13.1.11

يوم طويل من التوتر في بيروت على وقع استقالة وزراء المعارضة



مواطنون يعبّرون عن «قرفهم» ويلتزمون بيوتهم ويجمّدون مشاريع مستقبلية

نشر في جريدة السفير

13-1-2011
جهينة خالدية
تجمدت الحياة في مساء بيروت بالأمس.

التصق الناس بشاشات التلفاز وانتظروا.

سؤال أساسي تكرر على ألسنة كثر: ماذا عن الغد، أنستفيق على أصوات الفتنة؟

خلال النهار، أنجز كثيرون أعمالا ضرورية. الطلاب يرتادون مدارسهم، والجامعيون ينهون صفوفهم، والتجار يهتمون بمحالهم، ليحتموا في منازلهم، ويتسمروا أمام شاشة التلفزيون عند الساعة الحاسمة: الرابعة والنصف من عصر الأربعاء 12 كانون الثاني 2011، الوقت الذي حدده وزراء المعارضة ليعلنوا استقالتهم من حكومة الرئيس سعد الحريري، بعد انهيار التسوية حول ملف المحكمة الدولية. تأخر اجتماع وزراء المعارضة. عند الخامسة وخمس دقائق دقت الساعة. قالها جبران باسيل «بعد قيامنا بمحاولة أخيرة لاستدراك الامر وإصرار الفريق الآخر بالنهج نفسه الذي مارسه وإفساحا في المجال أمام حكومة جديدة، يتقدم الوزراء المجتمعون بتقديم استقالتهم طالبين من رئيس الجمهورية الإسراع في تدارك الأمور». في اللحظة التي وضع فيها باسيل النقطة الأخيرة لإعلانه، وقبل فتح باب الأسئلة أمام الصحافيين، تعالى أزيز الرصاص في مختلف مناطق بيروت، لا سيما في الضاحية الجنوبية. لكن معظم شوارع العاصمة ما كانت تغزوها زحمة السير المعتادة في مثل هذا الوقت. فالناس إما التزمت «الضبضبة» في المنازل. واما «تجمهرت» حول تلك العلبة الملونة. التلفاز الذي سيصدر منه مصير غدهم، عما قليل. ومن الموظفين الذين اقترب انتهاء دوامهم عند الخامسة، من أجلّ موعد خروجه، ليتسنى له التقاط اللحظة مباشرة، وسماع خطاب الاستقالة مباشرة. وفي الشارع، كانت تسمع أصوات المذيعين تخرج من أجهزة الراديو في سيارات المواطنين الخاصة وسيارات الأجرة. قبل أن تحل تلك اللحظة، كان لدى بعض الناس رغبة بالتعبير عن مخاوف تقض مضاجعهم، ليلعنوا بلداً لا ينعم بالاستقرار ولا بالأمن ولا بالوضع المعيشي اللائق.

«خائفون.. خائفون جداً»، تقولها شيرين وهي تتوجه مسرعة إلى مدرسة طفليها أحمد وسارة في الطريق الجديدة، مصرّة على إعادتهما إلى المنزل عند الظهيرة، وقبل انتهاء دوامهما المدرسي. تقول شيرين، الموظفة في أحد المصارف في المنطقة، إنها «خائفة من المجهول، من «زعران» قد يستغلون اللحظة ليفجروا الشارع، ليثيروا الفتنة، ويشعلوا البلد». شيرين التي تجمع في زواجها المذهبين السني والشيعي، يرتجف صوتها، وهي تقول جملتها التالية «والله ما ارتحنا بعد، ما نسينا، ما اشتقنا لحرب بتأخذ منا أولادنا، ولا لخطوط تماس بتحرمنا من عائلاتنا. إما إرحمونا، أو كلونا». قلة هم الأهل الذي سلكوا خيار شيرين، لكن صبر أغلبهم كاد ينفد بانتظار أن يدق الجرس معلنا امكان إعادة أطفالهم إلى المنازل، وحمايتهم من شارع يُخشى أن يمسه الجنون. هكذا تكون حركة الازدحام الرئيسية في هذه المنطقة، هي حول المدارس الكبرى فيها، لتخف الحركة جزئيا في شوارع أخرى، حتى تلك التجارية الشهيرة مثل شارع عفيف الطيبي.

لم يكن الأمس هو اليوم المناسب للتسوق إذ كانت معظم محال الألبسة والأحذية شبه فارغة، أو غارقة في وحدتها وصمتها. وحده صوت التلفاز في كل منها كان يتصاعد عالياً، ناقلاً تصريحات متتالية: جبران باسيل، سمير جعجع، نبيه بري، وليد جنبلاط، وزراء ونواب حاليون وسابقون. تصريحاتهم «ثقيلة»، كما يقول أبو جوزيف صاحب محل للألبسة القطنية في الأشرفية، «لا أحد، يسأل عن مصالح الناس، كل ما يقولونه كذب. كل فريق يجتر الكلام المنافق عن البلد، والسيادة والأمن، والمستقبل، إنما لم يتنبه أحد إلى أن البنزين سيتخطى سعر الذهب، ووزير الطاقة (لأي فريق انتمى)، هل تنبه قبل أن يودعنا ويعلن استقالته أن ثلاثة أرباع الوطن يأكل عالعتمة!». ويختم أبو جوزيف «خليها تولع ونولع معها يا ناس، كله بدو ياكل راس الكل، ومعروف من الأقوى، ومن سيربح».

مللنا.. قرفنا.. تعبنا

التصريحات هذه، كانت تُسمع من مواطنين يقولون إنهم «قرفوا» و«ملوا» و«تعبوا»، إنما لا يفوتون كل همس سياسي يخرج إليهم عبر الإعلام، وكأنه يحمل في طياته خلاصا لهم، أو ربما تغييرا ما ينقذهم من المراوحة. ما يقوله السياسيون، راح يتردد على ألسنة الناس، فالتسوية بحسب مازن، الموظف في محل لبيع المجوهرات في منطقة عائشة بكار، «ما كانت لتنهار لولا تدخل القوى الظلامية، التي لا يهمها مصلحة الناس ولا رزقها». القوى الظلامية التي يتحدث عنها مازن، ليست نفسها التي قصدها النائب وليد جنبلاط، بل على العكس تماماً، وتتمثل بفريق الثامن من آذار، الرافض للمحكمة الدولية، ولا يتوانى عن الخروج بذرائع ليلغيها، وإسقاط الحكومة ليست إلا البداية». وهي البداية فعلاً، بحسب توفيق، لكنها «بداية التغيير، بداية معاقبة كل من وقف بوجه المقاومة وعرقل مشروعها، بداية وضع النقاط على الحروف، وبداية إحقاق الحق». يقول توفيق المتجمهر وأصدقاء له عند بقعة مفضلة لهم في منطقة زقاق البلاط «لا أحد يقول إن العقاب سيكون بانفلات أمني، ولا بسابع أيار جديد، نحن لن ننزل إلى الشارع، بل نطالب بحكومة جديدة». حسن، صديق توفيق، يذكر «أن الناس الآن مشغولة بمصالحها وبتأمين قوتها، والطلاب ينشغلون بامتحاناتهم وبمستقبلهم، والبلد على كف عفريت، لكن إن قلنا أننا لن ننزل إلى الشارع لا يعني أبدا، أننا لن ندافع عن أنفسنا ضد من يتخطى الخط الأحمر».

الجملة الأخيرة هذه، تتكرر طوال النهار، كل من الفريقين يحكي بالخطوط، وبتخطيها وكل من الفريقين يضع خطوطه الخاصة وفق عقائد وسياسات متباينة حد التناقض بين الطرفين. لكنها معركة أحرف أيضا، حسبما تقول ميرفت، «فلم نعد نفهم بين مبادرات لا تتعدى كونها حبرا على ورق، من «السين - سين (سورية - سعودية) إلى اللام - لام (اللبنانية - اللبنانية)، والفاء - ألف (الفرنسية - الأميركية) وسين - ألف - تاء (السورية، الإيرانية، التركية)». تُضحك هذه المعادلات ميرفت، طالبة السنة الأخيرة - علوم سياسية في واحدة من أكبر الجامعات في العاصمة، «تضحكنا وتبكينا في آن، لأننا بعد أن عشناها كلها، بتنا لا نملك إلا أن ننتظر الفرج أن يأتينا من السماء، أو من الهواء، ونحن جيل لبنان غير المتحزب، نعيش تحت وطأة عبث سياسي حلوله في سفارات الدول الأجنبية، وهي السفارات نفسها التي ستعطينا إشارة الدخول إلى بلدانها عند تخرجنا». في الأثناء التي كانت فيها الفتاة تعبر عن موقفها السياسي، كان هاتفها لا ينفك يرن باستمرار، ناقلا إليها اتصالات من أمها.. تعلق «منذ السابعة صباحا تحثني امي على توضيب حقيبة الأسبوع الإعتيادية والعودة إلى منزلنا في عاليه، وترك غرفتي المستأجرة عند المتحف - الأشرفية، وتجاهل امتحاناتي! فهي مقتنعة أن حرباً على الأبواب، وأنا أجيبها مازحة «ما في شي، كم إشكال «فردي» مؤسف، يغذيهم تهييج محترف للشارع، وبيدعسولنا على كرامتنا بطريقهم»!.

تتفهم الفتاة حرص والدتها وحتى كل عائلتها، لكنها لا تؤمن أن الوضع سيء لدرجة تطبيق حملات تموين جماعية كما روت لها والدتها عبر الهاتف: «الشمع أولا، الغاز، المازوت، الأرز، البرغل، الزيت، السكر، الملح والشاي وطبعا الكثير من الخبز».

التزود بالحاجيات الأساسية، النزوح من الداخل إلى الداخل، الهروب إلى مناطق خارج بيروت، «هجر» الصفوف، كلها مطروحة على برامج كل المواطنين في حال تحققت مخاوفهم، إنما حتى مساء أمس، كان لدى كثير من الناس أمل ما، بأن حكمة عاقل، أو معادلة ما، أو مسعى فاعل، أو مبادرة ستنقذ هذا البلد. لكن من الآن لحينه، هناك جمود يفرضه الأمر الواقع. بعض الناس أجلت مواعيد إطلاق مشاريع ثقافية، أو مشاريع عمرانية، أو تجارية.. لابد أنها كانت ستعود عليهم وعلى البلد بفائدة لا تجنيها السياسة.

في الضاحية: الحياة.. «طبيعية»

الشارع «المكهرب» في بعض شوارع بيروت، يقابله هدوء نسبي في الضاحية الجنوبية لبيروت. بين زحمة الكثافة السكانية هنا، يدخل الحديث السياسي أيضا، إنما ليس بالتوتر الموجود في المناطق الأخرى، لاسيما أن الأغلبية الساحقة من المواطنين هنا تؤيد استقالة وزراء المعارضة من الحكومة، من دون يؤدي ذلك إلى تداعيات أمنية. هكذا، قلة من الناس تؤمن حاجيات احتياطية فعلا، فهنا في «استهلاكية حارة حريك»، حركة خفيفة أو اعتيادية كما يقول الموظفون. أما الزبائن فيتزودون بضروريات يشترونها كل يوم، من دون مبالغة أو حرص يُذكر، «الاتكال على الله، نؤمن بالعقلاء، وإن كانوا قلة، ونؤمن أن الحق سينتصر وسيظهر أن ملف شهود الزور ورقة يجب أن تفضح والمحكمة بحد ذاتها لعبة صهيونية»، يقول الحاج أبو نعيم. استقالة وزراء المعارضة، بحسب محمد فقيه صاحب محل للهواتف الخلوية في حارة حريك «قد تؤثر على الأحوال الاقتصادية وعلى رزقنا، إنما لا تخيفنا، لأننا أقوياء، وبرأينا لابد أن ينفجر الوضع القائم بشكل يؤدي إلى تغيير ما، نتمنى أن يكون إلى الأفضل». إنما برأيه «الخوف موجود دوما في لبنان، ولدت في الحرب وفي الخوف، والآن ابنتي التي تبلغ عاما واحدا، ولدت في الخوف، لكن نحن يناسبنا الحسم، ويجب أن يعاقب من يمشي ضد تيار المقاومة». «التغيير هذا، إن تم بهدوء أو بعد أحداث أمنية، لابد أن يحصل»، برأي علاء وهو أستاذ في الإدارة في معهدين فنيين في الضاحية، «هناك من لا يريدنا في البلد، على الرغم أننا عكس ما يرددون، فنحن أيضا نريد بناء دولة. لقد صبرنا كثيراً، ولم يعد يمكن أن نحتمل، ومهما تدهورت الأمور الآن، لن يسوء الحال أكثر مما هو عليه الآن».