4.2.11

شباب لبنان وريـاح الحريـة الآتيـة مـن مـصر وتونـس: كم مستبداً في أرضنا نحرق وجهه بأجسادنا؟


نُشر في جريدة السفير 4-2-2011 جهينة خالدية يعيشون على وقع يوميات مصر وثورتها. يحلمون مع الشعب الذي تخطى خوفه وبات قادرا على النظر إلى الأمام. يناصرون، يعتصمون، يتفاعلون عبر كل الشبكات الاجتماعية لحظة بلحظة، ويناقشون «الثورة». في لبنان، شابات وشبان يقارنون بين ما يصنعه أبناء مصر، وشبابها، وبين تجارب بلادهم في «التظاهرات المليونية» و»الثورات الآذارية»، من دون أن يجدوا أوجه شبه يجمعها. في لبنان، شباب يحسدون أبناء جيلهم من المصريين على صدقهم وحجم ما يصنعونه. في لبنان شباب يحلم بأن يتمكّن يوماً من أن يهتف بنصف ما هتف به أترابهم، وأن تجمع ساحة لهم عدداً يوازي ربع ما جمعه ميدان التحرير، ليصنعوا حرية حقيقية لبلادهم. في لبنان شباب لا طائفيون، ويساريون، وعلمانيون، ومدونون، وناشطون يعرفون أن عدوهم ليس مجرد زعيم ديكتاتوري، بل انه أشد تعقيداً: عدوهم نظام بكامله طائفي أشبه بالوحش برؤوس كثيرة. شابات وشبّان من لبنان يناقشون اليوم معنى وحدة الشعب، ومعنى إسقاط النظام، والحرب الأهلية، وما فاتنا من دروسها، وافتقاد الحس النقدي، والتسلح بعمى الطائفية الحيّة في صدور الغالبية الساحقة. في شوارع لبنان، في المقاهي، في المكتبات، في أماكن العمل، يتابعون ثوار مصر، ينتظرون لحظة أن يعلنوا أن «الشعب أخيراً، أسقط النظام». ومع إدراكهم العميق لصعوبة التغيير في لبنان، والعجز عن إسقاط مؤسسات وتوازنات ومعادلات ومحاصصات وقوانين ووزراء ونواب وأحزاب بُنيت على الانقسام وعمّقته. إلا أنهم باتوا مسكونين بالأمل: إن الشعب قادر إن أراد وانه قادر على عزل التدخل الخارجي والسلطات. وهؤلاء الذين يرون في انتفاضة مصر، مخرجاً لإحباطهم السياسي، يدركون أن لبنان صاحب شعارات الحرية، والديموقراطية، والتعددية الحزبية.. لن يتوحد إلا إذا اجتمع أبناؤه على رفض القمع، والتجويع، والفقر، وكبت الحريات والحكم الواحد. تلك هي مطالب ثورة مصر، أما في لبنان فالوحدة، «وحدتان»، ولا يجتمع اثنان من فريقين مختلفين على مطلب واحد، مهما بَعُد عن السياسة، والفقر في لبنان فقران، والجوع، جوعان، والحريات بوجهين والحق حقان، والتاريخ يُكتب بوجهتي نظر أو ثلاث أو أكثر، وتبقى المطالب الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية نسبية وفقاً لنظام التبعية والاستزلام السياسي. في مصر الصرخة ترعد الميادين: ارحل. في لبنان، في الأمس القريب وذلك البعيد، صرخ الشباب للزعيم، للطائفة، للمذهبية، وهناك من صرخ للزعيم: ارجع، لا ترحل. في لبنان، زعماء، معارضة وموالاة، يتصرفون وكأن ثورة مصر لا تحصل، بل إنهم يتباهون بإخلاص «شعوبهم» لهم ولتعصبهم لطوائفهم. في لبنان زعماء لم يرف لهم جفن، وثقتهم بعصبية ناسهم تجعلهم لا يخافون من رياح تغيير، مؤمنين بأنها لن تأتي. مصر اليوم، ومصر الأمس هي الحلم. تقول الناشطة الاجتماعية وخريجة المسرح والسينما ساندي، إن «مصر لا تستحق أن تكون تحت القمع، وهي اليوم تقاتل لحريتها، وشعبها يتوحد تحت جناح الحرية». الحرية هذه، برأي ساندي استطاعت أن «تُبعد شبح المذهبية عن الشارع المصري، لأن شعبها واع لما يجري، وواع لمطالب توحد كل فئات المجتمع بغض النظر عن أديانهم». الشابة التي لا تبعد نظرها لدقيقة عما يجري في «بلدها الملهم» كما تصفه، تتواصل مع أكثر من عشرين من أصدقائها في ميدان التحرير وفي أماكن متفرقة في مصر، تتابع أخبارهم، تنقلها عبر «تويتر» و»الفايس بوك»، وتعود لتجري المقارنة مع يوم غضبهم ويوم الغضب اللبناني، «المقارنة تضحكني، وتحزنني، وتفقدني الأمل بلبنان وبشبابه»، تقول ساندي، «كيف أقارن بين مئات الآلاف من التونسيين الذين بدأوا التغيير في العالم العربي، وبين ملايين من المصريين يهتفون ضد الاستبداد بعيداً عن أي شعار مذهبي - ديني، وبين عشرات يشعلون الإطارات فداء لزعيم لا يختلف عن بقية الزعماء الذين يتحكمون بتفاصيل حياتنا، بما في ذلك متى نغضب ونثور، ومتى نهدأ!».

الثورة بوجه من؟ لا يمكن لذلك أن يتغير إلا «بتعريف الهوية اللبنانية، وتغذيتها بمفاهيم ضرورية لتتوحد حول مطالب حياتية، واجتماعية واقتصادية وسياسية»، كما يقول الناشط في اتحاد الشباب الديموقراطي عربي عنداري. ذلك هو «ما أنجح الثورة المصرية، فالشعب المصري واع لهويته، ولحقوقه، وعلى الرغم من قمعه وعقود القهر التي عاشها، والخوف الذي امتلكهم، إلا أن الشعب الواحد لم يصبح شعوباً، وأعطانا جرعة من الأمل، بأنه لا يمكن للظلم ان يكون حتمياً». ويعتبر عنداري أن «الحال مختلف تماماً في لبنان الذي يتكون من مجموعة ملل طائفية، أو حزبية، تنضوي تحت اسم زعيم، يحمينا من زعيم آخر. ولا يعرف أبناء الطوائف والمجموعات، كيف يفصلون بين لقمة العيش ومناصرة الزعيم. وهم يبدون رضوخاً كاملاً لتآمر الزعماء عليهم وعلى مصالحهم، حتى لو كانوا يقولون في العلن إنهم يتآمرون لمصلحتهم». بهذا المعنى، يقول عنداري فإن «الثورة في لبنان، عليها أن تقطع حواجز معقدة ومتشابكة، أهمها انقساماتنا، التي تسهل مهمات الزعماء». ويؤكد أنه «في واقع الأمر، لا ينقصنا من البطولات والاستعداد للتضحية مقابل قضية أو هدف، لكن التضحية لا تكون إلا لزعيم وعلى أمل أن تعزز موقعه وموقع طائفته، مقابل إضعاف موقع الطائفة أو المذهب الآخر، وبهذا لا نبدي استعداداً لنضحي كلنا من أجل قضية واحدة تجمعنا، ولا تطبق هذه الحال إلا على تجربة مقاومة العدو الإسرائيلي». والثورة ممكنة إذاً، بحسب عنداري، لكن سؤالها الأبرز: بوجه من سنثور؟ والجواب هو بوجه التشاؤم الذي نعيش صراعاً أبديا معه، وبوجه المؤسسات والنظام المبني على الطائفية. وتبقى قضيتنا الأساس: مراكمة الوعي عند جيل شاب من المفترض أن يكون أقل إحباطاً. لا مرادف لها ربما ليس للثورة المصرية بشكلها الحالي مرادف في التاريخ العربي الحديث، وبحسب المدون والناشط عبر الشبكات الاجتماعية الإلكترونية جمال غصن «لا شبيه لها في تاريخ لبنان الحالي، فهناك فرق شاسع بين شعب ينزل ليعتصم بين سكاكين البلطجية ومن دون اتصالات ومواصلات، ومجموعات تنتظر ثمن بطاقة باصات النقل لتقصد ساحة الشهداء أو تأمين النقليات لتتجمع في رياض الصلح. الفرق كبير ودلالاته عميقة». أما كل التحركات العفوية والشعبية المخترقة للطوائف، فيبقى مناصروها بالعشرات أو بضعة آلاف، ويبقى تأثيرها هامشيا، وكل من يحاول أن يخرج عن طائفته في الانتخابات، والإدارات العامة، والوزارات، والوظائف، وحتى الشارع يصبح خارج التاريخ في لبنان، التاريخ الذي يعد وجهة نظر هنا»، بحسب غصن. ويدرك الشاب أن التغيير لا يمكن أن يكون وليد اللحظة، وما يحصل في مصر وتونس ليس وليد اللحظة، إنما كانت له نواة بتحركات شبابية، وشعبية، وباعتصامات نقابية. أما في لبنان، فحتى اللحظة الكل مقتنع بأن المشكلة هي في الآخر، والذي يجب أن يرحل، أو يُقتل، أو يُهمش، أو يخرج من الشراكة في الحكم، وهو أمر ينطبق أيضاً على النقابات والمؤسسات والجامعات ووسائل الإعلام وشركات الطوائف». يبدي غصن اهتماماً لافتا بحال الإعلام اللبناني إزاء الثورة المصرية، ويهزأ «لحال الارتباك التي تنتاب كل مؤسسة أمام حدث بهذا الحجم وبهذه الدلالة، فهم ينتظرون التفاصيل ومعرفة الطرف المسيطر على الحدث، وتأثيراته على مصالحهم.. ثم تتقرر سبل المعالجة والتناول». في مطلق الأحوال، لا ينتظر غصن الإعلام المحلي ليطلعه على تفاصيل التحركات في مصر، وهو يلجأ بالدرجة الأساس إلى القنوات الفضائية والإعلام الحديث. لكنه يؤكّد أنه «لا ينتظر أن يحدث «شيء»، فما كنا ننتظره قد حصل، مبارك سقط في الثانية التي تجاوز فيها الشعب المصري حاجز الخوف، وما سيأتي سيكون تتمة لذلك التغيير. ومن المؤكد أنه مهما كانت النتائج، فلن يكون الوضع أسوأ مما كان، فالشعب الذي انتفض مرة، لن يسكت مجدداً».

التغيير آت من مصر

التغيير سيطال الوطن العربي كله، كما يؤكّد معظم الشباب، وكل الخطوات الاحترازية التي تتخذها بعض الحكومات حالياً لن تمنع حدوث ثورات متتالية. تطغى الايجابية على رأي الناشط وعضو المنتدى الاشتراكي باسم شيت، الذي يعتبر أن «الانطلاقة من تونس، لكن مصر نقطة أساسية لقراءة الواقع في المنطقة ككل، حيث يجري تغيير نوعي، وكسر للقيود فيما كان الكل يحكي عن هبوط في الشارع العربي». وينتقد شيت «تردي الخطاب السائد، مما يعزز الحاجة إلى تيار ثوري داخل الأحزاب اليسارية التقليدية، ونشر حركة بديلة خارج 8 و14 أو ما بقي منهما. هناك حاجة لأمل، وسط إحباط يطغى على معظم اللبنانيين من مخلفات تحركات 8 و14 آذار اللذين لم يكونا أكثر من انقلاب من النظام، على النظام، لاستبدال النظام، ولتكريس تقسيم الحصص والوظائف، والكل كان شريكا في هذا التقسيم، فتسلم الحريري الاقتصاد، واستفرد حزب الله بالمقاومة». ماذا عن حركات السنوات الخمس الأخيرة في لبنان؟ يقول شيت إن كل التغيير الآذاري وانتفاضاته «لم يكن أكثر من تجديد لنظام قديم، وذلك على الطريقة اللبنانية، أي بسلاح شركات الإعلان ومؤسسات الإعلام، دعم دول العالم».

لمن نحرق أجسادنا؟

السؤال الذي يطرحه مسؤول قطاع الشباب والطلاب في الحزب الشيوعي أدهم السيد، أساسي: «هل تُلبنن الثورة المصرية؟»، ويقول إن «مصر تشهد نضال شعب لتغيير رئيس واحد، أما في لبنان فلكل من رئيسه، من نغير؟ ومن نُبقي؟ ولمن نحرق أجسادنا؟». وبرأي السيد «هناك افتقار للوعي لمعنى حرق الجسد كرسالة للتغيير، وبهذا المعنى، لن تهتز ممالك أي من الزعماء في لبنان إذا ما حرق الشباب أجسادهم، بل إنه يمكن القول إن الأخ لم يسر في جنازة أخيه المحروق، لأنه لم يحرق نفسه فداء للحزب نفسه، بل لحزب آخر». الثورة إذاً، لا يمكن أن تحلّ إلا بتغيير نظام لبناني مبني على التركيب، وله وظيفة واحدة: الحفاظ على مصالح السياسيين الذين هم أنفسهم رأسماليون، ومالكو البلد.

التغيير، لا الإصلاح. التغيير له أعمدة جديدة يرتكز عليها، أساسها الشبكات الاجتماعية الإلكترونية، وهي ما جعل البعض يُطلق على ثورة مصر «ثورة الفايس بوك»، وهو ما استخدم بداية كمحاولة للتقليل من أهميتها، إلا أنه أثبت أن الشبكات الاجتماعية والتدوين والتواصل عبر «الفايسبوك» و»توتير» استطاع أن يوصل صوت وصورة تدعم الثورة وتجعل العالم كله يتضامن معها، وهو ما يرتكز عليه ابراهيم عرب، وهو واحد من عدة مدونين ناشطين في متابعة الأحداث لحظة بلحظة. والشاب الذي ينشر الأخبار تباعا على مدونته ويتداولها عبر توتير كل ثانية، يقول إن «التضامن بالدرجة الأولى مع شعب يقاوم «النيودكتاتورية»، يحكم البلاد لثلاثين سنة متواصلة، ويحرم شبابها وناسها من الحريات والعيش بكرامة، ويمارس عليهم القمع السياسي بمختلف أشكاله». ويحكي عرب عن «الثورة الإلكترونية التي تجري بين المواقع الاجتماعية، بحيث بات كل من ناشط افتراضيا في ما يجري في مصر.. مع حلمنا الدائم بأن نكون معهم على أرض الواقع".