10.4.11

آلاف يسيرون في بيروت لإسقاط النظام الطائفي: تحرك لإعادة الثقة بسلمية التظاهرة.. بانتظار إجابات لـ « ماذا بعد؟ »



نُشر في جريدة السفير

10-4-2011

جهينة خالدية


كثيرون من بين هؤلاء الذين صرخوا أمس بكل ما ملكت حناجرهم : « على الطائفية... ثورة.. ثورة، ثورة »، عادوا ليصمتوا بعد دقائق من هتافهم، وكأن شيئا من إيمانهم بتظاهرة « إسقاط النظام الطائفي »، قد خَفُتَ.. إنما لم ينته. فها هم هنا، في التظاهرة المركزية الرابعة لإسقاط النظام الطائفي التي انطلقت من المتحف الوطني، باتجاه مبنى الإسكوا، على الرغم من كل الإحباطات التي كادت تنال من رغبتهم بالتغيير، وعلى الرغم من كل التدخلات السياسية والتباينات بين المشاركين، والتي كادت تطيح كيان التظاهرة.

هم هنا، في التظاهرة التي انطلقت من المتحف الوطني، باتجاه جسر البربير، فشارع بربور والبسطة، والباشورة، فالإسكوا، يهتفون، ويغنون، ويرفعون الشعارات، من دون أن يقارب عددهم العدد الذي ملأ شوارع بيروت في 20 آذار الماضي، حين جمع أكثر من عشرين ألف متظاهر. أما أمس فكانوا نحو خمسة آلاف مواطن، على أقصى تقدير، يسعون لاستعادة حماستهم وزخم تظاهرتهم، بعد كل « التشويش » الذي طالها وكاد يحولها إلى مجرد تحرك روتيني.

هم هنا إذاً، لإنقاذ أمل، نبشوه بأظافرهم من تحت التراب، وما عليهم إلا إبقاؤه على قيد الحياة.. لأطول مدة ممكنة، أو على الأقل لحين توحيد صفوفهم وإنضاج أفكارهم وتنظيم اقتراحات عملانية لإسقاط نظام يخنقهم. وعادت تظاهرة « إسقاط النظام الطائفي » لتكرر رفضها للحرب وإدانة الطوائف التي خاضت الحرب الأهلية اللبنانية، التي « قُتل فيها مئتا ألف شهيد وشهيدة، وخطف ما يقارب العشرين ألفا، وسرقت بيوت وجامعات ومدارس ودمرت مرافئ ومطارات ومؤسسات، وتغيّرت ملامح وطننا وتقطّعت أوصاله : وبقي النظام »، كما أعلن نداء التحرك عبر مكبرات صوت لا شك بأن صداها وصل إلى مجلس النواب والسرايا الحكومية (وإن كان عن بعد).

فكانت تظاهرة أمس، تظاهرة « ترميم » لكل الثغرات التي كادت أن تتوسع في جسد التحرك الأضخم في لبنان ضد كل الأحزاب الطائفية. ومن هنا، يبدو جمع نحو خمسة آلاف متظاهر مُرضيا لكثر، وفي واقع الأمر لا يتوقف قاسم حمادة، وهو أحد المنظمين، عند الأرقام « لأن التحرك يحاول ألا يلعب لعبة الأرقام التي كرسها كل من فريقي 8 و14 آذار، لكن هذا لا يعني أننا لا نسعى إلى العمل على التراكم وعلى الانطلاق بتحركات أخرى بالإضافة إلى التظاهر، ويمكن أن تفعّل عملية إسقاط النظام الطائفي، وتقريب وجهات نظرنا المختلفة، وبينها دراسات قانونية ومحاضرات وورش عمل وحلقات نقاش في الجامعات وحملة توعية حول الدولة العلمانية، المدنية، والأضرار التي يسببها النظام الطائفي للطائفيين ولكل المواطنين ».

في كل الأحوال، أعادت تظاهرة أمس، جزئيا، الثقة لكثير من المشاركين بأن هذا التحرك ما زال يلتزم بتعريفه : تحرك سلمي، عفوي، شعبي، لا عنفي. وهو ما أُثبت في تظاهرة أمس التي مضت على خير، بحيث لم يقع أي إشكال يذكر في صفوف المتظاهرين أو اعتداء على الإعلام على غرار ما حصل في تــظاهرتي عمـــشيت وصيدا المناطقيتين، اللتين تعتـــبران المسؤولتين عن تشــويه صورة التحرك والسبب المباشر وراء خفض عدد المشاركين فيه.

أما التغيير الجوهري في مسيرة التظاهرة التي كان من المقرر أن تصل إلى ساحة النجمة، وألزمتها القوى الأمنية التوقف عند مدخل ساحة رياض الصلح (عند مبنى شاكر وعويني تحديداً)، فقد دفع بالبعض إلى محاولة تخطي القوى الأمنية من دون أن ينجح، وسط هتاف عدد من المنظمين : « سلمية، سلمية، مظاهرة سلمية ». ما دفع كثراً إلى التذمر من انصياع المنظمين للقوى الأمنية، بدلاً من كسر الحواجز وتنفيذ مخطط مسيرتهم، ما يعتبره فؤاد جهاد، وهو صحافي وأكاديمي مصري، « حقا طبيعيا وديموقراطيا، وللتذكير فإن ميدان التحرير في مصر لم يُفتح على مصراعيه أمام المتظاهرين، بل فرضوا أنفسهم فيه بعد وقوع قتلى وجرحى في صفوفهم، علماً أن التحرك في ميدان التحرير كاد يتحول جزء منه إلى فلكلور، إنما تدخل شباب منظم وواع استطاع أن يجذب فئات شعبية مختلفة إلى ميدان التحرير وجعلهم جزءا من النقاش السياسي الحاصل هناك ».

بدورها، ترفض أسمى المقارنة ما بين ميدان التحرير ووسط بيروت، وبين التظاهرتين، « فيجب ألا ننسى أن مصر كان تعيش حراكاً منذ سنوات، وتعيش في ظل قمع لا يُحتمل، هو ما دفع إلى انفجار التظاهرات وجمع نحو مليون متظاهر عند مداخل ميدان التحرير، فرضوا دخولهم إليه ونيتهم ألا يغادروه ليتم تحقيق مطالبهم. أما في لبنان فالوضع مختلف تماماً، بحيث الحراك ما زال في خطواته الأولى، ولم تتبلور حتى اللحظة خطة العمل الواضحة لكل تحرك، وبالتالي نحن أمام أسئلة جوهرية : إذا خرقنا الحواجز الأمنية وتدافعنا إلى أمام البرلمان في ساحة النجمة، فماذا بعد؟ هل نعتصم هناك؟ هل ننتظر أن يزيلونا بالهروات وبالعنف؟ هل لدينا مخطط بنصب مئات الخيم داخل الساحة؟ أم هل ندخل وزي ما تيجي تيجي؟ ».

ويبقى السؤال الأكبر، بالنسبة إلى وائل، وهو أستاذ جامعي، حول مرحلة ما بعد كل تحرك على الأرض، و »ما الخطوة التي يجب أن تتبع كل تظاهرة؟ وكيف نحصن تحركنا ضد التشرذم وضد السياسيين والحزبيين الشرسين، الذين يدعون أنهم ضد النظام الطائفي من دون أن يتميزوا بالمرونة التي تخولهم ليخوضوا نقاشات ضرورية حول هوية المشاركين في التظاهرة وأهمية تنوعهم، وحول كيفية إبعاد هذا النظام ورموزه، وحول النظام الجديد المطلوب أن يكون بديلا من النظام الطائفي... ». من هنا، يعتبر وائل أن « تظاهرة امس، استطاعت أن تلملم أشلاءها جزئياً، إنما لن تنجح في الصمود طويلاً إذا لم تجب على عدد من الأسئلة الجوهرية التي توضح الخطوط الحمر الممنوع التعرض لها في التظاهرة، وهل يجب أن يكون هناك خطوط حمر في الدرجة الأولى؟ ومتى يحين موعد الإعلان عن كل الهواجس التي تنتاب عدداً من المشاركين، إخراجها من الغرف السرية التي تزيد الكبت في النفوس وتبعد الناس عن التظاهرة؟ ». ما توافق عليه الممثلة المسرحية روان، معتبرة أن « قسما كبيرا من المتظاهرين ليس واضحاً فعلاً، ويمر أفقيا فوق المواضيع الحساسة التي تواجه التحرك، في حين نحتاج أن نتجه إلى مقاربة عمودية للنظام الطائفي، وندق باب كل مسألة نختلف عليها، لنتوحد تحت عناوين لا عودة عنها ولنخلق قنوات حوار في ما بيننا.. تمنع الإحباط من النيل منا ».

وربما تكون الوحدة بالنسبة إلى قسم كبير من المشاركين، أسهل إذا ما انطلقت من العلمانية وتكريس العلمنة في النفوس من دون التطرق إلى الانتماءات الخاصة بكل فرد..

وفي خطوة رمزية في هذا الاتجاه، ارتفع قوس نصر ملون، يتحول كل من يمر تحته إلى مواطن علماني، وتتلو عليه الفنانة حنان الشيخ عليّ ترانيمها وزغردتها الخاصة : « تحتك يا قوس القزح، رح يمر هل اللبناني / وشتي من لونك فرح.. ليتحول علماني ».. وتزفه مع مجموعة من الفنانين والممثلين على وقع التصفيق والزغردة وبين البالونات الملونة، لتطهره من الطائفية.

ليست هناك تعليقات: