25.8.11

عائلة محمد طه وأصدقاؤه يطالبون بتقرير واضح حول وفاته: إطـلاق حملـة «لرقابـة أكثـر .. حتـى لا نبقـى مشـروع مـوت»







نُشر في جريدة السفير


25-8-2011
جهينة خالدية





في ذلك اليوم الصيفي من شهر تموز، جلّ ما أراده الشاب محمد طه، كان الاحتفال بتخرّج أصدقائه. أمضى الشاب ساعات من المرح، لكنها كانت الأخيرة في حياته، إذ قضى بتسمم يُرجح أهله أن يكون ناتجاً عن أطعمة فاسدة تناولها في المنتجع السياحي في الجية، حيث موقع الاحتفال.
مرّ حوالى شهرين على وفاة محمد، علماً أنه متخرّج من كلية الإعلام في «جامعة بيروت العربية»، وكان ينشر تحقيقات في مجلة «الهديل».
شهران مرّا ثقيلين جداً على عائلةٍ وأصدقاء لم يصدقوا بعد أن محمد لم يعد موجوداً بينهم. وجوههم الصامتة وهم مجتمعون هنا في مركز توفيق طبارة، تخبر بذلك. وقد اجتمعوا هنا بهدف إطلاق حملة «لرقابة أكثر .. حتى لا نبقى مشروع موت»، وللتذكير بقضية تسمّم محمد التي لم يحدد مسؤول عنها، بعدما «أجلت وزارة الصحة إصدار تقريرها مراراً»، بحسب ما تقول أخت محمد، نادية طه.
واعتبرت طه أن لقاء الأمس هو «صرخة إنسانية تهدف لمعرفة مصدر تسمم محمد، ومعاقبة المسؤولين، بعد الوصول إلى حقيقة واضحة شفافة تسمّي المقصّر وتحاسبه.. وهذا لا يكون إلا بتحقيق السيل من الوعود التي أسبغتها علينا وزارة الصحة من دون وفاء بأي منها».
تحكي ناديا طه عن شاب لم يتعد الخامسة والعشرين من عمره، وهو الأخ الأصغر لعائلة مؤلفة من أربعة أبناء وبنات. تحكي عن الحياة بعد رحيله عن عائلته، حياة تنتظر تحقيق عدالة ما: «منذ وفاة محمد، لم يصدر التقرير النهائي عن وزارة الصحة الذي يحدد المسؤول عن وفاته، وهو التقرير الذي قد يبلسم قلوبنا المحروقة وكل ما نتلقاه المزيد من الوعود والتأجيل والتسويف». وأعلنت طه أن «عائلة الفقيد ستقوم بالتقدم بدعوى قضائية ضد من قصّر وشهّر، والمسار القانوني وحده الكفيل بتسميتهم»، معتبرة أن «مهلة انتظار تحقيقات الوزارة انتهت بالنسبة إلينا، وأن ما لم تصلنا في القريب العاجل نتائج، فإنا نحتفظ بحقنا بالقيام بخطوات لاحقة ستعيد تحريك قضية ابننا محمد طه على أكثر من صعيد».
ويعود محمد الشحيمي ليروي عن تلك الحادثة الأليمة التي سرقت منه صديقاً مقرباً: «محمد شعر بتوعك في اليوم التالي للحفل، علماً أننا تناولنا خلاله أطعمة مختلفة. وعند إدخاله المستشفى، تبيّن التقاطه باكتيريا سامة أدت إلى دخوله في غيبوبة بعد يومين من الحفل. وتعطلت وظائف جسده، وأصيب بفشل كلوي، وتفتت في العظام». ويجزم محمد الشحيمي أن «صديقي محمد طه تسمّم جراء تناول الأطعمة في ذلك المنتجع الصحي، وليس مما تناوله في اليوم التالي، وذلك لأن نحو عشرين من أصدقائه الذي كانوا معه في الحفل خضعوا للفحوصات أيضاً، وتبين أنهم التقطوا الباكتيريا نفسها لكن بنسبة أقل، أو أدت إلى تأثيرات جانبية أخف وطأة على صحتهم».
ولا ينسى صديق محمد، والمسؤول إعلامياً عن قضيته، عمر الفاروق النخال «التحقيق الأخير الذي كتبه رفيقه محمد في الزميلة «الهديل»، وسأل فيه عن الفوضى التي تعمّ مطابخ المطاعم، مستعرضاً صورا من الإهمال التي ربما تكون قد أدت إلى تسمم مواطنين أبرياء، وقضت على كثيرين، من دون أن يدرك محمد أنه سيكون ضحية هذا الاهمال الذي كتب عنه». ويطالب النخال بـ«تقرير واضح عن سبب وفاة محمد طه، ومحاسبة المسؤولية»، رافضاً «رفضاً قاطعاً وضع هذه القضية في أدراج النسيان لتمرير موسم سياحي من هنا ولتمرير حسابات من هناك».
الأيام والليالي القاسية التي مرت على أصدقاء محمد، تجعل صديقته دعاء بــــدر تكرر: «لا يمكن لوفاة محمد ألا تكـــون درساً للآخرين، لا يمكن أن نقف مكـــتوفي الأيدي ونحن نرى ضحايا كثرا يسقطون بسبب التسمم الغذائي».


22.8.11

أصحاب المقاهي والمطاعم يراهنون على عدم تطبيق قانون «الحد من التدخين»:التبغ يقتل 3500 لبناني سنوياً.. بفاتورة صحية تفوق 50 مليون دولار



نُشر في جريدة السفير

الإثنين 22-8-2011

جهينة خالدية

لا يكف الشاب عن إطلاق بوق دراجته النارية المزعج. يبدو في حالة غليان فعلية، إذ بيد واحدة يحاول التحكم بمقود الدراجة، وحمل زجاجة النرجيلة، وعنقها المعدني. أما اليد الثانية فيفرّغها لحمل «منقل» من الفحم المشتعل، يتدلى إلى جانب دراجته. مشهدٌ منفر لخطورته، لكنه يتكرر في أرقى المناطق في لبنان، كما في أكثرها شعبية، فـ«ديلفري» النرجيلة، باتت واحدة من أكثر التوصيلات شهرة خلال السنوات الأخيرة.
وبعد سنة تماماً، من المتوقع أن يزيد عدد الدراجات النارية التي توصل طلباتها من النراجيل إلى المنازل، بشكل مطرد. وسيأتي التزايد كنتيجة طبيعية للتطبيق المنتظر لقانون «الحد من التدخين وتنظيم صنع وتغليف ودعاية منتجات التبغ» الذي أقره مجلس النواب منذ أيام قليلة، والذي يمنع تدخين السجائر أو النراجيل في المساحات المغلقة في المقاهي والمطاعم وفي الأماكن العامة، بهدف تخفيض نسب المدخنين عامة. ويبدأ قرار المنع في الأماكن العامة فور صدور القانون في الجريدة الرسمية، على أن تعطى مهلة للمطاعم والملاهي لمدة سنة، ومهلة ستة أشهر للدعاية، لكي يتأقلم القطاعان مع ظروف العمل المستجدة.أقرّ القانون بعد ثماني سنوات من العمل المتواصل، ويشمل تفنيداً لطرق الحد من التدخين (لا منعه)، وقد سجل انتصاراً لمصلحة الصحة العامة، وللجمعيات الأهلية العاملة على للحد من التدخين، لاسيما تحالف «منظمة إندي آكت» وجمعية «حياة حرة بلا تدخين»، و«مجموعة البحث للحد من التدخين» في «الجامعة الأميركية في بيروت».
لكن، في المقلب الآخر، يشنّ أصحاب المقاهي والمطاعم حرباً على القانون الذي يعتبرون أنه يفرض عليهم خسائر جمة، على الرغم من أن القانون كان متساهلاً لجهة وضع التحذيرات الصورية (المنفرة) على مساحة نسبتها أربعون في المئة من العلبة، وترك الأمر إلى إمكانية إصدار مرسوم ينص على ذلك لاحقاً، بناء على اقتراح وزيري الصحة والمالية، بالإضافة إلى أنه لم يتم التطرق إلى رفع الرسوم على منتجات التبغ.
أما في ما يتعلق بالأفراد فتباينت ردود أفعالهم بين مؤيد له ومستهجن لقانون يقولون إنه «يحدّ من حريتهم بالتدخين، حتى لو كان على حساب صحة الآخرين»!

أرقام مأسوية

لم يهلل لانتصار الجمعيات الأهلية، المدمنون على التدخين ومرتادو المقاهي والمطاعم التي تؤمن النراجيل لزبائنها. هؤلاء يملأون النوادي الليلية والمقاهي، يمجون من سجائرهم ونباريش نراجيلهم كالنحل! يتوزعون فوق المقاعد، حتى بات الأزواج والعشاق يلتصقون ببعضهم البعض، وإلى جانب كل منهم نرجيلة خاصة به، يرفض تقاسمها مع الشريك. وتنسحب الحال ذاتها على شلل الشباب والشابات، إذ تصطف إلى جوانبهم النراجيل كأنها أكواب من العصير الطازج! فتلفت الدراسة الصادرة في نيسان العام الماضي عن «مجموعة البحث للحد من التدخين» في «الجامعة الأميركية في بيروت»، (التي اعتمدت على أرقام صادرة في العام 2008)، أن «ثلث البالغين في لبنان هم من المدخنين، بمعدل عام يصل إلى 34 في المئة من البالغين (فوق 18عاماً) وهي نسبة مرتفعة عالمياً». بالمقابل، تسجّل نسبة 65 في المئة من اللبنانيين كغير مدخنة، ومن حق هؤلاء أن يطبق قانون يحترم خيارهم. وتجدر الإشارة إلى إن نسبة 28 في المئة من الإناث البالغات هن من المدخنات، وهي أعلى نسبة في المنطقة، بالمقارنة مع مصر وسوريا والأردن! كما أن نسبة تفوق العشرة في المئة من الأطفال، بين سن 13 وسن 15 سنة، هي أيضاً من مدخني السجائر!
أما في ما يتعلق بتدخين النراجيل فإن الأرقام تشير إلى كارثة صحية، تجعل إقرار القانون أقل ما يمكن فعله للحد من مخاطر التدخين. إذ يصل عدد مدخني النراجيل في لبنان إلى نسبة 24 في المئة بين البالغين، وستين في المئة بين الأطفال بين سن 13 و15 سنة! بالإضافة إلى تلك الأرقام المأساوية، فإن لبنان يسجل أعلى نسبة استهلاك لعلب السجائر نسبة لعدد سكانه، إذ يستهلك الفرد المدخن 12 علبة سجائر كمعدل وسطي شهرياً.
«نريد قانوناً لطيفاً
يراعي القطاع»!
بطبيعة الحال، مع دخول القانون حيز التنفيذ، سيفضّل الكثير من المدخنين الالتزام بالبقاء في منازلهم لتدخين النرجيلة، بدلاً عن ارتياد المقاهي بلا «رفيقتهم» الدائمة. من هنا، لن يكون هؤلاء هم الوحيدون الذين سيبدون امتعاضهم من قانون يهدف إلى تحديد القواعد العامة التي ترعى حماية الأفراد من دخان التبغ وإلى احترام حق الإنسان بالتمتع بأعلى مستوى من الصحة، فإن أصحاب المقاهي والمطاعم بدورهم، يرفضون القانون، لاسيما أنه أقرّ بعد إضافة الهيئة العامة لتعديل هام: «يعاقب المستثمر والمسؤول عن الإدارة إذا سمح بالتدخين، ولا يعاقب إذا أبلغ الضابطة العدلية». وكان اقتراح القانون المعدّل قد قضى بمعاقبة المدخن فقط، وليس صاحب المكان المسؤول في الأماكن العامة إذا خالف قانون المنع.
من هنا، يعتبر أمين سر نقابة أصحاب المقاهي والمطاعم طوني الرامي أن «هذا القانون سيؤدي حتماً إلى تراجع حركة الاقبال من الزبائن بنسبة أربعين في المئة». ويعود الرامي ليشير إلى أن «عدد المؤسسات السياحية في لبنان، من مقاه ليلية ومقاهي ومطاعم لبنانية وحلويات، يصل إلى ستة آلاف مؤسسة، ونحو ألف وخمسمئة من هذه المؤسسات هي مقاهي ومطاعم لبنانية تقدم النرجيلة كمنتج أساسي و«تراثي» مثله مثل الحمص والتبولة. وبالتالي، نحن نؤثر سلباً على ألف وخمسمئة مؤسسة يبلغ المعدل الوسطي لاستثمار كل منها نصف مليون دولار. وبعملية حسابية بسيطة، نكون نتحدث عن «ضرب» للقطاع ولاستثمارات تصل إلى 750 مليون دولار!».
ويعود الرامي ليشير هنا إلى أن «النقابة لم تكن يوماً فوق القانون، إنما صرامة هذا القانون وطلب تنفيذ خلال مهلة قصيرة لا تتعدى السنة، سيؤدي إلى فوضى كبيرة وسيؤدي حتماً إلى تطييره.. إذ لن يعتاد المدخن بين ليلة وضحاها على عدم التدخين في المقاهي والمطاعم، ويحتاج المواطن إلى كثير من حملات التوعية في المدارس والجامعات والمؤسسات ليتقبل فكرة المنع هذه، وهو ما لم يحصل حتى اللحظة».
يحدد الرامي طلبات أصحاب المقاهي والمطاعم على النحو التالي: «أولاً، نحن نريد قانوناً «لطيفاً» يراعي القطاع، ويراعي الإيجارات المرتفعة التي لا تسمح بتوفير مساحات خارجية واسعة لتقديم النراجيل للزبائن والسماح لهم بتدخين السجائر. وبالإضافة إلى ذلك، طالبنا بترك مساحة داخلية محددة للتدخين داخل المطعم، تكون البديل عن المساحة الخارجية التي لا يمكن الاستفادة منها طوال أشهر ستة، وهي عبارة عن فصلي الشتاء والخريف». ويجزم الرامي أنه «طالما أن كل هذه الطلبات وغيرها رُفضت ويدخل القانون حيز التنفيذ خلال مدة قصيرة (وهي السنة الكاملة!)، فإنه لن يطبق، وبالتالي، فإن الكثير من أصحاب المطاعم لا يبحثون حتى اللحظة عن خطة بديلة لتوسيع مساحاتهم الخارجية، لأن بعضهم يؤمن بفشل تطبيقه، والبعض الآخر يتريث بانتظار أن يعرف كيف سيتم تطبيق القانون، وعلى من؟».
ترقّب أصحاب المطاعم:
هل يُنفّذ وكيف؟
تثبت جولة على المطاعم والمقاهي الليلية في بيروت وفي ضواحيها الجنوبية والشمالية، أن هناك توجهاً عاماً لانتظار ما ستؤول إليه الأمور، ويأمل كثيرون من أصحابها إعادة النظر في القانون أو على الأقل بمهلة السنة المعطاة لتنفيذه. ولا يخفي صاحب أحد المطاعم أنه في «لبنان، يوجد قانون لكل شيء، وبالمقابل، يوجد مخرج للهرب من كل قانون». وهي قناعةٌ تؤكدها مقابلات مع مدراء المطاعم الذين لا ينفكون يكررون الكلام عن «إجحاف القانون»، و«صرامته»، ولا يخفون تجاهلهم له، لا سيما أصحاب المقاهي الليلية الذين يعتبرون أن التدخين رفيق أساسي لمنتجاتهم الكحولية، وبالتالي، فإن القانون يضرب «صلب» مصالحهم. ويأمل بعض هؤلاء أن يعتاد الزبون على التدخين خارج المقهى الليلي لمدة قصيرة، ثم العودة لمتابعة جلسته، وهو الأمر الساري في كافة الدول الأوروبية.
المصلحة الخاصة.. والمصلحة العامة
يخاف معظم أصحاب المقاهي والمطاعم على استثماراتهم، ويتجاهلون المضاعفات الصحية للتدخين على الأفراد. إذ تلفت منسقة «مجموعة البحث للحد من التدخين» في «الجامعة الأميركية في بيروت» الدكتورة ريما نقاش إلى أنه «يموت أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمئة لبناني جراء التدخين سنوياً، وتتعدى كلفة علاج الأمراض الناتجة عن التدخين المباشر والتدخين السلبي الخمسين مليون دولار سنوياً! وبالتالي، هناك من يهتم بمصالحه الخاصة وأرباحه وأعماله فقط، من دون التفكير بالمصلحة العامة والكلفة الصحية على الدولة اللبنانية وعلى المواطن أيضاً، والتي من شأن هذا القانون العادل أن يخفضها». وتعود نقاش لتوضح أن «إقرار القانون يعني أن العمل الفعلي قد بدأ الآن، إذ يتوجب توعية الناس على فحوى القانون وعلى حقوقهم وواجباتهم في هذا الإطار، علماً أنه من الطبيعي أن يكون رد الفعل الأول هو الرفض المطلق للقانون، ونوع من التجاهل والإنكار له، وسبب ذلك هو الطريقة التي يفكر بها اللبناني بأنه دوماً يستطيع الالتفاف على القانون، واعتقاده المطلق بأن لا أداة رادعة تفرض تطبيقه، بالإضافة إلى الاستخفاف بحجم المضار الصحية الناتجة عن التدخين». من هنا، ترى نقاش ضرورة في الحرص على تطبيق القانون ومنع تجاهله مسؤولية مشتركة بين المجتمع المدني الذي من واجبه توعية الناس، بالإضافة إلى تفعيل دور الشرطة والالتزام بتطبيق العقوبات على المخالفين، وتنمية الرقابة الذاتية لدى كل مواطن، «وهذه الرقابة تؤثر بنسبة سبعين في المئة على تطبيق القانون».

منع التدخين يزيد الإقبال؟

لكن، هل من ظلم فعلي لأصحاب المطاعم والمقاهي؟ وهل تصيب المضاعفات الإقتصادية مصالحهم؟ تجيب نقاش أن «خوف هؤلاء من خسائر اقتصادية ليس مبرراً، إذ لا يُعتبر لبنان البلد الأول الذي أقر هكذا قانون، وقد سبقته إلى هذه الخطوة دول متقدمة وأخرى نامية، من أستراليا إلى الإمارات والأردن والدول الأوروبية والهند وتايلاند والمكسيك والبرازيل وغيرها، وأظهرت نتائج تطبيق هذه القانون عدم تسجيل تراجع في دخل المطاعم والمقاهي، بل وفي بعض الأحيان سجلت تقدما سببه إقبال متزايد من غير المدخنين!».
وتعود نقاش لتشير إلى أن «أصحاب المصالح وشركات التدخين تعمل بكل طاقتها وتمويلها لغسل أدمغة الشباب والمستهلكين عامة، عبر حملات تسويق ضخمة، وثم رفع دعاوى قضائية لمنع هذه القوانين، ما يؤدي إلى تأخير خفض نسب المدخنين بالشكل المفترض».
ما يؤكده أيضاً مدير «البرنامج الوطني للحد من التدخين» في وزارة الصحة الدكتور جورج سعادة، الذي يقول إن «قانون منع التدخين جاء عادلاً بالقدر الممكن للجميع، حتى أنه راعى أصحاب المصالح، إذ ندرك أن حتى السماح لأصحاب المقاهي بتقديم النراجيل في المساحات المفتوحة مضرّ للناس، لكننا أبقينا هذا الخيار متاح لأننا نعرف أنه لا يمكن تطبيق المثل كلها». ويشير سعادة إلى أن «تطبيق القانون بنسبة خمسين في المئة هو تقدم جيد للبنان، ونقدم هذا الرقم بالاعتماد على المثل البريطاني الذي أقر فيها القانون في العام 2004، وأظهر مسح أجري في العام 2011 أن نسبة تطبيق القانون وصلت إلى 82 في المئة. وبالتالي، إذا ما أخذنا بريطانيا كمثال، وهي دولة صارمة في تطبيق قوانينها، ندرك أن الالتزام في لبنان سيكون أقل، إلا أنه لا بد من تحقيق إيجابيات جمة، بينها أساساً أن يعيش الناس مع أحبائهم أصحاء ولمدة أطول، بدلاً من أن يموتوا بأمراض سرطانية».
ويوضح سعادة أن «البرنامج الوطني سيطلق دليل يوضح القانون ويحدد مسؤوليات وواجبات الكل، لاسيما أن القانون لا يشمل فقط الحد من التدخين في الأماكن المغلقة إنما وضع تشريعات لحماية الأفراد من الدخان ونظم صنع وتغليف ودعاية وبيع منتجات التبغ. كما سيتم إطلاق خط ساخن يستخدمه المواطنون للإبلاغ عن مخالفات للقانون».

مجتمع مدني يراقب ويساعد

يوضح المدير التنفيذي لمنظمة «إندي آكت» وائل حميدان أنه «سيتم التنسيق مع وزارة الصحة والجهات الضابطة الأخرى للاشراف على تطبيق القانون، بحيث ننزل بأنفسنا على الأرض ونراقب تطبيقه في الأماكن العامة، بالإضافة إلى إطلاق حملات توعية، لنذكر الناس بمنع التدخين في الأماكن العامة المغلقة، كالإدارات الرسمية والمكاتب والمراكز التابعة لها، بما في ذلك البلديات والموانئ والمحطات الجوية والبرية والبحرية وردهات الانتظار والمستشفيات والمستوصفات والصيدليات ودور السينما والمسارح ووسائل النقل العامة والمدارس والجامعات والمصاعد والمطاعم والملاهي ومراكز التسويق التجاري وأماكن العمل والأماكن العمومية الأخرى».
وفي وقت لاحق، ستطلق المنظمة «برنامجاً يساعد المواطن على أن يكون رقيبا ذاتياً ويخبر عن مخالفة القانون، بالإضافة إلى إطلاق حملة في الأشهر الثلاثة الأولى من تطبيق القانون على المقاهي والمطاعم (بعد سنة من صدور القانون في الجريدة الرسمية)، بحيث نوعي الناس بالتعاون مع أصحاب المؤسسات السياحية والموظفين فيها».
حملات مناصرة
وأخرى مضادة
في اللحظة التي أقرّ فيها القانون في مجلس النواب، اشتعلت الحملات المضادة وتلك المناصرة له عبر الشبكات الإجتماعية الإلكترونية، لا سيما في الصفحة المناصرة للقانون على موقع «فايسبوك» والتي تضم أكثر من 16 ألف مشارك. كما علا صوت النقاش في الشارع والمقاهي والمطاعم، وتعكس أراء بعض من المشاركين في الحملات «استخفافاً بتطبيق القانون على الطريقة اللبنانية التي تنجح في افشال تطبيق أي قانون إيجابي»، حسبما تقول سهى، مشيرة إلى أنه «مثلما نسي الجميع تطبيق قانون وضع حزام الأمان، وألغيت عشرات العقوبات في هذا الإطار، سنشهد «برطلة» (رشوة) غير مسبوقة من قبل أصحاب المقاهي الليلية والمطاعم».
وتعود سهى لتوضح أنه «يصعب على المدخنين أن يفهموا أن حريتهم تنتهي عندما تبدأ حريتي، ووفقاً لهذه القاعدة البسيطة، يمكن لكل مدخن أن يحبس نفسه في فقاعة بلاستيكية ضخمة، ويدخن داخلها كلما أراد التنقل بين الأماكن العامة أو الجلوس في المقاهي والمطاعم. هذا هو الشرط الوحيد لئلا يتعدى على حريتي، أو ببساطة عليه أن يلتزم بالقانون».
ويشنّ جوزيف، وهو محام وأب لشاب عشريني، هجوماً على المعترضين على تطبيق القانون بالقول: «أنكون نطلب الكثير من المواطن الآخر ألا يقتلنا ببطء. هناك وقاحة واستفزاز في النقاش (مجرد النقاش) في عدم تطبيق قانون هدفه الأساسي صحتنا وصحة أطفالنا. لا يمكن أن نكون في هذا القرن، ونعيش مع أفراد آخرين يردون على القانون وعلى النظام بجمل من مستوى «هلق وقفت على التدخين» أو «يوقفوا هدر وفساد وسرقة وانفجارات وبعدين يحاسبونا على التدخين»، و«هذا نقاش أفلاطوني غير منطقي». في واقع الأمر، هذا ليس بنقاش، هذا كلام هجين، غير متناسق، ويربط أفكار من هنا وهناك ليخترع حجج باطلة ليكمل فوضاه و«حريته» الشخصية الأنانية».
بدورها، تعترض لمياء، وهي أم لثلاثة أطفال، على اعتبار أن المدخن لا يحترم الآخر، «بل إن غير المدخن لا يتفهم هموم المواطن الذي يعيش في لبنان، وبالتالي حاجته للتنفيس عن مشاكله عبر سيجارة!». يبدو تبريرها بالنسبة إلى مروة كنوع من «الإهانة لذكائنا ولإدراكنا لحقوقنا، إذ كيف نقبل أن يقرر الآخر عنا، ويجعلنا نعيش تحت قاعدته المجنونة «نفخ عليها تنجلي»؟ من قال إنني أريد لهمومي أن تنجلي عبر دخان الآخرين؟ ومن قال إني بلا مشاكل وإلا فعليّ الجلوس في مقهى وتدخين سيجارة؟!.. هذا جنون لبناني بحت!». وتعود مروة لتجزم بأنه «لا شك أن تطبيق هذا القانون لن يكون حلاً لأزمات الكون ولا أزمات لبنان، ولن ينهي أزمات التلوث التي يتعرض لها الفرد، وستبقى مشكلة الهواء الملوث الانبعاثات والوقود المحترق وغيرها، إنما على الأقل يوقف انتهاك حرية الآخرين، الراغبين بأن يحافظوا على حد أدنى من صحتهم، ويحق لهم ألا يختنقوا بخيارات الآخر».



17.8.11

إقرار قانون الحد من التدخين

أقر مجلس النواب اللبناني اليوم مشروع قانون "للحد من التدخين وتنظيم صنع وتغليف ودعاية منتجات التبغ" في لبنان. الآن و بعد اقرار القانون تأتي الخطوة الأهم و هي تطبيق و تنفيذ القانون بكل بنوده. من هنا يأتي دور الساهرين على حماية و تطبيق القانون من اشخاص الضابطة العدلية و مراقبوا وزارة الصحة العامة و مديرية حماية المستهلك في وزارة الإقتصاد و التجارة في مراقبة تطبيق احكام القانون. (مجموعة البحث للحد من التدخين، في الجامعة الأميركية في بيروت)

مدرسة الشابة سارة لتصميم الأزياء: مجانية.. وهدفها كسر الحواجز: مزاد علني لبيع أعمال خمس فتيات بين 16 و22 سنة بينهن لاجئات






نُشر في جريدة السفير


17-8-2011


جهينة خالدية




كان شهران في كمبوديا والتيبت كفيلين بتغيير رؤية سارة هرمز للحياة. وها هي الشابة التي لم تتجاوز الخامسة والعشرين من العمر، تترك حياتها في نيويورك، حاملةً شهادتها في مجال «تصميم الأزياء والإعلام» من «جامعة بارسون»، إلى بيروت، لتفتح فيها مدرسة مجانية لتعليم تصميم الأزياء. وهي تنظّم اليوم عرض الأزياء الأول لتصاميم تلامذتها، ومن المقرر أن تباع الأثواب التي صمموها في مزاد علني يعود ريعه للمشروع وللتلامذة.
وتشرح سارة أن مشروعها يهدف إلى «المساهمة في كسر الحواجز بين الجميع، وبين الهويات والانتماءات المختلفة، لهذا، عمدت إلى اختيار الفتيات الخمس (اللواتي تتراوح أعمارهن بين 16 و22 سنة)، من مخيمات مختلفة للاجئين الفلسطنيين، بينها مخيما البرج وشاتيلا، كما اخترت فتاة من شرق صيدا، وأخرى من برج حمود، وحرصت على مقابلة أكثر من 25 فتاة بحثاً عن شابات جديّات، شغوفات، يحلمن بأن يصبحن مصمّمات أزياء، ولا تسمح لهن ظروفهن الاقتصادية بالدخول إلى مدارس خاصة لتحقيق الغاية، علماً أن تكلفتها مرتفعة جدا». وتعود سارة لتوضح أنها «قمت بهذه المبادرة بشكل فردي، لأن عدداً من جمعيات المجتمع المدني اشترط جمع عدد كبير من الفتيات لتدريسهن، ما لا يتوافق مع هدف المشروع، وهو اعطاء المشاركات الوقت والمساحة ليتفاعلن بكل الأشكال وينفتحن على المختلف عنهن.. ولم يكن مشروعاً يقتصر على خياطة الفساتين فقط».
رغبة الفرد بإحداث تغيير
«مشروعي ليس مشروعاً تجارياً، بل هو مشروع إنساني تثقيفي وإبداعي في الوقت عينه، أنقل فيه ما تعملته، كما أحقق رؤيتي في العيش ومساعدة الآخرين. أحقق ما تعلمته في كمبوديا والتيبت، حيث يشعر الفرد برغبة في التغيير، ومدّ يد العون إلى من يحتاج اليها». وتشرح: «ضمن دراستي للإعلام والثقافات، زرت البلدين الآسيويين في إطار ورشة تدريبية. بعد الزيارة، لم أعد أجد نفسي في حياة مدينية أمارس فيها مهنتي في أحد دور الأزياء، وأخضع لشروط عمل حازمة ضمن نمط حياة مختلف تماماً عمّا بت أريده لنفسي». ولتحديد ما تريده الفتاة، طرحت على نفسها سؤالين أساسين: «كيف أقدم المساعدة؟ وكيف أضع خبرتي بين يدي الآخرين؟». فأتاها الجواب من معلمتها، كارولين شلالا سيمنالي: «أسّسي مدرسة».
وهكذا، بعدما عادت سارة إلى بيروت منذ أشهر قليلة، وخاضت تجربة مؤسسات المجتمع المدني، حوّلت فكرتها إلى نص مشروع مكتوب، عرضته على عدد من المهتمين، ونالت التمويل من جهات فردية، لتفتتح به محترفاً صغيراً في منطقة مارمخايل - الصيفي.
اليوم، تنصرف سارة خلال خمسة أيام متتالية في الأسبوع، وعلى مدى أكثر من سبع ساعات، لتدريب الفتيات الخمسة، ويحلمن بأن يصبحن مصممات أزياء. وهنا، إلى جانب سارة، تجلس مدرّستها السبعينية الأميركية - اللبنانية الأصل، كارولين شلالا سيمنالي، التي لم تزر لبنان سابقاً في حياتها، لتساعدها في تدريس الفتيات.
الفتيات..
وتصاميمهن الحرة المحترفة
لن يصدق زائر محترف زينة هرمز أنه يمكن لفتيات، خلال أشهر قليلة من الوقت، أن يبتكرن تلك التصاميم البسيطة والمميزة في آن، والمتحررة من السياق العام السائد في مجال الموضة، هنا وفي العالم. فما خاطته الفتيات المتدربات، يتسم بالاحتراف، والإبداع، آخذاً بعين الاعتبار الأذواق العامة، بحيث لا يتردد الناس في ارتدائه. وياتي ذلك، بحسب شلالا، لأن «المحترف عمد إلى تدريس نمط مختلف للشابات، وهو يعتمد بالدرجة الأولى على إطلاق العنان لآرائهن ومنحن الحرية في الابتكار، من دون أي تقيد بمدارس عالمية في تصميم الأزياء. وإلى ذلك، درسناهن التقنيات الأساسية التي تساعدهن في تنفيذ رؤاهن في المجال».
الحرية هذه، بحسب سارة، «منحت الفتيات ثقة مطلقة بالنفس، بحيث كنت أراهن يقبلن على تنفيذ تصميمهن مباشرة على القماش، باندفاع وتصميم غريبين. حتى إني قارنت نفسي بهن، عندما كنت أدرس في جامعة بارسون، وكنت لفرط القوانين الحازمة، أشعر بالخوف ما أن أحمل المقصّ لأقص القماش، وفق التصميم المرسوم على الورق». فتقول إيمان الأسود، ابنة التسعة عشر عاماً، انها تشعر «بقدرة كبيرة على الخلق في تصميمها، وأحسّ بالتحدي، إذ أن الفستان الذي أنفـــذه مباشرة لا يمكن إعادة تكراره ولا حــفظ خطوات خياطته.. ما يجعله فريداً بحق».
تعيش إيمان في مخيم برج البراجنة، ولم تتمكن من دراسة تصميم الأزياء في مدرسة راقية أو دار خياط محترف، نظراً لوضع العائلة الاقتصادي، فسعت لدراسة تصميم الأزياء في أحد المعاهد، «ولكني لم أكتسب المهارات التي اكتسبتها من هذه الورشة المميزة». ما تعتبره كارمن هافتيان «مهارات أساسية تمكننا من انجاز أعمال مبتكرة». وعن مجمل التجربة، تقول كارمن أن «الوجــــه الآخر لمدرســـة سارة، هو الوجه الأجمــل، الذي تعرفت فيه إلــــى صديقات فلسطينيات كنت أعـــرف الـــقليل عن عالمهن، إنما لا أعرف شيئاً عن ظـــروف عيشــــهن الصعبة، وما يواجهنه من صعوبات في العـــمل والسكن والتعليم».
ظروف العيش هذه، هي التي منعت نورهان عبد اللطيف ابنة الستة عشر عاماً، من التوجه إلى أي مدرسة أو معهد لتحقق حلمها في تصميم الأزياء. فتقول نورهان، التي تعيش في مخيم شاتيلا: «قبل أن يتم اختياري للمشاركة في هذا المحترف، ما كانت أصدق أني سأنجز قطعتي الأولى، وستعرض في مزاد أمام جمهور عام.. أشعر بأن الحلم بات حقيقة».


12.8.11

تفعيل الهيئة الوطنية لشؤون المعوقين: "إحياء ميت"






نُشر في جريدة السفير


12-8-2011
جهينة خالدية


أكثر من سبع ساعات من عرض المعنيين لمشاكل الأشخاص المعوقين في لبنان، تؤدي إلى نتيجة واحدة: معاناة هؤلاء الأشخاص الذين يشكلون أكثر من عشرة في المئة من السكان، كبيرة، ولا سياسة اجتماعية واضحة أو مقاربة حقوقية لدى الدولة اللبنانية، ممثلة بالوزارات والهيئات المعنية، لمعالجة قضــــاياهم. الخلاصة هذه، تأتي إبــــان النقاشات المفصلة التي أثــــيرت في «اللقاء الوطــني لتفعـــيل دور الهيئة الوطنية لشــؤون المعاقين» في المجلس الاقتصادي والاجتماعي صباح أمس.
وقد أوصى اللقاء «بربط الهيئة برئاسة الحكومة بحيث يعقد اجتماعين سنويين لتحديد أعمالها وأولوياتها بمشاركة مدراء عامين ووزراء ورئيس مجلس الوزراء، بالإضافة إلى المطالبة باجتماعات دورية مع المسؤولين بالوزارة لمتابعة ملفات الأشخاص المعوقين». كما أوصى اللقاء بتوسيع صلاحيات الهيئة لتصبح تقريرية إضافية إلى صلاحياتها الاستشارية، وطبعا رصد موازنة منفصلة لهذه الهيئة».
وكانت النقطة الأهم التي علت إلى السطح في مداخلات المشاركين، هي نعي الهيئة الوطنية لشؤون المعاقين التي تعتبر بالنسبة للمعنيين «ميتة وغير موجودة». أما من كان متساهلاً في نقده للهيئة فرأى أنها «أخذت الكثير من القرارات، إنما هناك تقصير في تفعيل دورها لأسبـــاب شخصية ومادية وسياسية، وهـــناك بعض الأعضاء فيها ينتســـبون إليها كـ«برستيج» فقط لا غـــير».
ويعتبر واحدا من أكبر التحديات التي تواجه قضايا الأشخاص المعوقين في لبنان تعدد الوزارات المعنية بملفاتهم وتشابك دورها، بين وزارات الشؤون الاجتماعية، الصحة، الداخلية، التربية، العمل وحتى وزارة الأشغال، وهو ما يحتاج إلى خطة واضحة من الحكومة اللبنانية وتكاتف لتحقيق خرق ما في هذا الاطار، ولتشارك الحمل مع المجتمع المدني الذي يحل مكان الدولة منذ عشرات السنوات.
ويلفت وزير الشؤون الاجتماعية إلى أن «مسألة الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وتصديق لبنان عليها، سبق أن طرحتها مع دولة رئيسي مجلس الوزراء والمجلس النيابي، وإذا حصل تأخير، فإنه لا يرتبط بموقف من قضية الإعاقة أو حقوق أصحاب الإعاقات. الأمر مرتبط بظروف سياسية حول مجموعة من الاقتراحات ومشاريع القوانين التي لا يزال هناك إشكال حولها، وبالتالي أخذ هذا الأمر بجريرة قضايا سياسية أخرى».
وعاد أبو فاعور ليلفت إلى أنه «يجب تصديق هذه الاتفاقية في مجلس النواب بشكل سريع جدا». وشدد على «تفعيل الهيئة الوطنية لشؤون المعوقين باعتبارها السلطة التقريرية التي يجب أن تتخذ القرارات الاستراتيجية الكبرى في كل قضايا الإعاقة في لبنان، ولأن مسألة وقضية بهذا الحجم لا تحتمل أن تترك في يد شخص واحد أيا كان هذا الشخص، ولأن وزير الشــــؤون الاجتماعية يأتي ويذهب، يجب أن يكون هناك إطار عام يتابع هذه القضية».
أضاف «أما في ما يتعلق بالقضايا التي تم تحقيقها في مجال حقوق الأشخاص المعوقين، فكل ما فعلناه أننا طبقنا القانون، علماً أن هناك تدنياً لصدقية الدولة تجاه أصحاب الإعاقات، لأنه لم يتم سابقا القيام بكثير من الإجراءات». وذكر أبو فاعور أن «التغطية الصحية الشاملة ستسير في الإطار الصحيح، ولكن الأمر يحتاج إلى رقابة من وزارة الشؤون الإجتماعية ووزارة الصحة والهيئة الوطنية والجمعيات والمؤسسات».
وأشار إلى أنه في «مراكز الشؤون الإجتماعية ومراكز إعطاء البطاقات دفق هائل لتجديد بطاقات الأشخاص المعوقين، لأن هناك اقتناعا بأنها مجرد ورقة اعتراف بوضع قائم من دون الاعتراف بحقوق يجب أن تتولاها الدولة».
بدوره، رأى رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي روجيه نسناس أنه «علينا إرساء عقد اجتماعي حديث يضمن التعافي الاقتصادي ويصون الأمان الاجتماعي، ولا بد من التطلع إلى كل القطاعات بعين علمية وموضوعية، ولا سيما الصناعة والزراعة واقتصاد المعرفة».
وفصل رئيس الجمعية الوطنية لحقوق المعوق في لبنان الدكتور نواف كبارة في الإنجازات التي تحققت منذ شهر، «ومنها البطاقة الصحية لذوي الإعاقة، وتوظيف 3 في المئة من أصحاب الإعاقة في القطاع العام، والسبب في ذلك وجود وزير يتحرك بقوة»، آملا أن «تقدم الحكومة بسرعة الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة إلى المجلس النيابي للموافقة عليها»، مؤكداً على وجود «خلل في تركيب الهيئة الوطنية لشؤون المعوقين». وهنا اعتبر رئيس اتحاد جمعيات المعوقين اللبنانيين إبراهيم العبد الله أنه «لا يجوز أن تبت قضايا الإعاقة في الوزارات من دون الرجوع إلى الهيئة الوطنية، لأن الهيئة هي المرجعية الوحيدة والحصرية لكــــل القـــضايا والمشاكل التي تتعلق بالمعــوقين».
ومن جهتها أملت المديرة العامة للمنظمة العربية للمعوقين جهدة أبو خليل: أن يكون التأخير في تصديق المجلس النيابي على إقرار الإتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة شكليا ولا يتعدى تخطي بعض المعطيات الدستورية والقانونية».
وعـــرضت الجلسة الاولى في لقاء الامس لـ«واقع الهيئة الوطنية لشؤون المعوقين»، ولفتت المديرة العامة السابقة لوزارة الشؤون نعمت كنعان إلى «خطوات كبيرة خطتها وزارة الشؤون الاجتماعية، وهناك انجازات عدة صنعتها الهيئة الوطنية، إنما يمكن تفعيلها بأعضائها وتركيبتها ودورها». وهو ما اكد عليه عضو الهيئة جورج كسانتو، معتبراً أن «بعضاً من قرارات الهيئة بقيت حبراً على ورق».


6.8.11

حريق هائل في «سوق البسطا للمفروشات والعتق»: خسائر بمئات آلاف الدولارات.. والنيران تأتي على نوستالجيا الماضي




















نُشر في جريدة السفير



السبت 6-8-2011



جهينة خالدية




لا شيء هنا، إلا الركام.
لم يعد لقطع الأثاث القديمة والعتق والأخشاب الإنكليزية والعثمانية المزخرفة، النادرة، المدهونة بـ«الكامالاكا» الأحمر والبني، إلا لون واحد: الأسود.. غطّاها بفعل الحريق الهائل الذي اندلع في سوق المفروشات والتحف في سوق البسطا التحتا، عند الخامسة وخمس وأربعين دقيقة من فجر أمس، من دون أن يتسبب بأي اصابات بشرية، ولم يحدد بعد سبب اندلاعه.
في تلك الساعة الباكرة من اليوم الرمضاني الطويل، توالت الاتصالات بأصحاب محال السوق، ليتلقوا خبراً أليماً: إن رزقكم يحترق. فهبّ أصحاب المحال التي يعود بعضها لآل حجازي ومرّة وعمّار والشامي واسماعيل وسعد وحيدر وغندور وغيرهم، ليتفقدوا حال محالهم، فلم يجدوا أمامهم إلا النيران في «السوق الذي يضم نحو سبعين متجراً، موزعة على أربع طبقات، وتشكل مجتمعة السوق المعروف رسميا باسم «سوق الروشة الشعبي»، من دون أن يتحدد في الساعات الأولى، عدد المحال المحترقة»، كما يلفت صاحب أحد المحال وليد مرّة.




سبع ساعات متواصلة
بعد أكثر من سبع ساعات من عمل فرق الدفاع المدني المتواصل، تم حصر الحريق ومنع تمدده على عدد من المحال، من دون أن يتم تحديد حجم الأضرار التي أتت عليها النيران، علماً أن العقيد صافي سلطاني الذي تولى إدارة عمليات الإنقاذ أكد أنه «لم تسجل أي إصابات بشرية، واقتصرت الأضرار على قطع المفروشات والتحف»، مشيرا إلى أن «اثنتي عشرة آلية وإطفائية بعناصرها المكتملة، تابعة للدفاع المدني، ساهمت في عملية إنقاذ السكان (أكثر من مئتي فرد، بينهم ثمانون طفلاً)، وعملت على إخماد الحريق، وأكثر من خمسين إطفائياً عملوا على «تقليب» القطع (بحيث يُحرص على إشباعها يدوياً بالماء والدواء) ثم تم تبريد المتاجر، لكي لا تشتعل مواد مثل «التينر» و«الكاز» وغيرهما من المواد الملتهبة». عملية التقليب والتبريد هذه انتهت بحسب العقيد سلطاني، «عند ساعات بعد الظهر، حيث تم اخماد الحريق كاملا، ولتنطلق أعمال تنظيف المتاجر من القطع المحترقة»، مشيراً إلى أن «النيران أتت على نسبة تسعين في المئة من قطع المتاجر في الطبقة الأولى من المبنى، وطالت بنسبة ضئيلة محتويات الطبقتين الثانية والأرضية، علماً أن المستودع تحت الأرض لم يصب بأي أضرار».
في المقابل، لفت الأهالي وشهود العيان إلى أن الإطفائيات التي تعمل منذ ساعات الصباح الأولى، افتقرت إلى بعض التقنيات المكتملة، مثل العدد الكافي من السلالم الآلية، وخزانات المياه الإضافية، بحيث يقول صاحب أحد المتاجر سامر اسماعيل إن «مسارب المياه القريبة وجدت فارغة، واضطروا لأن ينتظروا دعم خزانات المياه المنقولة». ولكن، أكد العقيد صافي سلطاني أن «قوى الدفاع المدني نجحت في إخماد الحريق من دون تسجيل أي اصابات بشرية، وهذا هو الهدف الأول»، نافياً أن «يكون هناك أي نقص في المياه». وعاد ليذكّر بأن «المشكلة الأساسية في لبنان التي تجعل أضرار هذه الحرائق كبيرة، هي افتقارنا إلى نظام الإنذار الأولي، الذي يساعد على حد من تمدد الحرائق من متجر إلى آخر، إذ يستغني المواطن عن أدوات أساسية ممكن أن تنقذ روحه ورزقه، فنجده يشتري السيارة بعشرات الآلاف من الدولارات ولا يدفع عشرة دولارات فقط ثمن طفاية، والأمر عينه يطبق على المتاجر والمعامل والمنازل».
قبل أن تتمكن عناصر الدفاع المدني من إخماد الحريق، عمدت بدايةً إلى إجلاء السكان عبر السلالم الإلكترونية المزودة بسلال تابعة لشركة «أوتو خالد» الخاصة. وتشير مها آغا التي تقطن في الطبقة الخامسة من المبنى الى أنه «بمجرد أن فتحت باب المنزل، صدمت بدخان كثيف متصاعد من الأسفل، فسارعت مع أمي وابني إلى سطح المبنى حيث انتظرنا هناك أكثر من ساعتين. بعدها، طلب منا عناصر الدفاع المدني أن ننزل إلى شرفات الطبقة السادسة من المبنى، لنُجلى بواسطة الرافعات الآلية من هناك».
بدوره، يشير أبو طارق الذي يقطن في المبنى منذ العام 1992 إلى أنه «بمجرد أن اندلعت النيران، هربنا إلى سطح المبنى، من دون أن يصاب أحد بأذى، في حين سُجلت بعض حالات ضيق التنفس تأثرا بالدخان الكثيف».
آلاف الدولارات.. والذكريات
تعتبر الأضرار الوحيدة التي سجلت هي تلك التي تطال المحال التجارية، ويقول بعض التجار إن مجموع رساميلها يصل إلى مئات آلاف الدولارات، علما أنه، بحسب صاحب ثلاثة محال في السوق محمد عمار: «لم يقم أي من أصحاب المحال بتأمين لممتلكاتهم، وقمت بنفسي بمحاولة التأمين على بضاعتي، ورفضت شركة التأمين طلبي». ويضيف عمار الذي يعتبر «ابن السوق» منذ 25 عاما، أن «ما أصاب سوق البسطا اليوم، لم يصبه في زمن الحرب!».
ويشير علي اسماعيل الذي يمتلك متجرا للأنتيك منذ 16 عاماً، الى أن «في الأزمات التي تحل علينا مثل هذا الحريق، لا نجد أي دعم معنوي من أي طرف مسؤول، هل يُعقل أن تتجاهل بلدية بيروت أو محافظها أو أي نائب أو وزير حريقاً بهذا الحجم؟».
بعض من هنا، يرثون أرزاقهم، ويرثون سوقا يعتبرونه تراثيا نادرا، يُذكّر بسوق النجارين أيام الاسواق البيروتية القديمة، أو سوق النجارين في منطقة السيوفي.
الكثير من البضائع الموجودة هنا في السوق، عالمية، وإذا كانت لا تستورد مباشرة من الخارج، فإن بعضها يأتي من البيوت اللبنانية القديمة، ويشرح أحد تجار السوق أنه «في السنوات الأولى لنشوء السوق، كان الكثير من المنادين والباعة الجوالة يجوبون شوارع في كل بيروت ولبنان وينادون على أصحاب البيوت لمن يريد بيع أو استبدال تحف وقطع قديمة يملكها، علماً أن بعض القطع عالمية الطراز ولبنانية الصنع».
يذكر أن سوق العتق والتحف في منطقة البسطا التحتا، هو سوقان مترابطان، يفصل بينهما الطريق، وأولهما «سوق العتق» الذي يضم القطع المصرية تحديداً، ويشغل الطبقة الأرضية من «مدرسة المستقبل» (مدرسة حوض الولاية للبنات)، وهو السوق الذي لم يصب بأي أذى ولم تطله النيران. أما السوق الثاني الضخم في مقابله فهو الذي يشغل الطبقات الأرضية الأربع من مبنى «سوق الروشة الشعبي»، الذي له واجهتان، واحدة لجهة البسطا، وأخرى تطل على أتوستراد سليم سلام. ويرتفع فوق هذا السوق مبنى سكني مؤلف من ثماني طبقات، تضم كل منها ست شقق، ويصل عدد القاطنين فيه إلى 250 فرداً.