6.8.11

حريق هائل في «سوق البسطا للمفروشات والعتق»: خسائر بمئات آلاف الدولارات.. والنيران تأتي على نوستالجيا الماضي




















نُشر في جريدة السفير



السبت 6-8-2011



جهينة خالدية




لا شيء هنا، إلا الركام.
لم يعد لقطع الأثاث القديمة والعتق والأخشاب الإنكليزية والعثمانية المزخرفة، النادرة، المدهونة بـ«الكامالاكا» الأحمر والبني، إلا لون واحد: الأسود.. غطّاها بفعل الحريق الهائل الذي اندلع في سوق المفروشات والتحف في سوق البسطا التحتا، عند الخامسة وخمس وأربعين دقيقة من فجر أمس، من دون أن يتسبب بأي اصابات بشرية، ولم يحدد بعد سبب اندلاعه.
في تلك الساعة الباكرة من اليوم الرمضاني الطويل، توالت الاتصالات بأصحاب محال السوق، ليتلقوا خبراً أليماً: إن رزقكم يحترق. فهبّ أصحاب المحال التي يعود بعضها لآل حجازي ومرّة وعمّار والشامي واسماعيل وسعد وحيدر وغندور وغيرهم، ليتفقدوا حال محالهم، فلم يجدوا أمامهم إلا النيران في «السوق الذي يضم نحو سبعين متجراً، موزعة على أربع طبقات، وتشكل مجتمعة السوق المعروف رسميا باسم «سوق الروشة الشعبي»، من دون أن يتحدد في الساعات الأولى، عدد المحال المحترقة»، كما يلفت صاحب أحد المحال وليد مرّة.




سبع ساعات متواصلة
بعد أكثر من سبع ساعات من عمل فرق الدفاع المدني المتواصل، تم حصر الحريق ومنع تمدده على عدد من المحال، من دون أن يتم تحديد حجم الأضرار التي أتت عليها النيران، علماً أن العقيد صافي سلطاني الذي تولى إدارة عمليات الإنقاذ أكد أنه «لم تسجل أي إصابات بشرية، واقتصرت الأضرار على قطع المفروشات والتحف»، مشيرا إلى أن «اثنتي عشرة آلية وإطفائية بعناصرها المكتملة، تابعة للدفاع المدني، ساهمت في عملية إنقاذ السكان (أكثر من مئتي فرد، بينهم ثمانون طفلاً)، وعملت على إخماد الحريق، وأكثر من خمسين إطفائياً عملوا على «تقليب» القطع (بحيث يُحرص على إشباعها يدوياً بالماء والدواء) ثم تم تبريد المتاجر، لكي لا تشتعل مواد مثل «التينر» و«الكاز» وغيرهما من المواد الملتهبة». عملية التقليب والتبريد هذه انتهت بحسب العقيد سلطاني، «عند ساعات بعد الظهر، حيث تم اخماد الحريق كاملا، ولتنطلق أعمال تنظيف المتاجر من القطع المحترقة»، مشيراً إلى أن «النيران أتت على نسبة تسعين في المئة من قطع المتاجر في الطبقة الأولى من المبنى، وطالت بنسبة ضئيلة محتويات الطبقتين الثانية والأرضية، علماً أن المستودع تحت الأرض لم يصب بأي أضرار».
في المقابل، لفت الأهالي وشهود العيان إلى أن الإطفائيات التي تعمل منذ ساعات الصباح الأولى، افتقرت إلى بعض التقنيات المكتملة، مثل العدد الكافي من السلالم الآلية، وخزانات المياه الإضافية، بحيث يقول صاحب أحد المتاجر سامر اسماعيل إن «مسارب المياه القريبة وجدت فارغة، واضطروا لأن ينتظروا دعم خزانات المياه المنقولة». ولكن، أكد العقيد صافي سلطاني أن «قوى الدفاع المدني نجحت في إخماد الحريق من دون تسجيل أي اصابات بشرية، وهذا هو الهدف الأول»، نافياً أن «يكون هناك أي نقص في المياه». وعاد ليذكّر بأن «المشكلة الأساسية في لبنان التي تجعل أضرار هذه الحرائق كبيرة، هي افتقارنا إلى نظام الإنذار الأولي، الذي يساعد على حد من تمدد الحرائق من متجر إلى آخر، إذ يستغني المواطن عن أدوات أساسية ممكن أن تنقذ روحه ورزقه، فنجده يشتري السيارة بعشرات الآلاف من الدولارات ولا يدفع عشرة دولارات فقط ثمن طفاية، والأمر عينه يطبق على المتاجر والمعامل والمنازل».
قبل أن تتمكن عناصر الدفاع المدني من إخماد الحريق، عمدت بدايةً إلى إجلاء السكان عبر السلالم الإلكترونية المزودة بسلال تابعة لشركة «أوتو خالد» الخاصة. وتشير مها آغا التي تقطن في الطبقة الخامسة من المبنى الى أنه «بمجرد أن فتحت باب المنزل، صدمت بدخان كثيف متصاعد من الأسفل، فسارعت مع أمي وابني إلى سطح المبنى حيث انتظرنا هناك أكثر من ساعتين. بعدها، طلب منا عناصر الدفاع المدني أن ننزل إلى شرفات الطبقة السادسة من المبنى، لنُجلى بواسطة الرافعات الآلية من هناك».
بدوره، يشير أبو طارق الذي يقطن في المبنى منذ العام 1992 إلى أنه «بمجرد أن اندلعت النيران، هربنا إلى سطح المبنى، من دون أن يصاب أحد بأذى، في حين سُجلت بعض حالات ضيق التنفس تأثرا بالدخان الكثيف».
آلاف الدولارات.. والذكريات
تعتبر الأضرار الوحيدة التي سجلت هي تلك التي تطال المحال التجارية، ويقول بعض التجار إن مجموع رساميلها يصل إلى مئات آلاف الدولارات، علما أنه، بحسب صاحب ثلاثة محال في السوق محمد عمار: «لم يقم أي من أصحاب المحال بتأمين لممتلكاتهم، وقمت بنفسي بمحاولة التأمين على بضاعتي، ورفضت شركة التأمين طلبي». ويضيف عمار الذي يعتبر «ابن السوق» منذ 25 عاما، أن «ما أصاب سوق البسطا اليوم، لم يصبه في زمن الحرب!».
ويشير علي اسماعيل الذي يمتلك متجرا للأنتيك منذ 16 عاماً، الى أن «في الأزمات التي تحل علينا مثل هذا الحريق، لا نجد أي دعم معنوي من أي طرف مسؤول، هل يُعقل أن تتجاهل بلدية بيروت أو محافظها أو أي نائب أو وزير حريقاً بهذا الحجم؟».
بعض من هنا، يرثون أرزاقهم، ويرثون سوقا يعتبرونه تراثيا نادرا، يُذكّر بسوق النجارين أيام الاسواق البيروتية القديمة، أو سوق النجارين في منطقة السيوفي.
الكثير من البضائع الموجودة هنا في السوق، عالمية، وإذا كانت لا تستورد مباشرة من الخارج، فإن بعضها يأتي من البيوت اللبنانية القديمة، ويشرح أحد تجار السوق أنه «في السنوات الأولى لنشوء السوق، كان الكثير من المنادين والباعة الجوالة يجوبون شوارع في كل بيروت ولبنان وينادون على أصحاب البيوت لمن يريد بيع أو استبدال تحف وقطع قديمة يملكها، علماً أن بعض القطع عالمية الطراز ولبنانية الصنع».
يذكر أن سوق العتق والتحف في منطقة البسطا التحتا، هو سوقان مترابطان، يفصل بينهما الطريق، وأولهما «سوق العتق» الذي يضم القطع المصرية تحديداً، ويشغل الطبقة الأرضية من «مدرسة المستقبل» (مدرسة حوض الولاية للبنات)، وهو السوق الذي لم يصب بأي أذى ولم تطله النيران. أما السوق الثاني الضخم في مقابله فهو الذي يشغل الطبقات الأرضية الأربع من مبنى «سوق الروشة الشعبي»، الذي له واجهتان، واحدة لجهة البسطا، وأخرى تطل على أتوستراد سليم سلام. ويرتفع فوق هذا السوق مبنى سكني مؤلف من ثماني طبقات، تضم كل منها ست شقق، ويصل عدد القاطنين فيه إلى 250 فرداً.

ليست هناك تعليقات: