20.7.11

"الحياة التي تكمل، سواء أصبنا بالمرض أم كنا أصحاء" .. مركز سرطان الأطفال يخرج 23 من أبنائه 2


نُشر في جريدة السفير
20-7-2011
جهينة خالدية
عندما ملأت أسماؤهم، عبر مكبرات الصوت، قاعة الاحتفال في فندق «فينيسيا»، نسوا كل شيء، وتذكروا أنهم اليوم هنا، بعد صبر طويل، وقوة على الألم. فقد تسلّم أطفال «مركز سرطان الأطفال في لبنان» وشبابه، أمس، شهادات النجاح في الامتحانات الرسمية للمرحلة المتوسطة والثانوية، بعدما خضعوا لها في المركز، بإشراف وزارة التربية.
فوق خشبة التكريم، رُسمت ابتسامات على وجوه ثلاث وعشرين طالباً وطالبة، بعضها خجولة، وبعضها متعبة، شاحبة.. لكنها تتسع للفرح.
ومن موقعها فوق الكرسي في زاوية القاعة، نسيت والدة محمد طراد، أن تمسح دمعاً كثيراً يغسل خدّيها. تقول إنها دموع فرح لنجاح كافة الأطفال، لكن، بشكل خاص، لنجاح ابنها الذي، على الرغم من حالته الصحية الحرجة، أبى إلا أن يخضع للامتحان، وفاز بالنجاح.. إلا أن وضعه الصحي الحالي لم يساعده على الخروج من منزله لتسلم شهادته.
وبينما الناجحون يتجمعون لالتقاط صورة جماعية برفقة المسؤولين عن المركز، بدا جلياً في عيونهم الإصرار على الاستمرار في التقدّم على سكّة نجاحات اختاروها لحيواتهم، يتحدّى كل منهم مرضه ليحققها. فيمسك علي قصير، ابن الخمسة عشر عاماً، بشهادة «المتوسطة»، فخوراً عن وجه حق بفوزه بتقدير جيد جداً، لكنه لا يتهاون مع نفسه لأنه «كنت على بُعد سبع نقاط فقط من تحقيق تقدير ممتاز». يقول الطفل الذي اكتشف منذ سبعة أشهر اصابته بسرطان الدم: «كنت أردد في نفسي أني أريد النجاح، كنت أرغم نفسي عن نسيان آلامي، وأرغم نفسي على التركيز على الدراسة، وفقط الدراسة». لا يعرف علي، الأخ الأصغر لثلاث فتيات، من أين أتى بكل هذا الصبر، إنما يعرف جيداً أنه «سأكون طبيباً في يوم من الأيام، هذا هو الحلم الذي أعمل لتحقيقه، وهذا هو الحلم الذي كنت أفكر فيه وأنا اتألم بينما أخضع للامتحان».
يحكي علي عن أحلامه، ويحكي عمر عيسى عن «الحياة التي تكمل، سواء أصبنا بالمرض أم كنا أصحاء». الشاب، الذي اعتلى المسرح فوق عكازين، لضرورة تخفيف الضغط عن رجليه بعدما حُقن بمادة الكورتيزون، يقول إنه «منذ أن عرفت بإصابتي بسرطان الدم، منذ نحو ثلاث سنوات، وحتى اليوم، ومع استمرار العلاج، مازلت أردد أنه كان يمكن لأي انسان آخر أن يصاب به، فأقنعت نفسي بأن حياتي يجب أن تُكمل، ويجب أن أحرص على اتمام واجباتي، وها أنا أفعل ذلك».
والتمييز الحقيقي، بالنسبة إلى محمد دهيني الذي أصيب بسرطان في الرئة بعدما شُفي مؤخراً من سرطان في رجله، يكون بأن «نحظى بفرصة للتعلم، وفرصة لندرس، ونخضع للامتحانات الرسمية مثل كل التلامذة الآخرين، وهو ما حققه لنا مركز سرطان الأطفال، وجعلنا نشعر أن نستحق معاملة خاصة فعلا».
يضع الطالب محمد قرنفل، في كلمته باسم الطلاب، الجهود التي يبذلها المركز، في سياق واضح: «إعادة مسار حياتنا إلى السكة الصحيحة، على الرغم من كل ما يسببه لنا مرض السرطان من أضرار نفسية ومادية وإجتماعية، إلا أن المركز ووزارة التربية فهموا حقوقنا، وآمنوا بضرورة إنصافنا».
وهي النقطة التي أثارتها المديرة الطبية للمركز الدكتورة سمر موقت بلعة، عندما اعتبرت أن «خسارة الامتحانات لا تعوض، لهذا، حرصنا على تأمين هذا الحق للأطفال، ذلك إلى جانب واجباتنا الأخرى في العلاج، والاهتمام، والمراقبة، وتأمين استمرارية حياة الأطفال بمختلف أشكالها».
بدوره، لفت رئيس مجلس أمناء «مركز سرطان الأطفال» بول إده إلى أنه «لا يمكن للإنسان أن يحيا بمفرده، لاسيما إذا ما كان يعيش مع أمراض مستعصية، وهنا، يأتي دور وزارة التربية، ولا سيما الوزير السابق الدكتور محمد قباني، الذي ارتأى أن يمنح مركز سرطان الأطفال صفة رسمية تسمح له باستقبال الامتحانات الرسمية، بالإضافة إلى دور رئيسة قسم المتطوعين كريستيان مكارم، والمدرس حسان الداعوق، وكافة أعضاء الهيئة الادارية للمركز، مع التنويه بأهمية العمل السيادي للوزارات الثلاث، الصحة والتربية والشؤون الاجتماعية».

ليست هناك تعليقات: