30.7.11

المناضلة سهى بشارة أمّ لطفلين لا «يستحقّان» جنسيتها اللبنانية: المعركة الأساسية هي «الداخل».. ولا يمكن فصل حال المرأة عن بناء الدولة



نُشر في جريدة السفير
السبت 30-7-2011
جهينة خالدية

يعملن كالنمل. يحملن آراءهن وأفكارهن كحبات قمح صغيرة، تنتقل من ظهر واحدة إلى ظهر أخرى، ليخلقن تأثيراً ما في مجتمع محقون بالذكورية. هن النساء، اللواتي «كتب عليهن أن يمارسن العمل التعبوي التربوي ليحققن خرقاً (أو تغييراً) ما في إطار قضايا المرأة». يخرج التوصيف المذكور لحراك النساء المطلبي عن مناضلة تُعرف بلقب «زهرة الجنوب»، اسمها سهى بشارة، التي شاركت في المسيرة التي دعت إليها حملة «جنسيتي حق لي ولأسرتي»، خلال زيارتها الحالية للبنان.
لا تغيّر سهى بشارة وجهة عدوها، وهو إسرائيل، لكنها في الآن ذاته لا تعيش من خلاله. تقصد بشارة أنه «عندما نقاوم ونقاتل، لا يجب أن ننسى الداخل والعمل على إخراج لبنان من الأزمة الإقتصادية، وتنظيم المؤسسات، وإقرار القوانين المدنية. وهو ما نحن بعيدون عنه كل البعد، إذ نعيش في ظل آفة شعبية أساسية تتجلى عبر هواية وحيدة: التصفيق لكل شيء، للمغنين، للراقصات، لرجال السياسة والطوائف».
وبذلك، تضع بشارة، التي تعيش مع زوجها وولديها (تالا وجاد) في سويسرا، إطاراً واسعاً لوضع المرأة في لبنان وحقوقها بالمساواة والمواطنة الكاملة، وبقانون يحميها من العنف. هي التي تجد أنه «لا يمكن الفصل بين حال المرأة وبناء الدولة الديموقراطية القائمة على العدالة والمساواة والعدالة. الدولة التي سعت «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية»، منذ انطلاقتها، إلى العبور إليها بصفتها الحلم الأكبر».
شاركت بشارة في تحركات حقوقية نسائية، وتشرح إنها «أولاً، أنا أشارك كوني إمرأة، وكوني إنسانية بالدرجة الأولى، ذلك من دون أن أدعي أني ناشطة دائماً، إنما لا يمكن أن أفهم كيف تكون حقوق المرأة في لبنان «مدعوسة»، ومهمشة، وخياراتها في كل مجالات الحياة محدودة، فهي تخضع لنوع من العرف الذكوري الذي يمنع وصولها إلى مناصب عليا في العمل، في الدولة، ولا سيما في السياسة، إذ في تاريخ لبنان لا وجود للمرأة كقائدة».
وتعود بشارة لتخصص كلامها في موضوع منح المرأة اللبنانية الجنسية لأولادها، الموضوع الذي يعنيها على الصعيد الفردي أيضاً كلبنانية متزوجة من أجنبي، وتقول إن «التعامل مع هذا الملف يتم بلا - إنسانية تامة، وذلك باسم التوازن الطائفي، وباسم حجج مختلفة تسرق من المرأة اللبنانية أولادها من لحمها ودمها. حجج تجعل أولادها موجودين وغير موجودين (في الوقت نفسه) في بلدها». وترى بشارة أنه «لم يعد من قضية في الكون إلا وتم حشرها كذريعة لمنع الأم اللبنانية من منح جنسيتها لأولادها، وبهذا يسحقون كرامة أطفالها قبل أن يولدوا كرمة لتوازناتهم وحسابات الستة والستة مكرر».
ما يضع المرأة في لبنان أمام خيارات محددة، تبدو كخطوط نارٍ يتوجب عليها المرور عبرها، إذ بحسب بشارة، «على المرأة، وقبل أن يدق قلبها أو تلفظ الهمسة الأولى باتجاه شريك حياة محتمل، أن تطلب سجلاته كاملة، وجنسيته، وطائفته ومذهبه.. فجعلونا نحب على جواز السفر، والهوية، وحتى إخراج القيد، بل إنهم لا يترددون في إهانة خياراتها، مرددين: شو هبلة تتزوج أجنبي؟، وشو الله جابرها؟!». وتضيف: «يوم اخترت الزواج، سألت عن معايير تعني لي أكثر، معايير إنسانية وتتعلق بمبادئي، ولم أسأل عن جنسيته. أما أولادي اليوم، فأحاول آلا أعيشهم الكذبة وأشرح لهم لماذا أنا لبنانية وهم لا، علما أني أمهم».
وتعود بشارة لتسأل: «أين هو الإنفتاح الذي يتغنى به لبنان؟ وأي هي الأديان التي تتغنى بالتسامح؟ هل التسامح يعني أن يجعلوا المرأة التي تشكل نصف المجتمع، تنجب أولاداً يتعذبون في حياتهم وتعليمهم وأوراقهم الثبوتية وميراثهم؟ هل تقبل الأديان، في حال موت الزوج أو رحيله لسبب ما، أن يعيش هؤلاء الأطفال داخل لبنان إنما خارج القانون؟». وتذكر أن «عددا من النساء اخترن الدخول من باب الخيار الوحيد الذي أفسحه القانون ليجعلوا أولادهن يعيشون معهن في لبنان، وهو أن يسجلوهم كأولاد دعارة! وهو خيار شبه وحيد للتلاعب على القانون، إنما في الوقت عنيه، هو قرار جريء ويحتاج إلى وعي الزوجين».
ولا تنسى بشارة أن تذكّر «بملايين اللبنانيين الذين هاجروا إلى أصقاع العالم، وحملوا جنسيات مختلفة، وباتوا المادة التي نغنى بها بلبنان كطاقة مهاجرة». وتسأل: «هل عُذب هؤلاء كما تعذب المرأة في لبنان؟ كم من لبناني كسب الجنسية زوجته الأوروبية أو الأميركية أو الآسيوية بمجرد أن تزوجها، وعاد ليمنحها جنسيته اللبنانية بلمح البصر؟». وتعود لتقول أنه «في لبنان، يتم تضخيم الصورة، وترهيب المواطنين بأن السماح للمرأة اللبنانية بمنح جنسيتها لأولادها سيؤدي للتوطين، علماً بأن الأرقام أثبتت أن الزيجات المحتملة لن تكون فقط من الجنسية الفلسطينية (وبالتالي تؤثر على عدد الطائفة السنية). هذا من دون أن ننسى أنه يمكن إرفاق هذا الحق بدفتر شروط يجب إستيفائه قبل منح الجنسية للزوج».
تحكي بشارة، وتشارك بين الفنية والأخرى في تحركات حقوقية، إنما لا تبدي «أي تفاؤل في قضية تحقيق المواطنة الكاملة للمرأة اللبنانية، إذ لا يبدو في الأفق أي منفذ للتغيير في أي إطار ولاسيما في موضوع المساواة». وتشرح أسباب ذلك بالقول أن «التغيير عادةً يفرض من الأعلى، أو يتم العمل عليه من أسفل الهرم أي من القاعدة الشعبية، وهذا هو دور الأحزاب غير المعنية في هذا الملف وفي ملفات كثيرة في لبنان، ولا تملك أي رؤية شاملة، واختزل عملها في الإنتخابات، وعدد المقاعد التي سيستحصلونها، وانتهى!».
المشاكل السائدة في لبنان، لا تنحصر، بحسب بشارة، في قضايا المرأة، وإنما «من المفترض أن تكون الملفات الحقوقية من البديهيات، ومن المفترض أن يكون احترام الآخر، وحماية المرأة من التعنيف داخل وخارج منزلها، من المسلمات، واليوم نسمع باسم الدين من يحلل على طريقته بحق الزوج تأديب زوجته ولو كان بالضرب. وهناك من يسمح له بأن يجعلها مجرد سجادة تحت الأقدام، ويضربها وقتما شاء».
يدفع ذلك كله بسهى بشارة لأن تقول إنه «منذ انخراطي في العمل المقاوم وحتى اليوم، كنت ولا زلت أؤمن بأن المعركة الأساسية أمامنا هي معركة الداخل، هي المعركة الأصعب لأنها محفوفة بالتعريفات الملتبسة حول هوية الآخر، وحول برنامج ومسؤولية كل طرف عن أخطائه ودوره في الفساد والهدر وعرقلة بناء الدولة. وبمعنى آخر، معركة الخارج كانت «أوضح»، إذ كنا نختلف على قراءة وجود عدونا الإسرائيلي، أو الوجود السوري، إنما كانت هوية كل منهما معروفة، أما معركة الداخل فلا شيء واضح، لا رؤيتنا للمؤسسات ولا نظام الدولة، ولا قوانين الانتخابية، الإدارية، أو المدنية». ومن هنا، «تكون الخلاصة لهذه الفوضى العارمة»، بحسب بشارة، هي «انخفاض منسوب الوعي، وانعدام النية بالتغيير، والحقيقة الوحيدة هي أن البلد ليس إلا عبارة عن شركة مافيات، يحق العيش فيها من دون أي حق آخر، من دون أن نقول كلمة».

29.7.11

مسيرة لـ«جنسيتي حق لي ولأسرتي»: النزاعات الطائفية تلغي المواطَنة


نُشر في جريدة السفير
29-7-2011
جهينة خالدية
تحكي باسم الإنسانية، والإنسانية فقط. تحكي عن «مساواة لا يمكن أن يُبنى الوطن من دون تحقيقها». هي المناضلة سهى بشارة، التي شاركت أمس بمسيرة حملة «جنسيّتي حقّ لي ولأسرتي» من أمام وزارة الداخلية في الصنائع، باتجاه ساحة رياض الصلح.
أضفت بشارة معنى نوعيا للمسيرة، بكلمات تخاطب الوجود الإنساني لكل فرد من المجتمع، لكل عضو في مجلس النواب، لكل وزير. تقول بشارة لـ«السفير»، «إن الإجابة عن سؤال الأساسي التالي، يجب أن تهز ضمير الكل، ويبين حجم مأساة الأم اللبنانية: كيف يمكن لأم أن تنجب ولدا، يعيش معها في لبنان، إنما بسبب القانون، يكون موجوداً في لبنان وغير موجود فعلاً، وعندما يموت والده، وفي حالات معينة، لا يعود يحق له أن يبقى في هذا البلد كلبناني ولا يحق له الخروج منه؟!».
لم تكن بشارة الضيفة الوحيدة على مسيرة «الحقوق، المواطنة والمساواة» التي تأتي في إطار تحركات الحملة، إنما شاركها إلى جانب أمهات لبنانيات متزوجات من أجانب وناشطات حقوقيات، منهن الإعلامية ريما كركي وملكة جمال لبنان السابقة كريستينا صوايا والشاعر زاهي وهبي والممثلة والمخرجة زينة دكاش والإعلامية نضال الأحمدية.
الكل سار من منطقة الصنائع، وهتفوا «لوقف النزاعات الطائفية في وجه حقوق المواطنة، وصونا للسلم الأهلي».
كما سُلم مقترح مشروع تعديل قانون الجنسية تكريسا للمواطنة، إلى المدير العام لوزارة العدل عمر الناطور، في ساحة رياض الصلح.
المواطَنة هذه التي تعتبر بحسب رئيسة الحملة لينا أبو حبيب «تساوي الجنسية»، مشيرة إلى أنه «لا تغيير فعليا في ما يتعلق بموضوع منح المواطنة الكاملة للمرأة اللبنانية، إنما واجبنا الدائم الاعتصام ورفع الصوت لهذه القضية». وتعود أبو حبيب لتشير الى أنه «يصعب التفاؤل بتحقيق المساواة مع هذه الحكومة، التي خطت أولى خطواتها بالتمييز ضد المرأة بتعيين وزراء ذكور من دون أي حصة للمرأة، وفي واقع الأمر لم نر حتى اللحظة أي حكومة تتعاطى بجدية مع ملف المساواة وقضاياه المختلفة، وأكثر ما يخيفنا اليوم أننا نسمع بعض الآراء الرجعية التي تطالب لبنان بمراجعة توقيعه على اتفاقيات حقوقية!».
الأمر ذاته هو ما أكدت عليه الناشطة حياة مرشاد باسم الجمعية التي أشارت إلى أن «الحملة تنقل مطالب ومعاناة آلاف عائلات النساء اللبنانيات إلى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ومن خلاله إلى جميع أصحاب القرار في السلطة اللبنانية وتطالبهم بالعمل الجدي على اقرار مشروع تعديل قانون الجنسية اللبناني». وشددت مرشد على «تمسك الحملة واستمرار نضالها إلى حين اقرار مطلبها المحقّ ليصبح لبنانياً كل شخص مولود من أب لبناني أو أم لبنانية والرجل المقترن من لبنانية بعد مرور سنة على تاريخ تسجيل الزواج في قلم النفوس، تتمنى على الحكومة الجديدة إنصاف النساء اللبنانيات والاعتراف بمواطَنتهن وهي في هذا السياق امام تحد كبير بعد إقصائها النساء عن المواقع الوزارية وإغفال حقوقهن الأساسية في بيانها الوزاري».
جهينة خالدية

26.7.11

دراسة لنزار صاغية و«سكون» تحلّل الملاحقات القضائية.. وإرادة المشرّع بعلاج المدمن:



«الشرطي والقاضي والأشخاص الذين يتعاطون المخدرات».. وتجاهل القانون الذي ينظّم علاقتهم




نُشر في جريدة السفير
26-7-2011
جهينة خالدية

«الشرطي، والقاضي، والأشخاص الذين يتعاطون المخدرات»، هو عنوان الدراسة التي حرّرها المحامي نزار صاغية، بالتعاون مع جمعية «سكون»، مقدّماً من خلالها قراءة تحليلية لعينة من الملاحقات القضائية التي سجّلت في العام 2010، على خلفية تعاطي المخدرات. وقد شملت العينة مئة وتسعة أحكام، ومئتين وثماني حالات، صدر تسع وسبعون منها في العامين 2010 و2011 عن القضاة المنفردين الجزائيين، وعن محاكم الجنايات في مناطق مختلفة.
وتشكّل الدراسة نوعاً جديداً من الأعمال الهادفة إلى فهم القانون، ليس من خلال نصوصه، بل أيضاً من خلال كيفية تطبيقه. وهي تنطلق من التذكير بأن «قانون المخدرات (673) اعتمد مقاربة قانونية مميزة للأفعال المتمثلة بشراء المواد المخدرة وحيازتها وإحرازها بكميات ضئيلة للاستعمال الشخصي، ففيما نص على معاقبة هذه الأفعال بالحبس حتى ثلاث سنوات، وبغرامة تصل حتى خمسة ملايين ليرة لبنانية، أولى المدمن وضعية خاصة مفادها أنه يخضع للعقوبة نفسها إذا لم يذعن لإجراءات العلاج المنصوص عليها في القانون». وتشرح الدراسة المادة المذكورة، على الشكل التالي: «بكلام آخر، وفي حال الإدمان، لا يشكل ثبوت استعمال المخدّر أو حيازته (وهو فعل حصل ماضياً) سبباً كافياً للمعاقبة، بل يفترض التثبّت منه عبر واقعة أخرى، وهي رفض المدمن الامتثال للعلاج أو الانقطاع عنه (وهو فعل يحصل حاضراً أو مستقبلاً)».

قانون متقدّم.. وامتناع عن تطبيقه
تلفت الدراسة إلى أن «المشرّع سخّر كل ما لديه من طاقات ووسائل لاقناع المدمن بانتهاج سكة العلاج، أو لمساعدة الأهل على وضعه على هذه السكة: فهو يستعمل تباعاً منطقي العصا (التهديد بالعقاب) والجزرة (العلاج المجاني ومساعدة العائلات التي يعيلها المدمن، والإعفاء من الملاحقة أو العقاب، ووقف تنفيذه). وأهم ما يفعله في هذا الصدد هو إعطاء المدمن الفرصة تلو الفرصة لإقناعه بالسير على هذه السكة. وبكلام آخر، المشرع يدعو، ينصح، يمنح، يشجع، يذلل العقبات، يحث، يضغط، يغري، يتفهم، يتسامح، يمنح الفرصة تلو الفرصة، يهدد باستعمال العصا، وإذا استعملت، فإنه يضع الإجراءات لمحو آثارها قدر لممكن.. وببساطة، يعلن موقفاً متقدماً مفعماً بالتسامح».
ويمكن أن تتلخص النقطة الرئيسية التي تنطلق منها الدراسة، بالسؤال الجوهري التالي: «أين نحن اليوم من إرادة المشرع؟». فتجيب بأن «الواقع مغاير تماماً لما يريده المشرّع، وذلك لأن السلطة التنفيذية تتصرف كأنما هذا القانون غير موجود، فلا وزارة الصحة اعتمدت مراكز العلاج، ولا وزارة الشؤون الاجتماعية أوجدت مراكز رعاية، ولا الدولة أخذت التدابير اللازمة لتفعيل لجنة الإدمان (وهي اللجنة المخولة الاشراف على العلاج والتثبت من إتمامه). وهي، بذلك، تتقاعس عن تأمين الآليات التي وضعها المشروع لتطبيق القانون».
ومن جهة ثانية، تشير الدراسة إلى أن ما يجعل الوضع مغايراً لإرادة المشرع أيضاً هو أن «القاضي يجد نفسه حائراً أمام مدمن يعلن عن إرادته بالعلاج، من دون أن يكون العلاج متوفراً، فيصبح تعهد المدمن بالعلاج بالنسبة إلى القاضي سؤالاً ضميرياً أكثر مما هو بداية مسار، منتهاه تحرر المدمن من إدمانه، وفي الآن نفسه من الملاحقة».

ويسأل صاغية في الدراسة: «ماذا يفعل القاضي في هذه الحالة؟ هل يبطل التعقبات لعدم جواز مساءلة المدمن عن تقاعس الدولة في تأمين طرق العلاج التي على الدولة أن تؤمنها؟ أم يأخذ بروحية القانون الآيل إلى استبدال العقاب بالعلاج؟ وكيف له أن يفعل ذلك إذا عجز المدمن ومعه القاضي عن إيجاد مكان مناسب للعلاج لامتناع الدولة عن إنشاء مراكز كهذه؟ وألا يجعله ذلك كله أمام موقف صعب: فإما أن يعاقب المدمن من دون إيلاء أي اعتبار لتعهده بالعلاج لغياب الآليات الضرورية لتطبيق القانون، وإما أن يوقف الملاحقة على أساس هذا التعهد عملا بنص القانون وبروحيته، من دون أن يتلقى المدمن أي علاج، ما يبقيه بالنتيجة في حلقة مفرغة من الارتهان والملاحقة؟ وهو موقف صعب، ما دام كل من الحلّين يبقى عاجزاً عن تحقيق تطلعات المشرّع: ففي الحالة الأولى، يعاقب المدمن رغم إعلان إرادته بالعلاج، وفي الحالة الثانية، يترك المدمن لحاله من دون علاج».
وتعود الدراسة لتشير إلى أنه «حتى لو توسع القضاء في تفسير القانون، يبقى أن نجاح مساعيه يرتبط، بغياب انخراط الدولة في تأمين العلاج المجاني حسب ما جاء في القانون، بشكل أساسي ومباشر، بقدرات الجمعيات الأهلية والمؤسسات غير الحكومية، وبمستوى تعاونها مع القضاء». كما جرت الإشارة إلى أنه «رغم قسوة القانون المبدئية إزاء المتعاطي غير المدمن (الذي لا يعاني من ارتهان للمادة المخدرة)، تضمن القانون أحكاماً من شأنها فتح باب التسامح، وخصوصاً إزاء من كان مبتدئاً أو غير مكرر، فأكد إمكانية وقف تنفيذ العقوبة أو الإعفاء منها في حالات عدة أبرزها القصر أو التعهد بعد التكرار أو عدم وجود أسبقيات أو الامتثال لإجراءات العلاج أو الرعاية التي تقررها المحكمة (المادتان 127 و130 من قانون المخدرات)».

وسجّلت الدراسة أن «مراجعة التحقيقات والملاحقات تبين أحياناً تلازماً بين ملاحقة مستعمل المادة المخدرة وملاحقة منتجها أو الذي يتاجر به أو يروجها.. وتبقى شهادة المدمن أحد أبرز الأدلة المستخدمة للتعرف على هؤلاء. كما أن الادعاء باستعمال المادة يترافق أحياناً مع ادعاء بيعها، كما هي حال الشخص الذي يبيع المادة لتأمين حاجاته منها، أو مع ادعاء بتسهيل استعمالها، كما يحصل مثلاً في حالات الاستعمال المشترك للمادة. وعليه، في جميع هذه الحالات، وعدا عن أن المدمن لا يفيد من التسامح المنصوص عليه قانوناً، فإنه يكون معرّضاً لعقوبة لا تنقص عن خمس سنوات من الاعتقال المؤقت».

إجراءات الملاحقة المتبعة
يتناول القسم الأول من الدراسة «الإجراءات المتبعة ضد المدعّى عليهم بتعاطي المخدرات من قبل الضابطة العدلية (مكتب مكافحة المخدرات) والقضاء على حد سواء ـ وتحليلها. وأبرز ما يخرج عن هذا المبحث هو كيفية بدء الملاحقة والعلاقة بين القاضي والمدمن خلال المحاكمة، فضلا عن إجراءات التوقيف الذي يحصل في الغالبية العظمى من الحالات». فأشارت إلى أن «متوسط التوقيف للأشخاص الذين يحاكمون أمام القاضي المنفرد الجزائي بلغ 46 يوماً، فيما بلغ متوسط الأشخاص الذين يحاكمون أمام محكمة لجنايات 80 يوماً».
وهنا، ركّز صاغية في الدراسة على أنه «يظهر من خلال مراجعة الملفات القضائية، أن مكتب المخدرات التابع للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، يؤدي دوراً استخباراتياً بارزاً في تعقب المدمنين، وخير دليل على ذلك هو النسبة المرتفعة للملاحقات التي تبدأ بناء على «معلومات» غالباً ما تكون مصادرها غير محددة، وهي تتناول أشخاصاً بالذات أو أمكنة يشتبه بتعاطي المخدرات فيها. ويزيد من حدّة الاشكالية أن هذه المعلومات لا تستخدم كمنطلق للتحقيقات والملاحقة فقط، إنما أحياناً تكون وسيلة لاثبات الادعاء». فيوضح صاغية هنا أنه «يتحول وضع اليد على أي متعاط إلى فرصة لتحديد الأشخاص الذين يتعاطون معه أو الاستحصال منهم على المادة، ما يوسّع الدعوى لتطال كل هؤلاء، وربما من يشون بهم، وعلى الرغم من فاعلية هذا الأمر إلا أنه يسمح بالوشاية والابتزاز لأسماء معينة».
وخلصت الدراسة على مستوى التوقيف الإداري والتوقيف الاحتياطي، إلى أن نسبة 88.5 في المئة من المدعى عليهم الذين شملتهم العينة، قد تعرضوا للتوقيف، علماً أن النسبة ترتفع إلى 91.6 في المئة بالنسبة إلى الأشخاص المدعى عليهم الذين تم التحقيق معهم، أي عند حسم الأشخاص الذين لم يتم العثور عليهم أصلاً من النسبة. وتالياً، يكاد التوقيف يكون منتظماً في حالات التعاطي». كما لحظت أن «التوقيف ليس منهجياً فقط خلال التحقيقات الأولية (152 من أصل 169 شملتهم التحقيقات الأولية)، إنما أيضاً في الفترات الأولى من مرحلتي التحقيق والمحاكمة (156 من أصل 201، مع حسم الأشخاص الذين لم يتم العثور عليهم).
تمييز على أساس الجنسية
سجّلت الدراسة «تمايزاً بشأن جنسية المدعى عليه بشأن التوقيف الاحتياطي، ففيما أن بعضهم (السعوديون مثلاً) قد حظي بمعاملة أفضل من اللبنانيين، فإن بعضهم الآخر قد حظي بمعاملة أكثر سوءاً بهذا الشأن. وهكذا، وصل متوسط مدة توقيف الفلسطينيين إلى 78 يوماً، ومتوسط توقيف السوريين إلى 94 يوماً، فيما أن واحداً من السعوديين الثلاثة الذين شملتهم الدراسة لم يتم توقيفه، وبلغ متوسط توقيف السعوديين الآخرين يوماً واحداً». وعادت الدراسة لتوضح أنه «لفهم متوسط مدة توقيف اللبنانيين (70 يوماً) بالنسبة إلى سائر الأجانب، تجدر الإشارة إلى أن ارتفاعها النسبي يعود إلى كون نسبة اللبنانيين من المدعى عليهم أمام القاضي المنفرد الجزائي هي 18.7 في المئة، فيما أن نسبتهم من المدعى عليهم امام محكمة الجنايات (حيث يبلغ متوسط التوقيف الضعف تقريباً) هي 81.3 في المئة».

الحكم ومدة التوقيف
هدف القسم الثاني من الدراسة إلى «رصد العناصر الأساسية المكونة للحكم، وتحليلها، ساعيةً للإجابة على سؤال أساسي: ما هي وسائل إثبات التعاطي؟». فتناولت «الإشكاليات الناجمة عن القوة الثبوتية لفحص البول، وللمعلومات، وللأسبقيات المدونة لدى المكتب المركزي لمكافحة المخدرات، فضلاً عن العطف الجرمي، وما هي المواضيع التي يعمل القاضي على إثباتها؟ وما هي المواد التي يشملها قانون المخدرات؟ وكيف يطبق القاضي القانون الذي نص صراحة على وقف الملاحقة في حال تعهد المدمن بالعلاج؟ فهل يلتزم بإرادة المشرع أم أنه يستمر في معاقبة المدمن، مهما تكن إرادته بالعلاج، لغياب مراكز العلاج المعتمدة من وزارة الصحة؟».
وتشير الدراسة إلى أن «فحص البول، يشكل اثباتاً مركزياً ومكملاً إلى حد بعيد للمعلومات غير المحددة المصدر، أو للوشاية. وهكذا، يمكن أن تبدأ الملاحقة على أساس أدلة واهية، يتم استكمالها عن طريق اخضاع المتعاطي فور استدعائه أو احضاره للفحص المخبري، علماً أن نفقة الفحص تقع على عاتق المشتبه به».
أما في ما يتعلق بالعطف الجرمي، أي «الاستناد إلى وشاية أحد الأشخاص بشخص آخر تعاطى مادة مخدرة معه، وذلك رداً على الأسئلة الموجهة إليه بهذا الشأن»، فتلفت الدراسة إلى أن «ملاحقة ما لا يقل عن 76 حالة شملتهم العينة، بدأت بناء على وشاية متعاط آخر في أثناء التحقيق معه، لكن هل تكفي هذه الوشاية لملاحقة شخص أو أكثر من ذلك، لادانته من دون توفر دليل آخر؟».
وعاد محرر الدراسة ليذكر أنه «بمراجعة العينة، يظهر أن النيابة العامة اكتفت في بعض الحالات بالعطف الجرمي ليس فقط لمباشرة الادعاء بل أيضاً للتأشير بالتوقيف، وكذلك الأمر بشأن قضاة التحقيق. وفي المقابل، لا يأخذ قضاة الحكم وفق الاجتهاد المستقر بالعطف الجرمي إذا كان الدليل الوحيد المتوفر في الملف. لكنهم يرتبون عليه نتائج في حال توفر أدلة أخرى من قبيل ثبوت أسبقيات بحق المدعى عليه في مدونات المكتب كما سبق بيانه».
ويلقي التقرير الضوء على توجّهات مختلفة، ومن بينها بعض التجارب الرائدة التي هدفت إلى حثّ المدمن على العلاج كشرط لوقف تنفيذ العقوبة المقررة بحقه وأخيراً، ما هي العقوبات المقررة، من حيث نتائجها ودوافعها؟ وهنا، يسجّل التقرير توجهات غالبة ناحية الاكتفاء بمدة التوقيف (135 حالة)، بحيث تصبح العقوبة المقررة وقفاً ليس على خطورة الجرم، بل على الأمر الواقع في أثناء الملاحقة (أي مدة التوقيف). كما، من دوافع العقوبة، تسامح نسبي إزاء الذين يتعاطون المخدرات من خلال تعميم منح الأسباب التخفيفية. كما تذهب الأحكام أحياناً إلى مكافأة المدمن على التزامه بالعلاج أو على انقطاعه عن استخدام المادة، من خلال وقف تنفيذ العقوبة.
جهينة خالدية

23.7.11

الثنائي المالي الضرير أمادو ومريم في «بيبلوس»: البامبارا المطعمة بالبلوز



نُشر في جريدة السفير
23-7-2011
جهينة خالدية
لا ترى مريم الآلاف من الجمهور أمامها، ولا رقصهم العفوي الفرح، إلا أنها تسترق السمع جيداً لهتافهم وتصفيقهم، فلا تفوت خمس دقائق من دون أن تشكرهم تكراراً: شكرا، merci ـ Thankyou.
مريم تغني، ويشاركها زوجها أمادو بالغناء والعزف على الغيتار، ويشكلان معا الثنائي الإفريقي الشهير الكفيف «أمادو ومريم»، الذي أحيا مساء الأربعاء واحدة من أكثر أمسيات «مهرجان بيبلوس» تنوعا لجمعها بين موسيقى عالمية من البلوز والروك والبوب وتطعيمها باللون الافريقي الكلاسيكي والبلوز المالي، وموسيقى البامبارا المالية تحديداً، علما بأن موسيقى الثنائي تستعين بآلات مختلفة من الطبلة الهندية، الكمان الشرقي، الناي، البوق الكوبي وطبعا آلات الإيقاع.
كائن من كان في حفل الثنائي المالي الستيني، بغض النظر عن مدى درايته بفحوى موسيقاه، كان سيُسحر بكل تلك الخفة في مشهدية الحفل. عدد قليل من العازفين والمغنين فوق المسرح، أنوار خافتة، مسرح جبيل المشهور برومانسيته الفائقة، وجمهور مستمتع بما يسمع من ألحان وأداء.
على مدى أكثر من ساعة ونصف الساعة، تمايل الجمهور الشبابي الأوروبي، والأميركي، واللبناني وعدد أقل من الجاليات الإفريقية في لبنان، مع أغاني «الثنائي المكفوف من مالي» (كما يعرفان)، وتحكي الأغاني بالدرجة الأولى عن تجاربهما الشخصية، وعن مدينتهما بامكو وانطلاقتهما من مالي (علما بأنهما انتقالا إلى ساحل العاج ومن ثم إلى فرنسا ومنها إلى العالمية)، إضافة إلى أغان تدعو إلى السلام والوحدة الافريقية والانفتاح على حضارات الشعوب، وهذه الرسالة هي السمة الأبرز للمغنيين، اللذين توسعت شهرتهما بعد تعاونهما مع المغني والمنتج العالمي مانيو شاو، الذي أنتج لهما في العام 2004 ألبومهما «الأحد في بامكو».
قلة قليلة من بين الجمهور تحفظ مجرد جملة من أغان حققت شهرة عالمية لأمادو ومريم من «باتوما»، و«افريقيا»، و«أحد في بامكو»، إلا أن الإيقاع والألحان لا تبدو غريبة على جمهور يعترف بعالمية الموسيقى. جمهور، قرأ عن الثنائي وعن فقدانهما البصر في صباهما (أمادو في سن 16 ومريم في سن الخامسة)، وعن تعارفهما في مدرسة المكفوفين وقصة حبهما وزوجهما. والجمهور عينه يتذكر الثنائي جيدا في افتتاح مونديال العام الماضي في جنوب إفريقيا الذي أحيته المغنية العالمية شاكيرا وفريق «فريشليجراوند» الجنوب افريقي وغيرهم، علما بأن الثنائي المالي شارك أيضا في حفل افتتاح كأس العالم 2006 في ألمانيا، وذلك إلى جانب المغني الألماني هيربرت جرونميير.
من دون أي تكلف، أو بهرجة زائدة وقفت مريم بزيها الإفريقي الأحمر المميز المتناسق مع زي شريكها، غنت وأفسحت المجال لراقصتين بارعتين أشعلتا المسرح، بخطواتهما الإفريقية الرشيقة. وبدوره يرد الثنائي الذي انطلق منذ منتصف السبعينيات، بالشكر، كما يحرص أمادو على سؤاله تكراراً «هل أنتم بخير؟»، «هل كل شيء على ما يرام؟» ليأتيه الرد بتهليل وهتاف حماسي.
لم يكن جمهور أمس الأول غفيراً، إنما كان جمهورا منصتا لموسيقى مختلفة لا تحظى عادة بجماهيرية واسعة في لبنان، إذ يندهش ويتعرف الجمهور اللبناني غالباً على الموسيقى العالمية، وفقاً لما يحققه منتجها أو مؤديها من أرقام قياسية في المبيعات وأعداد الجماهير التي ترتاد حفلاته، بغض النظر عن نوعية، مضمون أو مستوى الأداء الموسيقي. وانطلاقا من هذا المبدأ تزدحم المدرجات بالمشاهدين في حفلات البوب والروك والتكنو والترانس وتقل في حفل بسيط، ممتع لموسيقى إفريقية لم تتعولم تماماً، ولموسيقى ثنائي مميز بأدائه وتجربته المحرومة من البصر والتي سرداها في سيرتهما الذاتية التي نُشرت العام الماضي باللغة الإنكليزية تحت عنوان «بعيدا عن ضوء النهار».
جهينة خالدية

22.7.11

"الحمرا الجديدة": «النقطة التي تتمحور حولها العاصمة» تزدهر ولا تسرق من الجميزة زبائنها


نُشر في جريدة السفير
22-7-2011
جهينة خالدية

صوت لوي أرمسترونغ يخرج خفيفاً من مذياع المقهى. يضحك رجل الجاز الأول. وتجاريه إيلّا. الاثنان يغنيان ظهراً، في شارع الحمراء. الاثنان يجعلان من الازدحام المجنون أقل جنوناً، وأكثر سريالية. الاثنان يسرقان دقائق من نهار الشارع المحموم، كأنهما يحضران ناسه لضوضاء مسائية لا تعرف الراحة.
هناك شيء ما يجري في الحمراء، بل أشياء كثيرة تجري في الشارع - المدينة، بدأ يتحضّر منذ الأمس، فلا يشبه نفسه يوم غدٍ. كل فجر «حمراوي» جديد، يحمل معه مكاناً جديداً يفتتح في شارع يفتخر بغليانه.
من بداية الشارع عند مصرف لبنان، حتى نهايته عند شارع أبو طالب، مروراً بـ«المقدسي»، و«جان دارك»، و«السادات»، وسواها.. أمكنة جديدة في كل يوم: مطاعم أجنبية وعربية، مقاهٍ، حانات، متاجر عالمية، مسارح...
يؤدي ذلك إلى وصف حال الشارع بـ «Booming» – ازدهار مطرد، ما يعتبره كثر من أصحاب المصالح فيها، ازدهاراً طبيعياً لشارع يشكل الواجهة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية للعاصمة بيروت. ولا يتردد رواد الحمراء في وصف شارعهم بالمكان «الكوزموبوليتاني» الذي يتميز بشخصية فريدة، يحضن تيارات فكرية مختلفة، بل متناقضة، ويتقبل الآخر، ويفرد له مساحة يحتاج اليها للاستمتاع، والتسوق، وطبعاً السهر.
انتفاضة ضد الوجه السياحي السائد
ما يعيشه الشارع اليوم، ليس وليد اللحظة، ولا يأتي فقط بعد اعتصام المعارضة (السابقة) في وسط بيروت في العام 2008، بل هو نوع من الانتفاضة أو ردّ الفعل على الوجه السياحي البحت لوسط بيروت بالدرجة الأولى، أو تكملة لموجة الازدهار التي عاشتها بعض الشوارع، مثل منطقة مار مخايل / النهر، والجميزة، وقبلهما مونو. إذ ظهرت بوادر «الانفجار الاقتصادي» في الحمراء منذ نحو أكثر من سنتين، مع ارتفاع موجة افتتاح المقاهي الليلية بشكل غير مسبوق، علماً بأن الشارع كان منذ العام 2008 يخطو خطوات أبطأ نحو الازدهار الاقتصادي، إثر افتتاح سلسلة من متاجر الألبسة العالمية، والمطاعم التي تقدّم الوجبات السريعة، والمقاهي الشبابية التي وفّرت خدمة الانترنت المجاني، قبل القهوة، لروادها، وأصبحت المنزل الثاني لطلاب الجامعات ومثقفي الشارع.
الجديد في مشاريع الحمراء، هو التوجه المركّز نحو افتتاح مقاهٍ ليلية يتحوّل بعضها خلال النهار إلى مطاعم، وأماكن للاجتماع المهني أو التلاقي الاجتماعي. وكثير منها يعمد إلى جعل واجهة المقهى الخارجية متحركة، بشكل يساعد على فتحها وإفساح المجال لرواده أن يتفاعلوا بشكل ما مع الشارع، بالإضافة إلى إفراد شرفة أو حيز من الرصيف لمقاعد خشبية كثيرة. وفي التصميمين المذكورين، ما يجعل مقاهي الحمراء الليلية مشابهة لـ«مقاهي الرصيف» التي لطالما تميزت بها منطقة رأس بيروت، وتحديداً شارع الحمراء، وكادت تندثر، على طريقة «ويمبي - فيروموادا» و«مودكا - فيرومودا»، وما يتردد عن تغيير جذري سيصيب مقهى «سيتي كافيه».. إنما تبقى المقارنة قائمة بين الحمراء الجديدة والجميزة، وحياة ليلية تفرق بينهما.
«نيو جميزة» ـ «نيو حمراء»
يتوقف كثيرون عند ازدهار «الحمراء» وازدحامها بالسيارات والرواد في مختلف أوقات النهار وحتى ساعات متأخرة من الليل، ويشبهونها بـ«الجميزة» التي تحولت منذ بداية العام 2000 إلى قبلة للسهر، وجمعت في الشارع التراثي ذي البيوت النادرة، أكثر من ثمانين مقهى ليلياً.
وعلى الرغم من أن هناك من يعتبر أن حمراء اليوم تسرق رواد الجميزة وتجذبهم إليها، فإن هناك من يتمسك برأي معروف: «للحمرا ناسها». في المقابل، تُظهر الزيارات المتعددة للجميزة في مختلف أيام الأسبوع، أن «للجميزة ناسها» أيضاً. وهؤلاء، بحسب مدير إحدى الحانات، «رواد يفضلون السهر والاستماع إلى الموسيقى المرتفعة على جلسات هادئة نسبياً في حانات الحمراء. إذ يطغى في الأخيرة نوع آخر من المرح، وتسلسل الأحاديث، وطول النقاشات، على المواعدة والتعارف الموجودة في الجميزة. أضف إلى ذلك أن الجميزة ما زالت تتميز بالخيارات العديدة لروادها المختلفي الأذواق والطبقات الاجتماعية». من جهته، يعتبر صاحب حانة «كايان» كايان المختار أن «الجميزة تحوي أنواعا مختلفة من المقاهي الليلية، إذ نقدم في كايان مساحة لجلسات هادئة نسبية، بخلفية موسيقية منخفضة»، وينقض المختار «نظرية التفرقة بين الشارعين، إذ هناك عددا كبيرا من الرواد الذين يتنقلون بين الحمرا والجميزة ويستمتعون بالسهر بكل منهما». ويرفض الموظف في واحد من أشهر المقاهي الليلية في الجميزة أن «تكون الحمرا قد سرقت من وهج الجميزة، إذ لا مجال للمقارنة بين رواد المنطقتين، لا سيما أن رواد الجميزة يفضلون نوعا مختلفا من السهر لا يتميز بالـ«عادية» الايجابية والبساطة التي يعيشها رواد الحمرا الذين يقصدون أي مقهى ليلي كجزء من يومياتهم ومن دون إيلاء أهمية كبرى للشكل الخارجي ونوع السيارة وماركات الثياب والسيكار..».
هنا، يؤكد خوسيه وهبي، وهو مدير حانة «بريكس»، التي افتتحت منذ أشهر سبعة في الحمراء، وحلت محل مكتبة «المعري»، (وهو أيضاً صاحب حانة ومطعم «بوسطن» الذي يبلغ عمره أياما قليلة) تلك الفرضية، منطلقاً من أن «ارتياد المقاهي الليلية، من منظور ناس الحمرا، يعتبر عادة يومية، بعد يوم عمل طويل». ويرفض وهبي أن «تكون الحمرا تغير من هويتها أو جلدها، وكل الازدهار الحاصل فيها يأتي ليؤكد أنها المدينة الحقيقية –Urban City والقلب النابض لبيروت، إذ ما زالت حتى اللحظة تتميز ببساطتها، وانفتاحها، وما زال كل مكان جديد يفتتح فيها يتميز بنكهة جديدة نسبياً، على الرغم من أن بعض المقاهي التي افتتحت مؤخراً تبعت موجة ازدهار الحمراء، ويظن أصحابها أنهم سيجنون الثروات الطائلة بمجرد أن افتتحوا مشاريع لهم هنا مراهنين على أن تصبح المنطقة سياحية بامتياز وروادها «سياح كليشه»، علماً بأنه حتى اللحظة ما زال رواد الحمراء من داخلها ومن ناسها ولا تتعدى نسبة الزوار من خارجها العشرة في المئة، علما بأنه يمكن للحمراء أن تجذب روادا من الخارج، إنما يصعب على رواد الحمراء أن يسهروا أو يعتادوا على مكان آخر خارجها».
هل يعني ذلك أن الحمراء لا تتغير؟ يجيب وهبي أن «الناس هم من يفرضون أنفسهم وأطباعهم على الأمكنة، وأصحاب المصالح يلبون طلبات هؤلاء الناس، ولا شك في أن الشارع يتغير بهذا المعنى، إنما ما زالت روحيته طاغية على الطابع التجاري المادي البحت لشوارع أخرى».
بلغت ذروتها؟
في «سنتر الاسترال»، رصّ لصفوف المقاهي الليلية. وفي الزقاق الذي يربط شارع الحمراء الرئيسي بشارع المقدسي، الذي يسمّيه البعض بـ«ميني جميزة» (الجميزة الصغيرة)، تنتشر على الضفتين أكثر من خمسة مقاهي، آخرها افتتح منذ أيام معدودة. ويبقى أشهرها مقهى «دانيز» الذي كان من المقاهي الأولى التي افتتحت وساهمت في إرساء موجة الازدهار منذ سنوات ثلاث. ويشرح صاحبه داني خوري أنه افتتحه «ليلبي حاجة الناس لمكان بسيط يمكن لأي كان أن يرتاده، من دون تكلف ومن دون صخب لافت». ويجزم خوري بحدوث «التغيير الجذري في الحمراء، الذي يبدأ مع اختلاف أهواء روادها لا سيما من العاملين في مجال الثقافة، والمسرح، والسينما، والصحافة، وغيرها.. وبات الرواد الجدد اليوم يقصدون الحمراء، بعضهم ينشد السهر البحت من دون تفاعل يذكر مع طبيعة الشارع المفترض أنه مركز الاختلاط الاجتماعي». وعلى الرغم من افتتاح خوري لمقهى «ماين ستريت» منذ فترة وجيزة، إلا أنه يعتبر أن «الشارع وصل إلى الذروة منذ أكثر من سنة، وما عاد يحتمل مشاريع جديدة، لا سيما أن المقاهي الليلية الجديدة تتجه إلى التغيير في هوية الشارع وتحوله إلى جميزة جديدة، المشهورة بازدحامها والموسيقى المرتفعة الصادحة من حاناتها المزعجة لسكان الشارع».
التحول في الشارع، يلاحظه أيضاً أرتور شارفانيان صاحب حانة «ريغستو» التي باتت تعتبر من «الجيل القديم» إن أمكن القول، إنما ما زالت تتمتع برواد مخلصين، وآخرين جدد. ويشير شارفنيان إلى أن «الحمرا ما زالت تحافظ على ناسها وروادها، وقلة هم الذين يزورونها من خارجها»، مؤكدا أن «الحمرا تصل إلى ذروة قدرتها الاستيعابية تقريباً»، ما يؤكد عليه ياسر اللقيس صاحب مقهى «ريد بوث» الليلي الذي افتتح منذ شهرين، معتبراً أن «الحمرا تختلف عن أي شارع آخر، وفي الوقت نفسه يعتبر المشروع التجاري فيها مشروعا ناجحا بمجرد وجوده فيها».
مشروع ثقافي
الحياة في ليل الحمراء لا تقتصر على مقاهيها الليلية فقط، إذ بين غابة الحانات، ظهر مشروع ثقافي مختلف، يبقى قبلة للسهر، هو DRM أو «جمهورية الموسيقى الديموقراطية». المسرح - الصالة فيه، تبدو كنوع من تكملة لشركة «فوروورد ميوزك» الموسيقية، للمنتج والمؤلف الموسيقي غازي عبد الباقي، الذي يعتبر أنه «ما كان يمكن أن يفتتح مشروعي هذا في مكان آخر خارج الحمرا المتنوعة، المنفتحة على كل التيارات الثقافية والفنية والسياسية وحتى الاجتماعية».
ويأتي مشروع عبد الباقي ليضفي على تغيير شارع الحمراء «نفحة موسيقية جدية ممتعة في الوقت عينه، وليس لدي أي تخوف من الجديد الطارئ على الشارع، إذ يُعتبر التغيير طبيعياً بل صحياً، حتى لو جلب معه فورة من الحانات التي تأخذ كل منها حيزها الخاص.. وبعد فترة وجيزة، يعيد الشارع توزانه». ويعود عبد الباقي ليجزم بأن التغيير والتوسع «يعيدان الحمراء إلى تعريفها الأساس: النقطة التي تتمحور حولها كل العاصمة».
جهينة خالدية

20.7.11

"الحياة التي تكمل، سواء أصبنا بالمرض أم كنا أصحاء" .. مركز سرطان الأطفال يخرج 23 من أبنائه 2


نُشر في جريدة السفير
20-7-2011
جهينة خالدية
عندما ملأت أسماؤهم، عبر مكبرات الصوت، قاعة الاحتفال في فندق «فينيسيا»، نسوا كل شيء، وتذكروا أنهم اليوم هنا، بعد صبر طويل، وقوة على الألم. فقد تسلّم أطفال «مركز سرطان الأطفال في لبنان» وشبابه، أمس، شهادات النجاح في الامتحانات الرسمية للمرحلة المتوسطة والثانوية، بعدما خضعوا لها في المركز، بإشراف وزارة التربية.
فوق خشبة التكريم، رُسمت ابتسامات على وجوه ثلاث وعشرين طالباً وطالبة، بعضها خجولة، وبعضها متعبة، شاحبة.. لكنها تتسع للفرح.
ومن موقعها فوق الكرسي في زاوية القاعة، نسيت والدة محمد طراد، أن تمسح دمعاً كثيراً يغسل خدّيها. تقول إنها دموع فرح لنجاح كافة الأطفال، لكن، بشكل خاص، لنجاح ابنها الذي، على الرغم من حالته الصحية الحرجة، أبى إلا أن يخضع للامتحان، وفاز بالنجاح.. إلا أن وضعه الصحي الحالي لم يساعده على الخروج من منزله لتسلم شهادته.
وبينما الناجحون يتجمعون لالتقاط صورة جماعية برفقة المسؤولين عن المركز، بدا جلياً في عيونهم الإصرار على الاستمرار في التقدّم على سكّة نجاحات اختاروها لحيواتهم، يتحدّى كل منهم مرضه ليحققها. فيمسك علي قصير، ابن الخمسة عشر عاماً، بشهادة «المتوسطة»، فخوراً عن وجه حق بفوزه بتقدير جيد جداً، لكنه لا يتهاون مع نفسه لأنه «كنت على بُعد سبع نقاط فقط من تحقيق تقدير ممتاز». يقول الطفل الذي اكتشف منذ سبعة أشهر اصابته بسرطان الدم: «كنت أردد في نفسي أني أريد النجاح، كنت أرغم نفسي عن نسيان آلامي، وأرغم نفسي على التركيز على الدراسة، وفقط الدراسة». لا يعرف علي، الأخ الأصغر لثلاث فتيات، من أين أتى بكل هذا الصبر، إنما يعرف جيداً أنه «سأكون طبيباً في يوم من الأيام، هذا هو الحلم الذي أعمل لتحقيقه، وهذا هو الحلم الذي كنت أفكر فيه وأنا اتألم بينما أخضع للامتحان».
يحكي علي عن أحلامه، ويحكي عمر عيسى عن «الحياة التي تكمل، سواء أصبنا بالمرض أم كنا أصحاء». الشاب، الذي اعتلى المسرح فوق عكازين، لضرورة تخفيف الضغط عن رجليه بعدما حُقن بمادة الكورتيزون، يقول إنه «منذ أن عرفت بإصابتي بسرطان الدم، منذ نحو ثلاث سنوات، وحتى اليوم، ومع استمرار العلاج، مازلت أردد أنه كان يمكن لأي انسان آخر أن يصاب به، فأقنعت نفسي بأن حياتي يجب أن تُكمل، ويجب أن أحرص على اتمام واجباتي، وها أنا أفعل ذلك».
والتمييز الحقيقي، بالنسبة إلى محمد دهيني الذي أصيب بسرطان في الرئة بعدما شُفي مؤخراً من سرطان في رجله، يكون بأن «نحظى بفرصة للتعلم، وفرصة لندرس، ونخضع للامتحانات الرسمية مثل كل التلامذة الآخرين، وهو ما حققه لنا مركز سرطان الأطفال، وجعلنا نشعر أن نستحق معاملة خاصة فعلا».
يضع الطالب محمد قرنفل، في كلمته باسم الطلاب، الجهود التي يبذلها المركز، في سياق واضح: «إعادة مسار حياتنا إلى السكة الصحيحة، على الرغم من كل ما يسببه لنا مرض السرطان من أضرار نفسية ومادية وإجتماعية، إلا أن المركز ووزارة التربية فهموا حقوقنا، وآمنوا بضرورة إنصافنا».
وهي النقطة التي أثارتها المديرة الطبية للمركز الدكتورة سمر موقت بلعة، عندما اعتبرت أن «خسارة الامتحانات لا تعوض، لهذا، حرصنا على تأمين هذا الحق للأطفال، ذلك إلى جانب واجباتنا الأخرى في العلاج، والاهتمام، والمراقبة، وتأمين استمرارية حياة الأطفال بمختلف أشكالها».
بدوره، لفت رئيس مجلس أمناء «مركز سرطان الأطفال» بول إده إلى أنه «لا يمكن للإنسان أن يحيا بمفرده، لاسيما إذا ما كان يعيش مع أمراض مستعصية، وهنا، يأتي دور وزارة التربية، ولا سيما الوزير السابق الدكتور محمد قباني، الذي ارتأى أن يمنح مركز سرطان الأطفال صفة رسمية تسمح له باستقبال الامتحانات الرسمية، بالإضافة إلى دور رئيسة قسم المتطوعين كريستيان مكارم، والمدرس حسان الداعوق، وكافة أعضاء الهيئة الادارية للمركز، مع التنويه بأهمية العمل السيادي للوزارات الثلاث، الصحة والتربية والشؤون الاجتماعية».