26.7.11

دراسة لنزار صاغية و«سكون» تحلّل الملاحقات القضائية.. وإرادة المشرّع بعلاج المدمن:



«الشرطي والقاضي والأشخاص الذين يتعاطون المخدرات».. وتجاهل القانون الذي ينظّم علاقتهم




نُشر في جريدة السفير
26-7-2011
جهينة خالدية

«الشرطي، والقاضي، والأشخاص الذين يتعاطون المخدرات»، هو عنوان الدراسة التي حرّرها المحامي نزار صاغية، بالتعاون مع جمعية «سكون»، مقدّماً من خلالها قراءة تحليلية لعينة من الملاحقات القضائية التي سجّلت في العام 2010، على خلفية تعاطي المخدرات. وقد شملت العينة مئة وتسعة أحكام، ومئتين وثماني حالات، صدر تسع وسبعون منها في العامين 2010 و2011 عن القضاة المنفردين الجزائيين، وعن محاكم الجنايات في مناطق مختلفة.
وتشكّل الدراسة نوعاً جديداً من الأعمال الهادفة إلى فهم القانون، ليس من خلال نصوصه، بل أيضاً من خلال كيفية تطبيقه. وهي تنطلق من التذكير بأن «قانون المخدرات (673) اعتمد مقاربة قانونية مميزة للأفعال المتمثلة بشراء المواد المخدرة وحيازتها وإحرازها بكميات ضئيلة للاستعمال الشخصي، ففيما نص على معاقبة هذه الأفعال بالحبس حتى ثلاث سنوات، وبغرامة تصل حتى خمسة ملايين ليرة لبنانية، أولى المدمن وضعية خاصة مفادها أنه يخضع للعقوبة نفسها إذا لم يذعن لإجراءات العلاج المنصوص عليها في القانون». وتشرح الدراسة المادة المذكورة، على الشكل التالي: «بكلام آخر، وفي حال الإدمان، لا يشكل ثبوت استعمال المخدّر أو حيازته (وهو فعل حصل ماضياً) سبباً كافياً للمعاقبة، بل يفترض التثبّت منه عبر واقعة أخرى، وهي رفض المدمن الامتثال للعلاج أو الانقطاع عنه (وهو فعل يحصل حاضراً أو مستقبلاً)».

قانون متقدّم.. وامتناع عن تطبيقه
تلفت الدراسة إلى أن «المشرّع سخّر كل ما لديه من طاقات ووسائل لاقناع المدمن بانتهاج سكة العلاج، أو لمساعدة الأهل على وضعه على هذه السكة: فهو يستعمل تباعاً منطقي العصا (التهديد بالعقاب) والجزرة (العلاج المجاني ومساعدة العائلات التي يعيلها المدمن، والإعفاء من الملاحقة أو العقاب، ووقف تنفيذه). وأهم ما يفعله في هذا الصدد هو إعطاء المدمن الفرصة تلو الفرصة لإقناعه بالسير على هذه السكة. وبكلام آخر، المشرع يدعو، ينصح، يمنح، يشجع، يذلل العقبات، يحث، يضغط، يغري، يتفهم، يتسامح، يمنح الفرصة تلو الفرصة، يهدد باستعمال العصا، وإذا استعملت، فإنه يضع الإجراءات لمحو آثارها قدر لممكن.. وببساطة، يعلن موقفاً متقدماً مفعماً بالتسامح».
ويمكن أن تتلخص النقطة الرئيسية التي تنطلق منها الدراسة، بالسؤال الجوهري التالي: «أين نحن اليوم من إرادة المشرع؟». فتجيب بأن «الواقع مغاير تماماً لما يريده المشرّع، وذلك لأن السلطة التنفيذية تتصرف كأنما هذا القانون غير موجود، فلا وزارة الصحة اعتمدت مراكز العلاج، ولا وزارة الشؤون الاجتماعية أوجدت مراكز رعاية، ولا الدولة أخذت التدابير اللازمة لتفعيل لجنة الإدمان (وهي اللجنة المخولة الاشراف على العلاج والتثبت من إتمامه). وهي، بذلك، تتقاعس عن تأمين الآليات التي وضعها المشروع لتطبيق القانون».
ومن جهة ثانية، تشير الدراسة إلى أن ما يجعل الوضع مغايراً لإرادة المشرع أيضاً هو أن «القاضي يجد نفسه حائراً أمام مدمن يعلن عن إرادته بالعلاج، من دون أن يكون العلاج متوفراً، فيصبح تعهد المدمن بالعلاج بالنسبة إلى القاضي سؤالاً ضميرياً أكثر مما هو بداية مسار، منتهاه تحرر المدمن من إدمانه، وفي الآن نفسه من الملاحقة».

ويسأل صاغية في الدراسة: «ماذا يفعل القاضي في هذه الحالة؟ هل يبطل التعقبات لعدم جواز مساءلة المدمن عن تقاعس الدولة في تأمين طرق العلاج التي على الدولة أن تؤمنها؟ أم يأخذ بروحية القانون الآيل إلى استبدال العقاب بالعلاج؟ وكيف له أن يفعل ذلك إذا عجز المدمن ومعه القاضي عن إيجاد مكان مناسب للعلاج لامتناع الدولة عن إنشاء مراكز كهذه؟ وألا يجعله ذلك كله أمام موقف صعب: فإما أن يعاقب المدمن من دون إيلاء أي اعتبار لتعهده بالعلاج لغياب الآليات الضرورية لتطبيق القانون، وإما أن يوقف الملاحقة على أساس هذا التعهد عملا بنص القانون وبروحيته، من دون أن يتلقى المدمن أي علاج، ما يبقيه بالنتيجة في حلقة مفرغة من الارتهان والملاحقة؟ وهو موقف صعب، ما دام كل من الحلّين يبقى عاجزاً عن تحقيق تطلعات المشرّع: ففي الحالة الأولى، يعاقب المدمن رغم إعلان إرادته بالعلاج، وفي الحالة الثانية، يترك المدمن لحاله من دون علاج».
وتعود الدراسة لتشير إلى أنه «حتى لو توسع القضاء في تفسير القانون، يبقى أن نجاح مساعيه يرتبط، بغياب انخراط الدولة في تأمين العلاج المجاني حسب ما جاء في القانون، بشكل أساسي ومباشر، بقدرات الجمعيات الأهلية والمؤسسات غير الحكومية، وبمستوى تعاونها مع القضاء». كما جرت الإشارة إلى أنه «رغم قسوة القانون المبدئية إزاء المتعاطي غير المدمن (الذي لا يعاني من ارتهان للمادة المخدرة)، تضمن القانون أحكاماً من شأنها فتح باب التسامح، وخصوصاً إزاء من كان مبتدئاً أو غير مكرر، فأكد إمكانية وقف تنفيذ العقوبة أو الإعفاء منها في حالات عدة أبرزها القصر أو التعهد بعد التكرار أو عدم وجود أسبقيات أو الامتثال لإجراءات العلاج أو الرعاية التي تقررها المحكمة (المادتان 127 و130 من قانون المخدرات)».

وسجّلت الدراسة أن «مراجعة التحقيقات والملاحقات تبين أحياناً تلازماً بين ملاحقة مستعمل المادة المخدرة وملاحقة منتجها أو الذي يتاجر به أو يروجها.. وتبقى شهادة المدمن أحد أبرز الأدلة المستخدمة للتعرف على هؤلاء. كما أن الادعاء باستعمال المادة يترافق أحياناً مع ادعاء بيعها، كما هي حال الشخص الذي يبيع المادة لتأمين حاجاته منها، أو مع ادعاء بتسهيل استعمالها، كما يحصل مثلاً في حالات الاستعمال المشترك للمادة. وعليه، في جميع هذه الحالات، وعدا عن أن المدمن لا يفيد من التسامح المنصوص عليه قانوناً، فإنه يكون معرّضاً لعقوبة لا تنقص عن خمس سنوات من الاعتقال المؤقت».

إجراءات الملاحقة المتبعة
يتناول القسم الأول من الدراسة «الإجراءات المتبعة ضد المدعّى عليهم بتعاطي المخدرات من قبل الضابطة العدلية (مكتب مكافحة المخدرات) والقضاء على حد سواء ـ وتحليلها. وأبرز ما يخرج عن هذا المبحث هو كيفية بدء الملاحقة والعلاقة بين القاضي والمدمن خلال المحاكمة، فضلا عن إجراءات التوقيف الذي يحصل في الغالبية العظمى من الحالات». فأشارت إلى أن «متوسط التوقيف للأشخاص الذين يحاكمون أمام القاضي المنفرد الجزائي بلغ 46 يوماً، فيما بلغ متوسط الأشخاص الذين يحاكمون أمام محكمة لجنايات 80 يوماً».
وهنا، ركّز صاغية في الدراسة على أنه «يظهر من خلال مراجعة الملفات القضائية، أن مكتب المخدرات التابع للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، يؤدي دوراً استخباراتياً بارزاً في تعقب المدمنين، وخير دليل على ذلك هو النسبة المرتفعة للملاحقات التي تبدأ بناء على «معلومات» غالباً ما تكون مصادرها غير محددة، وهي تتناول أشخاصاً بالذات أو أمكنة يشتبه بتعاطي المخدرات فيها. ويزيد من حدّة الاشكالية أن هذه المعلومات لا تستخدم كمنطلق للتحقيقات والملاحقة فقط، إنما أحياناً تكون وسيلة لاثبات الادعاء». فيوضح صاغية هنا أنه «يتحول وضع اليد على أي متعاط إلى فرصة لتحديد الأشخاص الذين يتعاطون معه أو الاستحصال منهم على المادة، ما يوسّع الدعوى لتطال كل هؤلاء، وربما من يشون بهم، وعلى الرغم من فاعلية هذا الأمر إلا أنه يسمح بالوشاية والابتزاز لأسماء معينة».
وخلصت الدراسة على مستوى التوقيف الإداري والتوقيف الاحتياطي، إلى أن نسبة 88.5 في المئة من المدعى عليهم الذين شملتهم العينة، قد تعرضوا للتوقيف، علماً أن النسبة ترتفع إلى 91.6 في المئة بالنسبة إلى الأشخاص المدعى عليهم الذين تم التحقيق معهم، أي عند حسم الأشخاص الذين لم يتم العثور عليهم أصلاً من النسبة. وتالياً، يكاد التوقيف يكون منتظماً في حالات التعاطي». كما لحظت أن «التوقيف ليس منهجياً فقط خلال التحقيقات الأولية (152 من أصل 169 شملتهم التحقيقات الأولية)، إنما أيضاً في الفترات الأولى من مرحلتي التحقيق والمحاكمة (156 من أصل 201، مع حسم الأشخاص الذين لم يتم العثور عليهم).
تمييز على أساس الجنسية
سجّلت الدراسة «تمايزاً بشأن جنسية المدعى عليه بشأن التوقيف الاحتياطي، ففيما أن بعضهم (السعوديون مثلاً) قد حظي بمعاملة أفضل من اللبنانيين، فإن بعضهم الآخر قد حظي بمعاملة أكثر سوءاً بهذا الشأن. وهكذا، وصل متوسط مدة توقيف الفلسطينيين إلى 78 يوماً، ومتوسط توقيف السوريين إلى 94 يوماً، فيما أن واحداً من السعوديين الثلاثة الذين شملتهم الدراسة لم يتم توقيفه، وبلغ متوسط توقيف السعوديين الآخرين يوماً واحداً». وعادت الدراسة لتوضح أنه «لفهم متوسط مدة توقيف اللبنانيين (70 يوماً) بالنسبة إلى سائر الأجانب، تجدر الإشارة إلى أن ارتفاعها النسبي يعود إلى كون نسبة اللبنانيين من المدعى عليهم أمام القاضي المنفرد الجزائي هي 18.7 في المئة، فيما أن نسبتهم من المدعى عليهم امام محكمة الجنايات (حيث يبلغ متوسط التوقيف الضعف تقريباً) هي 81.3 في المئة».

الحكم ومدة التوقيف
هدف القسم الثاني من الدراسة إلى «رصد العناصر الأساسية المكونة للحكم، وتحليلها، ساعيةً للإجابة على سؤال أساسي: ما هي وسائل إثبات التعاطي؟». فتناولت «الإشكاليات الناجمة عن القوة الثبوتية لفحص البول، وللمعلومات، وللأسبقيات المدونة لدى المكتب المركزي لمكافحة المخدرات، فضلاً عن العطف الجرمي، وما هي المواضيع التي يعمل القاضي على إثباتها؟ وما هي المواد التي يشملها قانون المخدرات؟ وكيف يطبق القاضي القانون الذي نص صراحة على وقف الملاحقة في حال تعهد المدمن بالعلاج؟ فهل يلتزم بإرادة المشرع أم أنه يستمر في معاقبة المدمن، مهما تكن إرادته بالعلاج، لغياب مراكز العلاج المعتمدة من وزارة الصحة؟».
وتشير الدراسة إلى أن «فحص البول، يشكل اثباتاً مركزياً ومكملاً إلى حد بعيد للمعلومات غير المحددة المصدر، أو للوشاية. وهكذا، يمكن أن تبدأ الملاحقة على أساس أدلة واهية، يتم استكمالها عن طريق اخضاع المتعاطي فور استدعائه أو احضاره للفحص المخبري، علماً أن نفقة الفحص تقع على عاتق المشتبه به».
أما في ما يتعلق بالعطف الجرمي، أي «الاستناد إلى وشاية أحد الأشخاص بشخص آخر تعاطى مادة مخدرة معه، وذلك رداً على الأسئلة الموجهة إليه بهذا الشأن»، فتلفت الدراسة إلى أن «ملاحقة ما لا يقل عن 76 حالة شملتهم العينة، بدأت بناء على وشاية متعاط آخر في أثناء التحقيق معه، لكن هل تكفي هذه الوشاية لملاحقة شخص أو أكثر من ذلك، لادانته من دون توفر دليل آخر؟».
وعاد محرر الدراسة ليذكر أنه «بمراجعة العينة، يظهر أن النيابة العامة اكتفت في بعض الحالات بالعطف الجرمي ليس فقط لمباشرة الادعاء بل أيضاً للتأشير بالتوقيف، وكذلك الأمر بشأن قضاة التحقيق. وفي المقابل، لا يأخذ قضاة الحكم وفق الاجتهاد المستقر بالعطف الجرمي إذا كان الدليل الوحيد المتوفر في الملف. لكنهم يرتبون عليه نتائج في حال توفر أدلة أخرى من قبيل ثبوت أسبقيات بحق المدعى عليه في مدونات المكتب كما سبق بيانه».
ويلقي التقرير الضوء على توجّهات مختلفة، ومن بينها بعض التجارب الرائدة التي هدفت إلى حثّ المدمن على العلاج كشرط لوقف تنفيذ العقوبة المقررة بحقه وأخيراً، ما هي العقوبات المقررة، من حيث نتائجها ودوافعها؟ وهنا، يسجّل التقرير توجهات غالبة ناحية الاكتفاء بمدة التوقيف (135 حالة)، بحيث تصبح العقوبة المقررة وقفاً ليس على خطورة الجرم، بل على الأمر الواقع في أثناء الملاحقة (أي مدة التوقيف). كما، من دوافع العقوبة، تسامح نسبي إزاء الذين يتعاطون المخدرات من خلال تعميم منح الأسباب التخفيفية. كما تذهب الأحكام أحياناً إلى مكافأة المدمن على التزامه بالعلاج أو على انقطاعه عن استخدام المادة، من خلال وقف تنفيذ العقوبة.
جهينة خالدية

ليست هناك تعليقات: