعرف بتجمع أصحاب شركات الاعلانات الطرقية. ويقدّر حجم القطاع بنحو مئة مليون دولار، وهو يعيل أكثر من خمسة آلاف عائلة من ذوي الدخل المتوسط والجيد. وتتفاوت ردود فعل الشركات على التعميم، إذ يصفه البعض بالتسونامي، فيما لا ينكر القسم الأكبر منهم الفوضى المتفشية في القطاع والحاجة إلى تنظيمه. ويشير رئيس النقابة أنطونيو فنشنتي إلى «ضرورة تصحيح أوضاع القطاع وإزالة المخالفات التي وصلت إلى درجة لا نقبلها وتؤثر على سمعة القطاع وقيمته، فهو جزء أساسي من صناعة الاعلان في لبنان ومن حلقته الاقتصادية، ودوره تجميل لبنان لا تشويهه». إلا أن فنشنتي يقول إن النقابة اجتمعت مع وزير الداخلية «وتم الاتفاق على خطة شاملة لتصحيح الوضع تبدأ بمسح شامل للطرق العامة خلال مهلة 72 ساعة. على أن يشرف رئيس لجنة إزالة المخالفات العقيد غابي خوري على العملية برمتها. إلا أن ما حصل، بحسب فنشنتي، هو أنه بعد الاجتماع مباشرة «صدر التعميم 21/إم/ 2011، وتعجبنا لأنه كرر عدم تجديد التراخيص للوحات الحاصلة على تراخيص من البلديات، وعدم تجديد تراخيصها يجعلها تبدو الآن كلوحات مخالفة!».لذلك، يقول فنشنتي «نؤيد خطة وزارة الداخلية، إنما نريدها أن تؤدي إلى حلول علاجية لا أن تقتصر على تنفيذ عمليات جراحية، نتائجها غير واضحة».







ويشرح فنشنتي أن النقابة سلّمت شربل مشروع تعديل للمرسوم 8861، «الذي رضينا به في العام 1996 على الرغم من تحفظنا على بعض بنوده، لأننا كنا قد منينا بخسائر فادحة إثر إزالة كل اللوحات، وكانت آنذاك تعود إلى 35 شركة، 15 منها أفلست و20 حاولت الانطلاق من جديد». من جهتها، يعرب عدد من الشركات المنضوية في «تجمع أصحاب شركات الاعلانات الطرقية»، عن عدم رضاها على تعميم وزارة الداخلية، ويعتبر رئيس التجمع روي متيني أنه أعطى مهلة قصيرة لتنفيذه و«كان الأفضل مد المهلة لنحو السنة، لتتوفر مداخيل جديدة لأصحاب تلك الشركات علـى أن يُصـدر خــلال هــذه السنة مرسوم جديد أكثر إنصافا». من جهة ثانية أعرب بعض أصحاب الشركات عن تخوفّهم من أن يكون التعميم خطوة أولى لإخراج بعض الشركات الصغيرة من القطاع وتركه لشركات احتكارية تسيطر على السوق، وهو ما تردد في اجتماع للتجمع، حيث أشار أصحاب عدد من الشركات إلى «وجود ظلم في التعاطي مع القطاع الذي يُصور للناس وكأنهم مافيات، وكأننا كلنا نخالف القانون، لكن يجب الاشارة إلى أنه قبل رفع اللوحات أخذت تراخيص من البلديات ودُفع مقابلها، كما استؤجرت أملاك خاصة لهذه الغاية، وبهذا المعنى يمكن القول إن العرف سبق القانون وتكرس بفعل مرور السنين».

23.9.11

استدعاء صاغية وداوود للتحقيق بشأن مقال.. والنقيبة تنفي ثم تجزم: أنا أسائلهما لا ألاحقهما!



بعد أكثر من شهرين من نشر المحامي كارلوس داوود مقالاً بحثياً في العدد الأول من نشرة «المفكرة القانونية»، تحت عنوان «اقتراح بتنظيم علاقة المحامي مع وسائل الإعلام: أين المحامي المناصر للقضايا الاجتماعية؟»، تنبّهت نقابة المحامين في بيروت للبحث، فاستدعت داوود، والمحامي نزار صاغية بصفته المدير المسؤول عن النشرة، لإجراء تحقيق نقابي معهما.
أما نقيبة المحامين في بيروت أمل حداد فقد نفت ذلك، وأعادت التأكيد في اتصال مع «السفير» نفيها «لأن تكون هناك ملاحقة للمحاميين نزار صاغية وكارلوس داوود»، لتعود وتقول إنها «كنقيبة للمحامين، يحق لي ومن ضمن صلاحيتي، استدعاء المحامين لإجراء تحقيق نقابي داخلي، ولسؤالهم عن أمور ضمن البيت الواحد، من دون أن يثير هذا الطلب حفيظة المحامي المستدعى ولا يعني ذلك أي إدانة، ولا يندرج في إطار التأديب».

«إخراس للمحامين.. وقرار مهين»

الخبر ليس عادياً، وهو مفاجئ، إذ يخبر عن محاولة تقدم عليها نقابة الموكلين مهمة الدفاع عن الحقوق العامة، للحدّ من حريات المحامين، في التعبير والرأي عن قضايا مجتمعية، لا بد أن تخرج إلى الإعلام ليساهم في تشكيل «لوبي» ضاغط باتجاه تحقيق الكثير من المطالب الحقوقية.
وقد أثار خبر استدعاء صاغية وداوود للتحقيق ضجة كبيرة داخل النقابة، وفي مؤسسات وجمعيات المجتمع المدني المحلي والعالمي، فوصفته جمعية روواد فرونتيرز بـ«تحوّل النقابة لصورة مصغرة عن نظام قمعي، يحاول كمّ الأفواه والحدّ من دور المحامي في المشاركة في الشأن العام»، فيما اعتبره صاغية «إخراس للمحامين، وقرار مهين لحرية تعبيرهم، ويأتي استكمالاً للتعميم الذي أصدرته نقيبة المحامين أمل حداد، في الثالث من آذار من العام الماضي، ويقضي بوجوب امتناع المحامين عن الإدلاء بتصاريح إعلاميّة، تتعلق بدعاوى أو ملفات عالقة أمام القضاء، أو الإدلاء بآراء قانونية بصورة عامة». ما يعتبره صاغية تعميماً غير قانوني، «إذ لا يمكن للنقيبة أن تصدر تعاميم ملزمة للمحامين الذين يلتزمون بالقوانين والمواثيق الدولية. أما تعاميم النقابة فتوجه إلى الإداريين في النقابة لا إلى المحامين، ولا يمكن تكريس طريقة اللجوء إلى إجراءات مسلكية كلما عبّر المحامي عن رأيه».
ويعود صاغية ليؤكد أن «التعميم، ومشروع القانون حول علاقة المحامي بالإعلام، علماً أن حداد أنشأت لجنة لوضعه، يستبعد مهمة المحامي في الدفاع عن قضايا اجتماعية أمام وسائل الاعلام، علماً أن الكثير من القضايا الحقوقية لا يمكن أن تُحل في المحكمة فقط، إذ هناك دور أساسي للاعلام في تطبيق القوانين ونشرها وتوعية الرأي العام حولها». ويلفت صاغية إلى أنه «تتكرر على مسامعنا جملة «النقد لا يكون خارج البيت»! علماً أن ما نناقشه في هذا البحث القانوني للمحامي كارلوس داوود ليس مسألة نقابية، بل هي قضية تخصّ الشأن العام».

المحامي ليس قاصراً.. والاستدعاء شفهيّ

بدوره، اعتبر داوود أن «التعميم مخالف لأحكام الدستور اللبناني، ومخالف لمقدّمة الدستور، ومخالف لأحدث القوانين الداخلية في نقابات المحامين في العالم»، جازماً بأن «المحامي ليس قاصراً ليمنع من التعبير عن رأيه، ولا يجوز فرض رقابة مسبقة عليه، بل تمكن مساءلته بعد تعبيره عن رأيه، في حال خالف القوانين».
ويشرح داوود أنه، في التاسع من أيلول الجاري، تلقى اتصالاً من سكريتاريا النقابة، وتم استدعاؤه، فلبىّ الاستدعاء الشفهي من دون أن يعرف فحواه، ظناً منه أنها دعوة طبيعية لنقاش أمور نقابية. فتبين أنه يواجه شكوى داخلية تتعلق بمقالته، فحُقق معه في 13 الجاري، كما في العشرين من الجاري (الثلاثاء الماضي). وبدوره، طلب أن يُبلغ رسمياً بالمخالفات المنسوبة إليه، وذلك بغية الاطلاع والتقدم بدافعه. أما صاغيّة فكان متواجداً خارج لبنان، وعندما عاد من السفر، وتم استدعاؤه شفهياً، طلب استدعاء خطياً بحسب القانون، ما لم يصله حتى اللحظة، وبالتالي لم «يخضع» للتحقيق النقابي.
ويشير داوود لـ«السفير» إلى أن «الاستدعاء الذي جاء شفهياً في التاسع من أيلول الجاري، تعقيباً على مقال نُشر في تموز الماضي هو تعدّ غير مقبول، كونه يشكل تضييقاً على حرية المحامي، رجل القانون، الذي يحق له التعبير عن رأيه ضمن إطار مقال قانوني وعلمي وأكاديمي». ويجزم داوود بأنه لم يتجاوز أو يخالف أي مادة من مواد قانون تنظيم مهنة المحاماة أو النظام الداخلي، أو آداب المهنة ومناقبيتها. ويستغرب داوود كيف تنفي نقيبة المحامين أمل حداد «أن تكون النقابة قد استدعتنا، وتم التحقيق معي مرتين حتى الآن، وحدّد موعد الجلسة الثالثة في بداية تشرين الأول المقبل!».
ويعود داوود ليوضح «أننا نكن كل الاحترام لموقع النقيب أياً يكن، ومجلس النقابة وقوانين المهنة، لكننا لا نقبل بأي شكل من الأشكال، أن تتم مصادرة فكرنا وحريتنا بالتعبير عن الرأي، سواء في مسألة قانونية، أو مسألة نقابية عامة، تتعلق بشؤون النقابة وشجونها، إذ لنا الحرية بإبداء الرأي».
وطالب داوود بـ«تصحيح الخطأ، والرجوع عن هذا الإجراء حفاظاً على صورة نقابة المحامين، ودورها في المجتمع اللبناني، كمدافعة فعلية عن حقوق الإنسان والحريات العامة في لبنان، وإلا فهي معتدية على حقوق أعضائها».

النقيبة: «ربما أسألهما عن أمور خارج المقالة»!

وبعدما أعادت التأكيد على نفيها للملاحقة، رغم ما تقدّم ذكره، اعتبرت نقيبة المحامين في بيروت أمل حداد أن التعميم الذي أصدرته في آذار من العام الماضي، ومشروع القانون الذي ينظم علاقة المحامي بالإعلام، «فحواهما سياسة لطالما كانت موجودة على تعاقب النقابات، علماًَ أن نقابة المحاماة هي الحريصة على الحريات العامة، إنما الحرية لا تعني الفوضى».
وحول ما إذا كانت النقابة ستعود عن قرارها في استدعاء صاغية وداوود الذي حددت له جلسة ثالثة في تشرين الأول المقبل، في ظل النفي الصادر عن النقيبة، قالت حداد: «بالدرجة الأولى، لم أقابل أياً من صاغية أو داوود حتى اللحظة، ولم يتحدد بعد عما سأسألهما، وربما تكون الأسئلة حول أمور خارج موضوع المقالة!».
أما في ما يتعلق بالجلستين السابقتين اللتين خضع لهما داوود، فتجزم حداد بأنها لا تعرف شيئاً عن مضمونهما، ولم تطلع على موضوع الأسئلة التي وجهت إليه، «إذ قمت بإحالة هذا الموضوع لمفوض قصر العدل، وهو تولى هذه المسألة». في المقابل، تشير مصادر «السفير» إلى أنه «في أثناء استدعاء المحاميين، قال مفوض قصر العدل لهما أن لا علاقة له في هذه المسألة، وهو ينفذ طلبات النقيبة!».

المقالة «المتهمة»

تشكل المقالة التي نُشرت في «المفكرة القانونية»، تحت عنوان «اقتراح بتنظيم علاقة المحامي مع وسائل الإعلام: أين المحامي المناصر للقضايا الاجتماعية؟»، قراءة نقدية للاقتراح الذي «يمنع على المحامي استعمال وسائل الإعلام كمنبر للكلام أو البحث أو المناقشة في الدعاوى والقضايا العالقة أمام القضاء، الموكلة إليه أو لسواه من المحامين، ملتزماً المرافعة والمدافعة فيها أمام المراجع القضائية ذات الاختصاص فقط»، وتعتبر أن «الاقتراح يعكس توجهاً واضحاً نحو تقييد حرية المحامي في النقاش والتعبير، فضلاً عن مشاركته في الندوات العلمية والبحث القانوني، مع ما يستتبع ذلك من تهميش لدوره المهني والمجتمعي. وهو الى ذلك، يذهب في اتجاه معاكس تماما للتوجهات الحديثة (وأبرزها القرارات الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان) والتي آلت الى ادخال تعديلات جذرية في مجال آداب المحامين وعلاقتهم مع وسائل الإعلام، في اتجاه تكريس حرية الرأي والتعبير».
كما تشير المقالة إلى أن الاقتراح «جاء خالياً من أي توجّه مهني إصلاحي، رغم أن ثمة مستجدات توجب ذلك، أهمها: مواكبة التشريع الحديث، عصر الإعلام والاتصالات، حق المواطن بالإطلاع والمعرفة... وكأنه يهدف بوضوح، وربما حصراً، الى ضبط «المحامي المشاكس» عبر إلغاء حريته بالتعبير او تقييدها وفق الحالات، في حين انه ينكر او يغفل اي دور للإعلام في الدفاع عن القضايا الاجتماعية في موازاة القضايا المرفوعة امام المحاكم. وهو بذلك ينبني على اعتبارات تتصل بممارسة السلطشة اكثر مما هو يتصل بحاجات تحسين شروط ممارسة مهنة المحاماة».



21.9.11

«أعطِ من نفسك للآخرين»: يوم للتبرع بالشعر لصالح الأطفال المصابين بداء السرطان



نُشر في جريدة السفير

جهينة خالدية

21- 9-2011



هي رحلة طويلة، يختلف فيها كل شيء في حياة مريض السرطان. منذ لحظة الخبر الأول، فالصدمة، إلى الإنكار، وصولا إلى تقبل الأمر وتحمّل الألم، والخضوع لعلاجات تكون هي نفسها قاسية. وطوال تلك المدة يبقى الشعور الأهم هو الأمل، وهو العنصر الأساس ليعيش كل مريض رحلة متفائلة نحو الشفاء. وبين الفينة والأخرى، تبرز مبادرات من المجتمع، فردية أو جماعية، هدفها تعزيز أمل المرضى ودعمه. من بين تلك المبادرات، تلك التي أطلقتها جمعية «كروس توك» cross talk، والتي تستهدف تفصيلا هو من المسلمات بالنسبة للأشخاص المعافين، أي الشعر الذي يفقده معظم مرضى السرطان بسبب العلاج الكيميائي. والمبادرة تدعو إلى التبرع بالشعر لمرضى السرطان، في نشاط ينظّم الأحد المقبل في 25 من الجاري في فندق «لو رويال»، وشعاره «أعط من نفسك للآخرين». وتنظم «المبادرة للسنة الثالثة على التوالي، بحيث يتم توضيب الشعر، والتبرع به لمركز سرطان الأطفال في لبنان - سانت جود، ثم يقوم أحد المتبرعين لدى المركز بتحويله إلى «بروكات» من الشعر الطبيعي، لتوزع على الأطفال لاحقا»، كما تشير مديرة الجمعية رانيا نصر الله. ويدرك القيمون على النشاط أن دعوة الناس إلى التبرع بشعرهم، ليست بالأمر السهل، بل تحقق غاية المبادرة وهي التبرع بأمور وأشياء تعني الكثير لآخرين فقدوها، وهنا تستخدم الجمعية شعاراً مشجعا لكل متبرع ومتبرعة يشير إلى أن «ما نتبرع به ليس إلا شعرا بالنسبة لنا، أما بالنسبة لهم (المرضى)، فهو أمل». وينطلق النشاط عند الواحدة ظهراً ويستمر حتى السابعة مساء، حيث يتقدم المتبرعون والمتبرعات لقص شعرهم/ن الذي يجب أن يكون طوله عشر سنتمرات على الأقل. وتشير نصر الله إلى أن «النشاط يكون في العادة مناسبة للفرح، فرحة عطاء مما نملك لمن لا يملكه»، موضحة أن «كل متبرعة تحصل بعد قص شعرها على تسريحة تختارها هي، على أيدي حلاقين متخصصين متطوعين مع فريقهم وموظفيهم للمشاركة في هذا الحدث الإنساني». وتذكر نصر الله أنه في العامين الماضيين شارك في كل نشاط أكثر من مئة سيدة وشابة وبينهم نحو ثلاثة شبان، ونتوقع أن يكون العدد مماثلاً هذا العام». وتشير غادة خنيزر، وهي إحدى المتطوعات في الجمعية، إلى أن «فكرة التبرع بالشعر، جاءت من خلال رياضة روحية يمارسها عدد من الشبيبة في الجمعية التي تدرس التعاليم المسيحية، وقمنا فورا بالعمل على تطبيقها، لأننا نؤمن أن ما نتعلمه لا فائدة منه إذا لم يتحول إلى واقع، ولم يفد الآخرين». وتلفت خنيزر إلى أن الجمعية «تنظم النشاط، كنوع من الدعم غير المباشر للأطفال المصابين بالسرطان، ونحن نقول لهم بذلك إننا بجانبهم، وإنهم سيعودون إلى حياتهم الطبيعية سليمين معافين كما كانوا، ونحن نعلم أن كل طفلة حصلت على هذا الشعر احتفلت به وصنعت به تسريحات مختلفة، وزينته بالربطات وكأنها بذلك تمارس أناقتها الطفولية المعتادة». وتوضح نصر الله أن الجمعية التي تتمركز في الربوة في المتن، تضم الآن 190 تلميذا، وكانت قد انطلقت قبل 16 عاماً في دير مار فرانسيس في المطيلب بتلميذين فقط. ويعتبر نشاط التبرع بالشعر، واحدا من نشاطات الجمعية الإنسانية وكان من بينها العام الماضي تنظيم مارثوان للتوعية من مخاطر المخدرات، على سبيل المثال.

16.9.11

أمهـات ضحـايـا «صبـرا وشـاتيـلا»: روائـح المـوت تطـل مـن الـذاكـرة




نُشر في جريدة السفير- ملحق فلسطين




16-9-2011
جهينة خالدية
أمهات ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا، لا يعشن في الذكرى، بل يعشن لأجلها. يعشن ليروينها مرارا وتكرار من دون كلل، من دون أن يبخلن عليها بالدمع والألم. يروينها وكأنها بالأمس، حاضرة في ذاكرتهن بتفاصيل لا يُفترض أن تعيش تسعاً وعشرين سنة. يحفظن عدد الخطوات التي خطونها معتقلات خارج بيوتهن، باتجاه المدينة الرياضية حيث احتجزن بعيدا عن أولادهن وأزواجهن، ويعرفن عدد الخطوات التي أخذتهن إلى أكوام الأجساد المشوهة في أزقة صبرا. يحفظن عدد الجثث التي قلبنها بأيديهن بحثا عن وجه يخصهن. يحفظن عدد اللطمات التي ضربن فيها رؤوسهن وصدورهن وهن يرين الآلاف من الجثث المنتفخة الغارقة في دمائها. شهيرة أبو ردينة وزهرة الحسن وسناء سرساوي ووضحة السابق، يحكين عن حياة بعد موت. ويصرخن بأعلى أصواتهن عسى أن يفيق الموت. وعندما لم يفق وقتها، ولا بعد أيام، ولا بعد أشهر، ولا بعد سنوات، تجاهلنه ولم تتجاهلهن الذاكرة.

«أخشى أستحضار كل ذلك الموت»

تخرج الكلمات من فم شهيرة أبو ردينة، متململة. لدى المرأة الكثير لتقوله. ذاكرتها حية جداً وتقول إنها لا تنسى ثانية واحدة من تلك النهارات الأليمة. لكنها لا تكثر الكلام. «أبقي شيئا لنفسي، لئلا تصبح روايات أطفالنا مبتذلة.. أنا لا أرويها لنبكي على ذكراها، فقط نرويها لنقول إننا لا ننسى ونريد للأجيال الجديدة أن تعرف وتعرف أكثر». تتمهل أم مروان بين الإجابة والأخرى «اسألني أنت، أسئلة محددة، فأنا أخشى أن أستحضر لك كل الموت، أخشى أن أنقل رائحته دفعة واحدة إلى أوراقك.. إسألي يا ابنتي». تقول المرأة الخمسينية جملتها هذه، وهي تروح جيئة وذهابا في بيتها الصغير في صبرا، قبل أن تجلس أخيرا أمامنا وتروي مأساة خسارتها لستة من أفراد عائلتها. تبدأ شهيرة حكايتها من مشهد لم يخف ثقله طوال سنوات بعد المجزرة، مشهد ابنة عمها البكماء آمال. «آمال التي قتلت أمام بيتها على بعد خطوات من بيتنا هذا. كانت آمال متزوجة من حسين سعدي وحامل في الأشهر الأخيرة من الحمل. لم يقتل المجرمون آمال ويرمونها وزوجها ووالدها شوكت أبو رديني أمام منزلهم فقط، بل شقوا بطنها وانتزعوا الجنين منه وتركوه مرميا فوقها، فوق جثتها البنفسجية المنتفخة». تسكت شهيرة لدقائق طويلة، وتعود لتحكي، كمن يتنبه فجأة لوجودنا قبالتها، من هنا تبدأ رواية شهيرة، من قصة آمال البكماء، التي لم تحظ بفرصة أخيرة لتصرخ دفاعا عن جنينها. بماذا قاومتهم، إن لم تستطع حتى الصراخ طلبا لنجدة؟ ماتت آمال، كما ماتت عايدة، الأخت الصغرى لشهيرة. «كان ذلك مساء الخميس، بينما كانت كل عائلتي، وزوجي وأولادي منى (3 سنوات)، ومروان (سنة ونصف) وماهر (15 يوما) واخوتي مختبئين في هذا المنزل. سمعنا أصوات الرصاص والقصف تقترب، خرجت أختي عايدة (17 سنة) لحدود مدخل المنزل فقتلت على الفور، وكان آخر ما سمعناه صرختها «يابا.. يابا»، مباشرة خلفها خرج والدي ليتفقدها، فيقتل بعدها مباشرة. بقيا في الشارع، مقتولان. لم نستطع حتى أن نسحب جثثهم إلى داخل المنزل، لشدة القصف. عند الخامسة صباحاً اقتحم المنزل أكثر من عشرين مسلحاً، اعتقولنا جميعا، وأجبرونا على الدوس على الجثث ليوقفونا عند ناصية الشارع تجهيزا لرمينا بالرصاص. وفجأة تقرر نقلنا نحن النسوة وأطفالنا إلى المدينة الرياضية وتركنا أختي وأبي وأخي كايد وأقارب لنا قتلى في الشارع..». هربت شهيرة وأطفالها وقريباتها من المدينة الرياضية، والتجأت إلى مدرسة رمل الظريف. في اليوم الثالث، يوم السبت خرجت لتشتري بعض الطعام لأطفالها، يومها رأت صورة والدها في الصحف، فهرعت مباشرة إلى المخيم.. لتدفن الأحباء ومنعت من الدخول، بانتظار أن يقوم الصليب الأحمر وبعض الجهات بـ«تنظيف» الشوارع من آلاف الضحايا. تقول شهيرة «لم ندخل مباشرة يومها، إنما رائحة الموت والجثث المتعفنة كانت تخرج إلينا أينما كنا».
أم شوقي بحثت في المجاري

كان عددهم يفوق 25 فردا من العائلة، أولئك الذين فقدتهم زهرة الحسن القاضي. «راحوا، كلهم» تقول الجدة الستينية: «بين هؤلاء زوجي حسن أحمد الحسن القاضي، وابني جلال وكان في الرابعة عشرة من عمره، وابنة عمي ابتسام وأكثر من 22 فردا من عائلتي». بدأت المجزرة منذ الثانية التي سمعنا فيها نداء عبر مكبرات الصوت يكرر «سلم تسلم نحن جيش لبنان». كان بيتنا في بئر حسن، خرجت وزوجي وأولادي الثلاثة عشر. أمرونا أن نمشي إلى منطقة الرحاب. اعتقلوا رجال العائلة وشبابها، وأمرونا نحن النسوة والبنات والأطفال أن نمشي إلى المدينة الرياضية، حيث احتجزونا هناك. وفي تلك اللحظة، كانت المرة الأخيرة التي أرى فيها زوجي وابني جلال. فقدتهما».
بعد انتهاء المجزرة، هرعت أم شوقي للبحث عن جلال وزوجها حسن. أين تبحث هذه المرأة عن رجلين بين الأكوام البشرية المتعفنة؟ «أبحث بينها، وتحتها وفوقها»، تقول. «لم أترك جثة إلا وقلبتها بكلتا يدي. دخلت بين البيوت، نزلت في المجاري الصحية، تمعنت في وجوه متنفخة متورمة، أزحت الذباب عن عيون الضحايا، فقدت وعي وقدرتي على استيعاب ما أرى، ما ألمس، ما أشم من روائح. قلت في نفسي إنها نهاية الدنيا أو نهايتي. لم أجدهما. اختفيا. تبخرا».من يجالس أم شوقي، لا حاجة له ليسمع الكثير من السرد لآلامها. كل ما رأت هذه المرأة، موسوم في وجهها. تبدو وكأنها ترى المذبحة كل دقيقة. وكأنها لم تنم منذ عقود. بشرتها الصفراء، تجاعيدها التي غزت أصغر مساحة في الوجه والكفين. هذه إمرأة لم تنس. لم تسامح. لن تفعل يوما. هذه امرأة تسولت لسنوات لتشتري الخبز لأولادها، وغسلت أدراج البيوت في منطقة الأشرفية، ومسحت غبار أثاثها، ولم تنجح يوما في مسح كوابيس ثقيلة. ثقيلة جدا.

ذاكرة حية تمطر مشاهد المذبحة

كانت سناء سرساوي في التاسعة عشرة من عمرها عندما وقعت المجزرة. وكان زوجها في الرابعة والعشرين من عمره، ولهما منال (سنة ونصف السنة) وايناس (7 أشهر) وجنين في شهره الرابع، اسمته لاحقا: عليّ. في اللحظة التي سمعت فيها سناء أزيز رصاص، هربت وعائلتها من منزلهم في مخيم سعيد غواش (جانب المدينة الرياضية) إلى مبنى دار العجزة الاسلامية. لم يكن وقت المجزرة قد حل بعد. كان هذا يوم الثلاثاء. تقول سناء، «إنه في الأيام التالية، احتجنا إلى بعض الأغراض من المنزل، فذهب زوجي وزوج أختي إلى المخيم، واختارا الدخول من جهة صبرا. تأخرا، ولم يعودا. رحنا نبحث عنهما، وكنا لا نعرف بعد ماذا ينتظرنا. كل خطوة داخل تلك الشوارع الدموية، كان تحمل المزيد من المشاهد المروعة. ما كنا نجد موطئ قدم يخلو من جثة معذبة ومرمية ومنتفخة. الأجساد مكدسة وكأنها أكياس اسمنت ذي رائحة عفنة. الأيدي متدلية من النوافذ. الأطفال والشباب يصطفون قتلى عند الجدران. مشينا إلى أن وصلنا إلى مكان المقبرة الجماعية. هناك وجدنا حفرة كبيرة تحوي نحو 250 رجلا معصوبي العيون. كانت الرشاشات مصوبة على رؤوسهم، تحضيرا لقتلهم. لم أستطع التأكد إن كان زوجي وزوج أختي بينهم. إنما أذكر جيداً أنهم نجوا من الموت بأعجوبة. فجأة ارتفع صوت من مكبرات الصوت، يكرر «انتهى الوقت، انسحاب». تقول سناء إنها لم ترهم يقتلونهم، إنما خطفهم في الباصات المركونة قريبا. ومنذ ذلك اليوم، لم أر زوجي، حيا أو ميتا». لم تغب صور الموت سريعا من عيني سناء. كانت تجلس لساعات طويلة من دون أن تنبس بحرف، وتعود لتغيب عن الوعي فجأة، وأصيبت تكرارا بجلطات في رجلها، وبعدها بسرطان الثدي. اليوم، تعيش سناء في صبرا، في غرفة واحدة مع أولادها وزوجها الثاني الذي تزوجها بعد مرور عشر سنوات على المجزرة. هو يعمل كسائق، وهي كخياطة، لا تفلح حتى اللحظة في رتي ذلك الثقب من ذاكرة حية تمطر عليها روائح المذبحة.
لو يأتيا الآن

وضحة السابق، التي تعمل في جمعية «بيت أطفال الصمود»، تنتظرنا لنصل ونسمع حكاية انتظارها لولديها محمد وعلي. كانت تجلس عند الباب، كمن يحلم أن يطلا الآن أو يوما ما، بدلا عن كل البشر. في مجزرة صبرا وشاتيلا فقدت وضحة ابنها البكر محمد (19 سنة) وعلي (16 سنة) و15 فردا من عائلتها. فقدتهم عندما خرجت معهم من المنزل باتجاه مدخل شاتيلا، «حيث كان عناصر من الجيش الإسرائيلي ومن الكتائب اللبنانية يطلبون منا التوجه إلى هناك، بحجة ختم هوياتنا وجوازات السفر. وعادوا وأجبروا النساء على التوجه إلى المدينة الرياضية. ثم هربنا إلى مبنى مهجور في منطقة الكولا. في الصباح الباكر، سألنا عناصر الجيش عن أولادنا فأجابونا «روحوا لأبو عمار، أبو الدمار، اسألوه». منذ ذلك اليوم، لم تترك أم محمد أحد من دون أن تسأله.. بحثت في تلة الضحايا عند زاروب العرسال، وفي كل الشوارع، من دون جدوى. لم تملك وضحة الكثير لتفعله.. غير تسجيل أسماء محمد وعلي لدى الصليب الأحمر اللبناني، دار الفتوى وكل جهة معنية، والمشاركة في الدعوى القضائية الجماعية لمحاكمة آرييل شارون. تقول إنها غالبا ما تجد سلوانها في النوم، بانتظار أي حلم يأتي بصورتيهما إليها. بانتظارهما.

25.8.11

عائلة محمد طه وأصدقاؤه يطالبون بتقرير واضح حول وفاته: إطـلاق حملـة «لرقابـة أكثـر .. حتـى لا نبقـى مشـروع مـوت»







نُشر في جريدة السفير


25-8-2011
جهينة خالدية





في ذلك اليوم الصيفي من شهر تموز، جلّ ما أراده الشاب محمد طه، كان الاحتفال بتخرّج أصدقائه. أمضى الشاب ساعات من المرح، لكنها كانت الأخيرة في حياته، إذ قضى بتسمم يُرجح أهله أن يكون ناتجاً عن أطعمة فاسدة تناولها في المنتجع السياحي في الجية، حيث موقع الاحتفال.
مرّ حوالى شهرين على وفاة محمد، علماً أنه متخرّج من كلية الإعلام في «جامعة بيروت العربية»، وكان ينشر تحقيقات في مجلة «الهديل».
شهران مرّا ثقيلين جداً على عائلةٍ وأصدقاء لم يصدقوا بعد أن محمد لم يعد موجوداً بينهم. وجوههم الصامتة وهم مجتمعون هنا في مركز توفيق طبارة، تخبر بذلك. وقد اجتمعوا هنا بهدف إطلاق حملة «لرقابة أكثر .. حتى لا نبقى مشروع موت»، وللتذكير بقضية تسمّم محمد التي لم يحدد مسؤول عنها، بعدما «أجلت وزارة الصحة إصدار تقريرها مراراً»، بحسب ما تقول أخت محمد، نادية طه.
واعتبرت طه أن لقاء الأمس هو «صرخة إنسانية تهدف لمعرفة مصدر تسمم محمد، ومعاقبة المسؤولين، بعد الوصول إلى حقيقة واضحة شفافة تسمّي المقصّر وتحاسبه.. وهذا لا يكون إلا بتحقيق السيل من الوعود التي أسبغتها علينا وزارة الصحة من دون وفاء بأي منها».
تحكي ناديا طه عن شاب لم يتعد الخامسة والعشرين من عمره، وهو الأخ الأصغر لعائلة مؤلفة من أربعة أبناء وبنات. تحكي عن الحياة بعد رحيله عن عائلته، حياة تنتظر تحقيق عدالة ما: «منذ وفاة محمد، لم يصدر التقرير النهائي عن وزارة الصحة الذي يحدد المسؤول عن وفاته، وهو التقرير الذي قد يبلسم قلوبنا المحروقة وكل ما نتلقاه المزيد من الوعود والتأجيل والتسويف». وأعلنت طه أن «عائلة الفقيد ستقوم بالتقدم بدعوى قضائية ضد من قصّر وشهّر، والمسار القانوني وحده الكفيل بتسميتهم»، معتبرة أن «مهلة انتظار تحقيقات الوزارة انتهت بالنسبة إلينا، وأن ما لم تصلنا في القريب العاجل نتائج، فإنا نحتفظ بحقنا بالقيام بخطوات لاحقة ستعيد تحريك قضية ابننا محمد طه على أكثر من صعيد».
ويعود محمد الشحيمي ليروي عن تلك الحادثة الأليمة التي سرقت منه صديقاً مقرباً: «محمد شعر بتوعك في اليوم التالي للحفل، علماً أننا تناولنا خلاله أطعمة مختلفة. وعند إدخاله المستشفى، تبيّن التقاطه باكتيريا سامة أدت إلى دخوله في غيبوبة بعد يومين من الحفل. وتعطلت وظائف جسده، وأصيب بفشل كلوي، وتفتت في العظام». ويجزم محمد الشحيمي أن «صديقي محمد طه تسمّم جراء تناول الأطعمة في ذلك المنتجع الصحي، وليس مما تناوله في اليوم التالي، وذلك لأن نحو عشرين من أصدقائه الذي كانوا معه في الحفل خضعوا للفحوصات أيضاً، وتبين أنهم التقطوا الباكتيريا نفسها لكن بنسبة أقل، أو أدت إلى تأثيرات جانبية أخف وطأة على صحتهم».
ولا ينسى صديق محمد، والمسؤول إعلامياً عن قضيته، عمر الفاروق النخال «التحقيق الأخير الذي كتبه رفيقه محمد في الزميلة «الهديل»، وسأل فيه عن الفوضى التي تعمّ مطابخ المطاعم، مستعرضاً صورا من الإهمال التي ربما تكون قد أدت إلى تسمم مواطنين أبرياء، وقضت على كثيرين، من دون أن يدرك محمد أنه سيكون ضحية هذا الاهمال الذي كتب عنه». ويطالب النخال بـ«تقرير واضح عن سبب وفاة محمد طه، ومحاسبة المسؤولية»، رافضاً «رفضاً قاطعاً وضع هذه القضية في أدراج النسيان لتمرير موسم سياحي من هنا ولتمرير حسابات من هناك».
الأيام والليالي القاسية التي مرت على أصدقاء محمد، تجعل صديقته دعاء بــــدر تكرر: «لا يمكن لوفاة محمد ألا تكـــون درساً للآخرين، لا يمكن أن نقف مكـــتوفي الأيدي ونحن نرى ضحايا كثرا يسقطون بسبب التسمم الغذائي».


22.8.11

أصحاب المقاهي والمطاعم يراهنون على عدم تطبيق قانون «الحد من التدخين»:التبغ يقتل 3500 لبناني سنوياً.. بفاتورة صحية تفوق 50 مليون دولار



نُشر في جريدة السفير

الإثنين 22-8-2011

جهينة خالدية

لا يكف الشاب عن إطلاق بوق دراجته النارية المزعج. يبدو في حالة غليان فعلية، إذ بيد واحدة يحاول التحكم بمقود الدراجة، وحمل زجاجة النرجيلة، وعنقها المعدني. أما اليد الثانية فيفرّغها لحمل «منقل» من الفحم المشتعل، يتدلى إلى جانب دراجته. مشهدٌ منفر لخطورته، لكنه يتكرر في أرقى المناطق في لبنان، كما في أكثرها شعبية، فـ«ديلفري» النرجيلة، باتت واحدة من أكثر التوصيلات شهرة خلال السنوات الأخيرة.
وبعد سنة تماماً، من المتوقع أن يزيد عدد الدراجات النارية التي توصل طلباتها من النراجيل إلى المنازل، بشكل مطرد. وسيأتي التزايد كنتيجة طبيعية للتطبيق المنتظر لقانون «الحد من التدخين وتنظيم صنع وتغليف ودعاية منتجات التبغ» الذي أقره مجلس النواب منذ أيام قليلة، والذي يمنع تدخين السجائر أو النراجيل في المساحات المغلقة في المقاهي والمطاعم وفي الأماكن العامة، بهدف تخفيض نسب المدخنين عامة. ويبدأ قرار المنع في الأماكن العامة فور صدور القانون في الجريدة الرسمية، على أن تعطى مهلة للمطاعم والملاهي لمدة سنة، ومهلة ستة أشهر للدعاية، لكي يتأقلم القطاعان مع ظروف العمل المستجدة.أقرّ القانون بعد ثماني سنوات من العمل المتواصل، ويشمل تفنيداً لطرق الحد من التدخين (لا منعه)، وقد سجل انتصاراً لمصلحة الصحة العامة، وللجمعيات الأهلية العاملة على للحد من التدخين، لاسيما تحالف «منظمة إندي آكت» وجمعية «حياة حرة بلا تدخين»، و«مجموعة البحث للحد من التدخين» في «الجامعة الأميركية في بيروت».
لكن، في المقلب الآخر، يشنّ أصحاب المقاهي والمطاعم حرباً على القانون الذي يعتبرون أنه يفرض عليهم خسائر جمة، على الرغم من أن القانون كان متساهلاً لجهة وضع التحذيرات الصورية (المنفرة) على مساحة نسبتها أربعون في المئة من العلبة، وترك الأمر إلى إمكانية إصدار مرسوم ينص على ذلك لاحقاً، بناء على اقتراح وزيري الصحة والمالية، بالإضافة إلى أنه لم يتم التطرق إلى رفع الرسوم على منتجات التبغ.
أما في ما يتعلق بالأفراد فتباينت ردود أفعالهم بين مؤيد له ومستهجن لقانون يقولون إنه «يحدّ من حريتهم بالتدخين، حتى لو كان على حساب صحة الآخرين»!

أرقام مأسوية

لم يهلل لانتصار الجمعيات الأهلية، المدمنون على التدخين ومرتادو المقاهي والمطاعم التي تؤمن النراجيل لزبائنها. هؤلاء يملأون النوادي الليلية والمقاهي، يمجون من سجائرهم ونباريش نراجيلهم كالنحل! يتوزعون فوق المقاعد، حتى بات الأزواج والعشاق يلتصقون ببعضهم البعض، وإلى جانب كل منهم نرجيلة خاصة به، يرفض تقاسمها مع الشريك. وتنسحب الحال ذاتها على شلل الشباب والشابات، إذ تصطف إلى جوانبهم النراجيل كأنها أكواب من العصير الطازج! فتلفت الدراسة الصادرة في نيسان العام الماضي عن «مجموعة البحث للحد من التدخين» في «الجامعة الأميركية في بيروت»، (التي اعتمدت على أرقام صادرة في العام 2008)، أن «ثلث البالغين في لبنان هم من المدخنين، بمعدل عام يصل إلى 34 في المئة من البالغين (فوق 18عاماً) وهي نسبة مرتفعة عالمياً». بالمقابل، تسجّل نسبة 65 في المئة من اللبنانيين كغير مدخنة، ومن حق هؤلاء أن يطبق قانون يحترم خيارهم. وتجدر الإشارة إلى إن نسبة 28 في المئة من الإناث البالغات هن من المدخنات، وهي أعلى نسبة في المنطقة، بالمقارنة مع مصر وسوريا والأردن! كما أن نسبة تفوق العشرة في المئة من الأطفال، بين سن 13 وسن 15 سنة، هي أيضاً من مدخني السجائر!
أما في ما يتعلق بتدخين النراجيل فإن الأرقام تشير إلى كارثة صحية، تجعل إقرار القانون أقل ما يمكن فعله للحد من مخاطر التدخين. إذ يصل عدد مدخني النراجيل في لبنان إلى نسبة 24 في المئة بين البالغين، وستين في المئة بين الأطفال بين سن 13 و15 سنة! بالإضافة إلى تلك الأرقام المأساوية، فإن لبنان يسجل أعلى نسبة استهلاك لعلب السجائر نسبة لعدد سكانه، إذ يستهلك الفرد المدخن 12 علبة سجائر كمعدل وسطي شهرياً.
«نريد قانوناً لطيفاً
يراعي القطاع»!
بطبيعة الحال، مع دخول القانون حيز التنفيذ، سيفضّل الكثير من المدخنين الالتزام بالبقاء في منازلهم لتدخين النرجيلة، بدلاً عن ارتياد المقاهي بلا «رفيقتهم» الدائمة. من هنا، لن يكون هؤلاء هم الوحيدون الذين سيبدون امتعاضهم من قانون يهدف إلى تحديد القواعد العامة التي ترعى حماية الأفراد من دخان التبغ وإلى احترام حق الإنسان بالتمتع بأعلى مستوى من الصحة، فإن أصحاب المقاهي والمطاعم بدورهم، يرفضون القانون، لاسيما أنه أقرّ بعد إضافة الهيئة العامة لتعديل هام: «يعاقب المستثمر والمسؤول عن الإدارة إذا سمح بالتدخين، ولا يعاقب إذا أبلغ الضابطة العدلية». وكان اقتراح القانون المعدّل قد قضى بمعاقبة المدخن فقط، وليس صاحب المكان المسؤول في الأماكن العامة إذا خالف قانون المنع.
من هنا، يعتبر أمين سر نقابة أصحاب المقاهي والمطاعم طوني الرامي أن «هذا القانون سيؤدي حتماً إلى تراجع حركة الاقبال من الزبائن بنسبة أربعين في المئة». ويعود الرامي ليشير إلى أن «عدد المؤسسات السياحية في لبنان، من مقاه ليلية ومقاهي ومطاعم لبنانية وحلويات، يصل إلى ستة آلاف مؤسسة، ونحو ألف وخمسمئة من هذه المؤسسات هي مقاهي ومطاعم لبنانية تقدم النرجيلة كمنتج أساسي و«تراثي» مثله مثل الحمص والتبولة. وبالتالي، نحن نؤثر سلباً على ألف وخمسمئة مؤسسة يبلغ المعدل الوسطي لاستثمار كل منها نصف مليون دولار. وبعملية حسابية بسيطة، نكون نتحدث عن «ضرب» للقطاع ولاستثمارات تصل إلى 750 مليون دولار!».
ويعود الرامي ليشير هنا إلى أن «النقابة لم تكن يوماً فوق القانون، إنما صرامة هذا القانون وطلب تنفيذ خلال مهلة قصيرة لا تتعدى السنة، سيؤدي إلى فوضى كبيرة وسيؤدي حتماً إلى تطييره.. إذ لن يعتاد المدخن بين ليلة وضحاها على عدم التدخين في المقاهي والمطاعم، ويحتاج المواطن إلى كثير من حملات التوعية في المدارس والجامعات والمؤسسات ليتقبل فكرة المنع هذه، وهو ما لم يحصل حتى اللحظة».
يحدد الرامي طلبات أصحاب المقاهي والمطاعم على النحو التالي: «أولاً، نحن نريد قانوناً «لطيفاً» يراعي القطاع، ويراعي الإيجارات المرتفعة التي لا تسمح بتوفير مساحات خارجية واسعة لتقديم النراجيل للزبائن والسماح لهم بتدخين السجائر. وبالإضافة إلى ذلك، طالبنا بترك مساحة داخلية محددة للتدخين داخل المطعم، تكون البديل عن المساحة الخارجية التي لا يمكن الاستفادة منها طوال أشهر ستة، وهي عبارة عن فصلي الشتاء والخريف». ويجزم الرامي أنه «طالما أن كل هذه الطلبات وغيرها رُفضت ويدخل القانون حيز التنفيذ خلال مدة قصيرة (وهي السنة الكاملة!)، فإنه لن يطبق، وبالتالي، فإن الكثير من أصحاب المطاعم لا يبحثون حتى اللحظة عن خطة بديلة لتوسيع مساحاتهم الخارجية، لأن بعضهم يؤمن بفشل تطبيقه، والبعض الآخر يتريث بانتظار أن يعرف كيف سيتم تطبيق القانون، وعلى من؟».
ترقّب أصحاب المطاعم:
هل يُنفّذ وكيف؟
تثبت جولة على المطاعم والمقاهي الليلية في بيروت وفي ضواحيها الجنوبية والشمالية، أن هناك توجهاً عاماً لانتظار ما ستؤول إليه الأمور، ويأمل كثيرون من أصحابها إعادة النظر في القانون أو على الأقل بمهلة السنة المعطاة لتنفيذه. ولا يخفي صاحب أحد المطاعم أنه في «لبنان، يوجد قانون لكل شيء، وبالمقابل، يوجد مخرج للهرب من كل قانون». وهي قناعةٌ تؤكدها مقابلات مع مدراء المطاعم الذين لا ينفكون يكررون الكلام عن «إجحاف القانون»، و«صرامته»، ولا يخفون تجاهلهم له، لا سيما أصحاب المقاهي الليلية الذين يعتبرون أن التدخين رفيق أساسي لمنتجاتهم الكحولية، وبالتالي، فإن القانون يضرب «صلب» مصالحهم. ويأمل بعض هؤلاء أن يعتاد الزبون على التدخين خارج المقهى الليلي لمدة قصيرة، ثم العودة لمتابعة جلسته، وهو الأمر الساري في كافة الدول الأوروبية.
المصلحة الخاصة.. والمصلحة العامة
يخاف معظم أصحاب المقاهي والمطاعم على استثماراتهم، ويتجاهلون المضاعفات الصحية للتدخين على الأفراد. إذ تلفت منسقة «مجموعة البحث للحد من التدخين» في «الجامعة الأميركية في بيروت» الدكتورة ريما نقاش إلى أنه «يموت أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمئة لبناني جراء التدخين سنوياً، وتتعدى كلفة علاج الأمراض الناتجة عن التدخين المباشر والتدخين السلبي الخمسين مليون دولار سنوياً! وبالتالي، هناك من يهتم بمصالحه الخاصة وأرباحه وأعماله فقط، من دون التفكير بالمصلحة العامة والكلفة الصحية على الدولة اللبنانية وعلى المواطن أيضاً، والتي من شأن هذا القانون العادل أن يخفضها». وتعود نقاش لتوضح أن «إقرار القانون يعني أن العمل الفعلي قد بدأ الآن، إذ يتوجب توعية الناس على فحوى القانون وعلى حقوقهم وواجباتهم في هذا الإطار، علماً أنه من الطبيعي أن يكون رد الفعل الأول هو الرفض المطلق للقانون، ونوع من التجاهل والإنكار له، وسبب ذلك هو الطريقة التي يفكر بها اللبناني بأنه دوماً يستطيع الالتفاف على القانون، واعتقاده المطلق بأن لا أداة رادعة تفرض تطبيقه، بالإضافة إلى الاستخفاف بحجم المضار الصحية الناتجة عن التدخين». من هنا، ترى نقاش ضرورة في الحرص على تطبيق القانون ومنع تجاهله مسؤولية مشتركة بين المجتمع المدني الذي من واجبه توعية الناس، بالإضافة إلى تفعيل دور الشرطة والالتزام بتطبيق العقوبات على المخالفين، وتنمية الرقابة الذاتية لدى كل مواطن، «وهذه الرقابة تؤثر بنسبة سبعين في المئة على تطبيق القانون».

منع التدخين يزيد الإقبال؟

لكن، هل من ظلم فعلي لأصحاب المطاعم والمقاهي؟ وهل تصيب المضاعفات الإقتصادية مصالحهم؟ تجيب نقاش أن «خوف هؤلاء من خسائر اقتصادية ليس مبرراً، إذ لا يُعتبر لبنان البلد الأول الذي أقر هكذا قانون، وقد سبقته إلى هذه الخطوة دول متقدمة وأخرى نامية، من أستراليا إلى الإمارات والأردن والدول الأوروبية والهند وتايلاند والمكسيك والبرازيل وغيرها، وأظهرت نتائج تطبيق هذه القانون عدم تسجيل تراجع في دخل المطاعم والمقاهي، بل وفي بعض الأحيان سجلت تقدما سببه إقبال متزايد من غير المدخنين!».
وتعود نقاش لتشير إلى أن «أصحاب المصالح وشركات التدخين تعمل بكل طاقتها وتمويلها لغسل أدمغة الشباب والمستهلكين عامة، عبر حملات تسويق ضخمة، وثم رفع دعاوى قضائية لمنع هذه القوانين، ما يؤدي إلى تأخير خفض نسب المدخنين بالشكل المفترض».
ما يؤكده أيضاً مدير «البرنامج الوطني للحد من التدخين» في وزارة الصحة الدكتور جورج سعادة، الذي يقول إن «قانون منع التدخين جاء عادلاً بالقدر الممكن للجميع، حتى أنه راعى أصحاب المصالح، إذ ندرك أن حتى السماح لأصحاب المقاهي بتقديم النراجيل في المساحات المفتوحة مضرّ للناس، لكننا أبقينا هذا الخيار متاح لأننا نعرف أنه لا يمكن تطبيق المثل كلها». ويشير سعادة إلى أن «تطبيق القانون بنسبة خمسين في المئة هو تقدم جيد للبنان، ونقدم هذا الرقم بالاعتماد على المثل البريطاني الذي أقر فيها القانون في العام 2004، وأظهر مسح أجري في العام 2011 أن نسبة تطبيق القانون وصلت إلى 82 في المئة. وبالتالي، إذا ما أخذنا بريطانيا كمثال، وهي دولة صارمة في تطبيق قوانينها، ندرك أن الالتزام في لبنان سيكون أقل، إلا أنه لا بد من تحقيق إيجابيات جمة، بينها أساساً أن يعيش الناس مع أحبائهم أصحاء ولمدة أطول، بدلاً من أن يموتوا بأمراض سرطانية».
ويوضح سعادة أن «البرنامج الوطني سيطلق دليل يوضح القانون ويحدد مسؤوليات وواجبات الكل، لاسيما أن القانون لا يشمل فقط الحد من التدخين في الأماكن المغلقة إنما وضع تشريعات لحماية الأفراد من الدخان ونظم صنع وتغليف ودعاية وبيع منتجات التبغ. كما سيتم إطلاق خط ساخن يستخدمه المواطنون للإبلاغ عن مخالفات للقانون».

مجتمع مدني يراقب ويساعد

يوضح المدير التنفيذي لمنظمة «إندي آكت» وائل حميدان أنه «سيتم التنسيق مع وزارة الصحة والجهات الضابطة الأخرى للاشراف على تطبيق القانون، بحيث ننزل بأنفسنا على الأرض ونراقب تطبيقه في الأماكن العامة، بالإضافة إلى إطلاق حملات توعية، لنذكر الناس بمنع التدخين في الأماكن العامة المغلقة، كالإدارات الرسمية والمكاتب والمراكز التابعة لها، بما في ذلك البلديات والموانئ والمحطات الجوية والبرية والبحرية وردهات الانتظار والمستشفيات والمستوصفات والصيدليات ودور السينما والمسارح ووسائل النقل العامة والمدارس والجامعات والمصاعد والمطاعم والملاهي ومراكز التسويق التجاري وأماكن العمل والأماكن العمومية الأخرى».
وفي وقت لاحق، ستطلق المنظمة «برنامجاً يساعد المواطن على أن يكون رقيبا ذاتياً ويخبر عن مخالفة القانون، بالإضافة إلى إطلاق حملة في الأشهر الثلاثة الأولى من تطبيق القانون على المقاهي والمطاعم (بعد سنة من صدور القانون في الجريدة الرسمية)، بحيث نوعي الناس بالتعاون مع أصحاب المؤسسات السياحية والموظفين فيها».
حملات مناصرة
وأخرى مضادة
في اللحظة التي أقرّ فيها القانون في مجلس النواب، اشتعلت الحملات المضادة وتلك المناصرة له عبر الشبكات الإجتماعية الإلكترونية، لا سيما في الصفحة المناصرة للقانون على موقع «فايسبوك» والتي تضم أكثر من 16 ألف مشارك. كما علا صوت النقاش في الشارع والمقاهي والمطاعم، وتعكس أراء بعض من المشاركين في الحملات «استخفافاً بتطبيق القانون على الطريقة اللبنانية التي تنجح في افشال تطبيق أي قانون إيجابي»، حسبما تقول سهى، مشيرة إلى أنه «مثلما نسي الجميع تطبيق قانون وضع حزام الأمان، وألغيت عشرات العقوبات في هذا الإطار، سنشهد «برطلة» (رشوة) غير مسبوقة من قبل أصحاب المقاهي الليلية والمطاعم».
وتعود سهى لتوضح أنه «يصعب على المدخنين أن يفهموا أن حريتهم تنتهي عندما تبدأ حريتي، ووفقاً لهذه القاعدة البسيطة، يمكن لكل مدخن أن يحبس نفسه في فقاعة بلاستيكية ضخمة، ويدخن داخلها كلما أراد التنقل بين الأماكن العامة أو الجلوس في المقاهي والمطاعم. هذا هو الشرط الوحيد لئلا يتعدى على حريتي، أو ببساطة عليه أن يلتزم بالقانون».
ويشنّ جوزيف، وهو محام وأب لشاب عشريني، هجوماً على المعترضين على تطبيق القانون بالقول: «أنكون نطلب الكثير من المواطن الآخر ألا يقتلنا ببطء. هناك وقاحة واستفزاز في النقاش (مجرد النقاش) في عدم تطبيق قانون هدفه الأساسي صحتنا وصحة أطفالنا. لا يمكن أن نكون في هذا القرن، ونعيش مع أفراد آخرين يردون على القانون وعلى النظام بجمل من مستوى «هلق وقفت على التدخين» أو «يوقفوا هدر وفساد وسرقة وانفجارات وبعدين يحاسبونا على التدخين»، و«هذا نقاش أفلاطوني غير منطقي». في واقع الأمر، هذا ليس بنقاش، هذا كلام هجين، غير متناسق، ويربط أفكار من هنا وهناك ليخترع حجج باطلة ليكمل فوضاه و«حريته» الشخصية الأنانية».
بدورها، تعترض لمياء، وهي أم لثلاثة أطفال، على اعتبار أن المدخن لا يحترم الآخر، «بل إن غير المدخن لا يتفهم هموم المواطن الذي يعيش في لبنان، وبالتالي حاجته للتنفيس عن مشاكله عبر سيجارة!». يبدو تبريرها بالنسبة إلى مروة كنوع من «الإهانة لذكائنا ولإدراكنا لحقوقنا، إذ كيف نقبل أن يقرر الآخر عنا، ويجعلنا نعيش تحت قاعدته المجنونة «نفخ عليها تنجلي»؟ من قال إنني أريد لهمومي أن تنجلي عبر دخان الآخرين؟ ومن قال إني بلا مشاكل وإلا فعليّ الجلوس في مقهى وتدخين سيجارة؟!.. هذا جنون لبناني بحت!». وتعود مروة لتجزم بأنه «لا شك أن تطبيق هذا القانون لن يكون حلاً لأزمات الكون ولا أزمات لبنان، ولن ينهي أزمات التلوث التي يتعرض لها الفرد، وستبقى مشكلة الهواء الملوث الانبعاثات والوقود المحترق وغيرها، إنما على الأقل يوقف انتهاك حرية الآخرين، الراغبين بأن يحافظوا على حد أدنى من صحتهم، ويحق لهم ألا يختنقوا بخيارات الآخر».



17.8.11

إقرار قانون الحد من التدخين

أقر مجلس النواب اللبناني اليوم مشروع قانون "للحد من التدخين وتنظيم صنع وتغليف ودعاية منتجات التبغ" في لبنان. الآن و بعد اقرار القانون تأتي الخطوة الأهم و هي تطبيق و تنفيذ القانون بكل بنوده. من هنا يأتي دور الساهرين على حماية و تطبيق القانون من اشخاص الضابطة العدلية و مراقبوا وزارة الصحة العامة و مديرية حماية المستهلك في وزارة الإقتصاد و التجارة في مراقبة تطبيق احكام القانون. (مجموعة البحث للحد من التدخين، في الجامعة الأميركية في بيروت)

مدرسة الشابة سارة لتصميم الأزياء: مجانية.. وهدفها كسر الحواجز: مزاد علني لبيع أعمال خمس فتيات بين 16 و22 سنة بينهن لاجئات






نُشر في جريدة السفير


17-8-2011


جهينة خالدية




كان شهران في كمبوديا والتيبت كفيلين بتغيير رؤية سارة هرمز للحياة. وها هي الشابة التي لم تتجاوز الخامسة والعشرين من العمر، تترك حياتها في نيويورك، حاملةً شهادتها في مجال «تصميم الأزياء والإعلام» من «جامعة بارسون»، إلى بيروت، لتفتح فيها مدرسة مجانية لتعليم تصميم الأزياء. وهي تنظّم اليوم عرض الأزياء الأول لتصاميم تلامذتها، ومن المقرر أن تباع الأثواب التي صمموها في مزاد علني يعود ريعه للمشروع وللتلامذة.
وتشرح سارة أن مشروعها يهدف إلى «المساهمة في كسر الحواجز بين الجميع، وبين الهويات والانتماءات المختلفة، لهذا، عمدت إلى اختيار الفتيات الخمس (اللواتي تتراوح أعمارهن بين 16 و22 سنة)، من مخيمات مختلفة للاجئين الفلسطنيين، بينها مخيما البرج وشاتيلا، كما اخترت فتاة من شرق صيدا، وأخرى من برج حمود، وحرصت على مقابلة أكثر من 25 فتاة بحثاً عن شابات جديّات، شغوفات، يحلمن بأن يصبحن مصمّمات أزياء، ولا تسمح لهن ظروفهن الاقتصادية بالدخول إلى مدارس خاصة لتحقيق الغاية، علماً أن تكلفتها مرتفعة جدا». وتعود سارة لتوضح أنها «قمت بهذه المبادرة بشكل فردي، لأن عدداً من جمعيات المجتمع المدني اشترط جمع عدد كبير من الفتيات لتدريسهن، ما لا يتوافق مع هدف المشروع، وهو اعطاء المشاركات الوقت والمساحة ليتفاعلن بكل الأشكال وينفتحن على المختلف عنهن.. ولم يكن مشروعاً يقتصر على خياطة الفساتين فقط».
رغبة الفرد بإحداث تغيير
«مشروعي ليس مشروعاً تجارياً، بل هو مشروع إنساني تثقيفي وإبداعي في الوقت عينه، أنقل فيه ما تعملته، كما أحقق رؤيتي في العيش ومساعدة الآخرين. أحقق ما تعلمته في كمبوديا والتيبت، حيث يشعر الفرد برغبة في التغيير، ومدّ يد العون إلى من يحتاج اليها». وتشرح: «ضمن دراستي للإعلام والثقافات، زرت البلدين الآسيويين في إطار ورشة تدريبية. بعد الزيارة، لم أعد أجد نفسي في حياة مدينية أمارس فيها مهنتي في أحد دور الأزياء، وأخضع لشروط عمل حازمة ضمن نمط حياة مختلف تماماً عمّا بت أريده لنفسي». ولتحديد ما تريده الفتاة، طرحت على نفسها سؤالين أساسين: «كيف أقدم المساعدة؟ وكيف أضع خبرتي بين يدي الآخرين؟». فأتاها الجواب من معلمتها، كارولين شلالا سيمنالي: «أسّسي مدرسة».
وهكذا، بعدما عادت سارة إلى بيروت منذ أشهر قليلة، وخاضت تجربة مؤسسات المجتمع المدني، حوّلت فكرتها إلى نص مشروع مكتوب، عرضته على عدد من المهتمين، ونالت التمويل من جهات فردية، لتفتتح به محترفاً صغيراً في منطقة مارمخايل - الصيفي.
اليوم، تنصرف سارة خلال خمسة أيام متتالية في الأسبوع، وعلى مدى أكثر من سبع ساعات، لتدريب الفتيات الخمسة، ويحلمن بأن يصبحن مصممات أزياء. وهنا، إلى جانب سارة، تجلس مدرّستها السبعينية الأميركية - اللبنانية الأصل، كارولين شلالا سيمنالي، التي لم تزر لبنان سابقاً في حياتها، لتساعدها في تدريس الفتيات.
الفتيات..
وتصاميمهن الحرة المحترفة
لن يصدق زائر محترف زينة هرمز أنه يمكن لفتيات، خلال أشهر قليلة من الوقت، أن يبتكرن تلك التصاميم البسيطة والمميزة في آن، والمتحررة من السياق العام السائد في مجال الموضة، هنا وفي العالم. فما خاطته الفتيات المتدربات، يتسم بالاحتراف، والإبداع، آخذاً بعين الاعتبار الأذواق العامة، بحيث لا يتردد الناس في ارتدائه. وياتي ذلك، بحسب شلالا، لأن «المحترف عمد إلى تدريس نمط مختلف للشابات، وهو يعتمد بالدرجة الأولى على إطلاق العنان لآرائهن ومنحن الحرية في الابتكار، من دون أي تقيد بمدارس عالمية في تصميم الأزياء. وإلى ذلك، درسناهن التقنيات الأساسية التي تساعدهن في تنفيذ رؤاهن في المجال».
الحرية هذه، بحسب سارة، «منحت الفتيات ثقة مطلقة بالنفس، بحيث كنت أراهن يقبلن على تنفيذ تصميمهن مباشرة على القماش، باندفاع وتصميم غريبين. حتى إني قارنت نفسي بهن، عندما كنت أدرس في جامعة بارسون، وكنت لفرط القوانين الحازمة، أشعر بالخوف ما أن أحمل المقصّ لأقص القماش، وفق التصميم المرسوم على الورق». فتقول إيمان الأسود، ابنة التسعة عشر عاماً، انها تشعر «بقدرة كبيرة على الخلق في تصميمها، وأحسّ بالتحدي، إذ أن الفستان الذي أنفـــذه مباشرة لا يمكن إعادة تكراره ولا حــفظ خطوات خياطته.. ما يجعله فريداً بحق».
تعيش إيمان في مخيم برج البراجنة، ولم تتمكن من دراسة تصميم الأزياء في مدرسة راقية أو دار خياط محترف، نظراً لوضع العائلة الاقتصادي، فسعت لدراسة تصميم الأزياء في أحد المعاهد، «ولكني لم أكتسب المهارات التي اكتسبتها من هذه الورشة المميزة». ما تعتبره كارمن هافتيان «مهارات أساسية تمكننا من انجاز أعمال مبتكرة». وعن مجمل التجربة، تقول كارمن أن «الوجــــه الآخر لمدرســـة سارة، هو الوجه الأجمــل، الذي تعرفت فيه إلــــى صديقات فلسطينيات كنت أعـــرف الـــقليل عن عالمهن، إنما لا أعرف شيئاً عن ظـــروف عيشــــهن الصعبة، وما يواجهنه من صعوبات في العـــمل والسكن والتعليم».
ظروف العيش هذه، هي التي منعت نورهان عبد اللطيف ابنة الستة عشر عاماً، من التوجه إلى أي مدرسة أو معهد لتحقق حلمها في تصميم الأزياء. فتقول نورهان، التي تعيش في مخيم شاتيلا: «قبل أن يتم اختياري للمشاركة في هذا المحترف، ما كانت أصدق أني سأنجز قطعتي الأولى، وستعرض في مزاد أمام جمهور عام.. أشعر بأن الحلم بات حقيقة».